سلسلة مجمع مصائب أهل البيت (ع)
 
 

الصفحة (331)   

وعاش (ع) فترة قاسية ومحنة شديدة بحيث كان يوصى أصحابه: إذا رأيتموني في الطريق فلا يسلم عليّ أحد ولا يشير إليّ بيده ولا يومي إليّ ببنانه فإنكم لا تأمنون على أنفسكم. ويقول لبعض غلمانه: إذا سمعت لا شاتما فامض لسبيلك التي أمرت بها وإياك أن تجاوب من يشتمنا أو تعرفه من أنت فإنا ببلد سوء ومصر سوء وامض في طريقك.

وكل واحد من ملوك عصره كان يريد الفتك به فهذا المعتز يأمر سعيد الحاجب بقتل أبي محمد العسكري (ع) بعيدا عن أعين الناس قال لسعيد: أخرج أبا محمد إلى الكوفة ثم اضرب عنقه في الطريق من حيث لا يراك أحد. ولكن الله تعالى منع كيد الظالمين حيث قتل المعتز بعد ثلاثة أيام.

أما المهتدي فكان يقول كلما رأى الإمام العسكري (ع) والله لأجلونكم العلويين وعزم على قتل الإمام العسكري ولكن قبل أن ينفذ وعيده ثار عليه الأتراك وقتلوه.

ولما تولى المعتمد كرسي الملك جعل القضاء على الإمام هدفا من أهدافه فحبس الإمام (ع) مرة عند علي ابن واتامش وكان شديدا على آل أبي طالب ولكن الإمام (ع) وعظه وحذره غضب الجبار فما مضى على وجود الإمام عنده إلا أيام حتى وضع خده لأبي محمد وكان لا يرفع بصره إليه إجلالا وإعظاما له. وخرج الإمام من عنده وهو أحسن الناس بصيرة وأحسنهم قولا فيه ثم سلموا الإمام (ع) إلى شخص آخر شديد العداوة لآل محمد وكان يضيق على الإمام ويؤذيه فقالت له امرأته: ويلك اتق الله فإنك لا تدري من


الصفحة (332)   

في منزلك وإني أخاف عليك منه وذكرت له صلاحه وعبادته فاشتد عداوة وقال: والله لأرمينه بين السباع ثم استأذن في ذلك المعتمد فأن له فرمى الإمام بين السباع والأسود ولم يشكوا في أكلها إياه فنظروا إلى الموضع ليعرفوا الحال فوجدوا الإمام قائما يصلي والسباع حوله تلوذ به ولم يزل ثلاثة أيام بين الأسود وهو يصلي فأخرج بعد ذلك ولكن إلى سجن آخر فما زال ينقل من سجن إلى آخر حتى دس إليه المعتمد سما قاتلا وضعه له في الطعام فوقع الإمام مريضا وطال مرضه عشرة أيام وجسمه يزداد ضعفا والآلام تشتد عليه يُغشى عليه ساعة بعد ساعة.

وفي ليلة وفاته لم يكن عنده إلا صقيل الجارية وعقيد الخادم وولده الحجة (عج) وهو ابن خمسة سنين وفي تلك الليلة كتب بيده الشريفة كتبا كثيرة إلى المدينة هذا وقد اعتراه ضعف شديد في بدنه حتى أضحى عاجزا عن تهيئة مقدمات الصلاة بنفسه، قال عقيد: فدعا (ع) بماء قد أغلى بالمصطكي فجئنا به إليه فقال (ع): ابدأ بالصلاة جيؤني بماء لأتوضأ فجئنا به وبسط في حجره المنديل فأقبل القدح يضرب ثناياه ويده ترتعد فشرب منه جرعة وأخذت صقيل القدح من يده ثم أخذ ولده الحجة (عج) وضمه إلى صدره الشريف وجعل يقبله ويودعه ويبكي ويوصيه بوصاياه وسلمه ودائع الإمامة ثم سكن أنينه وعرق جبينه وغمض عينيه وأسبل يديه ومدّ رجليه ومضى إلى ربه شهيدا مسموما مظلوما، أي وا إماماه، وا سيداهِ، وا مظلوماه.

(نصاري)

تراده بالمرض حاله او تلاشه      ظل الحسن واگع على افراشه


الصفحة (333)    

والله مــا بگت عـنده حـشاشه      ضـعفت ونـته والگلـب نصين
بـعد  ما ودع ابنه ابگلب مجروح      تشاهد ويلي گلبي او فاضت الروح
ثار اصياح اهل بيته او عِلَه النوح      اثاري  مات اويلي او فرَّگ البين

قال الراوي: فلما ذاع خبر وفاته صارت سر من رأى ضجة واحدة ثم أخذوا في تجهيزه وعُطلت الأسواق وركب بنو هاشم والقواد والكتاب والقضاة وسائر الناس إلى جنازته وكانت سر من رأى يومئذ شبيهة بالقيامة (1).

(نصاري)

اجت الناس تتراكض ابدهشه      لگوا دار العلوم اشلون وحشه
بچوا  عالباب لمن طلع نعشه      تـلگوه ابـلطم يدمي الخدين

أقول: وإن قتل الإمام الحسن العسكري (ع) مسموما ولكنه جهز على أحسن ما يرام وشُيِّع على أطراف الأنامل من قبل كافة الناس في سرّ من رأى.

(نصاري)

سـارت بالنعش تبچي حواليه      لـما دفـنوه ردوا للعزه اعليه
بس احسين ما واحد وصل ليه      ثـلث تيام عاري ابغير تكفين

(أبوذية)

مـصيبتكم يـشبل الحسن ياليت      او على جدّك اخيول الگوم ياليت
ودتـك  حـاضر ابكربله ياليت      او  تـنظر عـمتك بين آل اميه


الصفحة (334)   

***

فانهض  ولا تبق عليهم إنهم      والله ما أبقوا لكم عيشاً مَري
آلت  بأن لا تُبقي منكم سيداً      بالتاج  يعلو فوقَ هام المنبر


الصفحة (335)  

المجلس الثاني

القصيدة: للشيخ عبد الحسين شكر

حـتّـى مَ طـيُّك لـليباب الـمقفر      فـأرح بـسامراء نـبكي العسكري
نـبكي  إمـاماً أحـزن الأملاك في      مـلكوتها  ودهـى الـصفا بـتكدر
حـطم  الـحطيم مصابُه وله الهدى      بـالنوح  يُـشعر مـعلنا بـالمشعر
نـبكي  فـتى أبـكى البتولة فاطما      وأذاب أحـشاء الـرسول وحـيدر
لـهفي لـمولىً قد مضى فيه القضا      وهـو الـذي لـولاه لـما يـصدر
مـا  زال فـي سجن الطغاة مكابدا      هـماً فـيا عـين الـفخار تفجَّري
أرداه مُـعـتمدُ الـضـلال بـسمِّه      فـقضى شـهيدا يـا سماءُ تفطَّري
يـا أبـحر الأفـضال غيضي بعده      فـلقد  قـضى سـما مـمدُّ الأبحر
يـا صاحب الأمر الذي قد كان عن      مــولاهُ  خـير مـترجمٍ ومـعبِّر
بـأبـيك آجــرك الإلـهُ فـبعده      قـد حـلَّ كـسرٌ بـالهدى لم يُجبر
كيف  اصطبارُك والقعودُ وقد قضت      أهـلوك  صبرا ما رأوا عيشا مري
مـا بـين مسمومٍ سُقي جُرَعَ الردى      ومـجـزَّرٍ  بـدم الـوريد مـعفَّر
مـولاي هـل اخـبرت أنَّ نسائكم      سبيت على الأعجاف أم لم تُجبَر(2)


الصفحة (336)   

(أبوذية)

ابـفگد العسكري اتيتم شرعها      سـفينه چان ما ينصه شرعها
يـا ظـالم چتل نفسه شرعها      او هدَم ركن الشريعه الأحمديه

(أبوذية)

البني العباس عدنه اعتاب وجهه      سـمهم نـار بـينه اليوم وجهه
اضحه  العسكري مطعون وجهه      لـمن  بـيه سـره سـم المنيه

(أبوذية)

وحگ العسكري او عوده وسمهم      علامه ابكل گلب يضوي وسمهم
حـيف  اتـجاسر الظالم وسمهم      ابـذاك  الـسجن واندفنوا سويه

رواية ثانية في كيفية شهادته (ع)

قال في نور الأبصار: لم سقي الإمام الحسن العسكري (ع) السم مرض مرضا شديدا فبلغ ذلك المعتمد في مرضه فقد قيل له: إن ابن الرضا قد اعتل ومرض فأمر نفرا من المتطببين بالاختلاف إليه وتعاهده صباحاً ومساءً وبعث خمسة نفر كلهم من ثقافة وخاصته وأمرهم بلزوم دار أبي محمد العسكري وتعرف خبره وحاله فلما كان بعد ذلك بيومين جاء من أخبره بأن العسكري قد ضعف فركب المعتد حتى بكر إليه ثم أمر المتطببين بلزومه وبعث إلى قاضي القضاة وعشرة من أصحابه ممن يثق به وأرسلهم إلى الحسن العسكري (ع) وأمرهم بلزومه ليلا ونهارا فلم يزالوا هناك حتى كانت الليلة التي قبض فيها فرأوه وقد اشتد به المرض يغشى عليه ساعة بعد ساعة علموا أنه قد قرب


الصفحة (337

به الموت فتفرقوا عنه.

قال أبو إسماعيل بن علي النوبختي: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي في مرضته التي مات فيها وأنا عنده إذ قال لخادمه عقيد وكان أسودا نوبيا قدم خدم من قبله علي بن محمد (ع) فقال له: يا عقيد اغل لي ماء بمصطكي، فأغلى له ثم جاءت به صقيل (3) الجارية (أم الخلف) فلما صار القدح في يديه وهمَّ بشربه جعلت يده ترتعد حتى ضرب القدح ثنايا الحسن (ع) فتركه من يده وقال لعقيد: ادخل البيت فإنك ترى صبيا ساجدا فأتني به. قال عقيد: فدخلت أتحرى فإذا أنا بصبي ساجد رافع سبابتيه نحو السماء فسلمت عليه فأوجز في صلاته فقلت: إن سيدي يأمرك بالخروج إليه إذ جاءت أمه صقيل فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن (ع) فلما مثل الصبي بين يديه سلم وهو دري اللون وفي شعره قطط مفلج الأسنان فلما رآه الحسن بكرى وقال له: يا سيد أهل بيته اسقني الماء فإني ذاهب إلى ربي فأخذ الصبي القدح بيده وحرك شفتيه بيده الأخرى ثم سقاه فلما شربه قال: هيؤني للصلاة فَطَرَحَ في حجره منديلاً فوضأه الصبي واحدة واحدة ومسح على رأسه وقدميه فقال له أبو محمد: أبشر يا بني فأنت صاحب الزمان وأنت المهدي وأنت حجة الله في أرضه وأنت ولدي ووصيي وأنا ولدتك وأنت محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) ولدك رسول الله وأنت خاتم الأئمة الطاهرين صلى


الصفحة (338)  

الله عليهم أجمعين. آجركم الله أيها المؤمنون ثم عرق جبينه وسكن أنينه وقضى إمامنا العسكري نحبه وعرجت روحه إلى بارئها راضية مرضية.

أين المنادي وا سيداه، أين المنادي وا إماماه، أين المنادي وا مسموماه.

(تجليبة)

عله العسكري المسلم تلتهب ناره      سمه  المعتمد وامست تحن داره
امست  تحن والصايح عليه گبَّر      گلبه  من المصايب ذاب واتفطر
لو  هم البگلبه ابطور كان انطر      من  الأرض كان اندرست آثاره

(أبوذية)

حـوت بـدرين سـامره عزلها      تـنوح  او تـلطم الشيعه عزلها
الـعسكري مـهجته بالسم عزلها      وصل صارت وحگ رب البريه

ثم قام إمامنا الحجة (عج) فجهز أباه وصلى عليه ولم تره العيون ودفن (ع) في الدار التي دفن فيها أبوه الإمام الهادي (ع) (4).

(تجليبة)

گام او غـسله المهدي ابگلب مالوم      يـنوح  اعـليه او حرَّم طيب النوم
او  ظل ابن الحسن غايب لهذا اليوم      يـمته  ايلوح غوجه او ياخذ ابثاره
يمته ابن الحسن يظهر او يطلب ثار      يـوم الـغاضريه او يشب بيه النار
يـاخذ  ثـار جده او چتلة الأنصار      وأهـله الـغرّبت ويه العده ايساره


الصفحة (339)  

***

ماذا يهيجك إن صبرت لوقعةٍ      ملأت قلوب المسلمين ضراماً


الصفحة (340)   

المجلس الثالث

القصيدة: للشيخ حسين الشبيب القطيفي

ت: 1369هـ

يـا صاحب العصر احسن الله العزا      لـك فـي أبـيك سليل طه الأطهر
قـد جـرّعوه الـقوم كاسات الردى      فـقضى شـهيداً والأنـامُ بـمنظر
ولـئن صـبرت لـهذه ونـطيرها      فـأنا  وحـقَّك جـفَّ بحرُ تصبري
فـإلى  مـتى يا ابن النبيِّ أما ترى      كـلُّ  ابـن أفـاكٍ عـليكم يجتري
نـهضا  فـما ترضى العُلا بدمائكم      هـدرا  يـكون وكـسرُكم لم يُجبر
أفـلا يُـهيجُك أن أهـلك قد قضوا      مـا بـين مـسمومٍ وبـين مـعفّر
ومـجدلٍ فـوق الـبسيطة عـاريا      مـلقىً  ثـلاثا بـالعرا لـم يُـقبر
شـلـوا مـغارا لـلخيول ورأسُـه      كـالبدر  يـزهر فوق رأس الأسمر
يـا ابن النبيِّ المصطفى حزني لكم      أجـرى  عـتابي في دوام الأعصُر
عـذرا إلـيك فـفي فـؤادي قُرحةٌ      قد أوهنت كبدي وأدمت محجري(5)

(تجليبة)

يبن الحسن ما تنهض يوالينه      ما تدري عدانه اتشمتت بينه


(1) ـ سيرة الأئمة الاثني عشر للسيد الحسني. أئمتنا للشيخ علي محمد علي الدخيل. نور الأبصار للحائري. المطالب المهمة للسيد علي الهاشمي.
(2) ـ ديوان عبد الحسين شكر ص41.
(3) ـ اسم مستعار لهذه السيدة واسمها نرجس.
(4) ـ سيرة الأئمة الاثني عشر للحسني. المجالس السنية للسيد الأمين. نور الأبصار للحائري. منتهى الآمال ج2 ص681/682 عباس القمي.
(5) ـ شعراء القطيف ص266/267.
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة   طباعة الصفحةأعلى