الصفحة72
ويقول المحقّق المقرّم في حقّه: لقد كان عقيلُ بن أبي طالب أحد أغصان الشجرة
الطيّبة ومّمن رضي عنهم رسول اللَّه(ص)، فإنّ النظرة الصحيحة في التأريخ تفيدنا
اعتناقه الإسلام أوّل الدعوة وكان هذا مجلبةً للحبِّ النبوي حيث اجتمعت فيه شرائط
الولاء، من رسوخ الإيمان بجوانحه، وعمل الخير بجوارحه، ولزوم الطاعة في أعماله،
واقتفاء الصّدق في أقواله فقول النبيّ(ص): (إنّي أحبّ عقيلاً حبّين حبّاً له وحبّاً
لحبّ أبيطالب له)، إنّما هو لأجل هاتيك المآثر، اذاً فحسب عقيل من العظمة هذه
المكانة الشامخة (1).
واُمّه أُمّ ولد تسمّى (عُليّة) أصلها من النبط ومن أشرافهم، والنبطُ هم سكّان
العراق القدماء (2).
ولد مسلم بن عقيل(ع) في دار أبيه المعروفة (بدار عقيل) في المدينة ثمّ صارت بعد ذلك
مقبرة لآل أبي طالب وهي في أوّل البقيع، ولم تعرف سنةُ ولادته تحقيقاً
(3)، نعم لم
ينص ولا واحد من المؤرّخين على سنة
ميلاده ولكنّ المحقّقين حاولوا معرفة ذلك - ولو تقريباً - فكانت النتيجة هي انّ عمر
الشهيد مسلم حين بعثه الإمام الحسين(ع) سفيراً له إلى أهل الكوفة قد تجاوز الخمسين
عاماً.
يقول المحقّق المرحوم السيد عبدالرزاق الموسوي المقرّم:
ــــــــــــــــــــ
(1) الشهيد مسلم للعلّامة المرحوم السيّد عبدالرزاق المقرّم: ص25.
(2) سفير الحسين: ص7.
(3) سفير الحسين: ص12.
الصفحة73
جعل الإمام أمير المؤمنين(ع) على ميمنةِ جيشهِ في صفّين الإمامين الحسن والحسين
وعبداللَّه بن جعفر ومسلم بن عقيل ومن المعلوم أنّ مَن يجعله أمير المؤمنين(ع) في صفّ
الحسن والحسين(ع) البالغين نحواً من خمس وثلاثين سنة لابُدّ وأن يقاربَهم في السّن،
وحينئذٍ لا أقل أن يقدّر عمر مسلم ابن عقيل بالثلاثين وتكون ولادته سنة سبع أو تسع
للهجرة وله يوم شهادته أكثر من خمسين سنة (1). ويقول أيضاً: وإذا أخذنا بنصّ
الواقدي كانت المسافة أبعد قال: لمّا
دخل المسلمون مدينة (البهنسا) (2) بعد حصارٍ طويل دخل مسلم بن عقيل في جملة الهاشميين
وهو يقول:
ضـناني الحربُ والسهرُ iiالطّويلُ وأقـلـقني الـتسهّدُ والـعويلُ
فـواثارات جـعفر مـع iiعـليٍّ ومـا أبـدى جـوابُكَ iiيـاعقيلُ
سـأقـتلُ بـالمهنّد كـلَّ iiكـلبٍ عسى في الحربِ أن يَشفى الغليلُ
وكان فتح البهنسا أيام عمر بن الخطّاب، فإنّ من يخرج في صفّ المجاهدين أيام ابن
الخطّاب لابُدّ وأن يبلغ على الأقل عشرين سنة وحينئذٍ تكون ولادته في أوائل الهجرة.
وأما وصفه فقد قال الفاضل الدربندي في (أسرار الشهادة): بنفسي شجاعاً.
ــــــــــــــــــــ
(1) الشهيد مسلم بن عقيل: ص50 - 52.
(2) قال الحموي في (معجم البلدان) البَهْنَسا: مدينة بمصر من الصعيد الأدنى غربي
النيل.
الصفحة74
ويقول الصّديق في شأنه: أرسلَ الحسين(ع) مسلم ابن عقيل إلى الكوفة وكان مثلَ الأسد،
ولقد كان من قوّته أنّه يأخذ الرجل بيده فيرمي به فوق البيت، ويقول العدوُّ في حقّه
(1): ياابن زياد أتظنّ أنّك بعثتني إلى بقّالٍ من بقاقلةِ الكوفة أو جرمقان
(2) من
جرامقةِ الحيرة، ألم تعلم أنّك بعثتني إلى أسدٍ ضرغام وسيفٍ حسام في كفِّ
بطلٍ همام من آل خير الأنام، وقال الزركلي في الأعلام: مسلمُ بن عقيل المقتول سنة
60هـ الموافق سنة 680م تابعي من ذوي الرأي والعلم والشجاعة.
هذا هو إذن مسلم بن عقيل سفير الإمام الحسين(ع) إلى أهل الكوفة. الفقيه، والمجاهد،
والشجاع، والثابت على المبدأ الحقّ، قال الشاعر في حقّه:
تـصفّحتُ أخبارَ السّفارةِ لم iiأجد سـفيراً يـداني مسلمَ بن iiعقيلِ
أرى ذكرَهُ حيّاً وإن غابَ شخصُهُ لـدى كلِّ دورٍ في الحياةِ iiوجيلِ
فـتىً ينتقيه السبطُ سبطُ iiمحمّدٍ مـتى تسمحُ الدّنيا له iiبمثيلِ(3)
فعلى مثلِ مسلم فليبكِ الباكون ويضجّ الضاجّون كيف لا وقد بكى عليه الرسول الأعظم(ص)
قبل أن يقتل وعدّ البكاءَ عليه من علائم الإيمان كما في الحديث الّذي صدّرنا به هذا
المجلس حيث قال أمير المؤمنين(ع) لرسول اللَّه(ص):
ــــــــــــــــــــ
(1) هذه الكلمة قالها محمّد بنالأشعث قائدالجيش الذي قاتل مسلم بن عقيل(ع). الشهيد
مسلم: ص165.
(2) جرامقةُ الشام: أنباطُها، واحدهم جُرْمُقاني. (لسان العرب)
(3) سفير الحسين للشيخ عبد الواحد المظفّر، وأبيات الشعر له(ره).
الصفحة75
(أتحبُّ عقيلاً؟ قال: اي واللَّه
أحبّه حبّين حبّاً له وحبّاً لحبّ أبي طالبٍ له وإنّ ولده -أي مسلم لمقتولٌ في
محبّة ولدك - أي الحسين(ع) - تدمع عليه عيون المؤمنين وتصلّي عليه الملائكة
المقرّبون) ثمّ بكى رسول اللَّه وقال: (إلى اللَّه أشكو ما تلقى عترتي من بعدي)،
وهذا النصّ كافٍ في رجحان البكاء عليه، فإنَّ إخبار النبي(ص) عن بكاء المؤمنين وارد
لبيان كون البُكاء محبوباً للرسول حيث رتّب البُكاء على شهادة مسلم النّاتجة عن
محبّة الإمام الحسين(ع)، ثمّ قرن النبيّ(ص) البُكاء على مسلم بصلاةِ الملائكة
المقرّبين، وهل يصحّ القول بأنّ صلاةَ الملائكة عليه غير محبوبة للَّه سبحانه،
فإذاً بكاء المؤمنين وصلاة الملائكة على مسلم بن عقيل المترتبان على شهادته ممّا
يرغب فيه الرّسول وهو محبوبٌ للَّه سبحانه (1).
فعلى مثل مسلم فليبكِ المؤمنون كما بكى رسول اللَّه(ص)، فإنّه(ع) قُتل غريباً، وقُتل
وحيداً، وقُتل عطشاناً وذلك عند ما جيء به إلى قصر الإمارة فرأى على باب القصر
قُلّةً (2) مبرّدة فقال: اسقوني من هذا الماء فقال
له مسلمُ بن عمرو الباهلي: لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنّم قال
مسلم(ع): من أنت؟ قال: أنا مَن عرف الحقّ إذ أنكرتَهُ ونصحَ لإمامِهِ اذ غششتَهُ فقال
له ابن عقيل: لاُمِّك الثُّكل ما أقساك وأفظّك!! أنت ياابن باهله أولى بالحميم ثمّ
جلس وتساند إلى حائط القصر، فبعث عمارة ابن عقبة بن أبي معيط غلاماً له يدعى قيساً
فأتاه بالماء وكلّما أراد
ــــــــــــــــــــ
(1) الشهيد مسلم: ص193.
(2) القُلّة: الجرّة أو الكوز.
الصفحة76
مسلم(ع) أن يشرب امتلأ القدح دماً وهكذا الثانية وفي
الثالثة ذهب ليشرب فامتلأ القدح دماً وسقطت فيه ثناياه (1) فتركه وقال: لو كان من الرزق
المقسوم لشربتُهُ.
وخرج غلام ابن زياد فأدخله عليه فلم يسلّم فقال له الحرسي: ألا تسلّم على الأمير؟
قال له: اسكت إنّه ليس بأمير فقال ابن زياد: سلّمت أو لم تسلّم إنّك مقتول فقال
مسلم: إن قتلتني فلقد قَتل من هو شرٌّ منك من هو خيرٌ منّي وبعد فإنّك لا تدع سوءَ
القتلة ولا قُبح المُثلة وخبثَ السَّريرة ولؤمَ الغلبة لأحدٍ أولى بها منك فقال ابن
زياد: لقد خرجت على إمامك وشققت عصا المسلمين وألقحت الفتنة قال مسلم: كذبت إنّما
شقّ العصا معاوية وابنُه يزيد، والفتنة ألقحها أبوك، وأنا أرجو أن يرزقني اللَّهُ
الشهادة على يد شرّ بريّته، ودار بينهما كلام مثل ما تقدّم حتى أمر ابن زياد رجلاً
شاميّاً أن يصعد بمسلم(ع) إلى أعلا القصر ويضرب عنقه ويرمي رأسَهُ وجَسدَهُ إلى
الأرض، وفعلاً أصعَدهُ إلى أعلا القصر وهو يسبّح اللَّه ويهلّلُهُ ويكبّر ويقول:
اللّهمَّ احكم بيننا وبين قومٍ غرّونا وخذلونا وكذّبونا، وتوجّه نحو المدينة وسلّم
على الحسين(ع) (2).
صعدوا بمسلم والدّمع يجري من العين
اتوجّه بوجه للحجاز يخاطب حسين
ــــــــــــــــــــ
(1) الثّنايا: هي أسنان مقدّم الفم.
(2) الشهيد مسلم: ص186 - 188.
الصفحة77
|
يحسين انا مقتول ردّوا لا تجوني ii خانوا هل الكوفه عگب ما بايعوني
ولـلـفاجر ابن زياد كلهم سلّمونيii iiمـحزون ونتو ياهلي عنّي بعيدين |
* * *
ياليت هل الدّم الذي يجري على الگاع iiمسفوح بين ايديك يامكسور الضلاع
يحسين منّك ما حضيت بساعة وداعii iiبـيـنـي وبينك ياحبيبي فرّگ البين
وأشرف به الشامي على موضع الحذّائين وضرب عنقَهُ ورمى برأسه وجسدهِ إلى الأرض،
وامسلماه، واسيّداه، واشهيداه، واغريباه.
المگدّر جره وشاعت أخبارهii iiرموه الگوم من قصر الإماره
وهاني انقتل بعده وبگت داره iiمـظلمة ولا بعد واحد يصلها
* * *
مصيبتهم مصيبه تصدع iiالأجبال ومن گبل المشيب تشيب الأطفال
شـفت مـيّت يجرّونه iiبالحبال يـصاحب لا تظن صارت iiمثلها
* * *
عگب هذااطلعت مذحج امن الدّور وشگت لـعد هاني ومسلم iiگبور
بـس جـثة حسين بيوم iiعاشور ظـلّت بـالشمس والـدم iiغسِلْها
* * *
الصفحة78
ياسائلاً وشظايا القلب في iiشجن هـل جهَّزوا لقتيلٍ مات iiممتَحنِ
أجبتُهُ بفوُادٍ خافقٍ وَهِنِ
مـا غسَّلوهُ ولا لَفَّوه في iiكفنِ يوم الطفوف ولا مدُّوا عليه ردا
لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم
وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين
الصفحة79
الليلة الرابعة المجلس الثامن
مسلم سفيرُ الإمام الحسين(ع)
|
بـكتكَ دماً يابنَ عمِّ الحسينii iiمـدامـعُ شـيعتِكَ السّافحة
ولا بـرحت هاطلاتُ العيونii iiتـحـيـيـكَ غـاديةً رائحة
لأنّـكَ لـم تَـروَ من شربةٍii ثـنـايـاك فيها غدت طائحة
رموكَ من القصر إذ أوثقوكii iiفـهل سَلِمَتْ فيك من جارحة
وسـحـبـاً تُـجَرُّ بأسواقِهِمii iiألـسـتَ أمـيـرَهُمُ البارحة
أتـقـضي ولم تبككَ الباكيات أمـا لكَ في المصر من نائحة
لئن تقضي نحباً فكم في زرود iiعـلـيك العشيّةَ من صائحة
وكـم طـفـلةٍ لك قد أعولتii iiوجـمرتُها في الحشا قادحة
يـعـزّزها السبطُ في حجرِهِii iiلـتـغـدوَ فـي قربِهِ فارحة
فـأوجـعـهـا قلبُها لوعةًii iiوحـسّـت بـنكبتها القارحة
تـقـولُ مضى عمُّ مني أبيii iiفـمـن لـيتيمتِهِ النّائحة(1) |
ــــــــــــــــــــ
(1) الأبيات السبعة الاُولى من هذه القصيدة للمرحوم السيد باقر الهندي، والأبيات
الأربعة الأخيرة للمرحوم الشيخ قاسم الملّا الحِلي. الشهيد مسلم: ص209.
قال السيد جواد شبر في (أدب الطف) الجزء الثامن ص224:
السيد باقر ابن السيد محمّد ابن السيد هاشم الهندي الموسوي النجفي، عالمٌ فاضلٌ،
وأديبٌ شاعر ظريف لطيف حسن الأخلاق حلو المعاشرة له مراثي كثيرة في أهل البيت: لا
زالت تُقرأ وتعاد في مجالس العزاء، ويحفظها الجم الكثير من رواد المجالس حتى
العوام، وسمعت من علماء النجف الأشرف أنه كان إذا حدّث لا يملّ حديثه، وينظم الشعر
باللغتين الفصحى والدارجة.
الصفحة80
ــــــــــــــــــــ
ولد في النجف الأشرف سنة 1284هـ ونشأ بها، وفي
عام 1298هـ سافر بصحبة والدهِ إلى سامراء لتلقي العلم من الإمام الشيرازي ثمّ رجع
مع أبيه سنة 1311هـ وعندما حلّ بسامراء أخذ الفقه والأصول من بعض الأساتذة هناك.
كان شديد الولاء لأهل البيت: عظيم التعلّق
بمودّتهم، وقال يمدح الإمام أمير المؤمنين7 من رائعة تتكون من 90 بيتاً مطلعُها:
ليس يدري بكنه ذاتِكَ ما هو
يابن عمِّ النبيِّ إلا اللَّهُ
إلى أن يقول:
قـلت لـلقائلين في أنك اللَّهُ أفـيـقوا فـاللَّهُ قـد iiسـوّاهُ
هـو مـشكاة نورِهِ iiوالتجلّي
سـرُّ قـدسٍ جـهلتُمُ iiمـعناهُ
قد براهُ من نوره قبل خلقِ ال خـلقِ طُـرّاً وبـاسمِهِ iiسمّاهُ
وحـباهُ بـكلِّ فـضلٍ iiعظيم وبـمقدارِ مـا حـباهُ iiابـتلاه
مرض في أواخر شهر ذي الحجّة الحرام من سنة
1328ه’، وانتقل إلى جوار ربّه في أول يوم من المحرّم من سنة 1329ه’ ودفن بجوار
والدِهِ في دارهم في النجف الأشرف.
ورثاه شقيقهُ العلامة الكبير شيخ الأدب السيّد
رضا الهندي بقصيدةٍ أوّلها:
ما كان ضرَّ طوارقَ الحدثانِ
لو كان قبلكَ سهمُهُنَّ رماني
ياليت أخطاك الـرّدى أو أنّه
لمّا أصابك لم يكن أخطاني
* * *
الشيخ قاسم الملا :
قال الشيخ محمد علي اليعقوبي في ج4 من كتابه
(البابليّات):
ولد في الحلة سنة 1290هـ كما أخبرني هو بذلك،
وهو ثاني أنجال الشيخ محمّد الملّا، ولم يقم بعده من أولاده الأربع من ينوب عنه في
الحِلة أدباً وخطابة سوى صاحب الترجمة فقد كان أشدّهم ملازمة له، وأوفرهم حظوةً
لديه.
الصفحه 81
مـن اجـت عد عمها iiحميده گعـدت تـون ونّـه iiشديده
تگلـه يـعمي ابـوي iiأريده أشـو سـفرته صارت iiبعيده
يگلـها وبگه يـصفگ iiبإيده بـالكوفه أبـيّك بگه iiوحـيده
وأهل الغدر گطعوا وريده
صاحت وتجري الدّمع عل خد يـتيمة صـرت الـلَّه iiولحّد
* * *
من كتابٍ لإمامِنا الحسين(ع) بعثه إلى أهلِ الكوفة: (إني باعثٌ إِليكم أخي وابنَ عمّي
وثقتي من أهل بيتي مسلمَ بنَ عقيل) (1).
بعد أن عرفت في المجلس السابق نسب الشهيد مسلم، ومكانتَهُ، وفضلَهُ وجهادَهُ تعال
معي في هذا المجلس لنقف على قصّةِ إرساله من قبل الإمام الحسين(ع) سفيراً له لأهل
الكوفة. لنأخذ الدروس والعِبر من هذا السّفير الحسيني، والمجاهد العقيلي. وننتفع من
تفانيه في سبيل المبدأ والعقيدة.
قال الشيخ المفيد في (الإرشاد): ودعى الإمام الحسين(ع) مسلمَ بن عقيل فسرّحَهُ مع قيس
بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبداللَّه السلولي
ــــــــــــــــــــ
وقال السيد جواد شبر في (أدب الطف): الشيخ قاسم من خطباء الحلة ناظماً وناثراً
وخطيباً محقّقاً له شهرته الخطابيّة، عاش 84 سنة حيث ودّع الحياة ليلة الأربعاء
رابع ربيع الثاني سنة 1374هـ، وحمل إلى النجف بموكبٍ من الحليين، ودفن بوادي
السلام، وأقيمت له الفواتح، ورثي بكثير من القصائد.
(1) الإرشاد للشيخ المفيد: ص204.
الصفحه 82
وعبد اللَّه وعبد الرّحمن ابني شدّاد
الأرحبي وأمره بالتقوى، وكتمان أمره، واللطف، فإن رأى النّاس مجتمعين مستوسقين عجّل
إليه بذلك.
فأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلّى في مسجد رسول اللَّه(ص) وودّع من أحبّ من أهلِهِ
واستأجرَ دليلين من قيس فأقبلا به يتنكبان الطريق فضلّا وأصابهما عطشٌ شديد فعجزا
عن السّير فأومئا له إلى سنن الطريق بعد أن لاح لهما ذلك فسلك مسلم ذلك فنجا ومات
الدليلان عطشاً. فكتب مسلم ابن عقيل من الموضع المعروف (بالمضيق) مع قيس ابن مسهر
الصيداوي إلى الإمام الحسين(ع): أما بعد فإني أقبلتُ من المدينة مع دليلين فضلّا
واشتدّ عليهما العطش فلم يلبثا أن ماتا فلم ننجُ إلاّ بحشاشةِ أنفسِنا وذلك الماء
بمكانٍ يُدعى المضيق من بطن الخبت وقد تطيّرت (1) من توجّهي هذا فإن رأيت أعفيتني وبعثت
غيري والسلام.
والطيرةُ عادةٌ جاهليّة نهى عنها الإسلام. وملخّصها هو أن العربي إذا أراد سفراً
يطلق طيراً في الهواء فإذا سار من اليمين إلى اليسار سُمّي البارح، وإذا سار من
اليسار إلى اليمين سُمّي السّانح، وأهل الحجاز يتشاءمون بالسانح، وأهل نجد يتشاءمون
بالبارح، وكانت العرب تتشاءم برؤية الأعور أو الشاة ذات القرن الواحد وما شابه ذلك،
فعندما جاء الإسلام حارب هذه العادة أشدّ المحاربة حتى جاء في الحديث: (مَن أرجعتهُ
الطِيرةُ عن حاجةٍ فقد أشرك) أو الحديث: (فإذا تطيّرت فامض) (2)، ولم يحكِ اللَّه
تعالى التطيّر إلا عن أعداء الرّسل:
ــــــــــــــــــــ
(1) قال الفيومي في (المصباح المنير): الطِيَرة وزن عِنَبة وهي التشاؤم. انتهى.
(2) الشهيد مسلم للمحقّق المقرّم: ص85.
الصفحه 83
(إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ
وَلَي’َمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ × قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ
ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) (1).
وإلى هذه العادة أشار الكميت الأسدي في إحدى روائعه الخالدة:
ولا أنا ممّن يزجُرُ الطيرُ iiهمَّهُ أصاح غرابٌ أم تعرّض ثعلبُ
ولا السّانحاتُ البارحاتُ iiعشيّةً أمرَّ سليمُ القرن أم مرَّ iiأعضَبُ(2)
قال السيد المقرّم: لقّد تجلّى ممّا ذكرناه من رفع الطيرة في الشريعة الافتراء على
مسلم بن عقيل في كتابه إلى الحسين(ع): إني تطيّرت من وجهتي هذه فإن رأيت أن تعفيني
وتبعث غيري، فيكتب إليه الإمام: (أما بعد فقد خشيت ألا يكون الذي حملك على هذا إلاّ
الجبن فامض لوجهك الذي وجّهتك له)، فإنّ المتأمّل في صك الولاية الذي كتبه سيّد
الشهداء لمسلم بن عقيل لا يفوته الإذعان بما يحملُهُ من الثبات والطمأنينة ورباطة
الجأش إنّه لا يهاب الموت، فتلك الجملة التي جاء بها الرواة وسجّلها ابن جرير
للحطِّ من مقام ابن عقيل الرفيع جاءت متفكّكة الأطراف واضحة الخلل كيف وأهل البيت
ومن استضاء بأنوار تعاليمهم لا يعبأون بالطيرة ولا يقيمون لها وزناً، وليس العجب من
ابن جرير إذ سجّلها ليشوّه بها مقام شهيد الكوفة كما هي
ــــــــــــــــــــ
(1) سورة يس: 18 - 19.
(2) يزجرُ الطير: أي ينهى، وسليم القرن: الذي له قرنان سالمان، والأعضب هو مكسور
القرن.
الصفحه 84
عادته في رجالات هذا البيت ولكنّ العجب كيف خفيت على بعض أهل النظر والتدقيق
(1).
ثمّ أقبل مسلم(ع) حتى دخل الكوفة فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة، وأقبلت الشيعة
تختلف إليه فكلّما اجتمع إليه منهم جماعة قرأ عليهم كتاب الحسين(ع) وهم يبكون حتى
بايعه منهم ثمانية عشر ألفاً، فكتب مسلم إلى الإمام الحسين(ع) يخبره بذلك ويقول: أما
بعد فإنّ الرّائدَ لا يَكْذِبُ أهلَهُ وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً
فإذا وصلك كتابي هذا فالعجل العجل والسلام، وكان هذا الكتاب قبل مقتل مسلم بسبعٍ
وعشرين يوماً (2).
ثمّ وصلت أخبار مسلم بن عقيل إلى والي الكوفة آنذاك وهو النعمان ابن بشير الذي كان
والياً على الكوفة أيّام معاوية فأقرّه يزيد عليها فصعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى
عليه ثمّ قال: أما بعد فاتّقوا اللَّه عباد اللَّه ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة
فإنّ فيها تهلك الرّجال وتسفك الدماء، وتغصب الأموال وإنّي لا أقاتلُ مَن لا
يقاتلني، ولا أتحرّش بكم، ولا آخذُ بالظّنةِ ولا التّهمة ولكنّكم إن أبديتم صفحتكم
لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم فواللَّهِ الذي لا إِلهَ غيرُهُ لأضربنّكم بسيفي
ما ثبت قائمُهُ بيدي... إلى آخر كلامه.
فقام إليه عبداللَّه بن مسلم بن ربيعة الحضرمي حليف بني أمية فقال له: إِنّه لا
يُصلح ما ترى أيّها الأمير إلا الغشم، وإِنّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين
ــــــــــــــــــــ
(1) الشهيد مسلم للمحقّق المقرّم: ص97 - 98.
(2) المصدر السابق: ص105 عن تاريخ الطبري.
الصفحه 85
عدوّك رأي المستضعفين. فقال له النعمان: لأن أكون من المستضعفين في طاعةِ اللَّه
أحبّ إليّ من أن أكون من الأعزّين في معصية اللَّه ثمّ نزل، وخرج عبداللَّه بن مسلم
وكتب إلى يزيد كتاباً قال فيه: أما بعد فإنّ مسلمَ بن عقيل قد قدمَ الكوفة وبايعتهُ
الشيعة للحسين بن علي بن أبي طالب فإن يكن لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً
قويّاً ينفّذ أمرك ويعمل مثلَ عملك في عدوّك فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو
يتضعّف، ثمّ كتب إليه عمارةُ بن عقبة وعمر بن سعد بن أبي وقاص مثلَ ذلك، فلمّا وصلت
الكتب إلى يزيد دعى سرجون مولى معاوية فقال له: ما رأيك إِنّ حسيناً قد أنفذ إلى
الكوفة مسلمَ بن عقيل يبايع له وقد بلغني عن النعمان ضعفٌ وقول سيّء فمَن ترى أن
أستعمل على الكوفة فقال له سرجون: أرأيت لو يشير لك معاوية حيّاً ما كنت أخذت
برأيه؟ قال: بلى فأخرج سرجون كتاباً كتبه معاوية في حياته ولّى فيه عبيداللَّه بن
زياد الكوفة، فقال سرجون ليزيد: ضمّ المصرين - الكوفة والبصرة - إلى عبيداللَّه
فقال يزيد: أفعل ذلك وفعلاً كتب من ساعته كتاباً ولّى عبيداللَّه بن زياد الكوفة
أيضاً وهذا نصّ الكتاب:
أما بعد، فإنه كتب إليّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أنّ ابنَ عقيل فيها يجمع
الجموع ليشقّ عصا المسلمين، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي الكوفة فتطلب ابن عقيل
طلب الخرزة حتى تقتله أو تنفيه والسلام، فلمّا وصله الكتاب أمر عبيداللَّه بن زياد
بالتجهّز بسرعة وخرج من البصرة بعد أن خلّف أخاه عثمان على البصرة وأقبل يسير ومعه
شريك ابن عبداللَّه الأعور الحارثي الهمداني البصري وحشمُه وأهلُ بيته حتى دخل
الكوفة
الصفحه 86
وعليه عمامة سوداء وهو متلثّم والناس قد بلغهم إقبال الحسين(ع) إليهم فهم
ينتظرون قدومَه فظنّوا حين رأوا عبيداللَّه أنه الحسين(ع) فأخذ لا يمرّ على جماعةٍ من
الناس إلاّ سلّموا عليه وقالوا: مرحباً بك ياابن رسول اللَّه قدمتَ خيرَ مقدم فرأى
من تباشرهم بالحسين(ع) ما ساءه فقال مسلم بن عمرو الباهلي - لمّا أكثروا في ذلك -
تأخرّوا هذا الأمير عبيداللَّه بن زياد، وسار حتى وافي القصر بالليل ومعه جماعة قد
التفّوا به لا يشكّون أنه الحسين(ع). فأغلق النعمان بن بشير والي الكوفة عليه الباب
وعلى خاصّته ثمّ أخرج رأسَهُ وهو يظن الحسين بالباب فقال: أنشدك باللَّه إلاّ
تنحيّت واللَّه ما أنا بمسلِّمٍ إِليكَ أمانتي ومالي إلى قتالك من حاجة، فقال
عبيداللَّه له: افتح لا فتحت فقد طال ليلُك فقالوا: هذا ابن مرجانة والذي لا إِله
غيرُه ففتح له النعمان ودخل القصر فلمّا أصبح نادى في الناس الصلاة جامعة فاجتمع
الناس فخرج وحمد اللَّه وأثنى عليه ثمّ قال: أما بعد فإنّ أمير المؤمنين يزيد
ولّاني مصركم وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم
كالوالد البَر وسوطي وسيفي على من ترك أمري وخالف عهدي، ثمّ أخذ الناس أخذاً
شديداً.
فلمّا سمع مسلم بن عقيل(ع) مجيء عبيداللَّه إلى الكوفة ومقالته التي قالها خرج من
دار المختار حتى انتهى إلى دار هاني بن عروة فدخلها، وأخذت الشيعة تأتي إليه في دار
هاني على تستّر واستخفاء من عبيداللَّه بن زياد
(1).
ــــــــــــــــــــ
(1) الإرشاد للشيخ المفيد: ص206 - 207.
|