المجالس الحسنة

 
 

الصفحة 102

ليحمل عليه فقال له عفيف بن زهير: انّ هذا برير بن خضير القاري‏ء الذي كان يقرئنا القرآن في المسجد؟ فلم يلتفت وحمل عليه بالرّمح حتى طعنه في ظهره، فلمّا وجد برير مسّ الرّمح بركَ على رضي فعضّ أنفه حتى قطعه، وأنفذ الطعنة كعب حتى ألقاه عنه وقد غيّب الرّمح في ظهره ثمّ أقبل يضربه بسيفه حتى مات شهيداً رضوان اللَّه تعالى عليه، فلمّا رجع كعب بن جابر قالت له أُخته النوّار: أعنت على ابن فاطمة وقتلت سيّد القُرّاء؟! لقد أتيت عظيماً من الأمر، واللَّه لا أكلّمك من رأسي كلمة أبداً (1).

وهذا مسلم بن عوسجة الأسدي كان رجلاً شريفاً سرّياً عابداً متنسّكاً قال ابن سعد في الطبقات: وكان صحابياً ممّن رأى رسول اللَّه(ص) وروى عنه الشعبي، وكان فارساً شجاعاً له ذكرٌ في المغازي والفتوح الإسلامية (2).

روى أبو مخنف عن الضحّاك بن عبداللَّه الهمداني أنّ الحسين(ع) خطب أصحابه فقال في خطبته: (إنّ القوم يطلبوني ولو أصابوني لهوا عن طلب غيري وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً ثمّ ليأخذ كلُّ رجلٍ منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي) فقام له أهله وتقدّمهم العباس بالكلام لِمَ نفعل ذلك لنبقى بعدكِ لا أرانا اللَّه ذلك أبداً ثمّ قام مسلم بن عوسجة فقال: أنحن نخلّي عنك ولَمْ نُعذر إلى اللَّه في أداء حقّك أمَ واللَّهِ لا أبرح حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ولا أُفارقك، ولو لم

ــــــــــــــــــــ

(1) إبصار العين: ص72 - 73.
(2) إبصار العين: ص61.

الصفحة 103

يكن معي سلاح أُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك، قال أبو مخنف: ولمّا التحم القتال حملت ميمنةُ ابن سعد على ميسرة الحسين(ع) وفي ميمنة ابن سعد عمرو بن الحجّاج الزبيدي وفي ميسرة الحسين(ع) زهير بن القين وكانت حملتهم من نحو الفرات فاضطربوا ساعة وكان مسلم بن عوسجة في الميسرة فقاتل قتالاً شديداً لم يُسمع بمثله فكان يحمل على القوم وسيفه مصلت بيمينه فيقول:

إن تسألوا عنّي فإنّي ذو iiلُبَدْ      وإنّ بيتي في ذرى بني أسد

فمن  بغاني حائدٌ عن الرّشد      وكـافرٌ بـدين جبّارٍ iiصمد

فلم يزل يضرب فيهم بسيفه حتى عطف عليه مسلم بن عبداللَّه الضبابي وعبدالرحمن بن أبي حَكارة البجلي فاشتركا في قتله، فما انجلت الغبرة إذا هم بمسلم بن عوسجة صريعاً فمشى إليه الحسين(ع) فإذا به رمق فقال له: رحمك اللَّه يامسلم (مِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) ثمّ دنا منه فقال له حبيب عزّ عليّ مصرعُك يا مسلم أبشر بالجنّة فقال له مسلم بصوت ضعيف: بشّرك اللَّه بخير فقال حبيب: لولا أعلم أني في الأثر لاحقٌ بك من ساعتي هذه لأحببت أن توصي إليّ بكلّ ما أهمّك، قال بلى أوصيك بهذا رحمك اللَّه (وأومى بيديه إلى الحسين(ع) ) أن تموت دونه فقال حبيب: أفعل وربّ الكعبة (1):

ــــــــــــــــــــ

(1) إبصار العين: ص59.

الصفحة 104

وصلت يابن ظاهر منيتي      ما  اوصيك بعيالي iiوبيتي

وان  كان نيتك مثل iiنيتي      أريـدنك تـجاهد iiسويتي

بالحسين واولاده وصيتي

يهل تعرف عظم شاني وصيتي      هـتافي  مولجل اهلي iiوصيتي

بـبو  السجّاد وعياله iiوصيتي      واريدك  تحفظ حقوق iiالوصيّة

*  *  *

نـصروه أحـياءاً وعند iiمماتهم      يـوصي بنصرته الشفيقُ iiشفيقا

أوصى ابن عوسجةٍ حبيب قائلاً      قـاتلهُمُ حـتّى الـحِمامَ تـذوقا

لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الصفحة 105

الليلة الخامسة                                                                                      المجلس العاشر

مواقف أنصار الإمام الحسين(ع)

 

أرى  الـعمرَ في صرفِ الزّمانِ يبيدُii      iiويـذهـبُ لـكـن مـا نـراهُ يعودُ
فـكـن رجلاً إن تُنْضَ أثوابُ عيشِهِii      iiرَثـاثـاً فـثـوبُ الـفخرِ منهُ جديدُ
وإيّـاكَ أن تـشـري الـحـياةَ بذلّةٍii      iiهـي الـموتُ والموتُ المريحُ وجودُ
وغـيـرُ  فـقـيـدٍ مَن يموتُ بعزّةٍii      iiوكـلُّ فـتـىً بـالـذلِّ عـاش فقيدُ
لـذاكَ  نـضى ثوبَ الحياة ابنُ فاطمٍii      iiوخـاضَ  عـبابَ الموتِ وهو فريدُ
ولاقى  خميساً 
(1) يملأُ الأرضَ زحفُهُ      iiبـعـزمٍ  لـه الـسـبعُ الطّباقُ تميدُ
ولـيـس لـه مـن ناصرٍ غيرُ نيِّفٍii      iiوسـبـعـيـنَ  لـيثاً ما هناك مزيدُ
سـطـت  وأنـابـيبُ الرّماحِ كأنّهاii      iiأجـامٌ
(2)  وهـم تحت الرّماح أسودُ
ومـا برحوا عن نصرةِ الدّين والهدىii      iiإلـى  أن تـفانى جمعُهُم وأُبيدوا
(3)

قال الشيخ محمد علي اليعقوبي في الجزء الأول من كتابه (البابليّات):

ولد في النجف الأشرف عام 1141هـ ونشأ فيها، وأخذ العلم عن علمائها يومئذٍ حتى ذاع صيتُهُ واشتهر ذكرُه بعلمي الأديان والأبدان، وبعد استكمال الفضيلة غادر النجف إلى الحلة وسكنها سنة 1175هـ فكان أشهر أعلامها علماً وأدباً وتقوى وكرماً.

ــــــــــــــــــــ

(1) الخميس: هو الجيش لأنّه خمسُ فرق وهي المقدّمة والقلب والميمنة والميسرة والسّاقة.
(2) آجام: هو الحصن، ومعنى البيت هو أن الرماح لكثرتها صارت كأنّها حصن وهم تحت هذا الحصن كالأسود.
(3) القصيدة من نظم المرحوم السيد سلمان بن السيد داود الحلي (رحمهما اللَّه تعالى) الدرّ النضيد: ص135.
قال الشيخ محمد علي اليعقوبي في الجزء الأول من كتابه (البابليّات):
ولد في النجف الأشرف عام 1141هـ ونشأ فيها، وأخذ العلم عن علمائها يومئذٍ حتى ذاع صيتُهُ واشتهر ذكرُه بعلمي الأديان والأبدان، وبعد استكمال الفضيلة غادر النجف إلى الحلة وسكنها سنة 1175هـ فكان أشهر أعلامها علماً وأدباً وتقوى وكرماً.

الصفحة 106

بالطف من لهيب الشّمس والحر      ذاب اوسـال دم الـعبد iiوالحر

وهـلال  وحبيب الليث iiوالحر      هـوو مثل النجوم اعله iiالوطيّه

*  *  *

(من زيارة وارث الشريفة: السلامُ عليكم يا أنصارَ أبي عبداللَّه بأبي أنتم وأمّي طِبتُمْ وطابتِ الأرضُ التي فيها دُفنتم وفُزتم فوزاً عظيماً فياليتني كنتُ معكم فأفوز معكم) (1).

هذه الكلمات الخالدة السامية، ذات المعاني الطيّبة العالية هي من

ــــــــــــــــــــ

وكان متعدّد المواهب والملكات إضافة إلى الشّعر منها جمال الخط وسرعته حتى أنه كتب كتاب (فرحة الغري) لابن طاووس في يوم واحد، ومنها الطب حتى لقّب بالحكيم وذلك لاشتهارهِ فيه، واتقانِهِ له، حتى أنه ألّف في علم الطب، كما كان سريع البديهة حاضرَ الجواب، وهو جدّ الأسرة الحِليّة المعروفة بآل السيد سليمان، وقد نبغ منهم عددٌ ليس بالقليل في الفضل والأدب ومن مشاهيرهم ولده السيد حسين، وحفيداه السيد مهدي والسيد سليمان وولده السيد حيدر الشاعر الشّهير وغيرهم.
توفي يوم الأحد ال 24 من جمادي الثانية سنة 1211هـ بالسكتة القلبيّة، وحمل جثمانه إلى النجف الأشرف في موكبٍ مهيب مشى فيه مئات الرّجال من أشراف الحلة، وصلّى عليه إمام الطائفة يومئذٍ السيد مهدي بحر العلوم، ودفن عند إيوان العلماء مقابل مسجد عمران، وكان لنعيه صدى في الأوساط العلمية والأدبيّة ورثاه عامة أدباء النجف والحلة منهم العلامة الشهير الشيخ محمد علي الأعسم بقصيدتين مطلع الأولى:
خطوبٌ دهتني أضرمت نارَ أشجاني          وأغرت بإرسالِ المدامعِ أجفاني
ويقول في آخرها مؤرخاً عام وفاته:
وإذ عُطّلت منه المدارسُ أرّخوا            تعطّل درسُ العلمِ بعد سليمان
                                           1211
(1) المصباح للكفعمي: ص503.

الصفحة 107

 انشاء الإمام أبي عبداللَّه جعفر بن محمد الصادق(ع)، ومعلومٌ أنّ الإمام(ع) ما زار أصحاب جدّه الإمام الحسين(ع) بهذه الزيارة -ويعلمُ اللَّه تعالى ماذا يقول الإمام الصادق(ع) لو أراد الوقوف على شهداء الطف وزيارتهم- ولكنّه علّمَ واحداً من أصحابه وهو صفوان الجمّال رحمه اللَّه تعالى هذه الزيارة الشريفة، ومن هنا يندفع الإشكال القائل كيف يفدّي الإمام المعصوم أصحاب جدّه الحسين(ع) بأبيه الإمام المعصوم خامس أئمة الحق والخلق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر(ع).

قال المحقّق المقرّم (ره): إنّ الإمام(ع) لم يكن هو المخاطِب لهم -أي‏الأصحاب- وانّما هو(ع) في مقام تعليم صفوان الجمّال عند زيارتهم‏أن يخاطبهم بذلك فإنّ الرواية تنصّ كما في (مصباح المتهجّد) للمرحوم الشيخ الطوسي أنّ صفوان استأذن الإمام الصادق(ع) في زيارةالحسين(ع) وأن يُعرّفه ما يقوله ويعمل عليه فقال له: (يا صفوان صم‏قبل خروجك ثلاثة أيام إلى أن قال: ثمّ إذا أتيت الحائر فقل: اللَّهُ أكبر ثمّ‏ساق الزيارة إلى أن قال: ثمّ اخرج من الباب الذي يلي رجلي عليّ بن الحسين‏وتوجّه إلى الشهداء وقل: السلام عليكم يا أولياء اللَّه) إلى آخر الزيارة (1).

يقول(ع): (طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم).

أجل واللَّه لقد طابت أرواحهم كما طابت أبدانهم، وطابت نيّاتهم مثلما قويت عزائمهم، وطابت أوصافهم ونعوتهم كما طاب بعد ذلك ذكرهم والتوسّل بهم

ــــــــــــــــــــ

(1) مقتل المقرّم: ص255 الحاشية.

الصفحة 108

 وطيّبوا الأرض التي دفنوا فيها، والتراب الذي ألقي عليهم، وشرّفت كربلاء بهم، وبأبدانهم ودمائهم، ورحم اللَّه الشاعر حيث يقول:

فـيـا كربلا طُلتِ السماءَ وربّماii      iiتناول  عفواً حظَّ ذي السّعيِ قاعدُ
لأنتِ وإن كنتِ الوضيعةَ نِلْتِ مِن      iiجـوارِهُـمُ مـا لَـمْ تنلهُ الفراقِدُ
سُـرِرْتِ بهم مذا آنسوكِ وساءَني      iiمـحاريبُ منهم أوحشتْ ومساجدُ
بـذا  قـضتِ الأيّامُ ما بين أهلِها      iiمـصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ
(1)

ومن الثابت الذي لا ريب فيه هو أنّ الصفوة الطيّبة ما كانت لتنال من الحظوة والقرب لولا ملازمتها لسيّد الشهداء وأبي الأحرار الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب:، ولقد أجاد من قال فيهم:

 

وذوو الـمروّةِ والوفا أنصارُهُii      iiلَهُمُ  على الجيشِ العظيم زئيرُ
طَهُرت نفوسُهُمُ بطيبِ أصولهاii      iiفـعناصرٌ  طابت لَهم وحجورُ
فـتمثّلت لَهُمُ القصورُ وما بهمii      iiلـولا  تمثّلتِ القصورُ قصورُ
ما شاقهُمْ للموتِ إلاّ دعوةُ ال ii      رحمنِ  لا ولدانُها والحورُ 
(2)

فهذا زهير بن القين البجلي وهو رجلٌ شريفٌ في قومه شجاعٌ له مواقف مشهورة ومواطن مشهودة كان أولاً عثمانياً فحجّ سنة ستين في أهله

ــــــــــــــــــــ

(1) هذه الأبيات من قصيدة عصماء للمرحوم الشيخ جعفر الخطّي البحراني(ره) - الدرّ النضيد: ص131.
(2) نفسُ المهموم: ص629.

الصفحة 109

 ثمّ عاد فوافق الحسين(ع) في الطريق، فهداه اللَّه تعالى وانتقل علويّاً، روى أبو مخنف عن بعض الفزاريين قال كنّا مع زهير بن القين حين أقبلنا من مكّة (إلى الكوفة) فساير الحسين(ع) فلم يكن شي‏ء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل، فإذا سار الحسين(ع) تخلّف زهير، وإذا نزل الحسين(ع) تقدّم وسار زهير، حتى نزلنا يوماً في منزل لم نجد بُداً من أن ننازله فيه، فنزل الحسين(ع) في جانب ونزلنا في جانب، فبينا نحن نتغدّى من طعامٍ لنا إذ أقبل رسول الحسين(ع) فسلّم ودخل فقال: يا زهير بن القين إنّ أبا عبداللَّه الحسين بن علي بعثني إليك لتأتيه، فطرح كلُّ إنسان منّا ما في يده حتى كأنّ على رؤوسنا الطير، قال أبو مخنف: فحدّثتني دلهم بنت عمرو زوجة زهير قالت: فقلت له: أيبعثُ إليك ابنُ رسول اللَّه(ص) ثمّ لا تأتيه سبحان اللَّه، لو أتيته فسمعت من كلامه ثمّ انصرفت قالت: فذهب زهير إلى الإمام الحسين(ع)، فما لبث أن عاد مستبشراً قد أسفر وجهه، فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعِهِ فقوّض وحُمِلَ إلى الحسين(ع) ثمّ قال لي: أنت طالق إلحقي بأهلك فإنّي لا أحبُّ أن يصيبك بسببي إلاّ خير ثمّ قال لأصحابه: مَن أحبّ منكم أن يتبعني وإلاّ فإنّه آخر العهد اني سأحدّثكم حديثاً غزونا (بلنجر) (1) ففتح اللَّهُ علينا وأصبنا غنائم فقال لنا سلمان: أفرحتم بما فتح اللَّه عليكم وأصبتم من المغانم فقلنا نعم فقال لنا: إذا أدركتم سيّد شباب آل ‏محمد(ص) الحسين(ع) فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه بما أَصبتم من المغانم.

ــــــــــــــــــــ

(1) بَلَنْجَرْ: قال ياقوت الحموى في (معجم البلدان) ج1 ص489: هي مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب قال البلاذري: فتحها سلمان بن ربيعة الباهلي.

الصفحة 110

 فأمّا أنا فإني أستودعكم اللَّه ثمّ قال واللَّه ما زال أوّل القوم حتى قتل بين يديه.

روى أبو مخنف عن الضحّاك بن عبداللَّه المشرقي قال: لمّا كانت الليلة العاشرة خطب الحسين(ع) أصحابه وأهل بيته فقال في كلامه: (هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً وليأخذ كلّ رجلٍ منكم بيد رجل من أهل بيتي فإنّ القوم انّما يطلبوني) فقام زهير بن القين فقال: واللَّه لوددتُ أني قتلتُ ثمّ نشرت ثمّ قُتلت حتى أُقتل كذا ألف قتلة وأنّ اللَّه يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفسِ هؤلاء الفتية من أهل بيتك، وما زال زهير مأنوساً بحضرة وخدمة الإمام الحسين(ع) حتى صار يوم العاشر وقُتِلَ جمعٌ من الأصحاب الأوفياء وصلّى الإمام(ع) بأصحابه صلاة الخوف فلمّا فرغ منها تقدّم زهير فجعل يُقاتل قتالاً لم يُرَ مثلُهُ، ولم يُسمع بشبهِهِ وأخذ يحمل على القوم وهو يقول:

أنا زهيرٌ وأنا ابنُ القين       أذودكم بالسيفِ عن حسينِ

ثمّ رجع فوقف أمام الحسين(ع) وقال له:

فـدتك  نفسي هادياً مهديا      الـيوم ألـقى جدّكَ iiالنبيّا

وحـسناً والمرتضى iiعليّا      وذا الجناحينِ الشهيدَ الحيّا

فكأنّه ودّع الإمام(ع) بهذه الكلمات وعاد إلى القتال، فشدّ عليه كثير ابن عبداللَّه الشعبي ومهاجر بن أوس التميمي فقتلاه، قال السّروي في المناقب: لمّا صرع وقف عليه الإمام الحسين(ع) فقال: (لا يبعدنّك اللَّه


الصفحة 111

 يازهير، ولعن اللَّهُ قاتليكَ لعنَ الذين مسخوا قردةً وخنازير) (1).

وهذا سعيد بن مرّة التميمي ممّن رزق الشهادة بين يدي الإمام الحسين(ع) مع نفرٍ من أهل البصرة، وكان سعيدُ شاباً له من العمر تسعة عشر سنة فإنّه لمّا سمع بأنّ الحسين(ع) استنصر أشراف أهل البصرة في كتبه أقبل إلى أمّه صبيحة عرسه وصاح: أُمّاه عليّ بلامة حربي وفرسي قالت: وما تصنع بها قال: أُمّاه لقد ضاق صدري وأُريد أن أمضي إلى خارج البساتين فقالت له: ولدي انطلق إلى زوجتك ولاطفها فقال: أُمّاه لا يسعني ذلك فبينما هم كذلك إذ أقبلت زوجتُه وقالت: إلى أين تريد ياابن العمّ؟ قال: أنا ذاهبٌ إلى من هو خيرٌ منّي ومنك فقالت: ومن هو خيرٌ منك ومنّي؟ فقال لها: ذاك سيدي ومولاي الحسين بن علي(ع)، فلمّا سمعت أُمّه بذلك بكت وقالت: ولدي جزاك اللَّه عن الحسين خيراً، ولكن ولدي أما حملتك في بطني تسعة أشهر؟ قال: بلى، قالت: أما سهرت الليالي في تربيتك؟ قال: بلى، وأنا لست منكراً لحقّك عليّ، قالت: إذاً عندي وصيّة، قال: وما هي يااُمّاه؟ قالت: ولدي إذا أدركت سيّد شباب أهل الجنّة اقرأه عنّي السلام وقل له: فليشفع لي يوم القيامة فقال لها: يا اُمّاه وأنا اُوصيك بوصيّة قالت: وما هي ولدي؟ قال: إذا رأيت شاباً لم يتهنّأ بشبابه وعرّيساً لم يتهنّأ بعرسه فاذكري عرسي وشبابي.

قال الراوي: ثمّ ودّعها وودّع زوجته وخرج من البصرة، وأقبل يجدّ السير في الليل والنهار وسمع في الطريق أنّ الإمام الحسين(ع) نزل كربلاء، فجعل يجدّ

ــــــــــــــــــــ

(1) ابصار العين: ص98 - 99.

الصفحة 112

السير حتى وافى كربلاء وكان ذلك في يوم العاشر من المحرّم والإمام الحسين(ع) وحيداً فريداً قد قُتل أهلُه وأصحابُه فلمّا رآه الإمام الحسين(ع) قال: (سعيدٌ هذه)؟ قال: نعم سيّدي قال: (ما قالت لك أُمّك ياسعيد)؟ قال: سيدي تقرؤك السلام قال الإمام(ع): (عليك وعليها السلام ياسعيد انّ امّك مع أمّي في الجنة)، ثمّ قال سعيد: سيدي أتأذن لي أن أسلّم على بنات رسول اللَّه(ص)؟ قال: نعم، فأقبل سعيد حتى وقف بإزاء الخيام ونادى: السلام عليكم يا آل بيت رسول اللَّه فصاحت امرأة وعليك السلام فمن أنت؟ قال: سيّدتي أن خادمكم سعيد بن مرّة التميمي جئت لنصرة سيدي الحسين، فقالت: يا سعيد أما تسمع الحسين ينادي هل من ناصر؟ هل من معين؟ قال: ثمّ رجع إلى الإمام الحسين(ع) ووقف يستأذن للبراز فأذن له الإمام فحمل على القوم وجعل يُقاتل حتى قتلَ جمعاً كثيراً فعطفوا عليه حتى قتلوه، ولمّا قتل سعيد مشى إليه الإمام فجلس عنده وأخذ رأسه ووضعه في حجره وجعل يمسح الدم والتراب عن وجههِ وهو يقول: (أنت سعيد كما سمّتك أُمّك سعيدٌ في الدنيا وسعيدٌ في الآخرة) (1).

وهذا وهب بن حبّاب الكلبي وكان نصرانياً فأسلم على يدي الإمام الحسين(ع) وكانت معه أمّه وزوجتُه فقالت أُمّه: قم يا بنيّ فانصر ابن بنت رسول اللَّه(ص)، فقال: أفعل يا اُمّاه ولا أقصّر، فبرز وهو يقول:

إن تـنكروني فأنا ابنُ الكلبي      سوف تروني وترونَ iiضربي

وحملتي وصولتي في الحربِ      أدركُ  ثاري بعد ثار iiصحبي

ــــــــــــــــــــ

(1) ثمرات الأعواد للمرحوم السيد علي الهاشمي: ج1 ص170.

الصفحة 113

وأدفع الكربَ أمامَ الكربِ      ليسَ جهادي في الوغى باللّعْبِ

ثمّ حمل ولم يزل يُقاتل حتى قتل جماعةً ثمّ رجع إلى اُمّه وزوجته وقال: يا أُمّاه أرضيت؟ قالت: ما رضيت حتى تُقتل بين يدي الحسين(ع)، فقالت امرأته: باللَّه عليك لا تفجعني بنفسك فقالت أُمّه: يا بُني اُعزب عن قولها وارجع فقاتل بين يدي ابن بنت نبيّك تنل شفاعة جدّه يوم القيامة، فرجع إلى الميدان ولم يزل يُقاتل حتى قطعت يداه، وأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي وأُمّي يا وهب قاتل دون الطيّبين عترة المصطفى(ص)، فقال لها: كنت تنهينني عن القتال والآن جئت تقاتلين معي، قالت: يا وهب لا تلمني إنّ واعية (1) الحسين كسرت قلبي، فقال: ما الذي سمعتي منه؟ قالت: رأيته جالساً بباب الخيمة وهو ينادي واقلّة ناصراه، فبكى وهب بكاءاً كثيراً وقال لزوجته: ارجعي إلى النساء رحمك اللَّه فأبت فصاح وهب: سيّدي أبا عبداللَّه ردّها إلى الخيمة، فردّها الإمام إلى الخيمة، ثمّ اجتمع القوم على وهب وأردوه قتيلاً رضوان اللَّه تعالى عليه (2).

وهكذا قُتل الواحد بعد الآخر حتى تفانوا عن آخرهم وبقي الإمام(ع) بعدهم وحيداً فريداً لا ناصر له ولا معين وجعل ينظر يميناً وشمالاً فلم يرَ أحداً من أصحابه إلاّ مَن صافح الترابُ جبينَه وقطع الحِمامُ أنينَه فنادى: (يامسلمَ بنَ عوسجة ويا حبيبَ بنَ مظاهر ويا زهير بن القين ويا عباس بن علي ويا علي الأكبر ويا فلان ويا فلان يا أبطال الصّفا ويا فرسانَ الهيجا مالي أُناديكم لا

ــــــــــــــــــــ

(1) الواعية: هي الصّوت.
(2) مقتل المرحوم الشيخ عبدالزهراء الكعبي: ص39.

الصفحة 114

تجيبون وأدعوكم فلا تسمعون أنيامٌ أرجوكم تنتبهون أم حالت بينكم وبين سيّدكم منيّتكم وهذه بنات الرسول لفقدكم قد علاهنّ النحول فقوموا عن نومتكم أيّها الكرام وادفعوا عن حرم الرسول الطغاة اللئام).

لمّا رأى السبطُ أصحابَ الوفا iiقُتلوا      نادى أبا الفضلِ أين الفارسُ iiالبطلُ

وأيـن  مَن دوني الأرواحَ قد بذلوا      بالأمس كانوا معي واليوم قد رحلوا

وخلّفوا بسويدا القلبِ نيرانا

مـا  بـالهم لا يـجيبوني أما سمعوا      ولـو  رأوني وحيداً ما الذي iiصنعوا

بل‏ هم ‏سُكارى‏ بكاساتِ ‏الرّدى كرعوا      نـذرٌ  عـليّ لئن عادوا وإن iiرجعوا

لأزرعنّ طريق الطفِّ ريحانا

*  *  *

لـيش انـادي ومـا تجيبون النده      رحـتوا  عنّي ودارت عليّه iiالعده

أدري  بـيني وبـينكم حال iiالرّده      وعـلي  صالت بالغضب iiعدوانها

يـاعلي  الأكـبر يـقاسم ياحبيب      ياهلال  الوغه وانوه اعله iiالمغيب

ليش انادي وما حصل منكم مجيب      صاح  من يحمي الحرم iiوخدورها

*  *  *

أحبّتنا مَن للضعائن بعدكم         فليت فدتكم ياكرامُ الضعائنُ

لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الصفحة 115

الليلة السادسة                                                                                                   المجلس الحادي عشر

الصحابي الجليل حبيب بن مظاهر الأسدي

 

كـلّـمـا تـعذلانِ زدتُ نحيباii      iiيـا  خـلـيليَّ إنْ ذكرتُ حبيبا
يـاحـبيبَ القلوبِ رزؤُكَ مهماii      iiذكـرتـهُ الـرّاثونَ شقّ القلوبا
يـاوحـيداً  حاميتَ دون وحيدٍii      iiحـيثُ لا ناصراً يُرى أو مجيبا
بـعـتَ نـفساً نفيسةً فاشتراهاii      iiباريُ النّفس منك والرّبحُ طوبى
إنْ نصرتَ الحسينَ غيرُ عجيبٍii      iiإنْ  تـخـلّفتَ عنه كان عجيبا
يـاوزيـرَ الحسينِ حزتَ مقاماًii      iiكـلُّ آنٍ يـزدادُ عَـرفاً وطيبا
كم  ii عن السبطِ قد كشفت كروباً      iiبـعـد  ما قد لقيتَ منهم كروبا
إنّ  يـومـاً أُصِـبْتَ فيه ليومٌii      iiأيُّ قـلـبٍ لـذكـره لن يذوبا
إنْ هـجرتَ الدّيارَ صرتَ بدارٍii      iiفـيـه جاورتَ حيدراً والحبيبا
الـغـريـبُ الذي يموتُ ذليلاً ii      iiليس  من ماتَ في الإباءِ غريبا
قـدّسَ الـلَّـهُ تـربةً قد حوتهُii      سِرُّ  قدسٍ حوت وليثاً مَهيبا
 (1)

*  *  *

 

أحـبـيبُ أنت إلى الحسينِ حبيبُii      iiإن لـم يـنـط نسبٌ فأنت نسيبُ
يـامـرحـباً بابنِ المظاهرِ بالوَلاii      iiلـو كـان ينهضُ بالوَلا الترحيبُ
شأنٌ يشقُّ على الضَّراح 
(2) مرامُهُ      iiبـعـدٌ  وقـبرُك والضّريحُ قريبُ
بـأبـي الـمفدّي نفسَهُ عن رَغبةٍii      iiلـم  يـرعَها التّرهيبُ والتّرغيب
ُ

ــــــــــــــــــــ

(1) القصيدة من نظم المرحوم السيد صالح الحلي. وقد مرّت ترجمتُهُ ص74.
(2) الضَّراح: هو العالي الشاهق.
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى