المجالس الحسنة

 
 

الصفحة47

وفي الليلة الثانية جاء الإمام الحسين(ع) إلى قبر جدّه(ص) وصلّى ركعات ثمّ قال: (اللّهمَّ إنّ هذا قبرُ نبيّك محمّد9 وأنا ابن بنت نبيّك وقد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللّهمّ إنّي أحبُّ المعروف وأنكر المنكر، وأسألكُ ياذا الجلال والإكرام بحقّ القبر ومَن فيه إلاّ اخترتَ لي ماهو لك رضى ولرسولك رضى) ثمّ بكى.

ولمّا كان قريباً من الصّبح وضع رأسَه الشريف على القبر فغفا فرأى رسول اللَّه(ص) في كتيبةٍ من الملائكة عن يمينه وشماله وبين يديه فضمّ الحسين إلى صدره وقبّلَ بين عينيه وقال: (حبيبي يا حسين كأنّي أراك عن قريب مرمّلاً بدمائك مذبوحاً بأرضِ كربلا بين عصابةٍ من اُمّتي وأنت مع ذلك عطشان لا تُسقى وظمآن لا تروى وهم بعد ذلك يرجون شفاعتي لاأنالهم اللَّه شفاعتي يوم القيامة.

حبيبي يا حسين إنَّ أباك واُمَّك وأخاك قدموا عليّ وهم مشتاقون إليك). فبكى الحسين وسأل جدّه أن يأخذه معه ويدخله في قبره: (1)

ضـمّني  عندكَ ياجدّاه في هذا iiالضريح      عَـلَّني يـاجَدُّ من بلوى زماني iiأستريح

ضاق بي ياجدُّ من فرطِ الأسى كلُّ فسيح      فـعسى طـودُ الأسى يندكُ بين iiالدكّتين

ــــــــــــــــــــ

(1) مقتل المقرّم: ص144 - 147.

الصفحة48

جدُّ صفوُ العيشِ من بعدِكَ بالأكدارِ شيب      وأشـابَ  الهمُّ رأسي قبل إبّانِ iiالمشيب

فَـعَلَا مـن داخـلِ الـقبرِ بكاءٌ ونحيب      ونـداءٌ بـافتجاعٍ يـاحبيبي iiيـاحسين

*  *  *

أنـت يـاريحانةَ الـقلبِ حقيقٌ iiبالبَلا      إنّـما  الـدّنيا أُعـدّت لـبلاءِ iiالنبلا

لـكن  الـماضي قليلٌ بالـذي قد iiأقبلا      فاتّخذ درعين من حزمٍ وعزمٍ سابغين

*  *  *

سـتـذوقُ الموتَ ظلماً ظامياً في كربلا ii      وسـتـبقى  في ثراها ثاوياً  iiمـنـجدلا
وكـأنّـي بـلـئيم الأصلِ شمرٍ قد علىii      صدرَكَ الطّاهرَ بالسيفِ يحزُّ الودَجين
(1)

وكأنّي بالحسين(ع) وقد مرّ على قبور الأحبّة يودّعهم، فمرّ بقبر أخيه الحسن ثمّ مرّ بقبر اُمّه الشهيدة المظلومة فوقف وسلّم عليها وإذا بالجواب وعليك السلام يا غريب الاُم وعليك السلام يا حبيب الاُم وعليك السلام يا وحيد الاُم:

ــــــــــــــــــــ

(1) من منظومة في واقعة الطف للعالم الشيخ حسن الدمستاني البحراني(ره) (ت/1181هـ).

الصفحة49

يحسين يابني هيّجت حزني عليّه      لأجلك بگبري لابسة ثياب العزية

أبـكي عليكم ياضحايا iiالغاضريّه      اللَّه  كاتب كربلا تحويك iiيحسين

*  *  *

يابني  مصابك بالطفوف يشيّب iiالراس      گلـي  عـليمن انـتحب iiياوافي‏الباس

لابـنك عـلي يولا لبو فاضل iiالعبّاس      يبگه اعله نهر العلگمي من غير كفين

*  *  *

حـزني على البلغاضريّة تعرسونه      يـاويل گلبي يوم عرسه iiيذبحونه

عـرّيس ما شفنه بدَمّه iiيخضّبونه      واُمّه‏تنادي شلون هجمه‏ هجمة البين

*  *  *

أفاطمُ قومي ياابنة الخير واندبي               نجوم سماواتٍ بأرضِ فلاةِ

لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الصفحة50

الليلة الثالثة                                                                            المجلس الخامس

كرمُ الإمام الحسين(ع)

قـد  أوهنت جَلَدي الدّيارُ الخالية      مـن أهـلـهـا ما للدّيارِ وماليهْ
ومـتى سألتُ الدّارَ عن أربابهاii      iiيُـعِـدُ الصّدى منها سؤالي ثانيه
كـانت  غياثاً للمنوب فأصبحتii      iiلـجـميعِ أنواعِ النّوائبِ حاويه
ومـعـالمٌ أضحت مآتمَ لا تَرىii      iiفـيها  سوى ناعٍ يجاوِبُ ناعيه
وردَ الحسينُ إلى العراقِ وظنّهمii      iiتـركوا النِّفاقَ إذا العراق كماهيه
ولـقـد  دعَـوهُ لـلعَنا فأجابهمii      iiودعـاهُـمُ لـهدىً فردُّوا داعيه
قـسَـتِ  القلوبُ فلم تَمِلْ لهدايةٍii      iiتـبّـاً لـهـاتيكَ القلوب القاسيه
مـا ذاقَ طعمَ فراتِهِمْ حَتّى قضىii      iiعـطـشـاً فغُسِّلَ بالدّماءِ القانيه
يـابنَ النبيّ المصطفى ووصيِّهِii      iiوأخا  الزكيِّ ابنَ البتولِ الزاكيه
تـبـكيكَ  عيني لا لأجلِ مثوبةٍii      iiلـكـنّـمـا عيني لأجلِكَ باكيه
تـبـتـلُّ مـنكم كربلا بدمٍ ولاii      تـبـتـلُّ  منِّي بالدّموعِ الجاريه
أَنْـسَـتْ رزيـتُكُم رزايانا التيii      iiسـلـفت وهوّنت الرزايا الآتيه
وفـجـائـعُ الأيـامِ تـبقى مدّةًii      وتزولُ وهي إلى القيامةِ باقيه
(1)

ــــــــــــــــــــ

(1) هذه القصيدة العصماء من نظم العالم الكامل المرحوم الشيخ محمد علي الأعسم(ره).
قال السيد جواد شبر في (أدب الطف) ج6 ص196:
الشيخ محمد علي الأعسم المتولد في النجف الأشرف عام 1154هـ تقريباً.

الصفحة51

مـا  لأجل الثواب بكيت واجرهii      iiلچن  نـار بصميم الگلب واجره
مصاب حسين أبد ما صار واجره      iiفـرض  كل يوم ننصبلة عزية

*  *  *

ــــــــــــــــــــ

وهو ابن الشيخ حسين ابن الشيخ محمد الزبيدي النجفي.
وآل الأعسم أسرةٌ نجفيّةٌ كبيرة عريقة في العلم والفضل والأدب.
كان الشيخ الأعسم عالماً فاضلاً فقيهاً ناسكاً أديباً شاعراً له ديوان شعر وله مراثٍ كثيرة في الإمام الحسين(ع)، له منظومة في الرّضا، وأخرى في المواريث وثالثة في العدد ورابعة في تقدير دية القتل وخامسة في آداب الطعام والشراب المستفادة من أخبار وأحاديث أهل البيت:.
جاء في معارف الرجال أنه تتلمذ على الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء، وكان من أخلص أصحابه حتى أنه حجّ معه بيت اللَّه سنة 1199هـ مع كوكبة من العلماء، وحضر الفقه على السيد مهدي بحر العلوم النجفي كما أجازه أن يروي.
وفي الطليعة قال: أخبرني السيد محسن الكاظمي الصائغ عن أبيه السيد هاشم قال: نظم المرحوم الشيخ محمد علي الأعسم قصيدته في الإمام الحسين(ع) والتي مطلعها:
قد أوهنت جلدي الديارُ الخالية      من أهلها ما للديارِ وماليه
ثمّ عرضها على ابنه الشيخ عبد الحسين فقال: أنظرها فنظرها ثمّ قال: هذه قافيةٌ قاسية فأخذها منه ثمّ صعد فصلى ووضعها تحت مصلاه فما كان إلاّ أن طرق الباب سحراً وإذا بالخطيب الشيخ محمد علي القارئ وكان ممتازاً بإنشاد الشّعر الحسيني في محافل الحسين(ع) قال: إني رأيت البارحة كأني دخلت الرّوضة الحيدرية فرأيت أمير المؤمنين(ع) جالساً فسلمتُ عليه فأعطاني ورقة فيها قصيدة وقال: اقرأ لي هذه القصيدة في رثاء ولدي الحسين فقرأتها وهو يبكي فانتبهت وأنا أحفظ منها هذا البيت:
قست القلوب فلم تمِلْ لهدايةٍ       تبّاً لهاتيكَ القلوبِ القاسية
فتعجّب الشيخ وأخرج‏له الورقة التي تحت مصلّاه فدهش الشيخ محمد علي القارئ وقال: واللَّه إنها نفس الورقة بل هي هي التي أعطانيها أمير المؤمنين(ع).
توفي في النجف الأشرف سنة 1233 ودفن في المقبرة التي هي لآل الأعسم في الصحن الشريف.

الصفحة52

ممّا نُسب إلى الإمام أبي عبداللَّه الحسين(ع):

إذا جـادت الـدّنـيا عليك فجُدْ ii      بها على النّاسِ طُرّاً قبل أن تتفلّتِ
فـلا الجودُ يُفنيها إذا هي أقبلتii      ولا  البُخلُ يُبقيها إذا ما تولّت
ِ(1)

*  *  *

السّخاء: هو بذل ما يُحتاج إليه عند الحاجة إلى مستحقّه بقدر الطّاقة، وهو من فعل شيم النفوس حيث تبذل ما تكسب به مدحَ العاجل والثوابَ الآجل، وتكسب به تألّف القلوب، وهو من أكبر أسباب المحبّة بين الناس.

قال رسول اللَّه(ص): (جُبِلَتْ (2) القلوب على حبّ مَن أحسنَ إليها، وبغضِ من أساءَ إليها) وأوضح دليل على

صحّة هذا أنّا نرى الناس تذكر بثناء واحترام الأسخياء ذوي النفوس العالية الذين يُعرفون بالبذل وقضاء الحوائج وتنفيس الكربات والإحسان حيث جُبلت القلوب على حبّ مَن أحسن إليها كما قال(ص).

وفي حديث آخر عنه(ص): (السخيُّ قريبٌ من اللَّه، قريبٌ من الجنّة، قريبٌ من النّاس، بعيدٌ عن النار. والبخيلُ: بعيدٌ من اللَّه، بعيدٌ من الجنّة، بعيدٌ من النّاس، قريبٌ من النّار).

وعن ابن عبّاس: سادةُ النّاس في الدّنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء (3).

ــــــــــــــــــــ

(1) المناقب: ج4 ص66.
(2) الجِبِلّة: الخِلقة والطّبيعة.
(3) نور الحقيقة لوالد الشيخ البهائي: ص225 - 226.

الصفحة53

وبيّن اللَّه تعالى ذلك في القرآن الكريم فقال في سورة الحشر: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (1).

وفي سورة الليل الآيات 5 - 11 (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدّىَ).

وكان الإمام أبو عبداللَّه الحسين بن علي بن أبي طالب(ع) أكرمَ أهل زمانه. قال ابن الصبّاغ المالكي في كتابه (الفصول المهمّة): قال الشيخ كمال الدّين بن طلحة قد اشتهر النّقلُ عنه(ع) بأنّه كان يُكرم الضيفَ ويمنحُ الطّالب ويَصِلُ الرّحم وينيلُ الفقراء ويكسو العريان ويُشبع الجوعان ويُعطي الغارم ويشفق على اليتيم ويعينُ ذا الحاجة، وإنّ الكرم ثابتٌ لهؤلاء القوم حقيقةٌ ولغيرهم مجاز، إذ كلُّ واحدٍ منهم ضربَ فيه بالقدح المُعلّى فحاز منه ما حازَ فهم بحارٌ تجاوزت الغيوثَ سماحة ويبارون الليوث حماسة ويعدلون الجبال حلماً، فهم البحورُ الزاخرة والسُحُب الهامية الماطرة. يقول الشاعر:

فـما كـانَ مـن جـودٍ أتوهُ فإنّما      تـوارثَـهُ آبــاءُ آبـائِهم iiقـبلُ

وهـل منبتُ الخطيِّ إلاّ iiوشيجُهُ(2)      وتُغرسُ إلاّ في مغارسها النّخلُ (3)

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة الحشر: الآية 9.
(2) الوَشيج: شجرٌ تُصنع منها الرّماح.
(3) الفصول المهمّة لابن الصبّاغ: ص176.

الصفحة54

وفي هذا المعنى رُوي أنَّ أعرابياً وفد المدينة فسأل عن أكرم النّاسِ فيها فُدلّ على الإمام الحسين(ع) فدخلَ المسجد فوجدَ الإمام يصلّي فوقف بإزائه وأنشأ:

لم يَخِبِ الآنَ مَن رجاكَ ومَن      حـرَّكَ مِن دونِ بابِكَ iiالحَلقة

أنـت  جـوادٌ وأنت iiمعتَمَدٌ      أبـوك  قد كان قاتلَ iiالفسقَة

لـولا الذي كان من iiأوائِلِكُم      كـانت علينا الجحيمُ iiمنطبقة

فسلّم الإمام(ع) وقال: (ياقنبر هل بقي من مال الحجاز شي‏ء؟ قال نعم أربعة آلاف دينار فقال: هاتها قد جاء من هو أحقُّ بها منّا، ثمّ لفّ الدنانير وأخرج يده من شقّ الباب حياءاً من الأعرابي وأنشأ:

خـذهـا فـإنّـي إلـيكَ معتذرٌii      iiواعـلـم  بـأنّي عليك ذو شفقة
لو كان في سيرنا الغداةَ عصى
ً(1)      iiأمـسـت(2) سمانا عليك مُندَفِقة
لـكـنَّ ريـبَ الـزّمانِ ذو غِيَرii      iiوالـكـفُّ  مـنّـي قـليلةُ النّفقة

فأخذها الأعرابي وبكى فقال له الإمام(ع): (لعلّك استقللتَ ما أعطيناك). قال: لا ولكن كيف يأكلُ الترابُ جودك (3).

ورواية اُخرى في نفس المعنى، أنّ أعرابياً جاء إلى الإمام الحسين(ع) فقال:

ــــــــــــــــــــ

(1) الظاهر أنّ العصى كناية عن الأمر والحكم.
(2) لعلّ المعنى لو كان في سيرنا هذه الغداة ولاية وحكم أو قوّة لأمست يدُ عطائنا عليك مندفقة وتكون السماء كناية عن يد الجود والعطاء.
(3) جلاء العيون: ج2 ص24.

الصفحة55

ياابن رسول اللَّه ضمنت ديةً كاملة (1) وعجزتُ عن أدائِها فقلت في نفسي أسألُ أكرمَ الناس، وما رأيتُ أكرمَ من أهل بيتِ رسول اللَّه(ص) فقال الإمام(ع): (ياأخا العرب أسألك عن ثلاث مسائل، فإن أجبت عن واحدة أعطيتك ثلثَ المال، وإن أجبت عن اثنين أعطيتك ثلثي المال، وإن أجبتَ عن الكلّ أعطيتُكَ الكل).

فقال الأعرابي: ياابن رسول اللَّه أمثلُكَ يسألُ مثلي وأنت من أهلِ العلم والشرف؟! فقال الإمام(ع): (بلى سمعتُ جدّي رسول اللَّه(ص) يقول: المعروف بقدر المعرفة، فقال الاعرابي: سل عمّا بدالك، فإن أجبتُ وإلاّ تعلّمتُ منك ولا قوّةَ إلاّ باللَّه.

فقال الإمام(ع): أيُّ الأعمال أفضل؟ فقال الأعرابي: الإيمانُ باللَّه فقال الإمام(ع): فما النّجاةُ من الهلكة؟ قال الأعرابي: الثقةُ باللَّه، فقال الإمام(ع): فما يَزينُ الرّجل؟ قال: علمٌ معه حِلم قال: فإن أخطأه ذلك؟ قال الأعرابي: مالٌ معه مروءة قال الإمام(ع): فإن أخطأهُ ذلك؟ قال: فقرٌ معه صبر فقال الإمام(ع): فإن أخطأه ذلك؟ فقال الأعرابي: فصاعقةٌ تنزل عليه من السماء وتحرقهُ فإنّه أهلٌ لذلك.

فضحكَ الإمام(ع) ورمى بصرّةٍ إليه فيها ألفُ دينار، وأعطاه خاتمه وفيه فصٌّ قيمتُهُ مائتا درهم وقال: ياأعرابي أَعطِ الذّهبَ إلى غُرمائك، واصرف الخاتم في نفقتك)، فأخذ الاعرابي ذلك وقال:

ــــــــــــــــــــ

(1) الدية الكاملة ألف دينار لقتل الخطأ.

الصفحة56

 (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).(1).(2) وفي بعض الروايات فأنشأ الأعرابي يقول:

طَـرَبتُ  وما هاجَ لي معبقُii        ولا  لـي مـقـامٌ ولا مَـعْـشـقُ
ولـكن  طَرَبْتُ لآلِ الرّسول        iiفـلـذّ  لـي الـشِّـعرُ والمنطقُ
هُـمُ الأكرمونَ هُمُ الأنجبونii        iiنـجـومُ  الـسـماءِ بهم تُشرقُ
سبقتَ الأنامَ إلى الصّالحات        iiوأنـت الـجـوادُ فـلا تُـلـحـقُ
أبـوكَ الذي سادَ بالمَكْرُماتِii        iiفـقـصَّـرَ عـن سـبـقِهِ السُبَّقُ
بـه  فـتـح الـلَّـهُ بابَ الرّشادii        iiوبـابُ الـفسادِ بكم يُغلَقُ
(3)

وفي مثل اليوم الثاني من شهر محرّم سنة 61 للهجرة نزل الإمام الحسين(ع) مع مَن كان معه من أهل بيته وأصحابه أرض كربلاء (4).

أقول: نزلوا كربلاء ورايات الهاشميين ترفرف على رؤوس الهاشميات فكلّما رفعت واحدةٌ منهنّ رأسها رأت راية أبي الفضل العباس هو واخوته وبقيّة آل أبي طالب يحوطون بالعائلة الكريمة ولكن حرّ قلبي لها كيف خرجت من كربلاء شمرٌ عن يمينها وزجرٌ عن شمالها، وكلّما رفعت واحدةٌ منهنّ رأسها رأت رؤوس حماتِها على الرّماحِ العالية:

هذي نساؤُكَ مَن يكون إذا سرت      فـي الأسرِ سائقُها ومَن iiحاديها

أيـسوقُها  زجرٌ بضربِ iiمتونها      والـشمرُ  يـحدوها بسَبِّ iiأبيها

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأنعام: الآية 124.
(2) بحار الأنوار: ج44، ص196.
(3) ثمرات الأعواد: ج1 ص13.
(4) الملهوف للسيّد ابن طاووس: ص139.

الصفحة57

عـجباً  لـها بالأمسِ أنتَ iiتصونُها      والـيـومَ  آلُ اُمـيّـةٍ iiتـبـديها

*  *  *

مشينة  والدمع يجري اعله iiالخدود      وهـموم  الگلـب حـملان iiوتزود

عگب هـذا الولي المعروف iiبالجود      وعگب ذاك الأخو المگطوع iiالزنود

وعگب شـبه النبي العترب iiممدود      وعگب ذيـك الأقمار الصيد الأسود

    شـمر يحدي بضعنة وناگتي iiيگود

*  *  *

فـكم  دعـت زينبٌ والدّمعُ iiمنهملُ     هـذي الطفوفُ وفيها بالحشا iiشُعَلُ

أبـكي عـلى سادة بالطّف قد قُتلوا     بالأمس كانوا معي واليوم قد رحلوا 

وخـلَّفوا  فـي سويدا القلبِ iiنيرانا

لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الصفحة58

الليلة الثالثة                                                                              المجلس السادس

الخروج من مكّة المُكرّمة

فـداءٌ  لـمـثـواكَ مـن مـضـجَعِii        iiتنوَّرَ بالأبلجِ (1) الأَرْوَعِ (2)
بـأعـبـقَ مـن نـفـحـات الـجـناii        نِ رَوْحـاً ومـن مِـسكها أضوَعِ
ورعـيـاً لـيـومِكَ يومِ الطّفوفِii        iiوسَـقـيـاً  لأرضِكَ من مصرعِ
وحـزناً  عليكَ بحبسِ النُّفوسِii        عـلـى  نهجِكَ النيِّرِ المهيَعِ(3)
وصـونـاً لـمـجدِكَ من أَن يُذالَ        بــمــا أنــت تـأبـاه مـن مـبـدعِ
فـيـا  أيّـهـا الوَترُ في الخالدينii        iiفـــذّاً إلــى الآنَ لــم يُــشــفَــعِ
تـعـالـيـتَ مـن مُفزعٍ للحتوفii        فــبــورِك قــبـرُكَ مـن مَـفـزعِ
تــلــوذُ الــدُّهـورُ فـمـن سـجّـدٍii        عــلــى  جـانـبـيـه ومـن ركّـعِ
شـمَـمـتُ ثـراكَ فـهـبّ الـنّسيمُii        iiنـسـيـمُ  الـكـرامةِ من بلقعِ(4)
وعفّرتُ  خدّي بحيث استراح        iiخــدٌّ تــفــرّى ولــم يــضــرعِ
وحـيـثُ سـنـابِـكُ خـيلِ الطغاةِ        iiجــالَـت  عـلـيـه ولـم يـخـشـعِ
وطـفـتُ بـقبركَ طوفَ الخيالِ        iiبـصـومـعـةِ الـمـلـهَـم الـمـبدعِ
كـأنّ  يـداً مـن وراءِ الـضريحِ        حــمــراءَ مــبـتـورةِ الإصـبَـعِ

ــــــــــــــــــــ

(1) الأبلَج: هو الوضّاء.
(2) الأروع: مَن يعجُبك بحسنهِ أو شجاعته.
(3) المَهْيَع: البيّن الواضح.
(4) البلقع: الأرض القفرة.
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى