ثمرات الأعواد ـ الجزء الأوّل

 

الصفحة (70)

البيعة .

فقال الحسين (عليه السّلام) : (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون , إذاً مثلي لا يبايع سراً , ولا أظنكم ترضون مني في السرّ , ولكنْ إذا خرجتَ إلى الناس ودعوتَهم إلى البيعة كنتُ أول مبايع )) .

وكان الوليد يحبّ حسن العواقب في الأمور , فقال له : انصرف يا أبا عبد الله على اسم الله , حتّى تأتينا غداً . فقال له مروان : إنْ فاتك الثعلب لم ترَ إلاّ غباره ، فلا تدعْه يخرج حتّى يبايع أو تُضرب عنقه . فلمّا سمع الحسين (عليه السّلام) كلامه وثب إليه قائماً على قدميه , وقال له : (( يابن الزرقاء(1) ، أنت تقتلني أم هو ؟ كذبت والله وأثمت )) .

ثمّ التفت الحسين (عليه السّلام) إلى الوليد , وقال له : (( يا أمير ، نحن أهل بيت النبوة , ومعدن الرسالة ، بنا فتح الله , وبنا يختم , ويزيد رجل فاسق شارب الخمر , ومثلي لا يبايع مثله , ولكنْ نُصبح وتُصبحون , وننظر وتنظرون , أيّنا أحقّ بالبيعة والخلافة )) .

فبينا هو كذلك إذْ دخل إخوة الحسين (عليه السّلام) مجرّدين سيوفهم , وكأنّي بهم يقدمهم أبو الفضل العباس شاهراً سيفه , منتظراً أمر أخيه الحسين (عليه السّلام) .

قال الراوي : ثمّ خرج الحسين (عليه السّلام) من عند الوليد وقد أحدق به إخوته ، وهو يقول :

لا ذعَرت السَوامَ في فلَقِ الصبـ    ـحِ مُغيراً ولا دُعيتُ يزيدا

يوم أُعطى مخافةَ الموتِ ضيماً     والمنايا يرصُدْنني أنْ أحيدا

ــــــــــــــــــــــــــ
(1) الزرقاء : هي جدة مروان , مشهورة بالفجور . وكانت لمروان مع الحسين (عليه السّلام) مواقف كثيرة , كان فيها شديد العداوة للحسين (عليه السّلام) , منها أنّه صعد يوماً على المنبر في المدينة وقال : يا بني هاشم ، إنّما فخركم بامرأة وهي فاطمة . وكان الحسين (عليه السّلام) جالساً ، فقام إليه ولوى عمامته في عنقه حتّى خرج الدم من أنفه , ثمّ أراد قتله , فأقسم الناس عليه بجدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ يتركه فتركه . انظر تأريخ الطبري 4 / 338 , وتأريخ اليعقوبي / 229 , وتأريخ الخميس 2 / 297 , وتأريخ ابن خلدون 3 / 19 , والكامل في التأريخ لابن الأثير 4 / 14 .

الصفحة (71)

أقول : أجلْ ، أين كان عنه هؤلاء الفتية من بني هاشم ، لمّا افترق عليه أهل الكوفة أربع فِرَق ؟ نعم ، كانوا بقربة مجزّرين كالأضاحي :

على الأرضِ صَرعى من كهولٍ وفتيةٍ     فُرادى على حرّ الصفا وتوامُ(1)

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وكأني بالحسين (عليه السّلام) لمّا نظر إلى أصحابه صرعى مجزّرين على أرض كربلاء :
(بحراني)

ظـلْ يـناديهم يـفرساني تـخلّوني وحـيدْ      شالسببْ عفتو مخيّمكم وْنمتو عْلى الصعيدْ
لا ولـد ليّه بقه يحمي حريمي وْلا عضيدْ      وابـن سـعد بـعدي يسيّر هالحراير نيّته
وشْـلون يا عباس تتركني وْحريم مْحيّره      عـايف الـخيمه يـبو فاضل وْنـايم بالثرى
وْهـاي زينب عگب عينك بالحرم متمرمره      وْتـدري باليفگد عضيده تْقل يخويه حيلته

صاح يزهير ويمسلم يا هلال ويا حبيبْ      صـحبتي كـلكم نسيتوها وتركتوني غريبْ
مـا تـجون لْهاليتامه عذّبوني مْن النحيبْ      ظـلّت جْثثهم تموج وتضطرب من نخوته
تْصيح سامحنه يبو سكنه ترى احْنا مصرّعينْ      شـوفنا هـذا كـفوفه مْگطّعه وْهذا طعينْ
صاح معذورين ياللي عْلى التراب مْجزّرين      واگبـل عْلى مْـخيّمه عزمه يودّع نسوته

(تخميس)

لهفي عليهم بحدّ السيفِ قد صُرعوا     وبعدهم للأسى والحزنِ أرتضعُ

باللهِ هل لـهمُ في رجعةٍ طمـَعُ      نذرٌ عليّ لئنْ عادوا وإنْ رجعوا

    لأزرعنّ طريقَ الطفِّ ريحانا


الصفحة (72)

المطلب الثالث عشر :

في موبقات معاوية

ذكر ابن عساكر في تأريخه , قال : أربع خصال كنّ في معاوية ، لو لم يكن فيه منهنّ إلاّ واحدة لكانت موبقة(1) : انتزاؤه على هذه الأمّة بالسفهاء حتّى ابتزّها أمرها بغير مشورة منهم ، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة(2) , واستخلافه ابنه يزيد بعده سكّيراً خمّيراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير , وادّعاؤه زياداً وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( الولد للفراش وللعاهر الحجر )) ، وقتله حجر بن عدي ؛ فيا ويلاً له من حجر , ويا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر(3) .

ــــــــــــــــــــــــــ
(1) قوله تعإلى : (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً) أي مهلكاً , ويوبقهنّ أي يهلكهنّ , ومنه : أعوذ بك من موبقات الذنوب , أي مهلكاتها , من إضافة الصفة إلى الموصوف , أي الذنوب المهلكة . والموبق : وادٍ في جهنم . انظر سورة الكهف 18 / 52 , ومجمع البيان 6 / 735 , ومجمع البحرين .
(2) روى المبرّد في الكامل أنّ يزيد بن معاوية قال لمعاوية يوم بويع له على عهده , فجعل الناس يمدحونه ويقرّظونه : يا أمير المؤمنين ، أنخدع الناس أم يخدعوننا ؟ فقال له معاوية : كلّ من أردت خديعته فتخادع لك حتّى تبلغ حاجتك ، فقد خدعته . انظر الكامل للمبرّد / 305 .
(3) تاريخ ابن عساكر . ونقله فضيلة الأستاذ المرحوم أحمد خيري عن ابن الأثير والطبري

الصفحة (73)

قال أرباب التأريخ : أما سبب قتله حجرَ بن عدي , فهو أنّ المغيرة بن شعبة كان والي الكوفة من قبل معاوية , فكان يلعن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) في خطبته , فيقوم له حجر بن عدي الكندي ويقول له : إنّ الفقراء محتاجون , فلو قسمت مال المسلمين عليهم لكان خيراً من هذا ـ وغرضه أن يهيج عليه , حتّى يمتنع من سب أمير المؤمنين (عليه السّلام) ـ فقيل له : لو ضربت عنقه فقد هاج الناس عليك . فقال : إنه رجل صحابي وتابعي , وما أحب أن ألقى الله بدمه , وسيأتي غيري فيفعل معه مثل ما يفعل بي , فيتولى قتله .

حتى إذا ولي المصرين زيادُ بن أبيه ـ وهما الكوفة والبصرة ـ صار يلعن أمير المؤمنين (عليه السّلام) أمام خطبته , فيقوم له حجر ويقول له مثل ما كان يقوله للمغيرة : قسّم المال على الفقراء فإنّهم محتاجون , ودع لعن علي بن أبي طالب .

فأمر زياد (لعنه الله) بالقبض عليه , فقُبض عليه ومعه ثلاثون رجلاً وبعثه إلى معاوية , فلمّا وصلوا مرج عذراء(1) حُبسوا هناك , فأُخبر معاوية بوصولهم , فأمر بقتل حجر وبعض مَن كان معه ، وعفا عن الباقين لتشفّع أقوامهم فيهم , فلمّا قُدّموا

ـــــــــــــــــــ
وأيضاً عن ابن عبد ربه , وذلك في أرجوزته اللطيفة 19 / البيت 35 .
انظر الكامل في التأريخ لابن الأثير 3 / 209 , وتأريخ الطبري 6 / 157 , والاستيعاب (في هامش الإصابة) 1 / 134 .
وفي خزانة الأدب للبغدادي نقله أيضاً , وأضاف بعده ما نصّه : ورُوي عن الشافعي أنّه أسرّ إلى الربيع ألاّ يقبل شهادة أربعة , وهم معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة وزياد . انظر خزانة الأدب للبغدادي 2 / 519
(1) مرج عذراء : قرية بغوطة دمشق فتحها حجر بن عدي الكندي , وقُتل ودُفن فيها (رضوان الله عليه) . يقول الشاعر :

وكمْ من قتيلٍ يومَ عذراءَ لم يكنْ     لصاحبهِ في أوّلِ الدهرِ قاليا

انظر معجم البلدان للحموي 4 / 91 .

الصفحة (74)

للقتل , قال حجر : أمهلوني حتّى اُصلّي لربي ركعتين . فأمهلوه , فقام حجر فتوضأ وصلّى ركعتين أطال فيهما ؛ ليرى الناس أنّه مسلم موحّد , فبِمَ يَستحلّ معاوية قتله ؟ فلم يرَ في ذلك اليوم من يقول له : هذا مسلم موحّد , فبِمَ يُستحلّ قتلُه ؟ ولمّا قُتل حجر وسمعت ابنته بقتله أنشأت تقول :

تـرفّع أيـّها الـقمرُ المنيرُ      لـعلّك أنْ ترى حِجراً يسيرُ
يـسيرُ إلى معاويةَ بنِ حربٍ      لـيقتلَه كـما زعـم الأمـيرُ
تجبّرت الـجبابرُ بعد حِجرٍ      وطابَ لها الخورْنقُ والسديرُ
وأصبحت البلادُ به مُحولاً       كأنْ لـم يـأتِها يومٌ مَطيرُ
ألا يا حِجرُ حـجرَ بني عَديٍّ      تـلقّتك الـسلامةُ والـسرورُ
أخافُ عليك ما أردى عديّاً      وشيخاً فـي دِمَشقَ له زئيرُ
فإنْ يهلِكْ فـكلُّ عميدِ قومٍ      إلى هُلْكٍ من الدنيا يصيرُ
(1)

وحدّث زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق قال : أدركت الناس وهم يقولون : إنّ أوّل ذلّ دخل الكوفة هو لمّا مات الحسن بن علي (عليهما السّلام) وقُتل حجر بن عدي الكندي(2) .

إذْ إنّ حجراً كان ثقة معروفاً صحابياً , شهد مع علي (عليه السّلام) صفين ,

ـــــــــــــــــــــــ
(1) قيل هذه الأبيات لهند بنت زيد الأنصارية ، قالتها حينما ساروا بحجر إلى معاوية , وذكر بعضهم أنّها لأخت حجر .
ورثاه أيضاً عبد الله بن خليفة الطائي بقوله :

أقول ولا والله أنسى فعالَهم     سجيسَ الليالي أو أموت فأُقبرا

وكذلك رثاه قيس بن فهدان بقوله :

يا حجرُ يا ذا الخيرِ والأجرِ     يا ذا الفضائلِ نـابـهَ الذكـرِ

انظر ترجمة حجر بن عدي في بغية الطالب لابن النديم : 151 , 159 .
(2) تأريخ الطبري 5 / 279 , وفي آخره : ودعوة زياد ، أي ادّعاء معاوية لزياد وإلحاقه بأبي سفيان .

الصفحة (75)

والنهروان , والجمل , وكان من رجاله المشهورين , ولمّا قتله معاوية ندم على ما فعل , فدخل عليه رجل من الناس , وقال له : أين صار عنك أبو سفيان ؟ قال له : حين غاب عني مثلك(1) .

وكان معاوية بعدها يقول : ما قتلت أحداً إلاّ وأنا أعرف في ما قتلته , ما خلا حجراً فإني لا أعرف بأي ذنب قتله .

وروى اليعقوبي في تأريخه : قال معاوية للحسين بن علي (عليه السّلام) : يا أبا عبد الله ، علمت أنّا قتلنا شيعة أبيك فحنّطناهم , وكفّناهم , وصلّينا عليهم , ودفنّاهم . فقال الحسين (عليه السّلام) : حججْتك وربِّ الكعبة , لكنا والله إن قتلنا شيعتك , ما كفّناهم , ولا حنّطناهم , ولا صلّينا عليهم , ولا دفنّاهم(3) .

أقول : لا يخفي على العارف مغزى جواب الحسين (عليه السّلام) , كأنه يقول : إن أصحاب أبي مسلمون , وأصحابك ليسوا بمسلمين .

وذكر اليعقوبي أيضاً : قالت عائشة لمعاوية حيث حجّ , ودخل إليها : يا معاوية ، أقتلت حجراً وأصحابه ؟! فأين عزب حلمك عنهم ؟ أما إنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( يُقتل بمرج عذراء نفر يغضب لهم أهل السماوات ))(4) .

قال : لم يحضرني رجل رشيد يا أمّ المؤمنين .

ويروى أنّ معاوية كان يقول : ما أعدّ نفسي

ـــــــــــــــــــــــ
(1) انظر ترجمة حجر بن عدي الكندي في كتاب الصاحب كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي جرادة , المعروف بابن العديم , المتوفي سنة 660 هـ ، المطبوع مستلاً من كتابه بغية الطلب في تأريخ حلب , بتحقيق الدكتور سهيل زكّار .
(2) وكان قتل حجر سنة إحدى وخمسين , وقيل سنة ثلاث وخمسين من الهجرة .
انظر المنتظم لابن الجوزي 5 / 241 , وتاريخ الطبري 5 / 253 , والكامل في التأرخ لابن الأثير 3 / 209 .
(3) تأريخ اليعقوبي 2 / 219 .
(4) كنز العمال للمتقي الهندي 11 / 30887 , مثله .

الصفحة (76)

حليماً بعد قتلي حجراً وأصحاب حجر(1) .

وأمّا استلحاقه زياد بن أبيه ، وقد كان زياد يُدعى لجماعة , فإنّه كان أخطب الناس وألسنهم ، فخاف معاوية عاقبة أمره ؛ لأنّه كان يتشيّع ويرى ولاية علي بن أبي طالب (عليه السّلام) , ولمّا قُتل أمير المؤمنين (عليه السّلام) استمال الناس لولده الحسن (عليه السّلام) , فخاف منه معاوية , فاستلحق زياداً ؛ لأنّ أباه أبا سفيان كان من جملة الذين وقعوا على أمّه سميّة , فكان ما كان من أمرها , فرغّبه معاوية بالمال وألحقه به(2) , ونسي قول النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( الولد للفراش وللعاهر الحج ))(3) .

وأمّا استخلافه يزيد (لعنه الله) من بعده وأخذ البيعة له , فقد رواه المؤرّخون كمحمد بن عبد الله ابن مسلم بن قتيبة في كتاب الإمامة والسياسة . قال : لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن بن علي (عليه السّلام) إلاّ يسيراً حتّى بايع ليزيد بالشام , وكتب بيعته إلى الآفاق وإلى عمّاله , وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم , فكتب له يأمره أن يجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة , ثم يبايعوا ليزيد .

فلمّا قرأ مروان كتاب معاوية أبى من ذلك, وأبّته قريش , فكتب له : إنّ قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك يزيد , فأرني رأيك , والسلام . فلمّا بلغ معاوية كتاب مروان عرف أنّ ذلك من قبله , فعزله واستعمل سعيد بن العاص(4) .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) تأريخ اليعقوبي 2 / 219 ـ 220 .
(2) تأريخ اليعقوبي 2 / 207 ـ 208 .
(3) رواه الترمذي في سننه 5 / 433 / 2120 و434 / 2121 ، الباب 5 ، كتاب الوصايا . ورواه السيوطي في الجامع الصغير 2 / 723 / 9688 , وغيرهما بأسانيد أخرى , وهو من الأحاديث المتواترة والمسلّم بصحتها عند المسلمين عامة وخاصة .
(4) الإمامة والسياسة 1 / 197 .

الصفحة (77)

قال أهل السير : وأمر معاوية أنْ يأتيه من كل مصر وفد إليه , فلمّا وفدت عليه الوفود واجتمعت عنده ، قال للضحاك بن قيس الفهري : إنّي متكلّم فإذا سكتّ فكن أنت الذي تدعو إلى بيعة يزيد , وتحثني عليها . فلمّا جلس معاوية للناس , وتكلم فعظم أمر الإسلام وحرمة الخلافة وحقها , وما أمر الله بها , ثم ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة , وعرّض ببيعته ، فعارضه الضحاك وقال : يا أمير المؤمنين ، إنّه لا بدّ للناس من والٍ بعدك , ويزيد ابن أمير المؤمنين في حسن هديه , وقصد سيرته على ما علمت , وهو من أفضلنا علماً وحلماً , فولّه عهدك , واجعله علماً لنا بعدك .

قال : وقام عمرو بن سعيد الأشدق وتكلّم بنحو من ذلك ، وقام يزيد بن المقفّع العذري فقال : هذا أمير المؤمنين ـ وأشار إلى معاوية ـ ، فإنْ هلك فهذا ـ وأشار إلى يزيد (لعنه الله) ـ ، ومن أبى فهذا ـ وأشار إلى سيفه ـ .

فقال معاوية : اجلس فأنت سيد الخطباء .

وقال معاوية للأحنف بن قيس(1) : ما تقول يا أبا البحر ؟ فقال : نخافكم إنْ صدقنا , ونخاف الله إنْ كذبنا , وأنت يا أمير أعلم بيزيد في ليله ونهاره , وسرّه وعلانيته(2) .

وروى أبو جعفر الطبري قال : بايع الناس ليزيد بن معاوية (لعنه الله) , غير الحسين بن علي بن أبي طالب , وعبد الله بن عمر , وعبد الله بن الزبير , وعبد الرحمن بن أبي بكر(3) .

ــــــــــــــــــــــــــ
(1) هو أبو البحر ، واسمه الضحّاك . قيل : صخر بن قيس بن معاوية بن حصين بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن مناة بن تيم التميمي السعدي , والأحنف إنّما كان لقبه لأنّ برجليه حَنَفاً ، أي اعوجاج ، وكان مع أمير المؤمنين (عليه السّلام) في صفين ، وتوفّي سنة 67 هـ . انظر تأريخ من دُفن في العراق من الصحابة / 13 .
(2) الكامل في التأريخ لابن الأثير 3 / 507 .
(3) في المصدر زيادة : وابن عباس . انظر تأريخ الطبري 5 / 303 .

الصفحة (78)

أمّا ابن الزبير فإنّه هرب إلى مكة من طريق فرعي هو وأخوه جعفر , وليس معهما ثالث , وأرسل الوليد خلفه واحداً وثمانين راكباً فلم يُدركوه , وخرج الحسين (عليه السّلام) من المدينة إلى مكة ، فسمع يزيد (لعنه الله) بذلك , فغضب على الوليد لصنعه , وعزله عن المدينة , وولاّها عَمْرو بن سعيد الأشدق , فدخلها في شهر رمضان سنة ستين من الهجرة . وأمّا الحسين (عليه السّلام) فإنه خرج من المدينة بفتيته ، كما قال الشاعر :

في عصـبةٍ من هاشـمٍ علويّـةٍ    طهُرت أرومتُهم وطابَ المولد

 * * *

ساروا ولولا قضاءُ اللهِ يُمسكُهمْ     لم يتركوا لبني سفيانَ من أثـرِ

 
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(نصّاري)

طـلعوا آل هـاشم عن وطنهم      وظـل خالي حرم جدهم بعدهم
سـاروا بْـليلهم وابـعد ظعنهم      ولنْ صوت العليلة بْگلب محترْ
دريـضو هـنا يـهلنه للعليله      يـهلنه فْـراگكم ما ليش حيله
 يهلنه بـعدكم مـا انـام ليله      وْعـيني من بعدكم دوم تسهرْ
 يهلنه خـلّو اخوي الطفل بالله      يظل عندي وْروحو وداعة الله
يهلنه من المرض گلبي تگلّه      يهلنه خلّو اخوي الطفل وسدرْ
بچن ويلي ونـادنها دخَـلّيه      لأهـله وبْـحضن أمّه دردّيه
طفل وفراگ أمّه يصعب عليه      ولا أمّـه عـلى فـرگاه تصبرْ
 صاح حْسين يا فاطم دردّي      دردّي لـلمدينه وطـن جـدي
 اودي لچ عـلى ابني وْ چبدي      ولابـد مـا يـجي يمّچ مْخبّرْ

(دكسن)

ردّت للمدينة وسار ابوها     وْظلّت ترتقب عمها وابوها

   ظنّت فاطمه لنهم يجوها     أخوها والبطل عمْـها المشكّرْ

(تخميس)

    من منشد عن صحـب هنا نزلوا    مثلِ البـدورِ بها الأنـوارُ تشتـعلُ

من طيـبةٍ طلعوا من كربلا أفلوا    بالأمسِ كانوا معي واليومَ قد رحلوا

     وخلّفوا في سُويدا القلبِ نيرانا


الصفحة (79)

المطلب الرابع عشر :

في زيارة الحسين (عليه السّلام) قبر جدِّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ووداعه

ذكر صاحب مدينة المعاجز وغيره أنّه لمّا همّ الحسين (عليه السّلام) بالخروج من المدينة إلى مكّة ، أقبل في نصف الليل إلى قبر جده رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ووقف باكياً , وقال : (( السلام عليك يا رسول الله . أنا الحسين بن فاطمة , فرخك وابن فرختك , وسبطك الذي خلّفتني في اُمّتك , فاشهد عليهم يا رسول الله أنّهم قد خذلوني , وضيّعوني , ولم يحفظوني , وهذه شكواي إليك حتّى ألقاك )) . ثم قام (عليه السّلام) وصف قدميه , ولم يزل تلك الليلة قائماً وقاعداً , وراكعاً وساجداً .

وأرسل الوليد إلى منزله رسولاً لينظر أخرج الحسين (عليه السّلام) من المدينة أم لا , فجاء الرسول فلم يُصبه في منزله , ورجع وأخبر الوليد بذلك فقال : الحمد لله الذي أخرجه ولم يبتلني بدمه .

قال الراوي : وعند الصباح رجع الحسين (عليه السّلام) إلى منزله , وفي الليلة الثانية خرج إلى القبر أيضاً , فصلّى عنده ركعات , ولمّا فرغ من صلاته جعل يقول : (( اللهمّ إنّ هذا قبر نبيك محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وأنا ابن بنت نبيك , وقد حضرني من الأمر ما قد علمت اللهمّ إنّي أُحبّ المعروف وأُنكر المنكر , وأنا أسألك ياذا الجلال والإكرام بحقّ القبر ومَن فيه , إلاّ اخترت لي ما هو لك رضاً ولرسولك رضاً )) .

ثمّ جعل يبكي عند القبر ، حتّى إذا كان قريباً من الصباح وضع رأسه على القبر فأغفى ،


الصفحة (80)

فإذا برسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد أقبل في ركب من الملائكة ، ورعيل(1) من الأنبياء , عن يمينه وعن شماله , ومن خلفه وبين يديه حتّى ضمّ الحسين (عليه السّلام) إلى صدره , وقبّل ما بين عينيه , وقال : (( حبيبي يا حسين ، كأنّي أراك عن قريب مزمّلاً بدمائك, مذبوحاً بأرض كرب وبلاء , في عصابة من أمّتي , وأنت مع ذلك عطشان لا تُسقى , وظمآن لا تُروى , وهم مع ذلك يرجون شفاعتي ، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة . حبيبي يا حسين ، إنّ أباك وعمّك وأخاك قدموا علي , وهم مشتاقون إليك , وإنّ لك في الجنان درجات لن تنالها إلاّ بالشهادة )) .

قال الراوي : فجعل الحسين (عليه السّلام) يبكي , ويقول : (( يا جدّاه ، لا حاجة لي بالرجوع إلى الدنيا , خذني إليك وأدخلني معك في قبرك )) :

    ضُمّني عندك يا جدّاه في هذا الضريحْ      عـلّي يـا جـدّاه من بلوى زماني أستريحْ
ضاق بي يا جدّ من فَرْط الأسى كلُّ فسيحْ     فـعسى طـودَ الأسـى يندكّ بين الدكّتينْ
 جدُّ صفوُ العيشِ من بعدك بالأكدار شِيبْ      وأشـابَ الهمُّ رأسـي قبل إبّانِ المشيبْ
   فعلا مـن داخـل الـقبرِ بكاءٌ ونحيبْ      ونـداءٌ بافتجاع يـا حـبيبي يـا حسينْ
    أنت يـا ريـحانةَ الـقلبِ حـقيقٌ بالبَلا      إنّـما الـدنـيا أُعـدّت لـبلاء الـنُبَلا
       لكنْ الـماضي قـليلٌ بـالذي قـدْ أقبلا      فـاتّخذْ دِرعـين مـن حزم وعزمٍ سابغينْ
        ستذوقُ الموتَ ظلماً ظامئاً في كربلا      وسـتبقى فـي ثـراها ثـاوياً مُـنجدلا
      وكـأنّي بـلئيمِ الأصـلِ شـمرٍ قـدْ علا      صـدرَك الـطاهرَ بالسيف يحزُّ 
الوجدينْ
       وكأنّي بـالأيامى مـن بـناتي تستغيثْ      لـغَباً تستعطف القومَ وقد عزّ المغيث
ْ(2)
       قدْ برى أجسامَهنّ الضربُ والسيرُ الحثيثْ      بينها السجّادُ في الأصفاد مغلولُ اليدين
(3)

ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الرعيل : اسم كل قطعة متقدمة من خيل أو رجال أو طير , جمعه : رعال . انظر القاموس المحيط .
(2) اللغَب : أشد التعب . انظر : مجمع البحرين .
(3) للدمستاني رحمه الله . انظر ديوان الدمستاني .

الصفحة  (81)

فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( لا بدّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتّى تُرزق الشهادة ، وما قد كتب الله لك فيها من الثواب الجزيل والثناء الجميل ، فإنّك وأباك وعمّك وعمّ أبيك تُحشرون يومَ القيامة في زمرة واحدة حتّى تدخلوا الجنة )) .

قال الراوي : فانتبه الحسين (عليه السّلام) من نومه فزعاً مرعوباً , ورجع إلى منزله وقصّ رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب , فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب أهل بيت أشد غماً من آل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , ولا أكثر باكياً وباكية ؛ لأنّهم يُريدون أنْ يفارقوا سيّدهم وزعيمهم , وهم مع ذلك يعلمون أنّ ذاك الأمر من الله ورسوله ؛ إذْ يقول له جدّه في منامه : (( يا بُنيّ ، لابدّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتّى تُرزق الشهادة ، وما قد كتب الله لك فيها من الثواب الجزيل والثناء الجميل )) . فكأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول له : بني ، إنّ حياة هذه الأمّة بشهادتك .

 إنّ الحسين (عليه السّلام) في الحقيقة صار هو المعلّم الروحاني لأمّة جدّه , فأخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور الهداية بقتله ، كما تُشير إلى ذلك الزيارة : (( أخرج عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة )) . والذي جرى عليه (عليه السّلام) نزلت به صحف مكرمة ، وذلك عند موت النبي (صلّى الله عليه وآله) .

يُروى أنّه (صلّى الله عليه وآله) استدعى علياً , وأعطاه اثنتي عشرة صحيفة , وقال : (( يا علي ، هذه الصحف مختومة من رب العزّة لك وللأئمة من ذريتك , فانظر أنت ما في صحيفتك واعمل بها )) ، فكان أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) ينظر في صحيفته ويعمل بما فيها .

ولمّا حضرته الوفاة استدعى ولده الحسن (عليه السّلام) , وأعطاه إحدى عشرة صحيفة وأخبره بذلك , ولمّا أخذ الحسن (عليه السّلام) صحيفته عمل بما فيها وبما أُمر به ، إلى أنْ حضرته الوفاة ، فاستدعى الحسين (عليه السّلام) وأعطاه عشر صحائف وأخبره بذلك , فعمل الحسين (عليه السّلام) بما فيها وبما أُمر به , حتّى إذا جاء كربلاء وقُتل إخوته وأولاده وأنصاره ، وبقي وحيداً فريداً , ناداه منادٍ : يا حسين , أين العهد ؟ بِعْ نفسك وأنا المشتري .


الصفحة (82)

فقام (عليه السّلام) في ذلك المقام الرهيب ، ووقف تجاه أعدائه وهم يريدون قتله , فحمل عليهم ونازلهم , وقاتلهم مقاتلة الأبطال حتّى دمّر فيهم وأزالهم عن مواقفهم , فقلب القلب على الجناحين , والظهير على الكمين , ولمّا نظر قائد الجيش إلى الشجاعة الحسينية ، قال لأصحابه وهو مشرف على الميدان ينظر إلى الحسين (عليه السّلام) : والله لئن بقي الحسين على هذه الحالة أفنانا عن آخرنا . انظروا كيف الحيلة إلى قتله .

فقال شبث بن ربيعي : يا أمير ، الحيلة أنْ تأمر الجيش فيفترق عليه أربع فرق , فرقة بالسيوف , وفرقة بالرماح , وفرقة بالسهام ، وفرقة بالحجارة . فأنفذ ابن سعد ما أشار به عليه شبث بن ربيعي , ونادى منادي العسكر : افترقوا عليه أربع فرق بالسيوف والرماح والسهام والحجارة .

فوجّهوا نحوَه في الحرب أربعةً     السيفَ والسهمَ والخطيَّ والحجرا

 
ــــــــــــــــــــــــــــ
(نصّاري)

دار العسكر على حْسين يا حيفْ      نـاسٍ بـالرماح وناسْ باليسفْ
يشبه دورها عْلى الليث الِمْخيفْ      بْـياض الـعينْ بْصبيها يْتدَوّرْ
تلگّه نـباها حْـسين بْوريده      نـوبه بـالضلوع ونـوب بيده
   تلايم غـيمها واثـجل رعيده      وْبـالزانات فوگ حْسين يمطرْ
ثگل ما يـندره بْنشّابها مْنين      يجيه وْزانها يخطف على حْسين
سهم بيده وسهم بْحاجب العين      يـويلي وافغرت روحه من الحرْ

(دكسن)

صار شْبيح بيه مْن المنيه     ألف نبله يويلي وْتسع ميّه

وگف تبة نبل بالغاضريّه     وْزور رْماح شابچ عيب ينطرْ

* * *

وقف الطرفُ يستريحُ قليـلاً     فرماه القضا بـسهـمٍ مُتاحِ

فهوى العرشُ للثرى وادلهمّتْ     برماد المصابِ منها النّواحي


الصفحة (83)

المطلب الخامس عشر :

في وداع الحسين (عليه السّلام) للهاشميِّين والهاشميات , وترجمة اُمّ سلمة

 يا بنفسي مودّعين وفي العيـ        ـنِ بُـكاها وفي القلوب لَظاها
 مِـنْ بـحور تضمّنتْها قبورٌ           وبـدورٍ قـد غـيّبتْها رُباها
ركبُهم والقضا بأظعانهم يسـ       ري وحادي الردى أمامَ سُراها
والـمساعي من خلفهم نادباتٌ      والـمعالي مـشغولةٌ
بشَجاها
سـاكباتُ الـدموعِ لا تتلاقى      بـينَ أجـفانِها وبـينَ كَراها

كان يوم خرج الحسين (عليه السّلام) من مدينة جدّه (صلّى الله عليه وآله) أعظم يوم على الهاشميِّين والهاشميات ؛ إذْ إنّ الحسين كان سلوة لهم عن جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وعن أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) , وعن أخيه الحسن (عليه السّلام) , فأقبلت الهاشميات نساء بني عبد المطلب إلى دار الحسين (عليه السّلام) لوداعه والتزود منه ، ووداع عيالاته وأطفاله , فجعلن يبكين ويندبن , فمشى فيهن الحسين (عليه السّلام) , وقال : (( أنشدكنّ الله ألاّ تُبدين هذا الأمر ؛ لأنّه معصية لله ولرسوله )) .

فقلن : يا أبا عبد الله ، فعلى من نتبقى النياحة والبكاء بعدك ؟ وهذا اليوم عندنا كيوم مات فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وعلي وفاطمة والحسن (عليهم السّلام) . جعلنا الله فداك يا حبيب الأبرار !


الصفحة (84)

قال الراوي : وجاءت اُمّ سلمة(1) وقالت له : يا بنيّ ، لا تحزنّي بخروجك إلى

ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) اُمّ سلمة : اسمها هند , وهي من أُمّهات المؤمنين , بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عَمرو بن مخزوم القرشية المخزومية ، واسم أبيها حذيفة , وقيل : سيل , ويلقّب زاد الراكب ؛ لأنّه كان أحد الأجواد , فكان إذا سافر لا يترك أحداً يرافقه ومعه زاد ، بل يكفي رفقته من الزاد ، وأُمّها عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك الكنانية , من بني فراس , وكانت زوج ابن عمّها أبي سلمة , فمات عنها . وقد أسلمت قديماً هي وزوجها ، وهاجر إلى الحبشة فولدت له سلمة ، ثمّ قدِما إلى مكة وهاجرا إلى المدينة فولدت له عمر , ودرة , وزينب .
ولمّا أراد أنْ يهاجر بها زوجها إلى المدينة ، منعه رجال من بني المغيرة , ونزعوا خطام البعير من يده , فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد , وهو والي سلمة , وقالوا : والله لا نترك ابننا عندها إذا نزعتموها من صاحبنا . فتجاذبوا سلمة حتّى خلعوا يده ، وانطلق به عبد الأسد وتركها زوجها حتّى لحق إلى المدينة ، ففرّق بينها وبين زوجها وابنه ، فكانت تخرج إلى الأبطح تبكي وتولول سبعة أيام , فقال لها قومها : الحقي بزوجك . فقصدت المدينة ، وكان زوجها نازلاً في قرية بني عمرو بن عوف بقباء ، فقصدته . وقيل : إنّها أول امرأة خرجت مهاجرة إلى الحبشة , وأول ظعينة دخلت المدينة .
وقال أرباب التأريخ : ولمّا تُوفّي زوجها وانقضت عدتها خطبها أبو بكر فلم تتزوّجه , فبعث النبيُّ (صلّى الله عليه وآله) يخطبها , فقالت للرسول : أخبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّي امرأة غيرى , وإنّي امرأة مصبيّة , وليس أحد من أوليائي شاهد .
فقال : (( قُل لها : أمّا قولك : إنّي امرأة غيرى فسأدعو الله فتذهب غيرتك ؛ وأمّا قولك : إنّي امرأة مصبيّة فسلّي صبيانك ؛ وأمّا قولك : ليس أحد من أوليائك شاهد ، فليس أحد من أوليائك شاهد وغائب يكره ذلك )) .
فقالت لابنها عمر : قُم فزوّج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) . فزوّجه . وقيل : إنّ الذي زوّجها من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ابنها سلمة .
وأخرج ابن سعد من طريق عروة عن عائشة قالت : لمّا تزوّج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمّ سلمة ، حزنتُ حزناً شديداً لِما ذُكر لنا من جمالها , فتلطّفتُ حتّى رأيتها , فرأيت والله أضعاف ما وُصفت , فذكرت ذلك لحفصة فقالت : و ما هي كما يقال . قالت : فرأيتها بعد ذلك فكانت كما قالت حفصة , ولكنّي كنت غيرى . وكانت أُمّ سلمة موصوفة بالجمال البارع والعقل البالغ والرأي الصائب , وإشارتها على النبي (صلّى الله عليه وآله) يوم الحديبة ، تدلّ على وفور عقلها و صواب رأيها .

الصفحة (85)

العراق ؛ فإنّي سمعت جدك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( يُقتل ولدي الحسين في العراق بأرض يقال لها : كربلاء )) . فقال لها : (( يا أُمّاه ، والله إنّي أعلم ذلك ، وإنّي مقتول لا محالة , وليس لي من هذا بدّ , وإنّي والله لأعرف اليوم الذي أُقتل فيه , وأعرف من يقتلني , وأعرف البقعة التي أُدفن فيها , وأعرف من يُقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي , وإنْ أردتِ يا أُمّاه أريكِ حفرتي ومضجعي )) . قال : ثمّ أشار بيده الشريفة إلى جهة كربلاء .

قال صاحب مدينة المعاجز ، وإثبات الوصية : قال : (( بسم الله الرحمن الرحيم )) ، فانخفضت الأرض بإذن الله تعإلى ، حتّى أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره ، فعند ذلك بكت أُمّ سلمة وسلّمت أمرها إلى الله , فقال لها الحسين (عليه السّلام) : (( يا اُمّاه ، قد شاء الله أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً , وحرمي ورهطي ونسائي مسبيين , وأطفالي مشردين )) .

فقالت أُمّ سلمة : يا أبا عبد الله ، عندي تربة دفعها إليّ جدّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قاروة . فقال (عليه السّلام) : (( والله إنّي مقتول كذلك , وإن لم أخرج إلى العراق يقتلوني )) .

ثم إنّه (عليه السّلام) أخذ تربة وجعلها في قارورة وأعطاها إياها , وقال لها : (( اجعليها مع قارورة جدي رسول الله , فإذا فاضتا دماً فاعلمي أنّي قد قُتلت )) . فأخذتها أُمّ سلمة ووضعتها مع قارورة رسول الله (صلى الله عليه وآله)(1) .

ولمّا سار الحسين (عليه السّلام) إلى العراق جعلت أُمّ سلمة كل يوم تتعهّد

ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال صاحب الاستيعاب : شهدت أُمّ سلمة غزوة خيبر فقالت : سمعت وقع السيف في أسنان مرحب (يعني سيف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام)) . وهي آخر أُمّهات المؤمنين موتاً . توفّيت سنة 63 من الهجرة . انظر الاستيعاب (في هامش الإصابة) , وطبقات ابن سعد .
(1) إثبات الوصية للمسعودي / 166 , ومدينة المعاجز للبحراني
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث