المجالس الحسنة

 
 

الصفحة 116

هو سيّدُ أصحاب الإمام الحسين(ع) الذي كان لواؤهم بيده يوم كربلاء، وهو العالم العارف المتفاني في حبّ أهل بيت نبيّه(ص)، والحافظ المحافظ على وصيّة رسول اللَّه(ص) لأمّته حيث قال: إني تارك فيكم الثّقلين كتابَ اللَّه وعترتي أهلَ بيتي، ما إن تمسكّتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، وكان صحابياً (1) أدرك النبي(ص) وسمع حديثه، ثمّ انقطع حبيب رضوان اللَّه عليه بعد رحيل رسول اللَّه(ص) إلى أمير المؤمنين(ع) وشارك في حروبه الثلاثة الجمل، وصفّين، والنهروان، وكان موضع عناية الإمام أمير المؤمنين(ع) حيث تفضّل عليه وعلّمه العلم النافع، وكرّمه ببعض أسراره، وذلك لمّا عَلِمَ الإمامُ(ع) طيبَ ذاتِه، وصلاح سريرته، وسلامة نيّته.

قال السيّد الأمين؛ في (أعيان الشيعة): كان حبيب من الرجال السبعين الذين نصروا الحسين(ع) ولقوا جبال الحديد واستقبلوا الرّماح بصدورهم، والسيوف بوجوههم، وهم يعرض عليهم الأمان والأموال فيأبون ويقولون لا عذر لنا عند رسول اللَّه(ص) إنْ قُتلَ الحسين ومنا عين تطرف حتى قُتّلوا حوله رحمهم اللَّه تعالى (2).

ــــــــــــــــــــ

(1) لم يكن حبيب بن مظهّر الأسدي الصحابي الوحيد الذي نال الشهادة مع الإمام الحسين(ع) في واقعة الطّف بل كان مع أربعة آخرين، يقول المحقّق الشيخ السماوي في (ابصار العين): قتل من أصحاب رسول اللَّه(ص) مع الإمام الحسين(ع) خمسةُ نفر في الطّف، أنس بن الحرث الكاهلي، ذكره جميع المؤرّخين، وحبيب بن مظّهر الأسدي، ذكره ابن حجر، ومسلم بن عوسجة الأسدي ذكره ابن سعد في الطبقات، وفي الكوفة هاني بن عروة المرادي، فقد ذكره الجميع انه قارب الثمانين من العمر، وعبداللَّه بن يقطر الحميري، ذكره ابن حجر، وكان لدة الحسين(ع) أي ولد في نفس سنة ميلاد الحسين(ع).
(2) أعيان الشيعة - المجلد الرابع: ص553.

الصفحة 117

وفي مجالس المؤمنين عن روضة الشهداء أنّه قال: حبيب بن مظاهر رجلٌ ذو جمال وكمال، وفي يوم وقعة كربلاء كان عمره 75 سنة وكان يحفظ القرآن كلّه، ويختمُهُ في كلّ ليلة من بعد صلاة العِشاء إلى طلوع الفجر (1).

وقال الشيخ السماوي في (ابصار العين): قال أهلُ السيَر أنّ حبيباً نزل الكوفة وصحب أمير المؤمنين(ع) في حروبه كلّها، وكان من خاصّته وحملة علومه.

ومن جملة العلوم التي تعلّمها حبيب رضوان اللَّه عليه من أمير المؤمنين(ع) هو علم البلايا والمنايا، وهو علم شريف يعرف فيه آجال الناس والحوادث والفتن والوقائع، قال الشيخ السماوي في (ابصار العين): روى الكشّي عن فضيل بن الزبير قال مرّ ميثم التمّار على فرسٍ له فاستقبله حبيب بن مظاهر الأسدي فتحادثا ثمّ قال حبيب: لكأني بشيخ أصلع ضخم البطن يبيع البطيخ عند دار الرزق -في الكوفة- قد صلبَ في حبّ أهل بيت نبيّه، فتبقر بطنُهُ على الخشبة، فقال ميثم: واني لأعرفُ رجلاً أحمر له ضفيرتان يخرج لنصرةِ ابن بنت نبيّه فيقتل ويجالُ برأسه في الكوفة ثمّ افترقا فقال أهل المجلس ما رأينا أكذبَ من هذين، فلم يفترق المجلس -لم يتفرّق الناس- حتى أقبل رُشَيدُ الهَجَري فطلبهما فقالوا افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا فقال رشيد رحمَ اللَّه ميثماً نسيَ شيئاً

ــــــــــــــــــــ

(1) اعيان الشيعة - المجلد الرابع: ص554.

الصفحة 118

 وهو أنّه يزاد في عطاء الذي يجي‏ء بالرأس مائة درهم ثمّ ذهب فقال القوم هذا واللَّهِ أكذبُهم، فما ذهبت الأيام والليالي حتى رأينا ميثماً مصلوباً على باب عمرو ابن حريث وجي‏ء برأس حبيب وقد قتل مع الإمام الحسين(ع)، ورأينا كلّ ما قالوا (1).

وروى الشيخ المجلسي(ره) في (البحار) عن عليّ بن الحكم قال: من أصفياء أصحاب عليّ أمير المؤمنين(ع) عمرو بن الحَمقْ الخزاعي، وميثم التمّار، ورُشَيْد الهَجَري وحبيب بن مظاهر، ومحمّد بن أبي بكر (2).

ومّما زاد في شرفه وعلوِّ رتبته دفنُهُ بعد شهادته عند رأس الإمام الحسين(ع) متميّزاً عن بقية الشهداء، وكان ذلك بأمر الإمام زين العابدين(ع)، فصارَ وكأنّه بوّاب الحسين(ع) بعد شهادته يبدأ به الدّاخل وينتهي به الخارج من الحائر الحسيني الشريف.

حكى أحد العُلماء أنّ رجلاً صالحاً رأى حبيب بن مظاهر الأسدي في الرؤيا فقال له: سيدي يا حبيب لقد حزت الخير من جوانبه كلّها فأنت صحابيّ أدركت رسول اللَّه(ص) وسمعت حديثه ثمّ جئت إلى الكوفة ولازمت أمير المؤمنين(ع) وشاركت في حروبه كلّها، ثمّ صاحبت الإمام الحسين(ع) ونلت الشهادة بين يديه فأنتم سادات الشهداء لا يسبقكم سابق ولا يلحقكم لاحق، وهذا قبرك بعد الموت -الشهادة- فأنت باب

ــــــــــــــــــــ

(1) ابصار العين: ص57.
(2) اعيان الشيعة - المجلد الرابع: ص554.

الصفحة 119

 الحسين(ع) يدخل الزائر فيسلّم عليك أولاً ولا يخرج حتى يسلّم عليك ثانياً، ومكانك في اعلا عليّين مع الأنبياء والصدّيقين وحسن أولئك رفيقا، فهل بقي في قلبك شي‏ء؟ أم هل بقيت لك أمنية تتمنّاها بعد هذا الإكرام؟ قال حبيب: نعم أتمنى أن أعود إلى الدنيا وأحضر مع المؤمنين في مجلس الحسين وأبكي مع الباكين وأندب مع النادبين.

وروى الطبري في تأريخه وتبعهُ ابنُ الأثير أنّ حبيب بن مظاهر كان من جملة الذين كتبوا إلى الإمام الحسين(ع) لمّا امتنع من بيعة يزيد وخرج إلى مكّة، وكانت صورة الكتاب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم لحسين بن علي(ع) من سليمان بن صُرد والمُسيّب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب ابن مظاهر وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة. سلامٌ عليك (1) فإنّما نحمد إليك اللَّه الذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد: فالحمدُ للَّه الذي قصمَ عدوّك الجبّار العنيد الذي انتزى على هذه الاُمّة فابتزّها وغصبها فيأها، وتأمّر عليها بغير رضىً منها، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارَها وجعل مال اللَّه دُوْلةً بين جبابرتها وأغنيائها فبعداً له كما بعُدت ثمود، إنّه ليس علينا إمامٌ فأقبل لعلّ اللَّه يجمعنا بك على الحق، والنعمان (2) بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعةٍ ولا نخرج معه إلى عيد ولو قد بلغنا أنّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام ان شاء اللَّه والسلام ورحمة اللَّه وبركاته عليك (3).

ــــــــــــــــــــ

(1) المقصود من العدو هنا هو معاوية بن أبي سفيان.
(2) النعمان بن بشير الأنصاري كان والياً على الكوفة أيام معاوية، فأقرّه عليها يزيد بعد هلاك معاوية.
(3) أعيان الشيعة - المجلد الرابع: ص554.

الصفحة 120

ولمّا دخل مسلم بن عقيل(ع) الكوفة جعل حبيب بن مظاهر ومسلم ابن عوسجة يأخذان البيعة للحسين(ع) في الكوفة، حتى إذا دخل عبيداللَّه ابن زياد الكوفة وخذّل أهلها عن مسلم وفرّ أنصاره حبسهما عشيرتاهما واخفياهما، فلمّا نزل الإمام الحسين كربلاء خرجا إليه مختفين يسيران الليل ويكتمان النهار حتى وصلا إليه (1).

وفي كيفيّة لحوق حبيب بن مظاهر الأسدي بالإمام الحسين(ع)، ذكر صاحب كتاب ثمرات الأعواد: انّه لمّا نزل الحسين(ع) كربلاء عقد اثني عشر رايةً وقسّمها على أصحابه فبقيت واحدة في يده فأقبل إليه رجلٌ من أصحابه وقال: سيدي سلّمني هذه الراية، قال(ع): أنت نعم الرجل ولكن لهذه الراية رجلاً يركّزها في صدور القوم وهو يعرفني حقّ المعرفة، وسأكتب إليه كتاباً يأتي ان شاء اللَّه تعالى، فقال الرجل: سيدي ومَن تعني بذلك؟ قال: أعني حبيب بن مظاهر الأسدي فقال الرجل: إنّه لكفؤٌ كريم قال الراوي ثمّ دعا الإمام(ع) بدوات وبياض وكتب إليه كتاباً يقول فيه بسم اللَّه الرحمن الرحيم من الحسين بن علي بن أبي طالب(ع) إلى أخيه النجيب حبيب، أما بعد يا حبيب فقد نزلنا كربلاء وقد بانت من أهل الكوفة الخيانة كما خانوا بأبي سابقاً وبأخي لاحقاً فإن كنت يا حبيب تروم أن تحظى بالسعادة الأبديّة فبادر إلى نصرتنا والسلام. ثمّ ختم الكتاب بخاتمه الشريف

ــــــــــــــــــــ

(1) ابصار العين: ص57.
 

الصفحة 121

 ودفعه إلى رجل من أصحابه فأقبل به حتى دخل الكوفة وسلّم الكتاب لحبيب فأخذه وقبّله ووضعه على عينه وعلى رأسه وفتحه فعندما علم بأنّ الحسين(ع) يستنصره قال: أفديه بنفسي وأهلي وولدي ثمّ قال للرسول ابلغ سيّدي السلام وقل له يأتي إن شاء اللَّه تعالى، ثمّ خرج الرسول فجاءت إليه زوجته وقالت: يا أبا القاسم سمعت كلمات حدّثك بها الرسول فقال حبيب لا يشعر بسرّنا أحد فقالت له: إن لم تمض لنصرة سيدي الحسين(ع) لألبسنّ ملبوس الرجال وأمضي لنصرته، ولسان حال هذه المرأة الموالية الصادقة:

ياحبيب ابن البتولة لا تخلّي نصرته         حاير ويكسر الخاطر لو تعاين حالته

*  *  *

ابكربله ‏يگولون ‏سبط المصطفى حط الخيم      ومـاله ناصر ياحبيب وعنده اطفال وحرم

وان كان راح حسين ما يرتفع للشيعةiعلم       تـرضه  آنه بالخدر وحسين تهتك نسوته

*  *  *

وگفـت  اتـنخّي أوتـنادي والعيون مدمّعه      ان كان ما تنهض ابهمّة وتطب ذيك المعمعة

جيب الـعمامة يبن عمي اوخذ هل iiمقنعه       ظل حبيب ‏اي عاين الهااوغصب هلّت iiدمعته

*  *  *


الصفحة 122

صاح ما يحتاج هل نخوه وبطلي امن الحنين      وآنـه عبد ابن الرسول وعبد امير iiالمؤمنين

ذاب گلـبي مـن سمعت بكربله خيّم iiحسين      واسـمع يگولـون أرذال الأعـاديiحاطته

ثمّ نهض حبيب وقال لغلامه خذ الجواد وانتظرني خارج البساتين فذهب الغلام، وودّع حبيب أهله وعياله ثمّ خرج حتى إذا صار قريباً من العبد سمع الغلام يكلّم الجواد وهو يقول: يا جواد ان لم يأتك صاحبك لأعلونّك وأمضي بك لنصرة سيّدي الحسين(ع) فلمّا سمع حبيب ذلك بكى وقال: بأبي أنت وأُمّي يا أبا عبداللَّه العبيد تريد نصرتك فكيف بنا ثمّ التفت إلى الغلام وقال له: اذهب أنت حرٌّ لوجه اللَّه فوقع الغلام على قدميه وهو يقول: سيدي يا حبيب أيسرّك أن تمضي إلى الجنّة وأنا أمضي إلى النار لا كان ذلك أبداً بل أمضي معك لنصرة سيّدي الحسين(ع) فقال له: بارك اللَّه فيك فأردفه خلفه وجاء حتى ورد كربلاء في اليوم الثامن من المحرّم، وكان الإمام(ع) جالساً في خيمته ومعه اخوته وأولاده وأصحابه اذ التفت إلى أصحابه وقال لهم هذا حبيب قد أقبل ثمّ انّه لمّا قرب من خيام الإمام الحسين(ع) نزل من على ظهر جواده إلى الأرض وأقبل يمشي حتى دخل على الإمام(ع) ووقع على قدميه يقبّلهما وهو يبكي ويقول: سيّدي لعن اللَّه غادريك، واستبشر أصحاب الحسين(ع) وأهل بيته بقدوم حبيب بن مظاهر الأسدي، وسألت العقيلة زينب(ع) مَنْ القادم؟ قالوا لها حبيب بن مظاهر الأسدي قالت: أبلغوه عنّي السلام، فلمّا أبلغوه السلام لطم وجهه وحثى


الصفحة 123

 التراب على رأسه وهو يقول: ومَن أنا حتى تسلّم عليّ عقيلة الطالبيين ثمّ استأذن الإمام الحسين(ع) أن يسلّم عليها، فأذن له الإمام(ع) فسلّم عليها، وما زال مأنوساً بخدمة الإمام الحسين(ع) وأهل بيته حتى صار يوم العاشر فصفّ الإمام أصحابه للحرب فجعل حبيب بن مظاهر في الميسرة فكان يحمل على الأعداء مع بقية الأصحاب ورجالات أهل البيت: حتى صار وقت صلاة الظهر فقال أبو ثمامة الصائدي للإمام(ع): نفسي لك الفداء اني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك ولا واللَّه لا تُقتل حتى أُقتل دونك وأحبّ أن ألقى اللَّه وقد صلّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها، فرفع الإمام(ع) رأسه إلى السماء وقال: ذكرت الصلاة جعلك اللَّه من المصلّين الذاكرين، نعم هذا أوّل وقتها سلوهم أن يكفّوا عنّا حتى نصلّي فقال الحصين صلّ ياحسين فإنّ صلاتك لا تُقبل!! فقال له حبيب: أوتقبل صلاتك يابن اليهودية؟! فغضب الحصين لعنه اللَّه وبرز إليه قائلاً:

دونك ضربُ السيف ياحبيبُ      وافـاك  لـيثٌ بطلٌ iiنجيب

فـي كـفّه مـهنّدٌ iiقـضيبُ      مـن لـمعةٍ كـأنّه iiحـليبُ

فلمّا سمع حبيب كلام اللعين ودّع الإمام(ع) وقال: إنّي أُحبُّ أن أتمّ صلاتي في الجنّة فبرز إليه وهو يقول:

أنـا  حـبيبٌ وأبـي مـظهّرُ      فـارسُ  هيجاءٍ وحربٍ iiتسعَرُ

وفـي  يـميني صـارمٌ مذكّرُ      وأنـتـمُ  ذو عــددٍ وأكـثرُ

ونحنُ منكم في الحروبِ أصبَرُ      أيـضاً وفي كلِّ الاُمور iiأبصَر


الصفحة 124

فحمل عليه كالأسد وضايقه وضربه على أمّ رأسه، وقطع خيشوم جواده وهمّ أن يقطع رأسه فحمل عليه أصحابه واستنقذوه من بين يدي البطل الموالي حبيب، وما زال رضوان اللَّه عليه في صولةٍ وجولة مع القوم حتى اجتمعوا عليه من كلّ جانب فضربه بديل بن صريم بسيفه وطعنه آخر برمحه فوقع على الأرض صريعاً فنزل إليه التميمي واحتز رأسه، فأتاه الإمام الحسين(ع) فرآه بتلك الحالة فقال: عند اللَّه أحتسب نفسي وحماة أصحابي، للَّه درّك يا حبيب لقد كنت فاضلاً تختم القرآن في ليلةٍ واحدة، قال أبو مخنف: إنّه لمّا قتل حبيب بن مظاهر هدّ مقتلُهُ الحسين(ع).

إن يهدّ الحسينَ قتلُ iiحبيبٍ      فـلقد  هـدّ قتلُهُ كلَّ iiركنِ

بطلٌ قد لقى جبال الأعادي      مـن  حديدٍ فردّها iiكالعهنِ

قـتلوا  منه للحسين iiحبيباً      جامعاً في معاليه كلّ iiحسنِ

ولسان حال الإمام الحسين(ع):

ساعد اللَّه أبو اليمّه على الثرى شاف iiالحبيب      نـايم ومگطـوع راسه والجسد منّه iiخضيب

صاح عند اللَّه‏احتسبهم من عضيد ومن حبيب      رحـتوا  يصحابي وتركتوني أعاني iiبغربتي

*  *  *


الصفحة 125

شلون  اشوفنكم ضحايا وما أهل دمعة iiالعين      حـولكم ابـكي يـشيعه وبالخيم زاد iiالونين

زينب تعزّي ابوهه المرتضى وجدهه الأمين      او لـلخيم محني الظهر رديت انشف دمعتي

*  *  *

نصروا ابن بنت نبيّهم طوبى لهم         نالوا بنصرتِهِ مراتبَ ساميه

لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الصفحة 126

الليلة السادسة                                                                                                    المجلس الثاني عشر

شقاء عمر بن سعد وسعادة الحُرّ

 

ديـارٌ تـذكّـرتُ نـزّالـهـاii      iiفـروِّيَـتُ  بـالـدّمعِ أطلالَها
فـكـانـت  رجـاءً لمَن أَمَّهاii      iiبـهـا  تـبـلـغ الوفدُ آمالها
وكـم مـنزلٍ قد سمى بالنزيلِii      iiولـو طـاولـتـهُ السّما طالها
بـنفسي  كراماً سخت بالنّفوسِii      بـيـومٍ سـمَـت فـيه أمثالها
وخـفّوا  سراعاً لنصرِ الحسين      iiوقـد  أبـدت الـحربُ أثقالها
رأت أنّ في الموتِ طولَ الحياة      iiفـكـادت  تـسـابـقُ آجالها
إلـى أن أُبـيدوا بسيفِ العدىii      iiونـال  الـشّـهـادةَ مَن نالها
ولـم يـبـقَ للسبطِ من ناصرٍii      iiيُـلاقـي مـن الحربِ أهوالها
بـنـفـسي  فريداً أحاطت بهii      عـداهُ وجـاهـدَ أبـطـالـها
ويـرعى  الوغى وخيامَ النّساءii      iiفـعـيـنٌ لهنّ وأخرى لها
(1)

*  *  *

كفوف القدر يصحابي لونكم      أعاتبكم وروحي تون iiلونكم

تگومـون وتشوفوني لونكم      وحيد  وحاطت العدوان iiبيّه

*  *  *

ــــــــــــــــــــ

(1) القصيدة من نظم المرحوم الشيخ محمد علي الأعسم (ره). تقدّم ذكر ترجمته في ص54.

الصفحة 127

قال اللَّه تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (1).

قال المرحوم الشيخ الطبرسي في -مجمع البيان- في تفسير هذه الآية الكريمة (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) اي بيّنا له الطريق، ونصبنا له الأدلّة، وأزحنا عنه العلّة حتى يتمكّن من معرفة الحق والباطل (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) قال الزجّاج معناه ليختار إمّا السعادة وإمّا الشقاوة، والمراد إمّا أن يختار بحسن اختياره الشكرَ للَّه تعالى والإعتراف بنعمِهِ فيصيب الحظ، وإمّا أن يكفر نعَمَ اللَّه ويجحَدْ إحسانَهُ فيكون ضالاً عن الصواب، فأيّهما اختار جوزي عليه بحسبه، وهذا كقوله تعالى فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر (2).

هذه الآية الشريفة صريحةٌ في أنّ ما يختاره الإنسان لنفسه ويرتضيه لها انّما هو بمحض اختياره وإرادته لا دخلَ لأحدٍ في ذلك، فلو اختار الإنسان الهدى -الإيمان- وسار عليه، أو اختار العمى -الكفر- وسار عليه، لكان ذلك الاختيار من قِبَلِهِ هو ليس غير، وذلك لأنّ اللَّه تعالى جعل في كلّ انسان قوّةً يعلم بها الخير ويميّزه عن الشرّ، وتلك هي العقل وبه أصبح الإنسان إنساناً، ففي اصول الكافي بسنده إلى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (الباقر)(ع) قال: لمّا خلق اللَّه العقل قال له: أقبل فأقبل ثمّ قال له: أدبر فأدبر فقال: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحسنَ منك إيّاك آمر وإيّاك أنهى، وإيّاك أثيب وإيّاك أُعاقب (3).

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة الإنسان: الآية 3.
(2) مجمع البيان: ج5 ص407.
(3) اُصول الكافي: ج1 ص26 ح 26.

الصفحة 128

إذن فالثواب والعقاب يكونان نتيجةً حتمية لما يختاره الإنسان العاقل في دار الدنيا، فإن اختار طريق الهدى كانت عاقبتُهُ النجاة، وإن اختار الضلال كانت عاقبتُهُ الهلاك، وانّ من أوضح أمثلة تقديم العمى على الهدى هو عمر بن سعد بن أبي وقاص، وتقديم الهدى على العمى هو الحر بن يزيد الرياحي، وهلمّ معي لنعرف قصّة هذين الرجلين فإنّ فيها موعظةً بليغة.

أمّا عمر بن سعد فقد كان قبل خروجه إلى كربلاء معسكراً بـ(حَمام أعين) في أربعة آلاف ليسير بهم إلى (دستبي) لأنّ الدّيلم قد غلبوا عليها، وكتب له ابن‏زياد عهداً بولاية الرّي وثغر دستبي والديلم (1)، فغيّر ابن زياد الوجهة وطلب من عمر بن سعد أن يذهب لقتال الإمام الحسين(ع)، فلم يقبل ابن سعد فطالبه ابن زياد باسترداد العهد الذي كتب له بولاية الرّي، فاستمهله ليلةً واحدة قال ابن زياد: قد أمهلتك، فانصرف عمر بن سعد إلى منزله وجعل يستشير قومه وإخوانه ومن يثق به من أصحابه، فلم يشر عليه أحدٌ بذلك، وكان عنده رجلٌ من أهل الخير يُقال له كامل وكان صديقاً لأبيه فقاله له: يا عمر ما لي أراك بهيئة وحركة؟ ماالذي أنت عازمٌ عليه؟ فقال: اني قد ولّيتُ هذا الأمر في حرب الحسين واذا قتلته خرجت إلى ملك الرّي فقال له: أُفٍ لك أتريد ياابن سعد أن تقتل الحسين بن بنت رسول اللَّه؟ أُفٍ لك ولدينك يا عمر أسفهت الحقّ وضللتَ الهدى، أما تعلم إلى حرب مَن تخرج؟ ولِ’مَن تُقاتل؟ إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون.

واللَّهِ لو أُعطيتُ الدنيا وما فيها على قتل رجلٍ واحدٍ من أُمّة

ــــــــــــــــــــ

(1) دستبي: كورة واسعة بين همدان والرّي - مقتل المقرّم. (من الحاشية)

الصفحة 129

 محمد(ص) لما فعلت فكيف بك وأنت تريد قتل الحسين ابن بنت رسول اللَّه(ص)؟ وما الذي تقول غداً لرسول اللَّه(ص) إذا وردت عليه وقد قتلت ولده وقرّة عينه وثمرة فؤاده وابن سيّدة نساء العالمين وابن سيّد الوصيين وهو سيّد شباب أهل الجنّة من الخلق أجمعين وانه في زماننا هذا بمنزلة جدّه في زمانه، وطاعتُهُ فرضٌ علينا كطاعته، وانّه بابُ الجنّة والنار، فاختر لنفسك ما أنت مختار، واني أشهد باللَّه إن حاربته أو قتلته أو أعنت عليه أو على قتله لا تلبث في الدنيا بعده إلا قليلاً، فقال عمر: فبالموت تخوّفني وإنّي إذا فرغتُ من قتله أكون أميراً على سبعين ألف فارس، وأتولّى ملك الرّي (1).

وممّن نهاه عن المسير لحرب الإمام الحسين(ع) ابنُ اُخته حمزة بن المغيرة بن شعبة فقال له: اُنشدك اللَّه أن لا تسير لحرب الحسين فتقطع رحمك وتأثم بربّكِ فواللَّه لئن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلّه لو كان لك لكانَ خيراً لك من أن تلقى اللَّه بدم الحسين فقال عمر بن سعد أفعل إن شاء اللَّه، وبات ليلته مفكّراً في أمره، وسُمِعَ يقول (2):

 فـواللَّهِ  لا أدري وإنّـي iiلحائرٌ      أفـكِّرُ  في أمري على iiخطرَينِ

أأتركُ  مُلكَ الرّيّ والريُّ iiمنيتي      أم أرجـعُ مـأثوماً بقتلِ iiحسينِ

حسينُ ابنُ عمّي والحـوادثُ جمّةٌ      لعمري ولي في الرّي قرّةُ iiعيني

ــــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار: ج44 ص306.
(2) مقتل المقرّم: ص237.

الصفحة 130

 

ألا  إنّـما الدنيا بخيرٍ معجّلٍii      iiومـا عاقلٌ باعَ الوجودَ بدينِ
يـقولون  إنّ اللَّهَ خالقُ جنّةٍii      iiونـارٍ وتـعذيبٍ وغِلِّ يدينِ
فإن صدقوا فيما يقولون إنّنيii      أتوبُ إلى الرحمنِ من سنتينِ
وإن  كذبوا فزنا بدنياً عظيمةٍ      iiومُلكٍ عقيمٍ دائمِ الحَجَلَيْن
ِ(1)

في كتاب (تذكرة الخواص) قال محمّد بن سيرين: وقد ظهرت كرامات عليّ بن أبي طالب(ع) في هذا، فإنّه لقى عمر بن سعد يوماً وهو شاب فقال: ويحك ياابن سعد كيف بك إذا قمت يوماً مقاماً تخيّر فيه بين الجنّة والنّار فتختار النار (2).

ثمّ أتى عمر بن سعد لعبيداللَّه بن زياد وقال له: انّك ولّيتني هذا العمل (3)، وسمع الناس به، فإن رأيت أن تنفّذ لي ذلك فافعل وابعث إلى الحسين(ع) من أشراف الكوفة مَن لست أغنى ولا أجرأ في الحرب منه، وسمّى له أُناساً فقال له ابن زياد: لستُ أستأمرك فيمن أُريدُ أن أبعث فإن سرتَ بجندنا وإلاّ فابعث إلينا بعهدنا على الرّي قال ابن سعد: فإني سائر وفعلاً أقبل في ذلك الجيش ونزل به كربلاء لقتال الحسين(ع) (4).

ــــــــــــــــــــ

لأن عمر هو ابن سعد بن أبي وقّاص. وأبو الوقّاص هو مالك بن أهيب بن عبدمناف وعبدمناف جدّ النبي(ص).
(1) قال في المنجد: يوم محجّل أي مضي‏ء ومشرق بالسرور.
(2) تذكرة الخواص للعلّامة سبط ابن الجوزي: ص247.
(3) وهو ان عبيداللَّه بن زياد أمّره على أربعة آلاف ليسير إلى (دستبي) حيث غلب عليها الديلم، وكتب له عهداً بولاية الرّي.
(4) نفس المهموم: ص21 بتصرّف.

الصفحة131

وكان عمر بن سعد أوَّلَ من رمى سهماً نحو خيام الإمام الحسين(ع) وهو يقول: اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّلُ من رمى، وهكذا إلى أن جرّه سوءُ اختياره لقتل الحسين(ع) وسبي عياله، ولكنّه لمّا وصلَ إلى عبيداللَّه ابن زياد لم يجد عنده ملك الرّي ولا شيئاً ممّا كان يتمنّى وطرد من قصر الإمارة شرّ طرده، وما مضت مدّة طويلة حتى ظهر المختار وقتل هذا اللعين شرّ قتلة وعجّل بروحه إلى جهنم، ألا لعنة اللَّه على الظالمين.

فـتبصّر تـبصر هـداك إلـى iiالحقّ      فـلـيس الأعـمـى بـه iiكـالبصيرِ

لـيـس  ‏تـعـمى الـعـيون‏ لـكنّما      تعمى ‏القلوب ُ‏التي‏ انطوت ‏في‏ الصّدور

وأمّا الذي قدّم الهدى واختاره على العمى فهو الحر بن يزيد الرّياحي رضوان اللَّه تعالى عليه، فإنّه كان أوّل أمره قائداً من قوّاد جيش عبيداللَّه بن زياد، وقد جعله آمراً على ألف فارس، وأرسله لمعارضة الإمام الحسين(ع) في الطريق ثمّ ليضيّق عليه بعد ذلك حتى يدخله الكوفة، ولكنّ الإمام الحسين(ع) اختار طريقاً آخر أوصله إلى كربلاء، وقبل أن يفوت الوقت وتمرّ الفرصة حكّم الحرُّ عقلَهُ وعاد إلى رشده وفكّر بين البقاء في معسكر أعداء اللَّه وبين الإنتقال إلى معسكر أحباء اللَّه تعالى فاختار الثاني، لأنّ العقل نبيّ باطن ما خاب أبداً من حكّمه وقبل حكمه.

ففي اُصول الكافي: من وصيّة الإمام باب الحوائج موسى بن جعفر(ع) لهشام قال: يا هشام إنّ للَّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة وحجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرّسل والأنبياء والأئمة: وأمّا الباطنة فالعقول (1).

ــــــــــــــــــــ

(1) اُصول الكافي: ج1 ص16.

الصفحة132

قال الشيخ السماوي في (ابصار العين): روى الشيخ ابن نما أنّ الحرّ لمّا أخرجه ابنُ زياد إلى الحسين وخرج من القصر نودي من خلفه: أبشر يا حرّ بالجنّة قال: فالتفت فلم ير أحداً فقال في نفسه واللَّه ما هذه بشارة وأنا أسيرُ إلى حربِ الحسين(ع)، وما كان يحدّث نفسه بالجنّة، فلمّا صار مع الإمام الحسين(ع) قصّ عليه الخبر فقال له الإمام الحسين(ع): لقد أصبت أجراً وخيراً (1).

والحق أنّ الحرّ كان مؤدّباً مع الإمام الحسين(ع) عندما اجتمع به في الطريق في الخبر الآتي ذكرُهُ، ولعلّ هذا الأدب كان جزء السّبب في هداية هذا الشهيد الخالد:

ففي الخبر المعروف حين التقى الحرُّ وأصحابُهُ مع الإمام الحسين(ع) وأهله وأصحابه حدث شيئان يدلّان على أدب الحرّ العالي وهما:

1 - صلّى الحر خلف الإمام الحسين(ع) صلاتي الظهر والعصر، وذلك عندما قال الإمام(ع) للحر صلّ بأصحابك وأصلّي بأصحابي قال: بل تصلّي ونصلّي بصلاتك.

2 - بعد صلاة العصر أراد الإمام(ع) الانصراف بمن معه فحال القوم بينه وبين الحركة فقال الإمام(ع) عندها للحر: ثكلتك أمّك ما تريد؟ فقال الحر: اما واللَّه لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل هذه الحالة التي

ــــــــــــــــــــ

(1) ابصار العين: ص116.
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى