الصفحة32
وسمّاه النبيّ(ص) بأمر اللَّه تعالى حسيناً باسم أصغر ولدي هارون(1) وما كانت العرب تعرف
اسمي الحسن
والحسين حتى أنزلهما اللَّه تعالى من الجنّة لهذين الإمامين الطاهرين.
وروى ابن شهرآشوب في (المناقب): إنَّ فاطمة(ع) اعتلّت لمّا ولدت الحسين(ع) وجفّ لبنها
فطلب رسول اللَّه(ص) مرضعاً فلم يجد فكان يأتيه فيلقمُهُ إبهامَهُ ويجعل اللَّه تعالى
له في إبهام رسول اللَّه(ص) رزقاً يغذوه ففعل ذلك أربعين يوماً وليلة فنبتَ لحمُهُ من
لحمِ رسول اللَّه(ص) (2).
وللَّه درُّ الشاعر:
لـلَّهِ مـرتضعٌ لـم يـرتضع iiأبداً مـن ثدي اُنثى ومن طه iiمراضعُهُ
يُـعطيه إبـهامَهُ طـوراً iiوآونـةً مـن ريـقه فـاستوت منه طبائعُهُ
سـرٌّ بـه خصَّهُ باريه إذ iiجُمعت واُودعـت فـيه عـن أمرٍ iiودائعُهُ
غـرسٌ سـقاهُ رسولُ اللَّه من iiيده فطابَ من طيبِ ذاك الأصل فارعُهُ |
وروي عن أُمِّ الفضل بنت(3) الحارث أنها دخلت على رسول اللَّه(ص) فقالت:
ــــــــــــــــــــ
(1) في بعض الروايات انَّ لهارون - وصيّ النبيّ موسى عليه السلام -
ثلاثة أولاد: شُبر وشُبير ومُشبر وبهم سمّى رسول اللَّه صلى الله وعليه وآله وسلم
الحسن والحسين والمحسن عليهم السلام.
(حاشية جلاء العيون)
(2) المناقب: ج4 ص50.
(3) زوجة العباس بن عبد المطّلب عمّ النبيّ(ص).
الصفحة33
يارسول اللَّه رأيت البارحة
حلماً(1) منكراً قال: وما هو؟ قالت: إنّه شديد قال: وما هو؟ قالت: رأيت كأنّ قطعةً من
جسدك قطعت فوضعت في حجري قال: خيراً رأيت تلدُ فاطمة(ع) غلاماً يكون في حجرك، فولدت
فاطمة(ع) الحسين(ع) فكان في حجري كما قال رسول اللَّه(ص)، فدخلت يوماً على النبي(ص) فوضعته
في حجره ثمّ حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول اللَّه(ص) تهرقان بالدّموع فقلت: بأبي
أنت واُمّي يارسول اللَّه مالك؟ قال: أتاني جبرئيل فأخبرني أنَّ اُمّتي تقتلُ ابني
هذا وأتاني بتربةٍ حمراء من تربتهِ (2).
وقد كان النبيّ(ص) يحبُّهُ حبّاً جمّاً. روي عن حذيفة بن اليمان قال: رأيت النبيّ(ص)
آخذاً بيد الحسين بن علي(ع) وهو يقول: يا أيّها الناس هذا الحسين بن علي فاعرفوه
فوالذي نفسي بيده إنّه لفي الجنة، ومحبّوه في الجنّة، ومحبّوا محبّيه في الجنة
(3).
وروى الشيخ الصدوق؛ في الأمالي من طرق المخالفين - السُنّة - عن البراء بن عازب
قال: رأيت رسول اللَّه9 حامل الحسين(ع) وهو يقول: (اللّهمَّ إني أحبُّهُ فأحبَّه)
(4).
ــــــــــــــــــــ
(2) الحُلُم - بالضم - : ما يراه النائم في نومه لكنّه غلب على ما يراه من الشّر
والقبيح كما غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والحسن، وربما استعمل كلُّ مكان
الآخر.(من الحاشية)
(3) بحار الأنوار: ج44، ص238، ح 31.
(4) جلاء العيون للسيّد عبد اللَّه شبّر: ج2 ص11.
(5) المصدر السابق نفسه: ص11.
الصفحة34
وروى ابن قولويه؛ من طرق المخالفين عن يعلي بن مرّة العامري قال: قال رسول اللَّه(ص):
(حسينٌ منّي وأنا من حسين، أحبّ اللَّهُ مَن أحبّ حسيناً، حسينٌ سبطٌ من الأسباط)
(1).
وكان الحسنان عليهما الصلاة والسلام ريحانتا رسول اللَّه(ص) من الدّنيا، ففي الحديث
عن أبي بصير عن الإمام الصّادق(ع) قال: قال رسول اللَّه(ص): (ريحانتيّ الحسن والحسين)
(2).
بل الحسين(ع) أحبّ أهلِ الأرض لأهلِ السماء كما جاء ذلك في الحديث المروي عن النبيّ(ص)
حيث قال: (من أحبّ أن ينظر إلى أحبّ أهلِ الأرض إلى أهل السماء فلينظر إلى الحسين(ع)
) (3).
ومحبّة أهل السماء فضيلةٌ يشارك الحسينَ(ع) فيها جدُّهُ المصطفى وأبوه المرتضى واُمّه
سيّدة النساء وأخوه المجتبى صلوات اللَّه عليهم أجمعين، ورحم اللَّه تعالى الفرزدق
حيث يقول:
مـن مـعشرٍ حـبُّهم دينٌ iiوبغضهُمُ كـفرٌ وقـربُهُمُ مـنجىً iiومـعتصمُ
إن عُـدَّ أهـلُ الـتُّقى كانوا iiأئمتَهم أوقيل مَن خيرُ أهلِالأرض قيل: هُمُ
مـقدّمٌ بـعد ذكـرِ الـلَّه iiذكـرُهُمُ فـي كـلِّ بـدءٍ ومـختومٌ به الكلِمُ
ــــــــــــــــــــ
(1) جلاء العيون للسيّد عبد اللَّه شبّر: ج2 ص12.
(2) المصدر السابق: ص11.
(3) المصدر السابق: ص17.
الصفحة35
وروى الحديث ابنُ شهرآشوب في (المناقب) عن جماعةٍ من علماء أهل السُنّة فقال: رواه
الطبريان في الولاية والمناقب، والسمعاني في الفضائل بأسانيدِهم عن إسماعيل بن رجاء
وعمرو بن شعيب، أنّه مرّ الحسين بن علي(ع) على عبداللَّه بن عمرو بن العاص فقال
عبداللَّه: من أحبّ أن ينظر إلى أحبّ أهلِ الأرض إلى أهل السماء فلينظر إلى هذا
المجتاز، وما كلّمتُهُ منذ ليالي صفّين، فأتى به أبو سعيد الخدري إلى الحسين(ع) فقال
الإمام: أتعلم أني أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء وتقاتلني وأبي يوم صفّين واللَّه
إنّ أبي لخيرٌ مني!! فاستعذر عبداللَّه من الإمام وقال: إنّ النبيّ(ص) قال لي: أطع
أباك فقال له الإمام الحسين(ع): أما سمعت قول اللَّه تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى
أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا)
(1)، وقول
النبيّ(ص): (إنّما الطّاعَةُ في المعروف)، وقوله: (لاطاعة لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق)
(2).
وأمّا عبادتُهُ(ع) فقد كان أعبَدَ أهل زمانه، وكان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة.
روى بن عبد ربّه في (العقد الفريد) انّه قيل لعليّ بن الحسين(ع): ما أقلّ ولد أبيك؟
فقال(ع): (العجبُ كيف ولدتُ وكان أبي(ع) يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة
(3)، ولقد حجّ
خمساً وعشرين حِجّة ماشياً على قدميه ونجائبُهُ تقاد بين يديه)
(4).
ــــــــــــــــــــ
(1) سورة لقمان: الآية 15.
(2) المناقب: ج4 ص73.
(3) جلاء العيون: ج2 ص28.
(4) ثمرات الأعواد: ج1 ص47.
الصفحة36
وأمّا تواضعُهُ فإنّه(ع) مرّ بمساكين قد بسطوا كساءً لهم وألقوا عليه كسراً فقالوا:
هلمَّ يابن رسول اللَّه فثنى وركه فأكلَ معهم ثمَّ تلا قوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ
لا يُحِبُّ الْمُستَكبِرِينَ)، وفي رواية اُخرى أنّه(ع) اعتذر منهم بأنّ طعامكم صدقة
وهي محرّمة علينا ثمّ قال: قد أجبتكم فأجيبوني قالوا: نعم ياابن رسول اللَّه فقاموا
معهُ حتى أتوا منزلَهُ فقال للجارية أخرجي ما كنت تدخرين(1) فأطعمهم وسقاهم وكساهم
وأغناهم.
خُلقٌ يخجلُ النّسيمَ من اللطفِ وبـأسٌ يـذوبُ منه iiالجمادُ
شِـيَمٌ ما جُمِعْنَ في بشرٍ iiقطُ ولا حــاز مـثلَهنَّ iiالـعبادُ |
وأمّا إباؤه للضّيم فيقول ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة: سيّدُ أهل
الإباء الّذي علّم الناس الحميّة والموت تحت ظلالِ السيوف اختياراً له على الدنيّة
أبو عبداللَّه الحسين بن عليّ بن أبيطالب(ع)، عُرض عليه الأمان وأصحابه فأنِفَ من
الذّل، وخاف من ابن زياد أن ينالَهُ بشيءٍ من الهوان إن لم يقتله فاختار الموت على
ذلك، وسمعتُ النقيب أبا زيد يحيى بن زيد العلوي البصري يقول: كأنَّ أبيات أبيتمّام
في محمّد بن حُميد الطّائي ما قيلت إلاّ في الحسين(ع)
وقـد كـانَ فـوتُ الموتِ سهلاً iiفَرَدَّهُ إلـيه الـحفاظُ الـمرُّ والخُلُقُ iiالوعرُ
ونـفسٌ تَـعافُ الـضَّيمَ حـتى iiكأنَّه هو الكفرُ يومالرَّوْع (2) أو دونه الكفرُ
فـأثبتَ فـي مـستنقعِ الموتِ iiرجلَهُ وقـال لها: من تحتِ أخمَصُكِ iiالحشرُ
ــــــــــــــــــــ
(1) جلاء العيون: ج2 ص24.
(2) الرّوع: الحرب.
الصفحة37
تتـردّى ثـيابَ الموتِ حمراً فما iiأتى لـها الليلُ إلاوهي من سُندُسٍ iiخُضرُ
ومن كلام الحسين(ع) يوم الطّف المنقول عنه نقله زينُ العابدين عليُّ ابنه(ع): (ألا
وإنَّ الدّعيَ ابنَ الدّعي قد خيّرنا بين اثنتين: السّلةِ أو الذّلة، وهيهاتَ منّا
الذّلة! يأبى اللَّهُ لنا ذلك ورسولهُ والمؤمنون وحجورٌ طابت وطهُرت وأنوفٌ حميّة
ونفوسٌ أبيّة) (1).
وقال سبطُ ابن الجوزي: وقد ذكر جدّي في كتاب (التبصرة) وقال: إنّما سار الحسين(ع) إلى
القوم لأنّه رأى الشريعة قد دثرت فجدَّ في رفع قواعد أصلها، فلّما حصروه فقالوا له
أنزل على حكم ابن زياد قال: لا أفعل واختار القتلَ على الذّل وهكذا النفوس الأبيّة
ثمّ أنشد جدّي فقال:
فـلمّا رأوا بـعضَ الـحياةِ iiمـذلّةً عـليهم وعـزُّ الـموتِ غيرُ iiمحرَّمِ
أبَـوا أن يذوقوا العيشَ والذلُّ واقعٌ عـليهم ومـاتوا مـيتةً لـم iiتـذمَّمِ
ولا عـجبٌ لـلأسدِ أن ظفرت iiبها كـلابُ الأعادي من فصيح iiوأعجمِ
فـحربةُ وحشيٍّ سقتَ حمزةَ iiالرّدى وحتفُ عليٍّ في حسام ابن ملجَمِ (2)
ولهذا رفض الإمام الحسين البيعة ليزيد، وقرّر الخروج من المدينة، فجمعَ عياله وأهل
بيته وشيعته ومضى بهم إلى مكة ولكنّه ترك ابنةً له عليلة مريضة اسمها (فاطمة) وطلب
من اُمّ سلمة زوجة النبيّ(ص) رعايتها، وسار الرّكب وكأني بفاطمة العليلة تودّع الرّكب
بدموعها الجارية على خدّيها ولسان الحال:
ــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج3 ص249 - 250.
(2) تذكرة الخواص: ص273.
الصفحة38
بعدكم راح أظل بس تدمع العين ويحگلي البكا والنوح كل iiحين
وگضـي العمر حسرات iiوونين على أهلي المشوا عنّي iiبعيدين
لفراگهم مـا لـيش تـمكين
* * *
يقولون ثمّ عادت إلى الدار وإذا بها خالية موحشة فجلست عند مهد أخيها عبداللَّه
الرّضيع وأخذت تهزّه وتخاطب الدار الخالية:
مـشوا عـني هلي لا لچ iiولالي وزمـاني مـن بـعد أهلي iiولالي
لـلـزم مـهد عـبداللَّه iiولالـي بـلـكن يـرد وحـشتهم iiعـليه
رحـلوا ومـا رحلُ أهيلُ ودادي إلا بـحسنِ تـصبُّري iiوفـؤادي
سـاروا ولـكن خـلَّفوني iiبعدهم حزناً أصوبُ الدَّمعَ صوبَ عهادي |
لاحول ولا قوة إلا باللَّه العليّ العظيم
وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين
الصفحة39
الليلة الثانية
المجلس الرابع
الخروج من المدينة إلى مكة
وجـهُ الصّباحِ عليَّ ليلٌ iiمظلمُ وربـيعُ أيّـامي عـليَّ iiمحرَّمُ
والـليلُ يـشهدُ لي بأنّي iiساهرٌ إن طـاب للنّاسِ الرُّقادُ iiفهوّموا
مـن قـرحةٍ لـو أنّـها iiبيَلملَم نـسفَت جوانبَهُ وساخَ iiيلَملمُ(1)
قـلقاً تـقلّبني الهمومُ iiبمضجعي ويغورُ فكريَ في الزّمانِ iiويُتهِمُ
مـا خلتُ أنَّ الدهرَ من iiعاداته تَروَىالكلابُ به ويَظمَى الضيغَمُ
ويُـقدَّمُ الأُمـويُّ وهـو iiمُؤخَّرٌ ويُـؤخَّرُ الـعلويُّ وهـو مُقدَّمُ
مـثلُ ابـنِ فاطمةٍ يبيتُ مُشرَّداً ويـزيـدُ فـي لـذَّاتهِ iiمُـتنعِّمُ
ويُـضيِّقُ الدُّنيا على ابنِ iiمحمّدٍ حـتّى تـقاذَفَهُ الفضاءُ الأعظمُ
خرجَ الحسينُ من المدينةِ iiخائفاً كـخروج مـوسى خائفاً iiيتكتَّمُ
وقـد انجلى عن مكّةَ وهو iiابنُها وبـه تـشرَّفَتِ الحطيمُ iiوزمزمُ
لـم يـدرِ أين يُريحُ بُدنَ iiركابِهِ فـكأنّما المأوى عليه iiمُحرَّمُ(2) |
ــــــــــــــــــــ
(1) يلملم: اسم جبل.
(2) القصيدة من نظم المرحوم السيد جعفر الحلّي الدر النضيد: ص308.
قال المرحوم السيد محسن الأمين العاملي في (أعيان الشيعة) المجلد الرابع ص97:
ولد يوم النصف من شعبان سنة 1277 في قريةٍ من قرى العذار تعرف بقرية السادة، وتوفي
فجأةً في النجف الأشرف في شهر شعبان لسبعٍ بقين منه سنة 1315هـ ودفن هناك.
كان - رحمه اللَّه تعالى - فاضلاً أديباً محاضراً شاعراً قويّ البديهة حسن العشرة
صافي
الصفحة40
بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم
هذا ما أوصى به الحسينُ بن عليّ بن أبي طالب(ع) لأخيه محمّد المعروف
(بابن الحنفية):
ــــــــــــــــــــ السّريرة حسن
السّيرٍة، له ديوان شعر مطبوع إسمه - سحرُ بابل وسجع البلابل - جمعه بعد وفاته أخوه
السيد هاشم، وقد ضاع كثيرٌ من شعرِهِ الذي كان ينظمه على البديهة من الأبيات
القليلة.
قال السيد الأمين: رأيته في النجف، وكان شريكنا في الدرس عند الفقيه الشيخ محمد طه
نجف، وقرأ أيضاً على الشيخ ميرزا حسين بن ميرزا خليل، وتوفي ونحن في النجف ورثاه
الشعراء منهم الشيخ محمد السماوي صاحب كتاب - الطليعة - بقوله من قصيدة:
أيُّ فـؤادٍ عليك ما احترقا وأيُّ دمـعٍ عليك ما اندفقا
يـاراحلاً والـكمالُ يتبعُهُ ما أنت إلا الهلالُ قد مُحِقا
بكى عليك القريض منفجعاً وانفجع الفضلُ فيك محترقا
وقال السماوي: رأيت السيد جعفر بعد موته في الرؤيا وسألته عن حالِهِ فقال: أمّا
نحنُ أصحاب السيد مهدي القزويني فكلّنا في الجنّة.
وكان المرحوم السيد جعفر الحلي كثير المطايبة، ومن ذلك قوله وهو يخاطب أستاذه
الفاضل الملا محمد الشربياني وهو على المنبر بعد الفراغ من الدرس ارتجالاً:
أشيخَ الكلِّ قد أكثرتَ بحثاً بـأصلِ براءةٍ
وبإحتياطِ
وهذا فصلُ زوّارِ وسَرْطِ فـباحثنا بـتنقيحِ المناطِ
والسَّرط هو الأكل والإبتلاع.
وقال على سبيل المطايبة أيضاً:
لـلشربيانيِّ أصـحابٌ وتلمذةٌ تجمّعوا حولَه من هاهنا وهنا
مـا فيهم مَن له بالعلمِ معرفةٌ يكفيك أفضلُ كلِّ الحاضرين أنا
وقال في رئيسي النجف آنذاك: السيد محمّد الطباطبائي، والسيد محمد القزويني:
شـتّانَ بـينَ مـحمّدٍ ومحمّدِ ذا طـبـطبائيٌّ وذا قـزويني
أنا أعرفُ الرّجلَ المهذّبَ منهما بـاللَّهِ لا تـسأل عـن
التعيينِ
الصفحة41
(إنَّ الحسينَ يشهدُ أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمّداً عبدُهُ
ورسوله، جاء بالحقّ من عند الحق، وانّ الجنّة والنّارَ حق، وأنّ الساعةَ آتيةٌ لا
ريبَ فيها، وأنّ اللَّه يبعثُ مَن في القبور، وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطِراً ولا
مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في اُمّةِ جدّي محمّد اُريدُ أن آمرَ
بالمعروف وأنهى عن المُنكر، وأسيرَ بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبيطالب، فمن قَبِلَني
بقَبولِ الحقّ فاللَّهُ أولى بالحق، ومَن ردَّ عليَّ هذا أصبرْ حتى يقضيَ اللَّهُ
بيني وبينَ القوم بالحقّ وهو خيرُ الحاكمين.
وهذه وصيّتي يا أخي إليك، وما توفيقي إلا باللَّه عليه توكلتُ وإليه اُنيب). ثمّ
طوى الكتاب وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة ثمّ ودّعهُ وخرج(ع) من
عنده (1).
بهذه الكلمات النيّرة والمعاني العالية الواضحة أعلن الإمام الحسين(ع) سببَ النهضة
وعيّنها ولم يجعلها عائمة وذلك بقوله: وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي،
اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، واسيرَ بسيرةِ جدّي وأبي علي بن أبي طالب:،
وعيّن ذلك بـ(إنّما) وهي أداة حصر عند النحويين فهو لم يطلب غير الإصلاح من جاهٍ أو
سلطان أو سمعةٍ أو أموال كما يفعله غيرُهُ من ذوي الأطماع بعد أن يتستّروا وراءَ
الشعارات اللطيفة والغايات الشريفة وإنَّما سعيهم وجهدهم لأغراضٍ دنيويّة، وغاياتٍ
آنيّة، ومعلومٌ أنَّ الإمام الحسين(ع) لم يكن محتاجاً إلى جاه أو سلطان فهو سيّدُ
شباب أهل الجنّة، وريحانة رسول اللَّه(ص)
ــــــــــــــــــــ
(1) ثمرات الأعواد: ج1 ص101.
الصفحة42
وابنه الذي خلّفه في اُمّته وقال في حقّه: حسينُ مني وأنا من حسين، أحبّ اللَّهُ من
أحبّ حسيناً، حسينٌ سبطٌ من الأسباط (1).
وإلى غير ذلك من أقوال النبيّ(ص) في حقّ الإمام الحسين وأخيه الإمام الحسن(ع)، وهي
فضائل يعرفها المسلمون آنذاك كما يعرفون الصلوات اليوميّة وعدد ركعاتها.
يقول الشيخ أسد حيدر في كتابه (مع الحسين في نهضته): وهذه الفقرات - الوصيّة - هي
تجسيدٌ لأوضاع العصر الّذي تعيشُهُ الاُمّة الإسلاميّة من جرّاء ما خلّفتهُ السياسة
الاُمويّة في عهد معاوية من فسادٍ وانحطاط وضياع الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر،
إنّ تلك الأوضاع السّائدة وليدة استهتارٍ، وبُعدٍ عن الإلتزام بنواميس الدّين،
وتغييرٍ للخطط التي أوضحها الرسول(ص) لاُمّته لمسيرتهم في الحياة
(2).
ومن جملة الموبقات التي خرج بها معاوية بن أبي سفيان عن نهج رسول اللَّه(ص) وطريقته
هي أن جَعَلَ الخلافة الإسلاميّة وراثةً في أصلاب أبنائه، فقد هلك معاوية في النصف
من رجب سنة 60 هجرية، وكان قبل هلاكه قد كتب وصيّةً لإبنه يزيد وهي: يا بنيّ إنّي
قد كفيتك الشدَّ والتّرحال، ووطّأتُ لكَ الاُمور، وذلّلتُ لك الأعداء، وأخضعتُ لك
رقابَ العرب، وجمعتُ لك ما لم يجمعُهُ أحد، فانظر أهلَ الحجاز فإنّهم أصلُك أكرم
مَن قدمَ عليك منهم، وتعاهد مَن غاب، وانظر أهلَ العراق فإن سألوك أن تعزل
ــــــــــــــــــــ
(1) جلاء العيون: ج2 ص12.
(2) مع الحسين في نهضته: ص68 - 69.
الصفحة43
عنهم
كلَّ يومٍ عاملاً فافعل، فإنّ عزلَ عامِلٍ أيسر من أن يُشهرَ عليكَ مائة ألف سيف،
وانظر أهلَ الشام فليكونوا بطانتك وعيبتَك(1)، فإن رابكَ من عدوِّكَ شيءٌ فانتصر
بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهلَ الشام إلى بلادهم، فإنّهم إن أقاموا بغير بلادهم
تغيّرت أخلاقهم، وإني لستُ أخاف عليك أن ينازعك في هذا الأمر إلاّ أربعة نفر من
قريش: الحسينُ بن علي(ع) وعبداللَّه بن عمر، وعبداللَّه بن الزبير، وعبدالرّحمن بن
أبي بكر، فأمّا عبداللَّه بن عمر فإنّه قد وقذته العبادة فإذا لم يبق غيره بايعك،
وأمّا الحسين بن علي(ع) فهو رجل لن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه، فإن خرج وظفرت به
فاصفح عنه فإنّ له رحماً ماسّةً وحقّاً عظيماً وقرابةً من محمّد(ص)
(2)، واعلم يا بني
أنّ أباه خيرٌ من أبيك، وأنّ اُمّه خيرٌ من اُمّك، وأنّ جدّه خيرٌ من جدّك
(3)،
وأمّا ابن أبي بكر فإن رأى أصحابهُ صنعوا شيئاً صنع مثلهُ ليس له همّةٌ إلاّ في
النساء واللهو، وأمّا الذي يجثم لك جُثومَ الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإن أمكنته
فرصةٌ وثب فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فظفرت به فقطّعهُ إرْباً إرْبا، واحقن
دماء قومك ما استطعت (4).
ثمّ هلك معاوية للنّصف من رجب سنة ستين هجرية كان ابنهُ يزيد في (حوران) فأخذ
الضحّاك بن قيس
أكفانه ورقى المنبر فقال بعد الحمد للَّه والثناء عليه:
ــــــــــــــــــــ
(1) العَيبة: ما تجعل فيه الثياب كالصندوق، وأراد معاوية أنّهم موضع سرّك.
(2) الكامل في التأريخ لابن الأثير: ج4 ص6.
(3) ثمرات الأعواد: ج1 ص65.
(4) الكامل في التأريخ لابن الأثير: ج4 ص7.
(5) حَوْران : كورة واسعة من أعمال دمشق ذكرها الحموي في (معجم البلدان) : ج 2 ص
317.
الصفحة44
كان معاوية سورَ العرب
وعونهم قطع اللَّه به الفتنة، وملّكه على العباد وفتح به البلاد ألا إِنَّه قد مات
وهذه أكفانُهُ فنحنُ مدرجوه فيها ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله ثمّ هو البرزخ
إلى يوم القيامة فمن كان منكم يريد أن يشهد فليحضر، ثمّ صلّى عليه الضحّاك ودفنه
بمقابر باب الصغير، وأرسل إلى يزيد يعزّيه بأبيه والإسراع في القدوم ليأخذ بيعةً
مجدّدة من الناس، وكتب في أسفل الكتاب:
مـضـى ابنُ سفيانَ فرداً iiلشأنهii وخُلّفتَ فانظر بعدَهُ كيف iiتصنعُ
أقِمنا على المنهاج واركبْ محجّةًii iiسَداداً فأنت المرتجى حين نفزعُ |
فلمّا قرأ يزيدُ الكتاب أنشأ يقول:
جـاء الـبريدُ بقرطاسٍ يخبّ iiبه فـأوجسَ القلبُ من قرطاسِهِ iiفزعا
قـلنا لك الويلُ ماذا في iiصحيفتكم قـال: الـخليفةُ أمسى مثقلاً iiوجعا
مادت بنا الأرض أو كادت تميدُ بنا كـأنّ مـا عـزّ من أركانها iiانقلعا
وسار إلى دمشق فوصلها بعد ثلاثة أيّام من دفن معاوية (1)، وكان الوالي على المدينة
عند هلاك معاوية هو
الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. وعلى مكّة عمرو بن سعيد بن العاص، وعلى الكوفة
النعمان بن بشير، وعلى البصرة عبيداللَّه بن زياد فلم يكن ليزيدَ همٌ بعد موت أبيه
إلاّ بيعة النفر الذين سمّاهم أبوه، فكتب إلى الوليد بن عتبة - عامله على المدينة -
فأمره بأخذ
ــــــــــــــــــــ
(1) مقتل المقرّم: ص136 - 140 بتصرّف.
الصفحة45
البيعة عليهم أخذاً شديداً ليس فيه رخصة فلمّا وقف الوليد على الكتاب
بعث إلى مروان بن الحكم فأحضره وأوقفه على كتاب يزيد واستشاره وقال كيف ترى أن نصنع
بهؤلاء؟ قال: أرى أن تبعث إليهم الساعة فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطّاعة فإن
لم يفعلوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية لأنّهم إن علموا وثب كلُّ واحدٍ
منهم في جانب وأظهر الخلاف والمنابذة ودعا إلى نفسه، فأرسل الوليد عمر بن عثمان إلى
الحسين وإلى عبداللَّه بن الزبير فوجدهما في المسجد فقال أجيبا الأمير فقالا انصرف
فالآن نأتيه ثمّ قال ابن الزبير للإمام الحسين: فيما تراه بعث إلينا في هذه الساعة
التي ليس له عادة بالجلوس فيها إلا لأمر؟!
فقال الحسين7: (أظنّ طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذ البيعة علينا ليزيد قبل أن
يفشو في الناس الخبر) (1).
ثمّ ذهب الإمام الحسين(ع) إلى الوليد ومعهُ ثلاثون من أهل بيته ومواليه يحملون السلاح
وأوقفهم على الباب وطلب منهم الدخول إلى المجلس إذا سمعوا صوته وقد علا ليمنعونه،
فدخل وبيده قضيب رسول اللَّه9 ولمّا استقرّ به المجلس نعى الوليد إليه معاوية ثمّ
عرض عليه البيعة ليزيد فقال(ع): مثلي لا يبايع سرّاً فإذا دعوتَ الناس إلى البيعة
دعوتنا معهم فكان أمراً واحداً.
فاقتنع الوليد منه ولكنّ مروان ابتدر قائلاً: إن فارقكَ الحسين الساعة ولم يبايع لم
تقدر منه على مثلها حتى تكثر القتلى بينكم احبس الرّجل حتى يبايع أو
ــــــــــــــــــــ
(1) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: ص135 - 136.
الصفحة46
تضرب عنقَهُ
فقام إليه الحسين فقال: (ياابن الزرقاء أنت تقتلني أم هو؟ كذبت وأثمت ثمّ أقبل على
الوليد وقال: أيّها الأمير إنّا أهلُ بيتِ النبوّة ومعدنُ الرّسالة ومختلفُ
الملائكة بنا فتح اللَّه وبنا يختم، ويزيد رجلٌ شاربُ الخمور، وقاتل النّفس
المحرّمة معلنٌ بالفسق، ومثلي لا يبايع مثلَه، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون
أيّنا أحقُّ بالخلافة) وارتفعت الأصوات فدخل المجلس بنو هاشم وموالوهم وأخرجوا
الإمام(ع) إلى منزله قهراً، فقال مروان للوليد عصيتني فواللَّه لا يمكنك على مثلها،
قال الوليد: يامروان اخترت لي ما فيه هلاك ديني أقتل حسيناً إن لم يبايع!! واللَّه
لا أظنّ امرءاً يحاسب بدمِ الحسين إلاّ خفيف الميزان يوم القيامة. ولا ينظر اللَّه
إليه ولا يزكّيه وله عذابٌ أليم.
وفي هذه الليلة زار الإمام الحسين(ع) قبر جدّه رسول اللَّه(ص) فسطع له نورٌ من القبر
فقال: (السلام عليك يا رسول اللَّه أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك وسبطك الذي
خلّفتني في اُمّتك فاشهد عليهم يانبيّ اللَّه أنّهم خذلوني ولم يحفظوني وهذه شكواي
إليك حتى ألقاك) ولم يزل راكعاً وساجداً حتى الصباح.
وعند الصباح لقي مروان أبا عبداللَّه الحسين(ع) فعرّفه النّصيحةَ التي يدّخرها
لأمثاله وهي البيعة ليزيد فإنّ فيها خير الدين والدّنيا فاسترجع الحسين(ع) وقال: (على
الإسلام السّلامُ إذا بليت الاُمّة براعٍ مثلِ يزيد، ولقد سمعت جدّي رسول اللَّه(ص)
يقول: الخلافة محرّمةٌ على آلِ أبي سفيان فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه
وقد رآه أهلُ المدينة على المنبر فلم يبقروا بطنه فابتلاهم اللَّه بيزيد الفاسق)،
وطال الحديث بينهما حتى انصرف مروان مغضباً. |