الحسين (عليه السّلام)
في ظلال القرآن الكريم(*)
علّق الفخر الرازي على آية (المودة) مشيداً بآل النبي (صلّى الله عليه
وآله)
قال ما نصه :
وإذا ثبت هذا ـ يعني اختصاص الآية بآل البيت (عليهم السّلام) ـ وجب أن
يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم .
قال : ويدل عليه وجوه :
(الأول) : قوله تعالى : (إِلاّ
الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)
.
ووجه الاستدلال به ما سبق , وهو
ما ذكره من قبل أنّ آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) هم الذين يؤول أمرهم إليه
؛ فكلّ مَن كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا
هم الآل . ولا شكّ أنّ فاطمة وعلياً والحسن والحسين كان التعلّق بهم وبين
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أشدّ التعلقات ، وهذا كالمعلوم بالنقل
المتواتر ، فوجب أن يكونوا هم الآل .
(الثاني) : لا شكّ أنّ النبي (صلّى الله
عليه وآله) كان يحبّ فاطمة (عليها السّلام) , قال (صلّى الله عليه وآله) :
(( فاطمة بضعة مني , يؤذني ما يؤذيها ))
. وثبت بالنقل المتواتر عن محمّد (صلّى الله عليه وآله) أنّه كان يحبّ علياً
والحسن والحسين (عليهم السّلام) ، وإذا ثبت ذلك وجب على كلّ الاُمّة مثله
؛ لقوله تعالى : (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
,
ولقوله تعالى : (فَلْيَحْذَرِ
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)
,
ولقوله : (قُلْ
إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ)
, ولقوله سبحانه : (لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) .
(الثالث) : إنّ الدعاء للآل منصب عظيم
؛
ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة , وهو قوله : (اللهمّ صلِّ على
محمّد وعلى آل محمّد ، وارحم محمّداً وآل محمّد) واجب .
إنّ مودّة أهل البيت (عليهم السّلام) من أهمّ الواجبات الإسلاميّة ، ومن أقدس
الفروض الدينيّة . يقول الإمام محمّد بن إدريس الشافعي :
يا آل بيت رسول الله حبكمُ فرضٌ من الله فـي القرآن أنزله
كفاكمُ من عظيم القدر أنّكمُ مَن لم يصلِّ عليكم لا صلاة
له
وقال ابن العربي :
رأيتُ ولائـي آل طــه فريضــةً على رغمِ أهل البُعد يورثني القربى
فما طلب المبعوثُ أجراً على الهدى بتبليغِه إلاّ المودة في القربى
ويقول شاعر الإسلام الكميت :
وجدنا لكم في آل
حم آيةً تأوّلها منّا تقيٌّ ومُعربُ
إنّ في مودّة آل البيت (عليهم السّلام) أداء لأجر الرسالة ، وصلة للرسول
الأعظم (صلّى الله عليه وآله) , وشكراً له على ما لاقاه من عظيم العناء والجهد
في سبيل إنقاذ المسلمين من الشرك ، وتحرير عقولهم من الخرافات . وقد جعل
تعالى حقّ نبيه العظيم على هذه الاُمّة أن توالي عترته ، وتكنّ لها المودة
والولاء .
آية المباهلة :
من آيات الله البينات التي أعلنت فضل أهل البيت (عليهم السّلام) آية
المباهلة . قال تعالى :
(فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ
تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ
وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ
عَلَى الْكَاذِبِينَ) .
واتفق المفسرون
ورواة الحديث أنّها نزلت في أهل البيت (عليهم السّلام) ,
وأنّ
(أَبْنَاءنَا) إشارة إلى الحسَنين
(عليهما السّلام) ,
(وَنِسَاءنَا) إشارة إلى فاطمة
(عليها السّلام) ،
(وَأَنفُسَنَا) إلى
علي (عليه السّلام) .
نزلت الآية الكريمة في واقعة تاريخية بالغة الخطورة ، جرت بين قوى
الإسلام وبين القوى الممثلة للنصارى .
وموجز هذه الحادثة أنّ وفداً من نصارى
نجران قدموا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليناظروه في الإسلام ، وبعد
حديث دار بينهم وبين النبي (صلّى الله عليه وآله) اتّفقوا على الابتهال أمام
الله ؛ ليجعل لعنته وعذابه على الكاذبين والحائدين عن الحق . وعيّنوا وقتاً
خاصاً لذلك ، وانصرف وفد النصارى على موعد للعودة للمباهلة حتّى يستبين أمر
الله ، ويظهر الحق ، ويزهق الباطل .
وقد هامت نفوسهم بتيارات من الهواجس
والأحاسيس ، لا يعلمون أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) بمَن يباهلهم ؟ وفي
اليوم الذي اتّفقا عليه خرج النبي (صلّى الله عليه وآله) وقد اختار للمباهلة
أفضل الناس وأكرمهم عند الله ، وهم باب مدينة علمه وأبو سبطيه الإمام أمير
المؤمنين , وبضعته فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ، والحسن
والحسين سيدا شباب أهل الجنة (صلوات الله عليهم أجمعين) .
وأقبل (صلّى الله عليه وآله) وقد احتضن الحسين (عليه السّلام) ، وأمسك بيده الاُخرى الحسن
(عليه السّلام) ،
وسارت خلفه الزهراء (عليها السّلام) مغشّاة بملأة من نور الله ، يسير خلفها الإمام أمير
المؤمنين (عليه السّلام) وهو باد الجلال ...
ـــــــــــــــــــــ
(*) تجدر الإشارة إلى أنّ هذا المقال
مُقتبس
من جريدة
الميثاق , مع مراجعة وضبط النص
(موقع معهد الإمامين الحسنين) .
|