المجالس الحسنة

 
 

الصفحة59

تُـمَـدُّ  إلـى عـالَـم بـالـخـنـوعii        والضيمِ ذي شَرقٍ (1) مترعِ
لـتـبـدِلَ مـنـه جديَبَ الضَّميرِ        iiبــآخـرَ مـعـشـوشِـبٍ مُـمـرع
فـيـابـنَ الـبـتـولِ وحسبي بها        ضـمـانـاً عـلـى كـلِّ ما أدَّعي
ويـابـنَ  الـتـي لم يضَعْ مثلُها        iiكـمـثـلِـكَ حـمـلاً ولـم يُرضع
ويـابـنَ الـبـطـيـنِ بـلا بـطنةٍii        iiويـابـنَ الفتى الحاسِرِ الأنزعِ
ويـاغـصـنَ هـاشـم لـم ينفتحii        iiبــأزهــرَ مــنـكَ ولـم يُـفـرعِ
ويـاواصـلاً مـن نشيدِ الخلودِii        iiخـتـامَ الـقـصيدةِ بالمطلعِ
(2)

*  *  *

ــــــــــــــــــــ

(1) ذي شرق: ذي غصّة.
(2) هذه الأبيات من قصيدةٍ عصماء للشاعر الكبير محمّد مهدي الجواهري.
قال السيد داخل السيد حسن في الجزء الأول من كتابه (من لا يحضره الخطيب):
ولد الشاعر محمد مهدي الجواهري فى حدود سنة 1900م (في النجف الأشرف)، وهو ينتمي إلى أسرةٍ علميةٍ عريقة تعرف بأسرة آل صاحب الجواهر، وهو من أبرز شعراء العراق بل العرب المعاصرين قاطبةً.
له ديوان مطبوع في أربع مجلدات، وقصيدته العينية هذه هي من أروع ما قيل في الإمام الحسين(ع) وقد كتب منها خمسة عشر بيتاً على الباب الذّهبي في مشهد الإمام الحسين(ع)، ويقول الأستاذ الباحث محمد سعيد الطريحيّ في كتابه (أجراس كربلاء) إنّ الجواهري حدّثه عن اعتزازه الكبير بهذه القصيدة وقال له: إنها زادي إلى الآخرة.
توفي الجواهري في دمشق سنة 1999م، ودفن في ضاحية السيدة زينب(ع).

الصفحة60

روي أنّ الإمام الحسين(ع) قال قبل خروجه من مكّة إلى العراق: (الحمدُ للَّه ما شاءَ اللَّه ولا قوّة إلاّ باللَّه، وصلّى اللَّه على رسوله وآله وسلم، خُطّ الموتُ على وُلْدِ آدَمَ مخطَّ القِلادةِ على جيدِ الفتاة، وما أولهني (1) إلى أسلافي اشتياقَ يعقوبَ إلى يوسفَ، وخيرَ لي مصرعٌ أنا لاقيه كأنّي بأوصالي تقطّعُها عسلان(2) الفلوات بين النواويس وكربلا، فيَمْلأنَّ منّي أكراشاً جوْفاً وأجربة سُغُباً، لا محيصَ عن يومٍ خُطّ بالقلم، رضى اللَّهِ رضانا أهلَ البيت، نصبرُ على بلائه ويوفّينا أجورَ الصّابرين لن تَشذّ عن رسول اللَّهِ لُحمتُه، بل هي مجموعةٌ له في حضيرةِ القدس تَقَرُّ بهم عينُهُ، ويُنجزُ بهم وعدُهُ، مَن كان باذلاً فينا مهجته، موطّناً على لقاءِ اللَّهِ نفسه فليرحلْ معنا فإنّي راحلٌ مصبحاً إن شاء اللَّه تعالى) (3).

وكان خروج الإمام الحسين(ع) من مكّة متوجّهاً إلى العراق يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجّة فطاف بالبيت سبعاً وسعى بين الصّفا والمروة وأحلّ من إحرامِهِ وجعلها عمرةً لأنّه لم يتمكّن من تمام الحجّ مخافة أن يقبض عليه بمكّة ويرسل إلى يزيد بن معاوية، فخرج(ع) مبادراً بأهله وولده ومن انضمّ إليه من أهل البصرة والحجاز من شيعته ولم يكن قد بلغه بعدُ خبر مسلم بن عقيل(ع) (4).

وهذه الخطبة الشريفة صريحةٌ في تكذيب من يدّعي أن الإمام الحسين(ع) لم يكن يعلم بالمصير الذي ينتظرُهُ، وأنّه خرج طالباً للحكم والسلطان.

ــــــــــــــــــــ

(1) ما أولهني: ما أشدّ اشتياقي.
(2) عسلان الفلوات: ذئابُها.
(3) الملهوف للسيّد ابن طاووس: ص126.
(4) جلاء العيون: ج2 ص142 بتصرّف.

الصفحة61

فقوله(ع): (وكأنّي بأوصالي تقطّعها عُسلانُ الفلوات بين النواويس وكربلاء) لهوَ تصريح واضح وإِخبارٌ أكيد عن المُستقبل الذي ينتظرُه وأهل بيته وليس فيه إلاّ القتل في سبيل اللَّه تعالى، وإعلاء كلمته، وسقي شجرة الإسلام الذّابلة - ببدع الأمويينَ - بدمه ودماءِ أهل بيته وأصحابه.

وأمّا أنّه خرج طالباً للخلافة والزّعامة فادّعاءٌ باطلٌ بعد علم الإمام(ع) - كما صرّح في خطبته المتقدّمة - بالمصير الذي سيؤولُ إليه أمرُهُ وهو الشهادة ثمّ أنَّ الخلافة والسلطنة قد ترفع من كان دانياً، وتقدّم من كان متأخّراً، وتظهر نسبَ من كان خاملاً وأين هذا من بعض فضائل الإمام الحسين(ع) فلقد كان - لعمري - سلطانَ الدهر، وإمامَ الزّمان، وحجّة اللَّه على عباده ناهيك عن نسبه الوضّاح فهو ابن النبيّ المصطفى، وعليّ المرتضى، وفاطمة الزهراء وخديجة الغرّاء، وهو مع أخيه المجتبى سيدا شباب أهل الجنّة، وريحانتا رسول اللَّه(ص)، وما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيٍّ غيرُهُ بينهم:

مـن مـعـشـر حبُّهُمْ دينٌ وبغضهُمُii      iiكـفـرٌ وقـربُـهُـمُ منجىً ومعتَصمُ
إن عُـدَّ أهـلُ الـتُّـقى كانوا أئمّتهمii      أو قيلَ مَنْ خيرُ أهل‏ الأرض قيل: هُمُ
مـقـدّمٌ  بـعـد ذكـر الـلَّهِ ذكرُهُمُii      iiفـي كـلِّ بـدءٍ ومختومٌ به الكَلِمُ
(1)

وما أحسن ما تنبّه إليه ونبّه عليه المرحوم الشّهيد السيد محمّد الصدر

ــــــــــــــــــــ

(1) أبيات من قصيدة الفرزدق الخالدة في مدح الإمام زين العابدين(ع).

الصفحة62

 حيث حذَّر من تخيّل أهداف لنهضة الإمام الحسين(ع) كان مصيرها الفشل حيث لم تتحقّق فإنّ ذلك يقلّل من رفعة وسمو واقعة الطفّ فقال: أن يكون الهدفُ أمراً متحقّقاً إمّا في الحال أو في الاستقبال، ولا يجوز أن نطرح - لنهضة الإمام الحسين(ع) - هدفاً فاشلاً وغير متحقِّق أو غير قابل للتحقيق، فإنّ ذلك خلاف الحكمة الإلهيّة ولا يمكن أن ننسب ما هو فاشل وعاطل إلى الحكمة الإلهيّة، مثال ذلك: انّ الإمام الحسين(ع) لو كان قد استهدف من - نهضته المباركة النصر العسكري العاجل أو إزالة حكم بني‏اُميّة أو ممارسة الحكم في المجتمع فعلاً فهذه ونحوها من الأهداف التي لم تتحقّق وكان مصيرها الفشل وذلك لأنّها لم تحدث ولم يكن من الممكن أن تحدث، اذن فهذه كلّها لم تكن هدفاً للإمام وإِنْ تخيّلها البعض (1).

روى الشيخ المفيد؛ في (الإرشاد) عن الفرزدق أنّه قال: حججتُ بأمّي في سنة ستين فبينما أنا أسوق بعيرها حتى دخلت الحرم إذ لقيت الحسين(ع) خارجاً من مكّة فأتيتُهُ وسلّمت عليه وقلت له: أعطاك اللَّه سؤلك وأمّلك فيما تحب بأبي أنت واُمّي ياابن رسول اللَّه ما أعجلك عن الحج؟ قال: (لو لم أعجل لأُخذت ثمّ قال لي من أنت)؟ قلت: رجلٌ من العرب ولا واللَّه ما فتّشني - ما سألني - أكثر من ذلك، ثمّ قال: (أخبرني عن النّاس خلفك) فقلت: الخبيرَ سألت، قلوبُ الناس معك وسيوفهم عليك والقضاء ينزل من السماء واللَّهُ يفعل ما يشاء قال: (صدقتَ للَّهِ الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ وكلّ يوم ربّنا هو في شأن إن نزل القضاء بما

ــــــــــــــــــــ

(1) اُنظر: كتاب أضواء على ثورة الإمام الحسين(ع): ص58.

الصفحة63

 نُحب فنحمد اللَّه على نعمائه وهو المُستعانُ على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرّجاء فلم يُبعَدْ (1) مَن كان الحقُّ نيّتَهُ والتقوى سيرتَهُ)، فقلت له: أجل بلّغك اللَّهُ ما تُحب وكفاك ما تحذر وسألتهُ عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني وحرّك راحلته وقال: السلام عليك ثمّ افترقنا (2). ثمّ سار(ع) حتى إذا وصل إلى (زرود) علم بمقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وقد شوهدا وهما يجرّان في السوق بأرجلهما فقال(ع): (إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون). فنظر إلى بني عقيل فقال: (ما ترون فقد قُتلَ مسلم) فقالوا: واللَّه لا نرجع حتى نصيبَ ثارَنا أو نذوق ما ذاق فقال الإمام: (لا خير في العيش بعد هؤلاء) ثمّ سار حتى انتهى إلى (زبالة) فأتاه خبر عبداللَّه بن يقطر فأخرج كتاباً فقرأه عليهم:

(بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم أما بعد فإنّه قد أتانا خبرٌ فضيع قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبداللَّه بن يقطر وقد خذلنا شيعتنا، فمن أحبّ منكم الإنصراف فلينصرف في غير حرج ليس معَهُ ذمام) فتفرّق الناس عنه وأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه وإنّما فعل ذلك لأنّه(ع) علم أنَّ الأعراب الّذين اتّبعوه إنّما اتّبعوه وهم يظنّون أنّه يأتي بلداً قد استقامت له طاعةُ أهله فكره أن يسيروا معهُ إلاّ وهم يعلمون على ما يقدمون، ثمّ سار(ع) حتى نزل (شِراف) فلمّا كان في السّحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء وأكثروا ثمّ سار منها حتى انتصف النّهار فبينا هو يسير اذ كبّر رجلٌ من أصحابه فقال له الإمام الحسين(ع):

ــــــــــــــــــــ

(1) أي من الخير والنجاح والفلاح.                                                                                                          (من الحاشية)
(2) جلاء العيون: ج2 ص144.

الصفحة64

(اللَّهُ أكبر لمَ كبّرت)؟ قال رأيت النّخل فقال له جماعة من أصحابه واللَّه إنّ هذا المكان ما رأينا فيه نخلةً قط فقال له الإمام: (فما ترونَه)؟ قالوا نراه واللَّه آذان الخيل وأسنّة الرّماح قال(ع): (أنا واللَّه أرى ذلك مالنا ملجأ نلجأ إليه فنجعله في ظهورنا ونستقبل القوم بوجهٍ واحد)؟ فقلنا له: بلى هذا هو ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك فإن سبقت إليه فهو كما تريد فأخذ إليه ذات اليسار وملنا معه فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل وإذا هو جيش زهاء ألف فارس مع الحرّ بن يزيد الرياحي التميمي حتى وقف هو وخيلُهُ مقابل الحسين(ع) في حرّ الظهيرة والإمام وأصحابه متقلّدون أسيافهم فقال لفتيانه: (اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشّفوا الخيل ترشيفا) ففعلوا وكان آخر من وصل من أصحاب الحرّ هو عليّ بن الطعّان المحاربي فلمّا رأى الإمام الحسين ما به وبفرسه من العطش قال له: (أنِخ الرّاوية) - والراوية تعني الجمل بلغة الحجاز، والسِّقاء بلغة الكوفة - فلم يعرف كيف يشرب فقال له(ع): (أنِخ الجمل) ففهمَ ولكنه لم يستطع الشرب فقال له الإمام: (اخنث السّقاء) أي اعطفه فلم يدر كيف فقام الإمام بنفسه وسقاه الماء فارتوى وارتوى فرسُهُ، وهنا يخاطب أحد العلماء الإمام الحسين(ع) في ذلك فيقول:

سـقـيتَ عِـداكَ الـماءَ مـنكَ iiتـحنُّناً      بـأرضِ  فـلاةٍ حـيثُ لا يُـوجَدُ iiالماءُ

فـكيف  إذا تـلقى مُـحِبِّيكَ فـي iiغـدٍ      عَطاشى من‏ الأجداثِ ‏في‏ لهفةٍ جاؤوا(1)

ثمّ حضر وقت صلاة الظّهر فأمر الإمام الحسين(ع) الحجّاج بن مسروق

ــــــــــــــــــــ

(1) هذان البيتان للسيّد الحجّة ثقة الإسلام السيد محمّد الكشميري1. مقتل الحسين للمقرّم.

الصفحة65

 أن يؤذّن فلمّا حضرت الإقامة خرج الإمام فحمد اللَّه وأثنى عليه ثمّ قال: (أيّها النّاس إنّي لم آتكم حتى أتتني كتبكم وقدمت عليّ رسُلُكم أن أقدم علينا فإنّه ليس لنا إمام لعلّ اللَّه أن يجمعنا بك على الهدى والحقّ فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم فأعطوني ما أطمئنّ إليه من عهودكم ومواثيقكم وإن لم تفعلوا وكنتم لقدومي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئتُ منه إليكم) فسكتوا عنه ولم يتكلّم أحدٌ منهم بكلمة فقال الإمام(ع) للمؤذّن: (أقم)، فأقام الصلاة فقال للحرّ: (أتريد أن تصلّي بأصحابك)؟ قال: لا بل تصلّي أنت ونصلّي بصلاتك فصلّى بهم الإمام(ع) فدخل الإمام وانصرف الحُرُّ إلى مكانه ثمّ صار وقت العصر أمر الإمام الحسين(ع) أن يتهيَّأوا للرحيل ففعلوا ثمّ أمر مناديه فنادى بصلاة العصر وأقام فصلّى الإمام ثمّ سلّم وانصرف إليهم بوجهه فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد أيّها النّاس فإنّكم ان تتّقوا اللَّه وتعرفوا الحقّ لأهلهِ تكن أرضى للَّه عنكم ونحن أهل بيت محمّد(ص) وأولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان، وإن أبيتم إلاّ الكراهية لنا والجهل بحقّنا وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم وقدمت به عليَّ رسلكم انصرفت عنكم) فقال له الحر: أنا واللَّه لا أدري ما هذه الكتب والرّسل التي تذكر فقال الإمام(ع) لعقبة بن سمعان: (أخرج الخرجين الذين فيهما كتبهم إليّ)، فأخرج خُرجين مملوئين صحفاً فنثرت بين يديه فقال الحرُ: إنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك وقد أُمرنا إذا نحن لقيناك إلاّ نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيداللَّه بن زياد فقال له الإمام(ع): (الموتُ أدنى إليك من ذلك) ثمّ قال لأصحابه: (قوموا فاركبو) فركبوا


الصفحة66

 وانتظروا حتى ركبت نساؤهم، فلمّا أرادوا الانصراف حال القوم بينهم وبين الانصراف فقال الإمام(ع) للحرّ: (ثكلتكَ اُمُّكَ ما تريد)؟ قال له الحرّ: أما لو غيرُك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكرَ اُمّه بالثُّكل كائناً مَن يكون، ولكن واللَّه مالي إلى ذكر اُمّك من سبيل إلاّ بأحسن ما نقدرُ عليه فقال له الإمام: (فما تريد)؟ قال: إذن واللَّه لا أدعُك فترادّ القول ثلاث مرّات فلمّا كثر الكلام بينهما قال له الحرّ: إني لم أومر بقتالك إنّما أمرت إلاّ أُفارقك حتى أقدمك الكوفة فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة تكون بيني وبينك وسطاً حتى أكتب إلى الأمير عبيداللَّه فلعلّ اللَّه أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي بشي‏ءٍ من أمرك، فتياسرَ عن الطريق والحرُّ يسايرُهُ وهو يقول للإمام(ع): إني أذكرّك اللَّه في نفسك فإني أشهدُ لئن قاتلت لتُقْتَلَنّ فقال له الإمام(ع): (أفبالموت تخوّفني وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه):

سأمضي ومابالموت عارٌ على‏ الفتى      إذا  مـا نـوى حقّاً وجاهد مسلما

وواسـى الرّجالَ الصّالحين iiبنفسهِ      وفـارق  مـثبوراً وخالفَ iiمجرما

فإن  عُشتُ لم أندم وإن مِتُّ لم iiأُلَمْ      كفى  بك ذُلاً أن تعيشَ iiوتُرْغما(1)

ثمّ التفت الإمام الحسين(ع) لأصحابِهِ وقال: (من منكم يعرف الطريق على غير الجادّة فقال الطرمّاح أنا ياابن رسول اللَّه(ص) فقال له الإمام: تقدّم أمام الرّكب فتقدّم وجعل يرتجز ويقول:

ــــــــــــــــــــ

(1) الإرشاد للشيخ المفيد(ره): ص222 - 224.

الصفحة67

 

ياناقتي لا تذعَري من زجري      iiواسـر بنا قبل طلوعِ الفجرِ
بـخـيـرِ فتيانٍ وخيرِ سفرِii      iiآلِ رسـولِ الـلَّهِ آلِ الفخرِ
السادةِ البيضِ الوجوهِ الزُّهَرِii      iiالـضـاربينَ بالسيوفِ البترِ
الـطـاعنينَ بالرِّماحِ السُّمرii      iiيـامـالكَ  النّفعِ معاً والضُّرِ
أيّـد  حسيناً سيّدي بالنصرii      iiعـلى الطّغاةِ من بقايا الكفر
ِ

حتى وصلوا كربلاء ونزلوا بها ولسان حال العقيلة زينب:

طلعنة  بشملنه امن iiالمدينة      والـناس  كـانوا iiحاسدينه

ولـلغاضريه  مـن iiلـفينه      اجـتنه العده ودارت iiعلينه

والـكاتبتنه  اغـدرت iiبينه      وروحي بگت ولهه وحزينه

نـاديت  يـاعزنه وولـينه      يـحسين  سـدّر iiبالضعينه

وشوف  الجموع اگبلت لينه      اومـا  غـير قتلك iiرايدينه

ومـن تـنقتل ياهو يحمينه      نـاداها يختي اوجرت iiعينه

هـيهات  نـرجع iiلـلمدينه      لابــد يـزينب iiتـشوفينه

فـوگ الـرّمال iiامـذبّحينه      وتـتيسّر عـزيزتي iiسكينه

*  *  *

نـزل وبكربلا خيامه iiنصبها      ولـعد  الموت راياته نصبها

عـليه امقدّر من اللَّه نصبها      مصارعهم بهل التربه الزكيّه

*  *  *

ياقوم مااسم الأرض قالوا iiنينوى      قـال  اوضحوا عنها بغيرِ iiخفاءٍ


الصفحة68

قالوا تسمّى كربلا فتنفَّسَ الصُّعَدا      وقــالَ هُـنـا حـلولُ iiفـناءِ

حـطّوا  الرّحالَ فذا محطُّ iiرحالِنا      وهـنا تـكونُ مصارعُ iiالشُّهداءِ

وبـهذه  الأطـفالُ تذبحُ iiوالنّسا      تـعلوا عـلى قَـتَبٍ بغيرِ iiوطاءِ

وبـهذِهِ  تـتفتّتُ الأكـبادُ iiمِـن      حـرِّ  الـظّما وحرارةِ iiالرَّمضاءِ

لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الصفحة69

الليلة الرابعة                                                         المجلس السابع

حياة مسلم بن عقيل(ع)

 

حَـكَـمَ الإلهُ بما جرى في مسلمٍii      iiوالـلَّـهُ لـيـسَ لـحكمهِ تبديلُ
خـذلـوهُ وانقلبوا إلى ابنِ سميّةٍii      iiوعـن  ابـنِ فـاطمةٍ يزيدُ بديلُ
آوتـهُ  طـوعةُ مذ أتاها والعِدىii      iiمـن حـولِـهِ عدواً عليه تجولُ
فـأحـسَّ  مـنـها إبنُها بدخولهاii      iiفـي الـبيت أنّ البيتَ فيه دخيلُ
فمضى  إلى ابنِ زيادَ يُسرعُ قائلاًii      iiبـشـرى  الأمير فتىً نماهُ عقيلُ
فـدعـى الدعيُّ جيوشَه فتحزّبتii      iiيـقـفـو عـلى أثرِ القبيلِ قبيلُ
وأتـت  إليه فغاص في أوساطهاii      iiحـتّـى  تفلّلَ عرضُها والطوّلُ
يـسـطو  بصارمه الصّقيلِ كأنّهii      iiبـطُـلـى الأعادي حدُّهُ مصقولُ
حـتى  هوى بحفيرةٍ صُنَعت لهii      أهـوت عـلـيـه أسنّةٌ ونصولُ
فـاسـتـخرجوهُ  مثخَناً بجراحِهِii      iiوالـجسمُ  من نزفِ الدّماءِ نحيلُ
سـل ما جرى جُمَلاً ودع تفصيلَهii      iiفـقـلـيـلُهُ لم يُحصِهِ التّفصيلُ
قـتـلوهُ ثمّ رموهُ من أعلى البِناii      iiوعـلى الثّرى سحبوهُ وهو قتيلُ
ربـطـوا  برجليه الحبالَ ومثَّلواii      iiفـيـه  فـليتَ أصابني التمثيلُ
مذ فاجأ النَّاعي الحسينَ علت على      iiفـقـدانِ  مـسـلم رنّةٌ وعويلُ
ولـه  ابنةٌ مسحَ الحسينُ برأسهاii      iiوالـيـتمُ  مسحُ الرأسِ فيه دليلُ
لـمّـا أحسّت يتمَها صرخت ألاii      iiيـاوالـدي  حزني عليك طويلُ
قـال  الـحـسينُ أنا زعيمٌ بعدَهii      iiلا  تـحـزنـي وأبٌ لكِ وكفيلُ

الصفحة70

قـد مـات والدُها فأمّلت iiالبقا      في العمِّ لكن فاتها المأمولُ(1)

لسان حال اليتيمة حميدة بنت مسلم مع الحسين(ع):

يـعمي اعله ابويه أرد أنشدك      سـولفلي  عـنّه وآنه iiعندك

أشـوفن خـبر منّه iiمضهدك      مـقتول كـأنّه وحگ iiجـدّك

لـمّن سـمعها جـذب iiونّـه      وگال  اِلـها جاني الخبر iiعنّه

مـقـتول بـالـكوفه iiأظـنّه      وگطـعت  الرّجه وأيّست iiمنّه

*  *  *

ــــــــــــــــــــ

(1) من قصيدة للمرحوم السيّد صالح الحلي، الشهيد مسلم للمقرّم، ص216.
قال الأديب الخطيب الحاج الشيخ محمد باقر الإيرواني النجفي في ترجمة المرحوم السيد صالح الحلي في كتابه (ديوان شعراء الحسين(ع)):
هو أبو المهدي السيد صالح بن محمد بن حسين الحسني الحسيني الحِلي خطيبٌ شهير، وأديبٌ جري‏ء، وأستاذ متبحّر، ولد في مدينة الحِلّة في العراق عام 1290هـ، وبعد أن نشأ وترعرع وبلغ الثامنة عشر من العمر هاجر إلى دار العلم - النجف الأشرف - واتّجه لطلب العلم من أهلِهِ وذويه فقرأ المقدّمات على أساتذة أعلام منهم الشيخ عبدالحسين الجواهري والشيخ سعيد الحلّي، ثمّ درس علم الأصول على السيد عدنان السيد شبّر والشيخ علي بن الشيخ باقر الجواهري والشيخ ملّا كاظم الخراساني - صاحب الكفاية - ، وتناول الفقه من فقهاء بارزين منهم الشيخ جواد محيي الدين وغيره، ويقول في مكان آخر من ترجمته:
وقد وصفه العلّامة المرحوم الشيخ محمّد السماوي في كتابه (الطليعة) فاضلٌ مشاركٌ في العلوم شديد العارضة، وخطيبٌ بارعٌ في فنّ الخطابة، ونائحٌ إذا ذكر الحسين(ع) أذاب القلب وأجراه من العين، ومحاضرٌ حسن المحاضرة لطيف المذاكرة جميل المعاشرة وتكفيه فخراً شهادة بعض العباقرة فيه بقوله: انه خطيب العلماء، وعالم الخطباء.
توفّي في النجف الأشرف في 29 شوال ليلة السبت عام 1359هـ، ودفن في (مقام المهدي) بوادي السلام في النجف الأشرف.

الصفحة71

روى الشيخ الصدوق؛ في (الأمالي) عن ابن عباس قال: قال عليٌّ أمير المؤمنين(ع) لرسول اللَّه(ص): يا رسول اللَّه إنّك لتحبّ عقيلاً قال: اي واللَّه إني لأحبُّهُ حبّين حبّاً له وحبّاً لحبِّ أبي طالب له، وإنّ ولَده لمقتولٌ في محبّة ولدك فتدمع عليه عيونُ المؤمنين وتصلّي عليه الملائكة المقرّبون، ثمّ بكى رسول اللَّه(ص) حتّى جرت دموعُهُ على صدره ثمّ قال إلى اللَّهِ أشكو ما تلقى عترتي من بعدي (1).

السّفير مسلم هو ابن عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلّب الهاشمي، وعقيل والد مسلم علّامة نسّابة كان أنسب قريش وأعلمهم بأيّام الناس وأخبارهم وكان سريع البداهة حاضرَ الجواب، فطناً ذكيّاً يتوقّد فطنةً ويُقطّر حماسة، وكان من الأساتذة المدرّسين لعلوم العرب الرّائجة في ذلك العصر توضع له طنفسة - سجّادة - في مسجد رسول اللَّه(ص) ويستند إلى سارية من سواري المسجد فيجتمع إليه طلّاب هذه العلوم العربيّة فيحملون عنه علمَ النّسب والشعر وأخبار الناس وأيّامها يعني علم التأريخ العربي، ولعقيل يداً في الحديث والفقه والتفسير، وكان مكفوفاً مديدَ القامة مفخراً للأماجد، يقول حسّان بن ثابت الأنصاري في رثاء جعفر الطيّار:

ومـا  زال في الإسلام من آلِ iiهاشمٍ      دعـائـمُ عــزٍّ لا تُـرامُ iiومـفخرُ

بـهاليلُ  مـنهم جـعفرٌ وابـنُ iiاُمهِّ      عـلـيٌّ  ومـنهمُ أحـمدُ iiالـمتخيَّرُ

وحـمزةُ  والـعبّاسُ مـنهُمْ iiومنهُمُ      عقيلٌ وماءُ العودِ من حيثُ يُعصَرُ(2)

ــــــــــــــــــــ

(1) آمالي الشيخ الصدوق؛ المجلس السابسع والعشرون: ص111 الحديث 3.
(2) سفير الحسين للعلّامة الشيخ عبد الواحد المظفّر: ص5 - 6.
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى