المجالس الحسنة

 
 

الصفحه 87

وفي بيت الزّعيم المجاهد هاني بن عروة وقعت حادثة مهمّة سيبقى التأريخ يذكرها بفمٍ عاطر وهي: أن شريك بن عبداللَّه الحارثي جاء مع ابن‏زياد من البصرة إلى الكوفة ونزل دار هاني بن عروة، فعندما جاء مسلم(ع) ونزل معه قال شريك لمسلم (وكان شريك مريضاً آنذاك): سيأتيني ابن زياد عائداً فخذ السيف وادخل المخدع فإذا استقرّ به الجلوس اخرج إليه واقتله، والعلامة بيني وبينك هي أن أَرفع عمامتي وأضعها على الأرض. وفعلاً قام مسلم(ع) ودخل وحضر ابن زياد فعندما استقرّ به الجلوس أخذ شريك عمامته من على رأسه ووضعها على الأرض ثمّ وضعها على رأسه فعل ذلك مراراً ومسلم لم يخرج فنادى بصوتٍ عال يُسمع مسلماً:

مـا الانتظارُ بسلمى لا iiتحيُّوها      حيُّوا  سليمى وحيُّوا من iiيُحيِّيها

هل شربة عذبة أُسقى على ظمأٍ      ولـو  تلفتُ وكانت منيتي iiفيها

فـلو أحسَّت سليمى منك iiداهيةً      فـلستَ  تأمَنُ يوماً من دواهيها

وما زال يكرّرها ثمّ صاح بصوتٍ رفيع اسقونيها ولو كان فيها حتفي، فالتفت عبيداللَّه إلى هاني وقال: ابن عمّك يخلط في علّته فقال هاني: إنّ شريكاً يهجر منذ وقع في علّته وإنه يتكلّم بما لا يعلم، فلمّا ذهب ابن زياد وخرج مسلم قال له شريك: ما منعك من قتله؟ قال: منعني شيئان:

الأول: حديث سمعته عن عمّي أمير المؤمنين(ع) عن رسول اللَّه(ص): (إنّ الإيمانَ قيدُ الفتك فلا يفتك مؤمن).

والثاني: منعتني امرأةُ هاني وأقسمت عليّ باللَّه أن لا أفعل هذا في


الصفحه 88

 دارها وبكت في وجهي فقال هاني: ياويلها قتلتني وقتلت نفسها والذي فرّت منه وقعت فيه (1).

ولكنّ السبب المخفي في عدم فتك مسلم بابن زياد هو أنّ مسلم(ع) كان سفيراً للإمام الحسين(ع) وهذا اللون من القتل - ولو لعدوٍّ فاجرٍ فاسق - لا يناسب المنصب الذي شرّفه به الإمام(ع) يقول السيد المقرّم في ذلك:

فمسلم(ع) كبقيّة رجالات أهل هذا البيت الرّفيع أراد بفعله هذا وبقيّة أعماله أن يفيض على الأمّة دروساً أخلاقية لا تعدوه الأمة في التجنّب عن رذيلة الفتك والغدر فتستفيد به كما استفادت من كلّ فرد من شهداء الطفّ إباء ونخوة وحمية (2).

ولمّا خفي على ابن زياد مكان مسلم بن عقيل دعا رجلاً اسمه (معقل) وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وأمره أن يلقى الشيعة ويعرّفهم إنه من أهل الشام وقد أنعم اللَّه عليه بحبّ أهل البيت، وبلغه قدوم رجلٍ منهم يدعو للإمام الحسين وعنده مال يريد أن يوصله إليه.

وفعلاً جاء (معقل) ودخل الجامع الأعظم ورأى مسلمَ بن عوسجة الأسدي يصلّي وسمع الناس يقولون هذا يبايع للحسين اجتمع به وأوقفه على ما عنده فدعا له مسلم بن عوسجة بالخير والتوفيق وأخذ منه البيعة والمواثيق على الكتمان حتى لا يصل الخبر لابن زياد ثمّ أدخله على مسلم ابن عقيل في دار هاني بن عروة وسلّم المال إلى أبي ثمامة الصّائدي وكان

ــــــــــــــــــــ

(1) الشهيد مسلم للمحقّق المقرّم: ص138 - 139.
(2) المصدر السابق: ص141.

الصفحه 89

 قد عيّنه مسلم لقبض الأموال ليشتري بها السّلاح، فبقي معقل يراقبهم وينقل الأخبار إلى ابن زياد عند المساء. ولمّا عرف ابن زياد ان مسلم مختبئ في دار هاني دعا أسماء بن خارجة ومحمّد بن الأشعث وعمرو بن الحجاج الزبيدي وسألهم عن سبب انقطاع هاني بن عروة عنه فقالوا: المرض يمنعُهُ فلم يقتنع ابن زياد فركب هؤلاء الثلاثة وسألوه المصير إلى ابن زياد وألحّوا عليه فجاء معهم ولمّا دخل على ابن زياد قال:

(أتتك بخائنٍ رجلاه) والتفت إلى شريح القاضي وقال:

أريدُ حباءَه ويريدُ قتلي             عذيرك من خليلك من مرادِ

ثمّ التفت إلى هاني قائلاً: أتيتَ بابن عقيل إلى دارك وجمعت له السلاح فأنكر هاني ذلك فلمّا كثر الجدال دعا ابن زياد ذلك الجاسوس (معقل) ففهم هاني أنّ الخبر أتاه من جهتِهِ فقال هاني: لم أدعه إلى منزلي وإنّما استجار بي وإذا أذنت لي أخرجته من داري فأبى ابن زياد أن يطلق سراحه إلاّ أن يأتيه بمسلم، هنا صرّح هاني ابن عروة بعقيدته فقال: إنّ مسلم بن عقيل أحقُّ منك بالأمر وأنا سأقوم بحمايتك مع أهل بيتك حتى تخرجوا إلى الشام سالمين لأنّ مسلم أولى بالقيام على أمرِ الأمّة وإدارة شؤونها، فغضب ابن زياد من كلام هاني وألحّ عليه بالإتيان بابن عقيل فأفهمه هاني بأنّ هذا محالٌ عليه ويأباه دينه وعقيدته وقال: لو كان ابن‏عقيل تحت قدمي لما رفعتهما عنه، فأغلظ له ابن زياد في القول وتهدّده بالقتل فتعجّب هاني من جرأته وهو واحد ويتبع ابن عروة ثلاثون ألفاً


الصفحه 90

 من الرجال الأشداء فاستدناه ابن زياد وضرَبه على وجهِهِ حتى كسر أنفَهُ ونثرَ لحمَ خدّيه وجبينه وسال الدم على لحيته وهاني يستغيث فلا يُغاث ثمّ أمر به ابن زياد إلى الحبس (1) وعندما علم مسلم بن عقيل(ع) بذلك عجّل الخروج لعلّه يستطيع أن ينقذ حياة هاني بن عروة. فنادى المنادي بكلمة السر وهي (يامنصورُ أمِتْ) (2) فخرج الكوفيّون وأحاطوا بقصر الإمارة وضاق الخناق على ابن زياد فلم يكن أمامَه من حيلة سوى إرعاب الناس بالقتل وترغيبهم بالمال، وفعلاً نزل جماعة من أعوان الشيطان منهم محمّد بن الأشعث وحجّار بن أبجر وشمر بن ذي الجوشن يمنّونهم العطاء مع الطّاعة، ويهدّدونهم بجند الشام الموهوم، ثمّ أشرف على الناس من أعلى القصر كثير بن شهاب حين كادت الشمس أن تغرب وقال: أيّها الناس الحقوا بأهاليكم لا تعجلوا الشرّ ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت وقد أعطى الأمير عهداً لئن بقيتم على حربكم ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريّتكم العطاء ويفرّق مقاتلتكم في مغازي الشام، وأن يأخذ البري‏ء بالسقيم والغائب بالشاهد حتى لا يبقى فيكم بقيّة من أهل المعصية إلاّ ذاق وبالَ ما جنت يدُهُ، وأمثال هذه الكلمات والألفاظ.

فأخذ الأخ يخذّل أخاه، والمرأة تتعلّق بزوجها حتى يرجع، والآباء يمنعون أبناءهم عن الجهاد ويحبّذون لهم العافية فتفرّق ذلك الجمع عن مسلم(ع) حتى لم يبق

ــــــــــــــــــــ

(1) الشهيد مسلم للمحقّق المقرّم: ص150 - 152 بتصرّف.
(2) منصور هو اسم رئيس الملائكة الذين نزلوا لنصرة النبي(ص) يوم بدر، وكان شعار المسلمين آنذاك يامنصور أمت. (من الحاشية)

الصفحه 91

 معه إلاّ ثلثمائة رجل، صلّى العشاء في المسجد ومعه ثلاثون رجلاً (1) وخرج(ع) من المسجد وغاب في أزقة الكوفة لا يدري أين وكيف سينتهي به الحال حتى وصل إلى باب دار وامرأة واقفة سلّم عليها وطلب منها الماء فسقته فجلس على الباب قالت له: ألم تشرب الماء؟ قال: بلى. قالت: فاذهب إلى أهلك بارك اللَّه فيك فسكت فأعادت عليه مثل ذلك فسكت فقالت له: سبحان اللَّه ياعبد اللَّه قم عافاك اللَّه إلى أهلك لا يصلح لك الجلوس على باب داري ولا أحلّهُ لك فقام وقال: ياأمة اللَّه مالي في هذا المصر أهلٌ ولا عشيرة فهل لكِ في أجرٍ ومعروف ولعلّي مكافيك بعد اليوم قالت: ياعبد اللَّه وما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عقيل كذّبني هؤلاء القوم وغرّوني قالت: أنت مسلم؟ قال: نعم. قالت: ادخل فدخل دارها:

اجت ليه العفيفة واسگته الماي      وگالت گوم شنهي گعدتك iiهاي

لا  تگعد يروحي وماي iiعيناي      گوم وروح لـهلك چاهلك وين

*  *  *

ون ونـه يتگطّع منها iiالفواد      يهل  حرّه هلي ما هم iiبالبلاد

غريب الدّار وهلي عنّي iiبعاد      وين أهلي هلي ما هم قريبين

*  *  *

نـادت  يـابعد عگلي والأنفاس      كأنك هاشمي مومن عرض iiناس

هله وكل الهله عل عين والراس      إِلـك منزل يمسلم بين هل iiعين

ــــــــــــــــــــ

(1) الشهيد مسلم: ص155 - 156.

الصفحه 92

أنـا  مسلم وعندك ضيف iiهليل      فرحت طوعة ومنها الدّمع هليل

على  رحب وسعة والوجه iiهلّل      بـسرور تـفضّل ومـنّه iiعليّه

دخل دارها أفردت له حجرة عرضت عليه الطعام فلم يأكل، فما زال صافّاً قدميه للصلاة حتى عاد ولدها بلال رآها تكثر الدخول والخروج فسألها فقالت بني إِلهُ عن هذا ألحّ عليها قالت فلا تخبر أحداً من الناس بشي‏ءٍ ممّا أخبرك به؟ قال: نعم أخذت عليه الأيمان فحلف لها فأخبرته ولكن ما أصبح الصباح حتى ذهب إلى ابن زياد وأخبره الخبر. أما مسلم(ع) عندما جاءته طوعة ورأت الطعام على حاله قالت: سيدي ما أراك أكلت قليلاً ولا نمت قليلاً قال: بلى هوّمت عيناي فرأيت عمّي أمير المؤمنين في الرؤيا وهو يقول: ولدي مسلم إنك عن قريب صائرٌ إلينا فبينا هي تحادثه وإذا بوقع الخيل وإذا هو محمّد بن الأشعث ومعه خمسمائة فارس فقام مسلم وشدّ وسطه بمنطقه وحمل سيفه وتدرّع بدرعه وخرج إلى القوم وهو يرتجز:

أقـسمتُ  لا أُقـتَلُ إلاّ iiحُرّا      وإن رأيتُ الموتَ شيئاً نُكرا

أخـافُ أن أُخـدَعُ أو أُغرَّا      كلّ  امرى‏ءٍ يوماً ملاقٍ iiشرّ

قاتلهم قتال الشجعان فقتل منهم مقتلةً عظيمة فأخذوا يشعلون النار بالقصب ويرمونها عليه، ويرضخونه بالحجارة فلم ينفع حتى حفروا له حفيرة وغطّوها بالتراب إنهزموا من بين يديه فسقط في الحفيرة فاجتمعوا عليه وأخرجوه فضربه محمّد بن الأشعث على فمه فسالت دماؤه على لحيته الكريمة وأخذوا سيفه


الصفحه 93

 فبكى فقال له ابن الأشعث: إنّ الذي يطلُبُ مثلَ ما تطلُبُ إذا نزل به الذي نزل بك لا يبكي عندها قال: واللَّه ما على نفسي بكيت ولكن أبكي لأهلي المقبلين أبكي لحسينٍ وآل حسين.

جاءوا به إلى قصر الامارة وأدخلوه على ابن زياد دار بينهما كلام فشتمَ اللعينُ أميرَ المؤمنين(ع) والإمام الحسن والحسين وعقيل حتى أمر أن يُصعد إلى أعلى القصر وتُضرب عنقُهُ وفعلاً ضربه الغلام فقتله ومضى إلى ربّه مظلوماً شهيداً غريباً ورميت جثّته من أعلى القصر إلى الأرض ثمّ أخرجوا هاني ابن عروة وهو ينادي وامذحجاه ولا مذحج لي اليوم حتى ضُربت عنقُهُ وربطوا برجليهما الحبال وسحبوهما في الأسواق:

فإن كنت‏لاتدرين ماالموت فانظري      إلى  هاني‏ءٍ في السوق وابن عقيلِ

إلـى  بطلٍ قد هشَّمَ السيفُ iiوجهَهُ      وآخـرَ يَهوي مـن طمارٍ iiقتيل

أصـابهما أمـرُ الـلعينِ iiفأصبحا      أحـاديثَ  مـن يسري بكلِّ سبيلِ

*  *  *

عـاده الـيستجير يكون ينجار      وعن قتله حليف الشرف ينجار

مثل مسلم صدگ بالحبل iiينجار      وتـتنومس بـقتله أرذال iiاميه

ولمّا سمع الإمام الحسين(ع) بمصرع مسلم وذلك عندما وصلَ إلى منطقة تُعرف ب (زرود) كأني بالإمام(ع) قام يتخطّى الأطفال حتى وقف على حميدة بنت الشهيد مسلم فأخذ يمسح على رأسها ودموعه جارية فأحست الطفلة فقالت: ياخال ياأبا عبداللَّه هل أصيب أبي بشي‏ء؟ قال لاعليك أنا أبوك وهذه النسوة أخواتك ولسان الحال:


الصفحه 94

گلبي كسرته ياغريب الغاضرية            مثل اليتامى تمسح بكفّك عليه

*  *  *

تمسح على راسي ودمع‏العين iiهمّال      كأني يتيمةالكافي‏اللَّه من هل احوال

ماعوّدتني بهل فعل من گبل iiياخال      خلّيت  عبراتي على خدودي iiجريّه

*  *  *

بمسحك‏ على راسي ‏تركت ‏الگلب ‏ذايب      وهـذا  يـخالي ‏من ‏علامات ‏المصايب

گلـبي  تروّع حيث أبوي بسفر iiغايب      طـوّل  الـغيبه يـعوده اللَّه بعجل iiليّه

*  *  *

جاني ‏الخبر عن حال مسلم يا حزينه      يگولـون مـن قصر الإماره iiذابينه

وبالحبل ‏في‏ الأسواق‏ جسمه‏ iiساحبينه      وراسـه يـويلي راح للطاغي هديه

*  *  *

صرخت ‏الطفله ‏والدمع‏ بخدودها iiيسيح      وتگوم ‏مذعوره ‏وعلى وجه ‏الثره ii‏تطيح

تلطم ‏على ‏الهامه‏ بعشرها ونوبٍ‏ تصيح      فگد  الأبـوياناس ‏أعـظم‏ كـل ii‏رزيه

*  *  *

لم يبكها عدمُ الوثوق بعمِّها      كلّا ولا الوجدُ المبرِّحُ iiفيها

لـكنّها تـبكي مخافةَ iiأنَّها      تُـمسي يتيمةَ عمِّها iiوأبيه

لاحول ولا قوة إلا باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الصفحه 95

الليلة الخامسة                                                                    المجلس التاسع

فضل أصحاب الإمام الحسين(ع)

 

كـيـف تـهنيني الحياةُ وقلبيii      بـعد قتلى الطّفوفِ دامِ iiالجِراحِ
بـأبـي  مَن شَرَوا لِقاءَ حسينٍii      iiبـفـراقِ  الـنُّفوسِ والأرواحِ
وقـفـوا يدرؤونَ سُمرَ العواليii      iiعـنـه  والـنّبلَ وقفةَ الأشباحِ
فوقَوهُ بيضَ الظُّبى بالنُّحورِ الب      ii-يض  والنّبلَ بالوجوهِ الصِّباحِ
فـئـةٌ إن تـعـاورَ النّقعُ ليلاًii      iiأطـلعوا في سماه شُهبَ الرّماحِ
وإذا  غـنّـتِ السيوفُ وطافتii      iiأكؤسُ الموتِ وانتشى كلُّ صاحِ
بـاعـدوا بين قربِهم والمواظي      iiوجـسـومِ الأعـداءِ والأرواحِ
أدركـوا بـالـحسين أكبرَ عيدٍii      iiفغدَوا في منى الطّفوفِ أضاحي
لستُ  أنسى من بعدهم طودَ عِزٍّ      وأعـاديه مثلُ سيلِ البِطاحِ 
(1)

*  *  *

گضـوا حق العليهم دون iiالخيام      ولا خـلّوا خوات حسين تنضام

لـما  طاحوا تفايض منهم iiالهام      تهاوَوا مثل مهوى النّجم من خر

*  *  *

هـذا الـرّمح بـفواده iiتـثنّه      وهـذا بـيه لـلنشّاب iiرنّـه

وهذا الخيل صدره رضرضنه      وهـذا وذاك بـالهندي iiموذّر

*  *  *

ــــــــــــــــــــ

(1) هذه ‏الأبيات ‏من ‏قصيدةٍ عصماء للمرحوم ‏السيد جعفر الحِلي (ره)، ومرّت ترجمته ‏في ‏ص43.

الصفحه 96

ركب غوجه وتعنّه حسين iiليها      لگاهـا بـس جثث iiومسلّبيها

صـبّ الـدّمع وتحسّر iiعليها      وگال احتسب عند اللَّه وأصبر

*  *  *

من خطبة لأبي عبداللَّه الحسين(ع) قال: أمّا بعدُ فإني لا أعلمُ أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهلَ بيتٍ أبرَّ ولا أوصلَ من أهل بيتي فجزاكم اللَّهُ عنّي خيراً (1).

بهذه الكلمة الذهبية الخالدة، وبهذا المدح المُركّز والتوثيق الذي لم يسبقهُ مثيل يُعرِّف الإمام الحسين(ع) أصحابه وأهل بيته الأوفياء.

قوله(ع): (لا أعلم أصحاباً أوفى..الخ) يعني أنّ الإمام(ع) وهو الحجّة المعصوم الوارث لعلوم جدّه وأبيه وجميع الأنبياء الذين كان علمهم بتوسّط الوحي والإلهام الإلهي لا بتعليم معلّم أو تفهيم مفهّم يقول لا أعلم أنّ هناك أصحاباً في كلّ زمان ومكان، وفي كلّ عصر ومصر أولى من أصحابي ولا أبرّ وأوفى ولا أوصل منهم، فصار أصحابه(ع) أفضل من أصحاب كلّ نبيّ ووصيّ.

ولكنّ الأفضليّة هنا هي بمقابلة المجموع بالمجموع لا بمقابلة الواحد بالواحد بمعنى أنّ مجموع أصحاب الإمام الحسين(ع) أفضل من مجموع أصحاب رسول اللَّه أو أمير المؤمنين (صلى اللَّه عليهما وآلهم)، لا بمعنى أنّ كلّ واحد من أصحاب الإمام الحسين(ع) أفضل من كلّ واحد من أصحاب رسول اللَّه(ص) فإنّ من أصحاب رسول اللَّه(ص) سلمان وأباذر وهما في

ــــــــــــــــــــ

(1) إبصار العين في أنصار الحسين(ع) للمرحوم الشيخ محمد السماوي: ص9.

الصفحه 97

 الإيمان والقرب بحيث يصعب أن يُقاس بهم واحد من أتباع الأنبياء والأوصياء، وانّ في أصحاب أمير المؤمنين(ع) مالك الأشتر وهو الآخر يصعب أن يُدانيه أحد من أصحاب الأنبياء والأوصياء وهكذا.

روى الشيخ الصدوق؛ في (علل الشرائع) عن ميثم التمّار: أنّ الحسين ابن علي(ع) سيدّ الشهداء يوم القيامة ولأصحابه على سائر الشهداء درجة (1).

وروى الشيخ ابن قولويه؛ في (كامل الزيارات) عن أمير المؤمنين(ع) أنّه مرّ بكربلاء فطاف بها على بغلتِهِ فأنشأ يقول: (مناخ ركاب ومصارع الشهداء لا يسبقهم من كان قبلهم ولا يلحقهم مَن أتى بعدهم) (2).

ويقول المرحوم الشيخ جعفر الشوشتري: لقد تأمّلت فرأيت أنّ أفضليّة شهداء كربلاء على سائر الشُهداء ليس أمراً اعتباطياً، وحيازتهم على هذه الدرجات العالية ليس اعتباطياً بل يعود إلى كمالهم في العبودية للَّه بحيث أنّهم الأكمل في جميع المراتب، فهم سادةُ الموحّدين، وسادةُ المتيقّنين، وسادةُ المصلّين والصائمين والمزكّين والمخمّسين وسادةُ المضحّين في سبيل اللَّه تعالى (3).

تـرى  لـهُمُ عـند القِراعِ iiتباشراً      كـأنّ لـهم يـومَ الـكريهةِ عـيدُ

فما وهَنوا عن نصرةِ الدِّين والهُدى      إلـى  أن تـفانى جـمعُهُم iiوأُبيدوا

ــــــــــــــــــــ

(1) علل الشرايع: ج1 ص227 ح 12.
(2) كامل الزيارات: ص270 ح 12.
(3) فوائد المشاهد: ص393.

الصفحه 98

ويقول المرحوم الشيخ عباس القمّي في (نفس المهموم): أصحاب الإمام الحسين رضوان اللَّه تعالى عليهم هم سادات الشهداء يوم القيامة والرّاضون عن اللَّه تعالى وهو راضٍ عنهم، وأخبر النبي(ص) عنهم في اخباره بشهادة الحسين(ع) بقوله: وهو يومئذٍ في عصبةٍ كأنّهم نجوم السماء يتهادون إلى القتل، وكأنّي أنظر إلى معسكرهم وإلى موضع رحالهم وتربتهم (1).

فما أحقهم بوصفِ من قال:

لـلَّـهِ  قـومٌ إذا مـا الليلُ جنَّهُمُii      iiقـاموا  من الفرشِ للرّحمنِ عبّادا
ويـركـبـون مـطـايا لا تملُّهُمُ      iiإذا هُـمُ بـمنادي الصبحِ قد نادى
هُـمُ إذا ما بياضُ الصبح لاح لهم      قالوا من الشوقِ ليتَ الليلَ قد عادا
هُـمُ  المطيعون في الدّنيا لسيّدهمii      وفـي القيامةِ سادوا كلَّ مَن سادى
الأرضُ  تبكي عليهم حين تفقدهمii      iiلأنّـهم  جُعلوا للأرضِ أوتادا
(2)

تعال واُنظر إلى تفانيهم في نصرة الدين والهدى، فهذا سعيد بن عبداللَّه الحنفي قام حين جمعهم الإمام الحسين(ع) ليلة العاشر وأَذِنَ لهم بالانصراف وقال لهم: هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، قام سعيد فقال: واللَّه لا نخلّيك حتى يعلمَ اللَّهُ أنّا قد حفظنا نبيّه محمداً(ص) فيك، واللَّه لو علمت أني أُقتلُ ثمّ أحيى ثمّ أُحرق حياً ثم أذرّ يُفعل بي ذلك سبعين مرّة ما

ــــــــــــــــــــ

(1) نفس المهموم: ص626 - 627.
(2) نفس المهموم: ص630.

الصفحه 99

فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلةٌ واحدة ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً، وفعلاً وفى سعيد بما قال وضمّ إلى قوله فعلاً أكسبه الثناءَ في الدنيا، وأحسن الجزاء في الآخرة، وذلك انّه لمّا صلّى الإمام الحسين(ع) الظهر صلاة الخوف، اقتتلوا بعد الظهر واشتدّ القتال ولمّا قرب الأعداء من الحسين وهو قائمٌ بمكانه تقدّم سعيد الحنفي أمام الحسين(ع) وصار هدفاً لهم يرمونه بالنّبل يميناً وشمالاً وهو قائمٌ بين يدي الإمام(ع) يقيه السهام طوراً بوجههِ وطوراً بصدره وطوراً بيديه وطوراً بجنبه فلم يصل إلى الإمام(ع) شي‏ءٌ من ذلك حتى سقط سعيد الحنفي إلى الأرض وهو يقول: اللهمّ العنهم لعنَ عادٍ وثمود، اللهمّ ابلغ نبيّك عنّي السلام وابلغه ما لقيتُ من ألمِ الجراح، فإنّي أردت ثوابك في نصرة نبيّك، ثمّ التفت إلى الإمام الحسين(ع) فقال: أَوَفَيْتُ ياابن رسول اللَّه قال: (نعم أنت أمامي في الجنّة)، ثمّ فاضت نفسُهُ النّفيسة (1).

وهذا جون مولى أبي ذرّ الغفاري وقف أمام الإمام الحسين(ع) يستأذنه في القتال فقال له الإمام(ع): (يا جون أنت في إذنٍ منّي فإنّما تبعتنا طلباً للعافية فلا تبتلِ بطريقتن)، فوقع جون على قدمي أبي عبداللَّه يقبّلهما ويقول: ياابن رسول اللَّه(ص) أنا في الرّخاء ألحسُ قصاعكم وفي الشدّة أخذلكم إنّ ريحي لنتن، وحسبي للئيم، ولوني لأسود فتنفّس عليّ في الجنّة ليطيب ريحي، ويشرُف حسبي، ويبيض لوني، لا واللَّه لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدّم الأسود مع دمائكم، فأذن له الإمام الحسين(ع) فبرز وهو يقول:

ــــــــــــــــــــ

(1) إبصار العين: ص126.

الصفحه 100

كيف ترى الفجّارُ ضربَ الأسود              بالمشرفيِّ والقنا المسدَّد

يذبُّ عن آلِ النبيّ أحمد

ثمّ قاتل حتى قُتل، وقيل أنّه قتل خمساً وعشرين رجلاً، فوقف عليه الإمام الحسين(ع) وقال: (اللهمّ بيّض وجههُ، وطيّب ريحهُ، واحشره مع الأبرار وعرّف بينه وبين محمدٍ وآل محمد(ص) )، وروي عن الإمام الباقر(ع) عن أبيه زين العابدين(ع) أنّ بني أسد الذين حضروا المعركة ليدفنوا القتلى وجدوا جوناً بعد أيّام (من شهادته) تفوح منه رائحةُ المسك، وفي ذلك يقول المرحوم الشيخ محمّد السماوي:

خـلـيـلـيَّ مـاذا في ثرى الطفِّ فانظُراii      iiأَجـونـةُ طـيـبٍ تـبعثُ المسكَ أم جونُ
ومـن ذا الـذي يـدعـو الـحسينُ لأجلهِii      أذلـك جـونُ أم قـرابـتُـهُ iiعــــونُ
لَـئـن كـانَ عـبـداً قـبـلـها فلقد زكاii      النِّجارُ 
(1) وطابَ‏ الرّيحُ وازدهرَ اللونُ (2)

 

وهذا بُرير بن خُضير الهمْداني الذي كان شيخاً ناسكاً قارئاً للقرآن من شيوخ القُرّاء في الكوفة، ومن أصحاب أمير المؤمنين(ع)، وعندما خطب الإمام الحسين(ع) أصحابه حيث قال: (ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به وإلى الباطل لا يُتناهى عنه... الخ) قام إليه أصحابه الكرام وأجابوه بما اقتضى خالص الدّين ثمّ قام برير بن خضير وقال: واللَّهِ ياابن رسول اللَّه(ص) لقد

ــــــــــــــــــــ

(1) قال في المصباح المنير: النِّجار بالكسر: الأصل والحسب.
(2) إبصار العين: ص105.

الصفحه 101

منّ اللَّهُ بك علينا ان نُقاتل بين يديك تقطّع فيك أعضاؤنا حتى يكون جدّك يوم القيامة بين أيدينا شفيعاً لنا، فلا أفلح قومٌ ضيّعوا ابن بنت نبيّهم، وويلٌ لهم ماذا يلقون به اللَّه، وأُف لهم يوم ينادون بالويل والثبور في نار جهنّم.

وروى أبو مخنف عن عفيف بن زهير قال: خرج يزيد بن معقل فقال يابرير بن خضير كيف ترى صنعَ اللَّه بك؟ -وكان هذا بعد أن خطبهم برير ووعظهم- قال: صنع واللَّه بي خيراً وصنع بك شرّاً فقال: كذبت وقبل اليوم ما كنت كذّاباً، أتذكر وأنا أُماشيك في سكة بني دودان وأنت تقول: إنّ عثمان كان كذا، وإنّ معاوية ضالّ مضلّ، وإنّ عليّ بن أبي طالب إمامُ الحقّ والهدى قال برير: أشهدُ أنّ هذا رأيي وقولي، فقال يزيد: فإنّي أشهدُ أنّكَ من الضّالين، قال برير: فهل لك أن أباهلك؟ ولندعُ اللَّهَ أن يلعنَ الكاذب، وأن يقتلَ الُمحِقُّ المبطل، ثمّ قال: اخرج لأبارزك، قال: فخرجا فرفعا أيديهما بالمباهلة إلى اللَّه يدعوانه أن يلعن الكاذب وأن يقتلَ المحقُّ المبطلَ، ثمّ برز كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه فاختلفا ضربتين، فضرب يزيدُ بريراً ضربةً خفيفة لم تضرُّه شيئا وضرب برير يزيد ضربةً قدّت المغفر وبلغت الدّماغ فخرّ كأنّما هوى من حالق وانّ سيف برير لثابتٌ في رأسه حتى أخرجه وهو يقول:

أنا بريرٌ وأبي خضيرُ        وكلُّ خيرٍ فله بريرُ

ثمّ طلب المُبارزة من القوم فحمل عليه رضي بن منقذ العبدي فاعتنق بريراً فاعتركا ساعة ثمّ أنّ بريراً صرعه وجلس على صدره فجعل رضي بن منقذ يصيح بأصحابه أين أهل المصاع (1) والدّفاع، فذهب كعب بن جابر الأزدي

ــــــــــــــــــــ

(1) أهل المصاع: أهل القتال.
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى