|
الإمام الحسين (عليه
السّلام)
راية تنتصر(*)
في
خضمّ الصراع الأبدي بين النور الإلهي المتمثّل بنور العقل
والأنبياء والعلماء ، وبين خداع الشيطان ، ومحاولة الطغاة
؛ لتغييب الأنبياء (عليهم السّلام) ودورهم ، وقتل الأولياء ، في هذا الخضمّ
جاءت ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) .
فقد تفجّرت هذه الثورة الربّانيّة في
الواقع كحركة تصحيحيّة كبرى ، وحركة مكمّلة ومتمّمة لحركة
الأنبياء جميعاً ؛ لتكون ميزاناً بين الحقّ والباطل ، وبين
علماء الله ووعّاظ السلاطين .
وهي نهضة وقيام ، ومسيرة وملحمة ، ومهما
تمادينا بالوصف ما بلغنا عشر معشار حقيقتها .
ولكن الإمام الصادق (عليه السّلام) يعلمنا
كيف نخاطب عملاق هذه الثورة ، فنقف ونقول :
(( السلام عليك يا وارث آدم
صفوة الله ، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله ...))
.
فالذي يعرف تاريخ آدم وقصّته ، يعرف مدى
آفاق هذه الكلمة , إذ هو وارث مَنْ أسجد الله له الملائكة
أجمعين ، وهو وارث النبي نوح شيخ المرسلين (عليه السّلام) ،
الذي أنجاه الله تعالى من الطوفان ، وجعله أباً للبشريّة
الجديدة ، وهو وارث النبي إبراهيم (عليه السّلام) محطّم
الأصنام ، وصاحب الملّة المسلمة ، وهو وارث النبي موسى
(عليه السّلام) الذي دمّر عرش فرعون ، وهو وارث النبي عيسى
روح الله (عليه السّلام) وكلمته ، وهو وارث جميع الأنبياء
والرسل بما يمثّلون من رسالة إلهية عظمى ، وآخرهم النبي
محمد (صلّى الله عليه وآله) .
ولذلك فإنّ الواحد منّا بحاجة إلى أسفار
وأسفار نكتب فيها عن السرّ الأعظم الذي استطاع به الإمام
الحسين (عليه السّلام) تلخيص تاريخ كلّ النبوّات في لحظات ،
وحقيقة تاريخ الصراع الأزلي بين الحقّ والباطل .
إنّ الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام)
قد ختم الصراع بين الحقّ والباطل لمصلحة الحقّ ، بخاتم
النصر ، والفتح المبين ، وكانت شهادته ميعاداً للأنبياء
وموعداً لهم مع النصر الأبدي المؤزّر .
إنّ النصر الحسيني أنضمّ إليه كلّ
المجاهدين عبر التاريخ ، فحاربوا الطغاة وقمعوهم ،
وأسكتوهم وأنزلوهم عن عروشهم ، فأصبح الإمام الحسين ثار
الله والحبل المتصل بكلّ السنن الإلهية ، وبملكوت السماوات
والأرض .
وهو الذي خصّه نصّ الزيارة الواردة عن
الأئمّة المعصومين ، والذي ينعت الحسين بأنّ السماوات
والأرض بكتا مقتله الشريف ؛ أي إنّ السماوات والأرض قد
تجاوبتا مع حركة الإمام الحسين (سلام الله عليه) ، فساعدتا
ونصرتا مَنْ نصر الحسين ، وهذا معنى بكاء السماوات والأرض
.
ثمّ السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره ،
والوتر الموتور ، أي إنّ هذه القتلة ، وهذه الشهادة ، وهذا
الدم الذي أُريق لا يمكن أن تنتهي إلاّ بانتصار الحقّ كلّه
على الباطل كلّه ، فهذه الكرة الأرضية يجب أن تُطهّر من
كلّ فاسق وفاجر ، ومنافق وجائر .
إنّ العلماء الربانيّين الذين أتقنوا الدرس
جيداً فأصبحوا مصابيح للأمّة الإسلامية ، لم يحملوا ولن
يحملوا سوى راية الثورة الحسينيّة ؛ لأنّها مصدر طاقتهم
ووقودهم ، فكان الواحد منهم يتمنّى أن يُقتل في سبيل الله
؛ فيحذو حذو سيّد الشهداء (عليه السّلام) ؛ ليكون فداءً
لدين الله .
ولولا تضحيات هؤلاء العلماء لما قام
للمسلمين قائمة ، ولكان طواغيت الزمان يحرمون الناس من
الهواء الذي يتنفسونه ، فكان علمهم وتضحيتهم وشهادتهم هي
التي فضحت الطواغيت والشياطين .
وكم رأينا من العلماء الشهداء الذين حملوا
أرواحهم على أكفّهم يتوقعون الشهادة في كلّ حين ، فكانت
شجاعتهم وبطولاتهم ، وهممهم وعلوّ طموحهم ، قد حوّلتهم إلى
صروح شامخة بوجه كلّ سلطان طاغوت وشيطان مارد ، فهم حافظوا
على اتقّاد المصباح المنير للأمّة .
ومن مقابل ذلك ، فضحت حركة الإمام الحسين
(عليه السّلام) علماء السوء الذين تتعدد أنواعهم ، فمنهم مَنْ كان يتخفّى وراء الصلاة في مسجد
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ويدّعي أرجحيتها على
الالتحاق بركب الحسين (عليه السّلام) ، غافلاً أو متغافلاً
عن قوله سبحانه وتعالى :
(أَجَعَلْتُمْ
سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
كَمَنْ آمَنَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَجَاهَدَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ)
. وهناك صنف آخر من علماء السوء يتذرّع
بأسلوب الإصلاح الداخلي ، فيقول : نذهب مع السلاطين ؛ لكي
نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ، ونقضي بالحقّ ، ولكنّه
يعرف قبل كلّ فرد بأنّه سينخرط شيئاً فشيئاً في مسيرة يزيد
وابن زياد ؛ ليكون كشريح القاضي الذي أفتى بقتل ابن رسول
الله وأصحابه .
فالإمام الحسين (عليه السّلام) ترجم عملياً
قول النبي (صلّى الله عليه وآله) :
(( إذا رأيتم العلماء على أبواب
الملوك فبئس العلماء وبئس الملوك )) . كما ترجم قول
أبيه أمير المؤمنين (عليه السّلام) لشريح حينما ولاّه
القضاء : (( يا شريح ، جلست
مجلساً لا يجلسه إلاّ نبي ، أو وصي نبي ، أو شقي ))
. ولكن شريحاً لم يع الدرس ، أو تغافل عنه عن سابق إصرار ،
فكان الأمر بحاجة إلى وضوح وتجسّد ومثال ظاهر للعيان .
وبحركة الإمام الحسين وثورته وضعت النقاط
على الحروف ، واكتشف الناس واقعهم وحقيقتهم ، فكانت لله
الحجّة البالغة عليهم .
كما فضح سيّد الشهداء نوعاً آخر من العلماء
الذين ارتأوا الاعتزال السلبي عامل خلاص من الفتنة ،
والمحنة والابتلاء الإلهي ، فأقنعوا كثيراً من الناس
بمقولة : ما لنا والدخول بين السلاطين ، التي يختلط في
طيّاتها الحقّ بالباطل ، وتتأتى فيها الفرصة الذهبية لأهل
الباطل فيقضون فيها على أهل الحقّ ، تماماً كما خان الناس
مسلم بن عقيل ، وسلّموه إلى ابن زياد وحيداً فريداً ، وذلك
حينما علموا منه أنّه لا يعدهم بالمال ، وتوفير المصالح
الشخصية والدنيوية .
لقد علّمت حركة الإمام الحسين (عليه السّلام) الناس بأن لا
يتركوا قادتهم وعلماءهم في ساعة العسرة ؛ لأنّ الأمر
سينتهي بهم كما انتهى بأهل الكوفة ، الذين قتل ابن زياد
قادتهم ، ثمّ تفرّغ لهم ، فراح يكيل لهم الضربة بعد الضربة
، والظلم تلو الظلم
.
ورغم ذلك نرى أنّ سيّد الشهداء خاطبهم في
خضمّ واقعة كربلاء بندائه : ((
يا شيعة آل أبي سفيان ، إن لم يكن لكم دين ، فكونوا
أحراراً في دنياكم )) ، فالذي لا يدافع عن القيادة
الحقّة ليس من شيعتها ، وإنّما من شيعة القيادة الباطلة
المتجسّدة بالسلوك الأموي والمخطّط له ، وهو أبو سفيان
(لعنه الله) .
ولذلك يحدّثنا القرآن عن ضرورة التفريق بين
خطّ النفاق وخطّ الإيمان ، كما يحدّثنا عن الكفر والإيمان
؛ لأنّ النفاق يتماوج ويتظاهر بالإيمان ، كما أنّ القرآن
الكريم يحرّضنا على ضرورة التعرّف على القيادة المؤمنة
فنتبعها ، ثمّ نتعرّف على أهل النفاق والكفر فنجابههم ؛
لأنّهم لا يبطنون للمؤمنين وخطّ الإيمان سوى الكراهة
والحقد ، والحسد والعزم على الظلم .
وثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) قد كشفت
للتاريخ والأجيال حقيقة الخطوط ورجالاتها ، وأناطت كلّ خطّ
بأشخاصه ، فكان حرياً بالمؤمنين عبر العصور أن يستضيئوا
بمصباح الحسين الذي هو مصباح الهدى ، وأن يركبوا سفينة
الحسين التي هي سفينة النجاة من أمواج الظلم والطغيان ،
والظلام المنتشر بفعل إصرار الشياطين والطواغيت .
ــــــــــــــــــــــــــ
(*) مراجعة وضبط النص
(موقع معهد الإمامين
الحسنين) .
|