المجالس الحسنة

 
 

الصفحه 316

وعن أمير المؤمنين(ع): (تختّموا بالعقيق يبارك اللَّهُ عليكم وتكونوا في أمنٍ من البلاء) (1).

وعن سليمان الأعمش قال: كنت مع أبي عبداللَّه جعفر بن محمّد(ع) على باب أبي جعفر المنصور فخرج من عنده رجلٌ مجلود بالسوط فقال لي الامام(ع): ياسليمان انظر ما فصّ خاتمه؟ فقلت يابن رسول اللَّه فصّه غير عقيق فقال: ياسليمان انه لو كان عقيقاً لما جُلِد بالسوط قلت: يابن رسول اللَّه زدني قال: هو أمانٌ من قطع اليد قلت: يابن رسول اللَّه زدني قال: هو أمانٌ من إراقة الدم - القتل - قلت: زدني قال: إنّ اللَّه يحبّ أن ترفع إليه في الدعاء يدٌ فيها فصٌّ عقيق قلت: زدني قال: العجب كلّ العجب من يدٍ فيها فصّ عقيق كيف تخلو من الدنانير والدراهم قلت: زدني قال: إنّه أمانٌ من كلّ بلاء قلت: زدني قال: إنّه أمانٌ من الفقر (2).

الرابعة: وهي تعفيرُ الجبين، والتعفيرُ في اللغة هو وضع الشي‏ء على العَفَرْ (3) وهو التراب، سواء كان في سجود الصلاة - حيث لابدّ من وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه والتراب أفضل - أو سجدة الشكر التي تكون بعد كل فريضةٍ أو نافلة قال السيد الحكيم في (الأحكام الفقهيّة):

يستحبّ سجدة الشكر بعد كلّ فريضة أو نافلة، وفي الخبر الصحيح عن الصادق(ع) أنه قال: (سجدة الشكر واجبة على كلّ مسلم تُتِمُّ بها

ــــــــــــــــــــ

(1) عدّة الدّاعي ص118.
(2) المصدر السابق.
(3) العَفْر والعَفَر مصدران: ظاهر التراب، المنجد.

الصفحه 317

 صلاتك وترضي بها ربّك وتَعجَبُ الملائكةُ منك). والأفضل سجدتان يفصل بينهما بتعفير الخدّين أو الجبينين أو الجميع مقدّماً الأيمن على الأيسر، ويجزي أن يقول فيها: (شكراً للَّه) ثلاث مرّات (1).

وأهل السنّة لم يلتزموا بالتعفير في الصلاة أو سجدة الشكر بعدها (2).

الخامسة: وهي زيارة الأربعين التي أرشد أئمة أهل البيت: شيعتهم ومواليهم إلى الحضور في مشهد الغريب المظلوم سيّد الشهداء(ع) لإقامة العزاء وتجديد العهد بذكرِ ما جرى عليه من القساوةِ التي لم يرتكبها أيُّ أحدٍ يحمل شيئاً من الإنسانية فضلاً عن الدين، والحضور عند قبر الامام الحسين(ع) يوم الأربعين من مقتله من أظهر علائم الإيمان.

والعجبُ كلّ العجب ممن يحاول صرف هذه العبارة الشريفة (وزيارة الأربعين) عن معناها - وهو زيارة الامام الحسين(ع) يوم الأربعين وهو العشرين من صفر - إلى زيارة أربعين مؤمناً مع عدم وجود إشارة تشير إليه، ولا قرينة تساعدُ عليه ليصحّ الإتيان بالألف واللام للعهد وذلك في كلمة (الأربعين) مع أنّ زيارة أربعين مؤمناً ممّا حثّ عليها الإسلام فهي من علائمه عند الشيعة والسنّة وليست هي من مختصات الشيعة ليمتازوا بها عن غيرهم، وأمّا زيارة الامام الحسين(ع) يوم الأربعين من قتله فهي من مختصات المؤمنين الموالين لأهل البيت:، وممّا يدعو إليها الإيمان الخالص، ويؤكدها الشوق الحسيني، ومعلوم عند الجميع أن الذين يحضرون

ــــــــــــــــــــ

(1) الأحكام الفقهية لمرجع الطائفة السيّد محمّد سعيد الحكيم (دام ظلّه) ص116.
(2) مقتل المقرّم ص480.

الصفحه 318

 في كربلاء لزيارة الأربعين هم خصوص شيعة الامام الحسين(ع) السائرين على أثره.

ولم يفهم العلماء الأعلام من السلف الصالح من هذا الحديث المبارك (وزيارة الأربعين) غير زيارة الامام الحسين(ع) بعد مضيّ أربعين يوماً على مقتله منهم: شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي في (التهذيب)، والعلامة الحلي في (المنتهى)، وابن طاووس في (الإقبال)، والعلامة المجلسي في (البحار)، والشّيخ يوسف البحراني في (الحدائق)، والشيخ عباس القمّي في (المفاتيح).

وقد نصّ الشيخ المفيد(ره) على استحباب زيارة الامام الحسين(ع) في العشرين من صفر في كتابه (مسار الشيعة)، والعلّامة الحلي(ره) في (التذكرة)، وملا محسن الفيض الكاشاني(ره) في (تقويم المحسنين) وغيرهم (1).

أقول: ما زال المؤمنون (بيض اللَّه وجوههم) يتجمعون حول قبر أبي‏عبداللَّه الحسين: في كلّ عام يوم الأربعين وهم يتزاحمون على استلام الضريح الشريف بكلّ شوق ولهفة:

يـتزاحمونَ على استلامِ iiمشاعِر      من دون روعتها الصفا iiوالمشعَرُ

ركبوا لها الأخطارَ حتى لو غدت      تُـبرى  الأكفّ أو الجماجمُ iiتُنثَرُ

وافـوكَ (يـومَ الأربعين) وليتهم      حضروكَ يوم الطفِّ إذ iiتستنصر

ــــــــــــــــــــ

(1) مقتل المقرّم ص480 - 482 بتصرّف.

الصفحه 319

وجدوا سبيلَكُمُ النجاةَ وإنّما      نصبوا لها جسرَ الولاءِ ليعبُروا (1)

وفي مثل هذا اليوم وصل الامام زين العابدين(ع) ومعه العائلة إلى كربلاء فوجدوا جابر بن عبداللَّه الأنصاري هناك قد ورد لزيارة قبر الامام الحسين(ع).

قال الأعمش بن عطية، خرجت مع جابر بن عبداللَّه الأنصاري زائراً قبر الحسين(ع)، فلمّا ورد كربلاء دنا من شاطئ الفرات فاغتسل ثمّ خرج وقد ائتزر بإزار وارتدى بآخر، ثمّ فتح صرّة فيها طيب فنثرها على بدنه ثمّ مشى إلى القبر الشريف حافياً، وكان لا يخطو خطوة إلاّ ذكر اللَّهَ تعالى فيها، حتى إذا دنا من القبر قال: المسنيه يابن عطيه قال: فألمستُهُ القبر فخرَّ على القبر مغشياً عليه، فرششتُ عليه الماء فلمّا أفاق صاح: ياحسين ياحسين حتى قالها ثلاثاً ثمّ قال: حبيبٌ لا يجيبُ حبيبَه ثمّ قال: وأنى لك بالجواب وقد شخبت أوداجُكَ على أثباجك (2) وفُرّقَ بين رأسِكَ وبدنك. أشهدُ أنك ابنُ سيّدِ النبيين، وابنُ سيّدِ الوصيين، وابنُ حليفِ التقى وسليلِ الهدى، وخامسُ أصحابِ الكسا، وابن فاطمة الزهراء سيّدة النساء، وكيف لا تكون كذلك، وقد غذّتك كفُّ سيّدِ المرسلين، وربّيتَ في حجور المتّقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفُطمت بالإسلام، فَطِبتَ حيّاً وطبت ميّتاً، غيرَ أن قلوبَ المؤمنين غيرُ طيّبةٍ لفراقكَ، ولا شاكّةٍ في حياتكَ فعليك سلامُ اللَّهِ ورضوانه، وأشهد أنك قد مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا

ــــــــــــــــــــ

(1) من قصيدة للعلامة الشيخ عبد المهدى مطر النجفي.
(2) الثبج: ما بين الكاهل إلى الظهر - الحاشية - .

الصفحه 320

ثمّ أجال ببصره نحو قبور الشهداء وقال: السلامُ عليكم أيتها الأرواحُ التي حلّت بفناء قبر الحسين(ع) وأناخت برحله، أشهدُ أنكم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وجاهدتم الملحسدين وعبدتم اللَّه حتى أتاكم اليقين.

قال ابن عطية: رأيت سواداً قد أقبل فقلت لجابر اني أرى سواداً عظيماً مقبلاً علينا من ناحية الشام فالتفت جابر إلى غلامِهِ وقال له: انطلق وانظر ما هذا السواد، فإن كانوا من أصحاب عبيداللَّه بن زياد ارجع إلينا حتى نلتجئ إلى مكان، وإن كان هذا سيدي ومولاي زينَ العابدين فأنت حرٌّ لوجه اللَّه، فانطلق الغلام فما كان بأسرع من أن عاد وهو يلطم وجهَهُ وينادي: قم ياجابر واستقبل حُرَمَ اللَّه وحُرَمَ رسولِهِ فهذا سيدي ومولاي عليّ بن الحسين قد أقبل بعمّاتِهِ وأخواته ليجدّدوا العهدَ بزيارةِ الحسين(ع)، فقام جابر ومن معَهُ واستقبلوهم بالبكاء والعويل الذي يكاد الصخر أن يتصدّع منه، فلمّا وقع بصر الامام على جابر قال له: أنت جابر بن عبداللَّه الأنصاري قال نعم سيدي أنا جابر قال: ياجابر هاهنا ذُبحت أطفالُنا (1)، ياجابر هاهنا أُحرقت خيامُنا ياجابر هاهُنا قُتلت رجالُنا، هاهنا سُبيت نساؤُنا:

 

يـجابر  شگلك ما لي لسان      على وجوههن فرّن النسوان
وبـثيابهن  تـلهب iiالنيران      لـبـالهن بـالهيمة ولـيان
لگنهم  ضحايا على iiالتربان

ــــــــــــــــــــ

(1) ثمرات الأعواد للمرحوم السيد علي الهاشمي1 ج2 ص55 - 57.

الصفحه 321

يـجابر أيست وانگطع iiظنّي      وصـار الـبكه والنوح iiفنّي
راح حـسين والـعباس منّي      وقاسم راح مني وعلي الأكبر

هذا ما كان من جابر مع الامام زين العابدين، ولكن ما حال العقيلة زينب(ع) يقولون عندما رأت القبور رمت بنفسها من على ظهر الدابة وأقبلت ناعية باكية:

يانازلينَ  بكربلاء هل iiعندكم      خـبرٌ  بـقتْلانا وما iiأعلامُها

ما حالُ جثّةِ ميّتٍ في أرضِكُم      بـقيت  ثلاثاً لا يُزارُ iiمقامُها

باللَّهِ  هل دُفنت جنازتُهُ iiوهل      صـلّى صلاةَ الميّتينَ iiإمامُها

ورمت بنفسها على القبر ولسان الحال:

كـنت غـايبه والآن iiإجـيتك      أربـعـين لـيـله iiفـارگيتك
وسـفه  بـاللحد خويه iiلگيتك
يـحسين لـو بيدي الأمر iiكان      بنيت اعله گبرك بيت الأحزان
اويـلاه يخويه المات iiعطشان      ولـعبت  عـليه الخيل iiميدان
يـخـويه  وجـوهكم iiنـزهه      مـــــن الــشــام
(1)
أشــم گبـوركـم مـا iiمـل      مـــــن  iiالـــشــام
يـخـويه  احـكيلكم iiحـزني      مـــــن  iiالـــشــام
حـزن  مـثله أبد ما مرّ iiعليه

ــــــــــــــــــــ

(1) من الشام هنا بمعنى نزهة من الشؤم.

الصفحه 322

سمعت بعض الرّاثين وهو يتصوّر الحسين(ع) وقد دار عينيه يتفقّد العيال والأطفال فلم تقع عينه على ابنته رقية فأخذ يسأل العقيلة بلسان الحال:

سـمعت صـوت يـنشده iiيخيّه      ويـن  عـزيزتي وبـنتي iiرقيه

صاحت والدمع يجري امن العين      مـاتت يـاعزيز الروح iiيحسين

مـن شـافتك محزوز iiالوريدين      بـالـشام ودفـنـاها iiبـعـزيه

يقولون دارت العقيلة زينب(ع) على جميع القبور التي عند قبر الحسين(ع) ثمّ قامت وهي تنظر يميناً وشمالاً فقال لها الإمام زين العابدين(ع): عمه زينب أنا أعلم عمّ تبحثين قالت خذ بيدي إلي قبر ابن والدي أبي الفضل، فجاء بها ورمت بنفسها على القبر الشريف:

شگولـن لـليناشدني مـن iiالناس      اخـوك حـسين وينه اوين iiعباس

اگول  حـسين ظل جثه بلا iiراس      وعـباس  الـبطل گطـعوا iiيمينه

أخـي  انّ في قلبي أسىً لا iiأُطيقُهُ      وقـد ضاقَ منّي في تحمّله iiالصّدرُ

أخي إن سرى جسمي فقلبي بكربلا      مـقيمٌ  إلى أن ينقضي منيَ iiالعمر

لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الصفحه 323

الثامن والعشرون من صفر                                                                                                           المجلس السادس

شهادة النبيِّ الأكرم محمّد(ص)

وأحـسّت جزيرةُ العُربِ أنّ الii      iiبـدرَ يمشي في جوّها مشلولا
شـاحـبَ الـلونِ كالعليلِ براهُii      iiالـداءُ  بَـريـاً فـردّهُ مهزولا
رجّـةٌ هـزّت الحجازَ ومادَ الii      ii-قُـطـرُ منها شوامخاً وسهولا
كـلُّ  حـيٍّ سوى المهيمنِ فانٍii       سـنّـةُ الـلَّـهِ لن ترى تبديلا
مـاتَ مـا بـين فاطمٍ وعليٍّ ii      iiيـالَـقـطـبينِ يشهدانِ الأفولا
يـادمـوعـاً  من الدّماءِ تلظتii      ii وتـهامت  على الخدودِ شعيلا
يـابـكـاءَ الـحـبـيبةِ أبكىii      ii كـلَّ  عـينٍ دماً ودمعاً طليلا
فـأمـيرُ الأحياءِ يغسلُ  iiخـيرَ      iiالـناسِ حيّاً وخيرَ مَيْتٍ غسيلا
وحـثَـتْ فـاطمُ الترابَ وداعاًii      ii وأكَـبّـت  على الثرى تقبيلا
كـان يَـبْـساً فأمطرتهُ من الii      أجفانِ  دمعاً فعادَ رطباً بليلا
 (1)

ــــــــــــــــــــ

(1) ملحمةُ عيد الغدير / للشاعر اللبناني المسيحي بولس سلامة ص133 - 134.
وُلد في قرية (تبدين اللقش) لأبٍ ريفي وذلك سنة 1902م، والتحق بمدارس القرية لتلقّي مبادئ العربية، ثمّ واصل دراسته بمعاهد الإرساليات في صيدا وبيروت وجونية ليتخرّج عام 1(ص)50م من مدرسة الحقوق الفرنسية بشهادة (الليسانس).
وقد كانت المطالعة المنهلَ الآخر لثقافته، فقد تميّز بثقافةٍ متنوّعة تتعدّى السّير الشعبية إلى الدين والأدب والتأريخ والفلسفة، فانعكس كلّ ذلك بقوّةٍ على نتاجه الشعري.
اشتهر بملاحمِهِ منها: ملحمةُ عيد الرّياض، وملحمةُ عيد الغدير، وفي مقدمة ملحمة عيد الغدير يقول: قد يقول القائل، ولِمَ آثرتَ عليّاً دون سواه من أصحاب محمّد(ص) بهذه

الصفحه 324

لبو ابراهيم من وافه المحتم       عليه الكون كلّه انرجن واظلم

*  *  *

أبو ابراهيم لمن فارگ الروح      عليه عجّت املاك السبع بالنوح

بكه عليه العرش والقلم واللوح     وما ظل گلب ما ذاب اوتولّم

*  *  *

ــــــــــــــــــــ

الملحمة؟ ولا أُجيب على هذا السؤال إلاّ بكلمات فالملحمةُ كلُّها جوابٌ عليه، وسترى في سياقها بعض عظمة هذا الرّجل الذي يذكره المسلمون فيقولون: (رضي اللَّه عنه، وكرّم وجهه، وعليه السلام) ويذكره النصارى في مجالسهم فيتمثّلون بحكمه ويخشعون لتقواه، ويتمثّل به الزهّادُ في الصوامع فيزدادون زهداً وقنوتاً، وينظر إليه المفكّر فيستضي‏ء بهذا القطب الوضاء، ويتطّلع إليه الكاتب الألمعي فيأتمُّ ببيانهِ، ويعتمده الفقيه فيسترشد بأحكامه، وأما الخطيب فحسبه أن يقف على السفح ويرفع الرأس إلى هذا الطود لتنهلّ عليه الآيات من عَلو، وينطلق لسانه بالكلام العربي المبين.
بقي لك بعد هذا أن تحسبني شيعيّاً، فإذا كان التشيّعُ تنقصّاً لأشخاص، أو بغضاً لفئات، أو تهوّراً في المزالق الخطرة فلستُ كذلك، أما إذا كان التشيّعُ حُبّاً لعليٍّ وأهل بيته المطيّبين الأكرمين، وثورة على الظلم وتوجعاً لما حلّ بالحسين وما نزل بأولادِهِ من النكبات في مطاوي التأريخ فإني شيعي.
ومن شعره في (ملحمة الغدير):
هاتِ ياشعرُ من عيونك iiواهتف      بـاسم  من أشبعَ السباسبَ iiرَيّا
بـاسمِ زيـنِ العصورِ بعد نبيٍّ      نـوّرَ الـشَّرْقَ كـوكباً هاشميا
باسمِ ليثِ الحجازِ نسر iiالبوادي      خيرِ من هزّ في الوغى سمهريّا
خـير  من جلّلَ الميادينَ iiغاراً      وانـطوى  زاهـداً ومات iiأبيّا
كـان ربَّ الـكلام من بعد iiطه      وأخـاه  وصـهرَهُ iiوالـوصيّا
بـطلُ السيفِ والتقى iiوالسجايا      مـا رأت مـثلَهُ الـرّماحُ iiكميّا
ياسماءُ  اشهدي ويا أرضُ قرّي      واخـشعي  انـني أردتُ iiعليّا
توفي سنة 1979م.

الصفحه 325

تـصيح  ام الـحسين بدمع iiجاري      يـبويه اظـلم على افراگك iiنهاري
يـبو ابـراهيم يـارحمة الـباري      عگب عيناك ريت الكون يعدم (1)

*  *  *

قال اللَّه تبارك وتعالى في القرآن الكريم: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (2).

قال شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي(ره) في تفسيره (التبيان) في ذيل هذه الآية الكريمة: هذا خطابٌ من اللَّه تعالى للمكلفين (فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) أي اقتداءٌ حسن في جميع ما يقوله ويفعلُهُ متى فعلتم مثله كان ذلك حسناً، والمراد بذلك الحثّ على الجهاد والصبر عليه في حروبه، والتسلية لهم في ما ينالهم من المصائب فإنّ النبيَّ(ص) شُجّ رأسُه وكسرت رَباعيتُه (3) في يوم أحد وقتل عمُّه حمزة، فالتأسي بهِ في الصّبر على جميع ذلك من الأسوة الحسنة، وذلك يدلّ على أنّ الإقتداء بجميع أفعال النبيّ(ص) حسنٌ جائز إلاّ ما قام الدليلُ على خلافه، ولا يدلّ على وجوب الإقتداء به وإنّما يعلم ذلك بدليلٍ آخر، فالأسوةُ حال لصاحبها يقتدي بها غيرُهُ في ما يقول به، فالأسوة تكون في إنسان أسوةٌ لغيره، فمن تأسى بالحسن ففعلُهُ حسن (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ) فالرّجاء توقّع الخير، فرجاءُ اللَّه توقّع الخيرِ من قِبَلِهِ (4).

ــــــــــــــــــــ

(1) منهل الشرع للمرحوم السيّد عبدالحسين الشرع ص3.
(2) سورة الأحزاب / 21.
(3) الرَّباعِية: هي السن بين الثَّنية والناب. المنجد
(4) التبيان في تفسير القرآن ج8 ص328.

الصفحه 326

كان رسول اللَّه(ص) أحلمَ الناس، وأشجع الناس، وأعدلَ الناس، وأعفّ الناس لم تمس يدُهُ يدَ امرأةٍ قط لا يملك رقّها أو عصمة نكاحِها أو لاتكون ذاتَ رحمٍ مَحْرَمٍ عليه، وكان أسخى الناس لا يبيت عنده دينار ولادرهم، وان فَضُل ولم يجد مَن يعطيه فجاءه الليل لم يأوِ إلى منزلِهِ حتى يبرأ منه - يوصله - إلى من يحتاجُ إليه.

وكان(ص) يخصفُ النعلَ ويرقّعُ الثوب ويخدم مصالحَ أهلِهِ ويقطعُ اللحمَ معهنَّ، ويقبل الهدية ولو كانت جرعةَ لبن ويكافئ عليها، ويغضب لربّه ولا يغضب لنفسِهِ، وكان يعود المرضى، ويَشهدُ الجنائز، ويمشي بين أعدائه وحده من غير حارس كان أشدَّ الناسِ تواضعاً، وأسكنهم (1) في غير كبر، وأبلغهم من غير تطويل، وأحسنهم بِشراً.

وكان يعصبُ الحجرَ على بطنه من الجوع، ولم يشبع من خبز بُرٍّ ثلاثة أيام متوالية حتى لقيَ اللَّه تعالى إيثاراً على نفسِهِ لا فقراً ولا بخلاً، وكان يأكلُ ما حضَرَ ولا يردّ ما وجد.

وكان(ص) يركب ما أمكَنَه مرّةً فرساً ومرّة بعيراً ومرّةً بغلة ومرّة حماراً ومرّة يمشي راجلاً ليعود المرضى في أقصى المدينة، كان يحبّ الطِيب ويكره الروائح الكريهة.

وكان(ص) يجالس الفقراء، ويواكل المساكين، ويكرمُ أهلَ الفضل في أخلاقهم، ويتألّفُ (2) أهلَ الشرفِ بالبرّ لهم، ويصلُ ذوي رحمِهِ من غير أن

ــــــــــــــــــــ

(1) السكينة: الوقار والطمأنينة والمهابة. المنجد
(2) تألّف: تكلّف الألفة والمداراة.

الصفحه 327

يؤثرهم على من هو أفضلُ منهم، ولا يجفو أحداً، ويقبل معذرةَ المعتذرِ إليه، ولا يجزي بالسيّئةِ السيّئة ولكن يعفو ويصفح.

وكان(ص) يمزح ولا يقول إلاّ حقّاً، ويضحك من غير قهقهة، وما لعنَ امرأةً ولا خادماً، وما كان يقوم ولا يجلس إلاّ على ذكر اللَّه تبارك وتعالى، ولم يكن يعرف مجلسُهُ من مجلسِ أصحابه لأنه حيث ما انتهى به المجلس جلس فيه (وكان الأعرابي إذا دخل المسجد لا يميّز النبيّ(ص) حتى يسأل من منكم محمّد(ص)) وكان أكثر ما يجلس مستقبلَ القبلة، وكان يكرمُ مَن يدخل عليه حتى ربّما بسط ثوبَهُ لمن ليست بينه وبينه قرابة، وكان يؤثرُ الداخلَ عليه بالوسادة التي تكون تحته فإن أبى الضيف أن يقبلها عزم عليه حتى يقبل.

وعن أمير المؤمنين(ع) قال: لقد رأيتني يوم بدر ونحنُ نلوذُ بالنبيِّ(ص) وهو أقربنا إلى العدوِّ، وكان من أشدّ الناس يومئذٍ بأساً.

وعنه(ع) قال: كنّا إذا حميَ البأسُ ولقي القومُ العدوَّ اتقينا برسولِ اللَّه(ص) فما يكونُ أحدٌ أقربَ إلى العدوِّ منه.

وجاء النبيّ(ص) رجلٌ من الأعراب فلما نظر إليه ارتعد لهيبته فقال له النبيّ(ص) هوِّن عليك فلست بمَلَك، إنما أنا ابنُ امرأة من قريش كانت تأكلُ القديد (1).

وكان(ص) إذا جلس مع الناس إن تحدثوا في معنى الآخرة أخذَ معهم، وإن تحدّثوا في طعامٍ أو شرابٍ تحدّث معهم، وإن تكلموا في الدنيا

ــــــــــــــــــــ

(1) القديد: هو اللحم المقطّع المجفّف.

الصفحه 328

تحدّث معهم رفقاً بهم وتواضعاً لهم صلوات اللَّه عليه وعلى أهل بيته الطاهرين (1).

قال حسان بن ثابت فيه عليه وآله الصلاة والسلام:

وأجملَ منك لم ترَ قطّ عينٌ      وأحسنَ منك‏لم تلدِ النساءُ

خلقت مبرّءاً من كلِّ عيبٍ      كأنك قد خُلقت كما تشاءُ

ومن معاجزه(ص) ما في (إثبات الهداة) عن الامام أبي محمد الحسن العسكري عن آبائه عن أمير المؤمنين: في حديثٍ أنه أرى بعض اليونانيين معجزات تعجّب منها فقال اليوناني: أمثلك كان محمّد(ص)؟ فقال أميرُ المؤمنين(ع): وهل علمي إلاّ من علمه، وعقلي إلاّ من عقله، وقوّتي إلاّ من قوته؟ ولقد أتاه ثقفي كان أطبّ العرب فقال له: إن كان بكَ جنون داويتُك؟! فقال له محمّد(ص) أتحبّ أن أريك آيةً تعلم بها غناي عن طبّك وحاجَتَك إلى طبّي؟ فقال: نعم قال: فأيّ آية تريد؟ قال: تدعو ذلك العِذْق (2) وأشار إلى نخلةٍ بعيدة، فدعاها رسول اللَّه(ص)، فانقلع أصلُهُ من الأرض وجاءت وهي تخدّ الأرض خدّاً حتى وقفت بين يديه فقال النبيّ(ص): أكفاك؟ فقال: لا قال: فتريد ماذا؟ قال: تأمرها أن ترجع إلى حيث جاءت وتستقرّ في مقرّها الذي انقلعت منه، فأمرها النبيّ(ص) فرجعت واستقرّت في مقرّها (3).

ــــــــــــــــــــ

(1) الأخلاق للمرحوم السيد عبداللَّه شبّر ص6 - 9.
(2) العِذق: كلّ غصن له شُعب. المنجد
(3) إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات للحرّ العاملي(ره) م 1 ص342.

الصفحه 329

ومن غرر كلماته الحكمية الخالدة التي رواها العلّامة المجلسي(ره) في البحار: قوله(ص): (تركُ الغيبةِ أحبُّ إلى اللَّه عزّوجلّ من عشرة آلاف ركعة تطوّع) (1).

أقول: نعلم من هذا الحديث الشريف شدّة مبغوضية إظهار عيوب الخلق للخالق تبارك وتعالى.

وقوله(ص) وقد جاءه أحد الأعراب فأخذ بغَرْز (2) راحلته وهو يريد بعض غزواته فقال: يارسول اللَّه(ص) علّمني عملاً أدخلُ به الجنة؟ فقال: (ما أحببت أن يأتيه الناسُ إليك فأته إليهم، وما كرهت أن يأتيه إليك الناس فلاتأته إليهم خلّ سبيلَ الرّاحلة) (3).

وقوله(ص): (المؤمن بين مخافتين بين أجلٍ قد مضى لا يدري ما اللَّه صانعٌ فيه، وبين أجلٍ قد بقي لا يدري ما اللَّهُ قاضٍ فيه) (4).

وقوله(ص): (صديقُ عدوِّ عليٍّ عدوُّ عليٍّ(ع)) (5).

أقول: الصديق يكون على شاكلةِ صديقه، فاذا انكشف لأحدهم عداوةَ صديقه لأمير المؤمنين(ع) ولم يقاطعه بل بقي على صداقته ومودّته عندها صار عدوّاً لأمير المؤمنين(ع) كصديقه، فإنّا أمرنا أن نحبّ ونصادق في

ــــــــــــــــــــ

(1) البحار ج75 ص261.
(2) الغَرْز: ركاب الرّحل من جلد.
(3) البحار ج77 ص136.
(4) البحار ج77 ص171.
(5) البحار ج77 ص172.
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى