|
|
|
|
||||||
|
الإمام الحسين (عليه السّلام) القدر الأزلي(*)
إنّ فهمنا لجوهر انتفاضة الإمام الحسين (عليه السّلام) يبدأ من اكتشاف المغزى الأساس لصدمة الاُمّة الإسلاميّة ، وما آلت إليها الاُمور زمن خلفاء بني اُميّة ، وخصوصاً ثاني خلفائها ، ومدى العجز الذي أبداه العديد مَن سايرَ بناء الدعوة الإسلاميّة من الصحابة ، وما تركه في نفس سليل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله) من صدمة في تدهور الاُمّة . هذا الأثر الصدمي انعكس عجزه نتيجة استسلام الرجال للتدهور خلال حكم بني اُميّة , حتّى إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) حدّثهم عن أنفسهم ، وعن واقعهم ، وعن زيف حياتهم . حدّثهم كيف أنهم استصرخوه على جلاّديهم ثمّ انكفؤوا مع هؤلاء الجلاّدين عليه ، هؤلاء الجلاّدين الذين لم يسيروا يوماً بصدق مع الرسالة الإسلاميّة . أمّا الصحابة الذين قبلوا هذا الانكفاء , ونكصوا بارتداد نحو التدهور ، ورضوا بالواقع السيّئ في بناء اُسس للفساد في دولةٍ فتية رغم إحساسهم بالدونيّة زمن حكم بني اُميّة , ظلوا خانعين مستسلمين . يقول محمّد مهدي شمس الدين : إنّ فاجعة كربلاء دخلت في الضمير الإسلامي آنذاك , وانفعل بها المجتمع الإسلامي بصفة عامّة انفعالاً عميقاً . ويضيف ـ شمس الدين ـ أنّ من نتائج ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) في الميادين التالية : أ ـ تحطيم الإطار الديني المزيّف الذي كان الاُمويّون وأعوانهم يحيطون به سلطانهم ، وفضح الروح اللادينيّة الجاهليّة التي كانت توجّه الحكم الاُموي . ب ـ بثّ الشعور بالإثم في نفس كلّ فردٍ ، وهذا الشعور الذي يتحوّل الى نقد ذاتي من الشخص لنفسه يقوم على ضوئه موقفه من الحياة والمجتمع . ج ـ بعث الروح النضاليّة في الإنسان المسلم ؛ من أجل إرساء المجتمع على قواعد جديدة ، ومن أجل ردّ اعتباره الإنساني إليه . إنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) ضد الاسلام المزيّف عُدّت البادرة الأولى لتحطيم الإطار الديني الذي بنى عليه الاُمويّون دولتهم ، وايهام الناس بأنّهم أفضل مَن يطبّق شريعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , ويكون القرآن الكريم مصدرهم في الحكم ، حتّى إنّهم أوهموا الجميع أنّهم خلفاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى يوم الدين . لذا يمكن القول : إنّ ثورة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) هي بحد ذاتها ثورة ضد الوعي المستغفل ، أو هي بحق ثورة تغيير المفاهيم ضد ممّن جعلوا لأنفسهم باسم الدين الحقَّ في قمع أيّ تصحيح يقوم به جماعة من الناس وإن كانت محقّة في طلباتها . عندما نقول : إنّ انتفاضة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) هي انتفاضة الرفض المطلق ضد تسييس الإسلام وتزييفه ، لا نجانب الحقيقة كثيراً بهذا القول ، ولا نفتري على الواقع السائد آنذاك ؛ لهذا فهو اتّخذ الرفض بلغة الإنسان العارف بكلِّ مجريات الاُمور . وأكثر من ذلك فإنّه أبرز خواءَ الوضع العام السائد خلال تلك المرحلة من الدولة الإسلاميّة ، وفساد في معتقداتها , وتبرير ذلك الفساد باسم الدين حصرياً . فالإمام الحسين (عليه السّلام) أبرز وجوهاً عدّة في هذا الرفض ، منها : بروز الثورة الاجتماعيّة ضد الطغاة ، وكذلك خلق الرغبة لدى الناس في رفض الواقع الإنساني آنذاك , وما آلت إليه الاُمور ؛ لذا كان الرجل الوحيد الذي يستطيع أن يفضح الحكّام الاُمويِّين ويكشف حقيقتهم . إنّ ما تركه الإمام الحسين (عليه السّلام) في ثورته هذه هو بثّ روح الوعي لدى الاُمّة المستسلمة للوهن ، حتّى بات أمرها قدراً أزلياً يتوارثه الأجيال منذ استشهاده في تلك الفترة من تاريخ المسلمين . إنّه يذكّرنا ويلحّ على الأجيال من بعده بأنّ ثمة فرقاً بين حكّام الزيف الاُمويِّين واتخاذهم للدين ستاراً يمارسون من خلاله أبشع الممارسات اللإنسانية بحق الناس والشريعة الإسلاميّة ، وبين الموقف الناصع للدين الذي ظلّ يحمله آل بيت رسول الله (عليهم السّلام) عبر الأجيال والقرون . إنها فطنة الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى أنّ هذا القدر يجب أن يصحح مسار الاُمّة ، ليس ببقائه حيّاً فحسب ، بل في استشهاده في أبشع جريمة دوّنتها لنا ذاكرة الإنسانية عبر أكثر من أربعة عشر قرناً من تاريخ الدعوة الإسلاميّة . وعليه أنّ الوعي الذي أوجده سيد الشهداء (عليه السّلام) إنّما هو فعل تخطّى المحدود بالتفكير أو الفعل أو التدين أو الانصياع للحكّام الفاسدين مهما كانت اُصولهم أو انتماءاتهم ؛ فهو أفسد على الحكّام آنذاك الاستمتاع بستار الدين , والبقاء في سدة الحكم حتّى وإن استمرّوا لسنين عديدة بعده . استطاع الإمام الحسين (عليه السّلام) في قدَره المحتوم في كربلاء إلى الاحتفاظ بهذا التصحيح للرؤية الإسلاميّة الناصعة بلا شوائب ، عبر أزليّة خالدة لدى كافة المسلمين من جميع المذاهب الإسلاميّة ، لا بل تعدّاها إلى الأديان الاُخرى السماويّة وغير السماويّة ، وباتوا يستشهدون به بأبدع صورة من التصحيح ورفض الظلم . إنّ محكّ أزليّة استمرار شعائر انتفاضة الإمام الحسين (عليه السّلام) هو استعادة وعي الناس بما يجري من ناحية ، وهو وعي الذات بالانقلاب على التدهور الأخلاقي والاجتماعي زمن حكّام بني اُميّة من ناحية اُخرى . فالإمام الحسين (عليه السّلام) استهدف وعي الاُمّة بأجمعها حتّى إنّه استطاع أن يخلق تمايزاً في إدراك الحق من الباطل ، وإدراك الصحيح من الخطأ . وهو وعي تميّز به هو بمعرفته ؛ لانتمائه لآل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله) تحديداً ، وهو بذلك فضحٌ لحكّام بني اُميّة ، وانبعاث الروح النضالية الرافضة للظلم لدى الإنسان المسلم الواعي من جديد بعد عقدين من حكم بني اُميّة ، واستنهاض روح الرفض ، وترك الهمود والاستسلام للتزييف تارة ، والخنوع تارة اُخرى . لذا يحق لنا أن نطلق على سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السّلام) بأنّه قدر الثورة الأزليّة في التاريخ الإسلامي خصوصاً ، وتاريخ البشرية عموماً . ـــــــــــــــــــــ (*) مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .
|
||||||||
| ||||||||