|
الأبعاد الروحية للشعائر
الإسلاميّة(*)
ينطلق
الإنسان في رحلته ضمن زمن محدود خلال وجوده على هذه
البسيطة من منظور قائم
على اتّجاهات محسوبة سلفاً من خلال مسلكين : أحدهما يمثل
الخطّ المادي ، في حين يندفع الآخر ليرسم ملامح خطّ الروح
، والربط الفعلي بذات الله المتمثّلة بالمعتقدات والعبادات
، بصفتهما يمثّلان خطّي الربط مع الحياة التالية .
ومن هنا
فإنّ المرحلة البشرية أوّل ما
تبدأ من نقطة واحدة ، ولكن تبدأ باتّجاهين متعاكسين ،
وتبقى مسألة تحقيق التوازن بينهما كفيلة بميول واتّجاهات
الإنسان نفسه .
إذاً
فالطريق إلى الله سبحانه وتعالى سالكة لكل مَنْ أراد
الوصول إليه ، وهذه
العبادات تضفي على الإنسان جواً من الإشباع الروحي والفكري
، تجعل منه ينتقل عبر هذه الإحساسات إلى عالم يعتقد من
وجهة نظره على الأقل أنّها تحقق له لذّة تصل به إلى درجة
الاكتمال حتّى ولو كان معنوياً .
وما إن
يصل الإنسان إلى هذه المرحلة هو بحدّ ذاته يعدّ هدفاً
سامياً ، يروم الولوج فيه أي إنسان مهما كانت حقيقة
مرجعيته الثقافية والاجتماعيّة .
فممارسة
العبادات عمليّاً تجعل الإنسان في سفر ضمن الزمن العبادي
إلى الله تعالى . وهذا
السفر يخلق لديه نوعاً من الإحساس بالمتعة واللذّة خلال
ذلك الزمن ؛ لأنّ أساس الفكرة يرجع إلى أعماق النفس
الإنسانيّة التي تنزح بطبيعة ذاتها نحو
البحث عن الحزن والألم ؛ لكونهما من الدوافع الفطريّة
والغريزيّة للإنسان التي تحس معهما النفس بشيء من تحقيق
الذات ، لا سيّما كون الحزن يرتبط بقضية مصيرية ، أو
بالتعبير الأدق أبديّة تتعلّق بتحوّل الإنسان عبر مراحل
تطوريّة في المجتمع من شكل لآخر ، ومن حالة لاُخرى .
هذه
التحوّلات تدفع بالإنسان نحو أهداف نبيلة لا تستطيع تذوّق
طعمها في وقت
ممارستها ، ولكن ربما يكون على موعد لاحق لتحقيق هذه
الاُمنيات التي يطمح
الإنسان
إلى تحقيقها ؛ بغية الوصول إلى لذّة الكمال المعنوية التي
تشكّل نقطة إشعاع وسط عتمة الهبوط .
وكأنّي
بالسابح في هذا التيار يثق تماماً بأنّ كلّ المصاعب
والمعوّقات التي ربما تحول دون وصوله إلى هدفه المنشود
هي بحدّ ذاتها أهدافاً تدفع به إلى عالم الروح .
هذا
العالم الذي ينشد كي يرتبط مع رمز الخلود المطلق ، وشعلة
الحقّ الأبديّة ، وشعاع الأمل السرمدي ، أبي الأحرار ،
ومنار الثوار ، أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) .
ومن خلال
هذه الرؤية تشعّ فكرة إحياء شعائر هذا الرمز الأبدي ، وهذا
العشق السرمدي ، وعندما تنبت فكرة الإحياء في الجذور فإنّها تحضر لنفسها مكاناً تمتدّ جذوره إلى أرض الرحمان ،
وزمن الملائكة ، ويعلو ساقها إلى أعنان السماء ، وتتفرّع
أغصانها بين خبايا الروح ، وتمتاز أوراقها عن خلايا العقل
، ويغذّي ثمرها الجسد بأحلى غذاء ، ويغسل ماؤها كلّ خطايا
الجسد الدنيوي ، وحتّى إلى درجة يكون الجسد مطابقاً للروح
تمام المطابقة ، وكأنّك تشعر بالهجرة والرحيل والارتياح
من هذه الدنيا المادية إلى عالم الاستقرار والمثال
والأبديّة .
وهذا
العالم له سماته التي تميّزه عن عالمنا ، وهذه السمات
تجدها مجسّدة بشخص المحبّ الحسيني .
وهذا
العاشق الولهان الذي يفارق جرّاء هذا العشق كلّ عشّاق
الدنيا (الزوجة والابن ، والاُمّ والأخ والصديق) , كلّ هذه
المعشوقات تهون وتتلاشى إزاء حبّه وعشقه وهواه الحسيني .
ومن مجموع
هؤلاء العشّاق يتكوّن لدينا كتلة بشريّة لها سمة تختلف عن
غيرها من كتل البشر ، وتكون ضمن زمن مستقل عن الزمان ، وفي
مكان ينأى عن الأمكنة ؛ لينتج عنها أشبه بحلقة من حلقات
إقامة هذه الشعائر ، وهي ما يمكن أن نطلق عليها موكب أحباب
الحسين (عليه السّلام) ، أو موكب أنصار الزهراء (عليها
السّلام) ، إلى غير ذلك من النقاط
المضيئة في زمن يبحث عن الضياء .
وإن نطرق
باباً من أبواب هذه الجنان التي ترنو صوب المزن ، وتحدد
وتحدو صوب
الألق لوجدنا اُنموذجاً يقف الفكر أمامه حائراً ، ويسجد له
القلم تواضعاً ؛ لأنّه مثال حقّق كلّ الذي جسّدناه من خلال
رؤيتنا ، إلاّ أنّ المواكب الحسينيّة تحقق ما لم تحققه
أقوى النظريات الاجتماعيّة والفلسفية في المجتمع ؛ إذ استطاعت
المواكب الحسينيّة أن تخلق نوعاً من الترابط الاجتماعي قلّ
نظيره ، وتؤسس انسجاماً ما بين أنواع وطوائف من المجتمع لا
يمكن أن تنسجم حتّى في الخيال ، ولكن هذه الأنواع ذابت في
بودقة الموكب الحسيني .
ولو طرحنا تساؤلاً : كيف استطاع الموكب الحسيني أن يؤسس تلك
النظرية الاجتماعيّة ؟ وما الأسباب التي جعلت منه قادراً
على خلق هذا النوع من الترابط الذي يعجز أي منظّر في علم
الاجتماع أن يقوم به ؟
وللإجابة
عن هذه التساؤلات ينطلق الكاتب هنا من رؤية واقعية وليست
نظرية ، من خلال رحلة عشق مع ثلة من عشاق الحبّ الحسيني ،
ينتمون إلى مرجعيات ثقافية مختلفة ، لكنّهم يلتقون بعشق
واحد وقلب واحد ، وكأنّهم اُنموذج رائع نشمّ
منه عطر الحسين (عليه السّلام) ، تراهم في الحسين (عليه
السّلام) غيرهم
خارج المواكب الحسينيّة .
هذه الثلة
المؤمنة رسمت ملامح الوله الحسيني بدلائل واضحة في كلّ
جزء من الزمن ، حتّى إنّهم كانوا من حيث لا يعلمون يرسمون
صورة من صور المجتمع الحسيني ، ولو بجزء متقطّع من الزمان
والمكان ، إلاّ أنّهم يمثّلون الخطّ الرابط لذلك الجسر
الروحي الذي يعبر منه كلّ محبّ للحسين (عليه السّلام) ؛
سواء أكان من عامّة الناس أو من خاصّتهم .
ألا يثير
الذهن أنّ الموكب
الحسيني يمثّل بؤرة جذب لكلّ حالة من حالات المجتمع ؟ هذه
الحالات تجدها أكثر اندفاعاً لا لشيء إلاّ لتثبت أنّها
تستطيع أن تحلّق بالركب ، وتنجو من الهلاك من خلال سفينة
النجاة والرحمة أهل البيت (عليهم السلام) .
شباب مفعمون لا يعرفون النفاذ ، بل يعشقون
النفاذ . شباب يطمعون الوصول إلى الشمس التي لا يرون
المسير إليها إلاّ سعادة . تلك
الشمس التي تمنح الرحمة
والشفاء ، شمس أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) التي لا ينطفئ نورها ؛
لأنّ
زينتها ومصدرها دم الشهادة الذي شرب منه الزمن ، فعشقه
الموكب الحسيني مجسّداً بتلك المواكب الخالدة على مرّ
العصور .
ــــــــــــــ
(*) تجدر
الإشارة إلى أنّ هذا المقال قد اُخذ من
أحد المواقع الإسلاميّة ,
مع
مراجعة وضبط النص
(موقع معهد الإمامين الحسنين)
.
|