|
الشعائر الحسينيّة
(المأتم)(*)
المأتم : هو المجلس الّذي تُعدّ فيه مصائب إنسان ، وهو بطبيعته ساذج
يتلوّن بلون المصائب الّتي تُعدّ فيه ، ولون الإنسان الّذي تُعدّ
مصائبه .
ومآتم الإمام الحسين (عليه السّلام) : هي المجالس الّتي تُعقد لسرد مصائبه فيها ،
وإقامته للحسين موجبة لإقامة ثورته حيّة خالدة ، وتفسير خططها وأهدافها
، والظروف والملابسات الّتي دفعتها إلى الوجود حتّى تبرز إلى الأذهان
، كما برزت إلى الوجود .
ولولا المآتم الّتي أقيمت على الإمام الحسين (عليه السّلام) منذ
استشهاده حتّى اليوم ، لما استطاعت تلك الثورة المحدودة أن تفتح المجال
لأهدافها الكبيرة ، ولما استطاعت اجتياح حكومة بني أميّة ، وحكومات
تلتها وورثت انحرافها .
فثورة الحسين (عليه السّلام) كأيّة حركة ناجحة لو استدرجها التاريخ في
صيغة حادثة وقتيّة ، لم تقدر على إحراز مكاسبها الكثار ، وإنّما قدرت
في الماضي وتقدر في المستقبل بواسطة المآتم الكثيرة الّتي تُقام لها ،
وإلحاح الشروح والتعليقات على بسط فلسفتها وأبعادها ؛ فانتصر لها دعاة
وتألّب حولها روّاد فعاشوها وأحيوها مرّة ثانية وثالثة ، وتوارثوها
جيلاً عن جيل ، واستدرّوا من ركائزها وقيمها ما يلائم ظروفهم ، ويعالج
قضاياهم الحيّة ؛ لتكون ثورة كلّ جيل ، وقضيّة كلّ ساعة حتى تقدر على التلاقح
والإنتاج ؛
لأنّ الحسين (عليه السّلام) لم يكن إمام جيل ، بل إمام الأجيال إلى يوم
القيامة ، فلا بدّ أن تكون كافة أعماله وأقواله ـ وفي مقدّمتها ثورته ـ
عالميّة خالدة ، تعالج المشاكل اليوميّة والدائميّة إلى يوم القيامة .
وإغلاق ذلك الجيل على ثورة الحسين (عليه السّلام) أكبر جريمة تجاه شخص
الإمام (عليه السّلام) ؛ لأنّه يعني تحديد شخصيّته ، وبالتالي تحديد
رسالته الّتي من أجلها خُلق ، ومن أجلها قُتل .
وقد يكون هذا الهدف من أهمّ العوامل الّتي كانت تدفع الأئمّة (عليهم
السّلام) إلى إقامة المآتم بأنفسهم ، وإلحاحهم على الشيعة بإقامة
المآتم على سائر أفراد أسرهم ، وعلى الحسين بالذات .
ـ فقد روى الشيخ يوسف بن حاتم ، تلميذ المحقّق الحلّي في ( الدر النظيم
) عن الإمام الرضا (عليه السّلام) أنّه قال :
(( إنّي حيث أرادوا الخروج بي من المدينة جمعت عيالي فأمرتهم أن يبكوا
عليّ حتّى أسمع ، ثمّ فرّقت فيهم اثني عشر ألف دينار ، ثمّ قلت : أما
إنّي لا أرجع إلى عيالي أبداً ))(1)
.
ــــــــــــــ
(1) عيون
أخبار الرضا (عليه السّلام) 2 / 217 ـ 218 ، ح 28 , بحار الانوار 49 /
117 ، ح 3 .
الصفحة (2)
ـ وفي زيارته المأثورة : (( السلام على مَنْ أمر
أهله بالنياحة عليه قبل وصول المنيّة إليه )) .
ـ وفي التهذيب للطوسي ، عن يونس بن يعقوب ، عن أبي عبد الله (عليه
السّلام) قال :
(( قال لي أبو جعفر : أوقف لي من مالي كذا وكذا ؛ لنوادب يندبنني عشر
سنين بمنى أيّام منى ))(1)
.
ـ وفي المجالس السَّنِيّة : حكى دعبل الخزاعي ، قال : دخلت على سيّدي
ومولاي علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) في أيّام عشر المحرّم ، فرأيته جالساً جلسة
الحزين الكئيب ، وأصحابه من حوله ، فلمّا رآني مقبلاً ، قال لي :
(( مرحباً بك يا دعبل ، مرحباً بناصرنا بيده
ولسانه )) .
ثمّ إنّه وسّع لي في مجلسه ، وأجلسني إلى جنبه ،
ثمّ قال لي : (( يا دعبل ، أحبّ أن تنشدني
شعراً ؛ فإنّ هذه الأيام أيّام حزن كانت علينا أهل البيت ، وأيام سرور
كانت على أعدائنا ، خصوصاً بني أميّة .
يا دعبل ، مَنْ بكي أو أبكى على مصابنا ـ ولو واحداً ـ كان أجره على
الله .
يا دعبل ، مَنْ ذرفت عيناه على مصابنا ، وبكى لما أصابنا من أعدائنا ،
حشره الله معنا في زمرتنا .
يا دعبل ، مَنْ بكى على مصاب جدّي الحسين غفر الله له ذنوبه البتة ))
.
ثمّ إنّه نهض وضرب ستراً بيننا وبين حرمه ، وأجلس أهل بيته من وراء
الستر ؛ ليبكوا على مصاب جدّهم الحسين ، ثمّ التفت إليّ وقال :
(( يا دعبل , ارث الحسين ، فأنت ناصرنا
ومادحنا ما دمت حيّاً ، فلا تقصّر في نصرتنا ما استطعت )) .
قال دعبل : فاستعبرت وسالت عبرتي ، وأنشأت أقول :
أفـاطمُ لو خلت الحسين iiمجدلاً وقـد مات عطشاناً بشطّ iiفراتِ
إذن لـلطمتِ الـخدَّ فاطمُ iiعنده وأجريتِ دمعَ العينِ في الوجناتِ(2)
ـ وفي جلاء العيون عن السيّد ابن طاووس : ولما رجعت نساء الحسين وعياله
من الشام ، وبلغوا إلى العراق قالوا للدليل : مرّ بنا على طريق كربلاء
. فوصلوا إلى موضع المصرع ، فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة
من بني هاشم ورجالاً من آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد وردوا لزيارة قبر الحسين
(عليه السّلام) , فوافوا في وقت واحد ، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم ، وأقاموا المآتم
المقرحة للأكباد ، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد , وأقاموا على ذلك
أيّاماً(3) .
ـــــــــــــــ
(1)
تهذيب الأحكام 6 / 146 .
(2)
المجالس السنيّة 1 / 38 ، المجلس التاسع عشر .
(3) جلاء
العيون 2 / 272 ، ب الوقائع المتأخّرة عن قتله , بحار الأنوار 45 / 146
.
الصفحة (3)
ـ وفي جلاء العيون أيضاً عن زرارة ، قال : أوصى أبو جعفر بثمانمئة درهم لمأتمه وكان يرى ذلك من السنّة ؛ لأنّ رسول الله (صلّى
الله عليه وآله) قال : (( اتّخذوا لآل جعفر
طعاماً فقد شغلوا ))(1) .
ـ وفي تاريخ الطبريّ : وأقبل الناس إلى عبد الله بن جعفر الطيّار
يعزّونه ، فأقبل على جلسائه ، وقال : الحمد لله (عزّ وجلّ) على مصرع
الحسين ، إلاّ تكن آست حسيناً يدي فقد آساه ولدي(2)
.
ـ وفي رياض الأحزان : وأقامت أمّ البنين زوجة أمير المؤمنين العزاء على
الحسين ، واجتمع عندها نساء بني هاشم يندبن الحسين وأهل بيته ، وبكت
أمّ سلمة ، وقالت : فعلوها ملأ الله قبورهم ناراً(3)
.
ـ وفي تاريخ الطبري والبداية لابن كثير ، واللهوف وأمالي الصدوق : لمّا
خطبت زينب (عليها السّلام) في مجلس يزيد هزّت مَنْ في المجلس حتّى راح
الرجل يحدّث جليسه بالضلال الّذي غمرهم ، فلم يرَ يزيد مناصاً من أن
يخرج الحرم من المجلس إلى خربة لا تكنّهم من حرّ ولا برد ، فأقاموا
فيها ينوحون على الحسين ثلاثة أيّام(4) .
ـ وفي محاسن البرقي ، باب الإطعام للمآتم : لمّا قُتل الحسين بن علي
(عليه السّلام) لبسنَ نساء بني هاشم السواد والمسوح ، وكنَّ لا يشتكين
من حرّ ولا برد ، وكان علي بن الحسين يعمل لهنَّ الطعام للمأتم(5)
.
ـ وروى الكليني عن الصادق (عليه السّلام) :
(( لمّا قُتل الحسين أقامت امرأته الكلبيّة عليه مأتماً , وبكت وبكين
النساء والخدم حتّى جفّت دموعهنّ وذهبت ، فبينا هي كذلك إذ رأت جارية من
جواريها تبكي ودموعها تسيل , فدعتها ، فقالت لها : ما لك أنت من بيننا
تسيل دموعك ؟ قالت : إنّي لمّا أصابني الجهد شربت شربة سويق .
قال :
فأمرت بالطعام والأسوقة فأكلت وشربت , وأطعمت وسقت ، وقالت : إنّما
نريد بذلك أن نتقوّى على البكاء على الحسين ))(6)
.
ـ وفي البحار عن الكافي : وأمّا الرباب فبكت على أبي عبد الله حتّى جفّت
دموعها ، فأعلمتها
ـــــــــــــــ
(1) جلاء
العيون 3 / 30 ب في أحوال محمّد بن علي الباقر(عليه السّلام) .
(2)
تاريخ الطبري 5 / 466 (أحداث سنة 61 هـ) .
(3) راجع
بحار الأنوار 45 / 124 ، ب 39 .
(4) راجع
تاريخ الطبري 5 / 462 أحداث سنة 61 هـ ؛ اللهوف 1 / 82 المسلك الثالث
في الأمور المتأخّرة عن قتله , البداية والنهاية لابن كثير 8 / 211
سنة إحدى وستين وذكر مقتل الحسين .
(5)
المحاسن للبرقي 2 / 195 ، ب 25 ، ح 1564 .
(6)
الكافي 1 / 466 ، ح9 , بحار الأنوار 45 / 170 ، ب39 ، ح18.
الصفحة (4)
بعض جواريها بأنّ السويق يسيل الدمعة ، فأمرت أن يصنع لها السويق ؛
لاستدرار الدموع .
ـ ولم يكتفِ الأئمّة وأهل البيت (عليهم السّلام) بإقامة المآتم على شهدائهم ، حتّى وجّهوا
شيعتهم إلى إقامة المآتم عليهم (عليهم السّلام) . فعن الإمام الباقر
(عليه السّلام) أنّه قال : (( رحم الله عبداً
اجتمع مع آخر فتذاكرا في أمرنا ؛ فإنّ ثالثهما ملك يستغفر لهما ، وما
اجتمع اثنان على ذكرنا إلاّ باهى الله تعالى بهما الملائكة ، فإذا
اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر ؛ فإنّ في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياءنا ، وخير
الناس من بعدنا مَنْ ذاكر بأمرنا ، ودعا إلى ذكْرِنا ))(1)
.
ـ وعن الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّه قال للفضيل بن يسار :
(( تجلسون وتتحدّثون ؟ )) . فقال : نعم
. قال : (( إنّ تلك المجالس أحبّها ، أحيوا
أمرنا ، فرحم الله مَنْ أحيا أمرنا ؛ فإنّ مَنْ جلس مجلساً يحيي فيه
أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب ))(2)
.
وفي كامل الزيارات لابن قولويه عن مالك الجهني أنّ الباقر
(عليه السّلام) قال وهو يبين وظيفة من أراد زيارة الحسين عليه السلام يوم
عاشوراء وهو بعيد عن كربلاء : (( ليندب الحسين
(عليه السّلام) ويبكِه ، ويأمر مَنْ في داره بالبكاء عليه ، ويُقم في داره
مصيبته بإظهار الجزع عليه ، ويتلاقون بالبكاء بعضهم بعضاً بمصاب الحسين
(عليه السّلام) ، فأنا ضامن لهم إذا فعلوا ذلك على الله (عزّ وجلّ)
جميع هذا الثواب ))(3) .
ويبدو من بعض الأحاديث أنّ ندبة النساء محبوبة في الشرع على
المعصومين جميعاً ، وإن كان الرجال الأجانب يسمعون أصواتهنّ ، فقد أوصى
الإمام الباقر (عليه السّلام) باستئجار النادبات حتّى يندبنه في منى ،
حيث يختلط الرجال والنساء في سفح واحد ، ويتطلّعون جميعاً إلى كلّ صوت
غير معتاد يرتفع ، بل إنّ من هدف الإمام أن يسمع الرجال أصوات النوادب
ليكتشفوا ظلامته فيبلغوها إلى مختلف الشعوب ؛ ويثيروها حرباً شعواء على
الحكّام الجائرين ، الّذين اغتصبوا حقّه ، ثمّ عمدوا إليه فقتلوه
بالسمّ ظلماً .
وإنّ زينب الكبرى لم تتحاش أن ترفع صوتها بالنياحة على أخيها الشهيد
في كلّ مناسبة حتى بين الأعداء ،
ففي يوم الحادي عشر من المحرّم ، كما روى المفيد وابن طاووس ، أنّ
القوم لمّا مرّوا بالنسوة على مصارع قتلاهنّ ، صحن وضربن وجوههنّ . قال
الراوي : فوالله لا أنسى زينب بنت عليّ وهي تندب الحسين ، وتنادي بصوت
حزين وقلب كئيب : وا محمّداه ! فأبكت كلّ عدوّ وصديق ، حتّى جرت دموع
الخيل على حوافرها(4) .
ــــــــــــــــ
(1)
أمالي الطوسي / 228 , بحار الأنوار 1 / 200 ، ب4 ، ح 8 .
(2)
وسائل الشيعة 10 / 391 ، ح2 .
(3)
كامل الزيارات / 325 ـ 332 ، ب71 ، ح 9.
(4)
راجع الحديث مفصّلاً في اللهوف 1 / 57 , منتخب الطريحي 2 / 470 ، ب1 ،
المجلس العاشر .
الصفحة (5)
وفي بعض الروايات : ثمّ إنّ سكينة اعتنقت جسد الحسين وجعلت تندبه ،
فاجتمعت عدّة من الأعراب حتّى جرّوها عنه(1)
.
وقال الإمام المنتظر (عجّل الله فرجه) في زيارة الناحية :
(( فلمّا نظرنَ النساء إلى الجواد مخزيّاً ،
والسرج عليه ملويّاً ، خرجن من الخدور ناشرات الشعور ، على الخدود
لاطمات ، وبالعويل داعيات ))(2)
.
وفي مقتل الخوارزمي : وا محمّداه ! وا جدّاه ! وا نبيّاه ! وا عليّاه(3)
!
وفي حديث حمّاد الكوفي أنّ الصادق (عليه السّلام) قال له :
(( بلغني أنّ قوماً يأتونه من نواحي الكوفة
وناساً من غيرهم ، ونساءً يندبنه ، وذلك في النصف من شعبان ، فمن بين
قارئ يقرأ ، وقاصّ يقصُّ , ونادب وقائل يقول المراثي )) . فقلت
له : نعم جُعلت فداك ! قد شهدت بعض ما تصف . فقال :
(( الحمد لله الّذي جعل في الناس مَنْ يفد
إلينا ويمدحنا ويرثي لنا ، وجعل عدوّنا من يطعن عليهم من قرابتنا
وغيرهم ، يهدرونهم ويقبّحون ما يصنعون ))(4)
.
وفي هذا الحديث تشجيع سافر لنوادب يندبن الحسين في مجتمع الرجال في
النصف من شعبان .
وقد يستدلّ المانعون عن الشعائر الحسينيّة بأنّ صياح النساء بمسمع
الرجال الأجانب حرام ؛ لأنّ صوت المرأة عورة .
والجواب : أنّ المحرم من صوت المرأة كما قال سبحانه وتعالى :
(يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد
مِنَ النِّسَاءِ إن اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ
فَيَطْمَعَ الّذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعرُوفاً)(5)
. فالتغنّج بالكلام الّذي يجعله مثيراً حرام وليس مطلق الكلام ، وإلاّ
لما أذِنَ الله به لنساء النبيّ (صلّى الله عليه وآله) اللواتي رفعن
فوق مستوى بقيّة النساء في هذه الآية الكريمة في قوله (عزّ وجلّ) :
(وإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً
فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب)(6)
. فمجرّد سؤال متاع من أزواج النبي (صلّى الله عليه وآله) غير ضائر ،
وإنّما يحظر سؤالهنّ بلا حجاب ؛ لمكان حظر النظر إلى وجه المرأة ، لا
لمكان حظر الاستماع إلى صوتها .
على أنّ السيرة النبويّة المقدّسة طافحة بأنّ النبيّ (صلّى الله عليه
وآله) كان يسمع النوائح من
ـــــــــــــــ
(1)
راجع اللهوف ـ لابن طاووس 1 / 58 , بحار الأنوار 45 / 59 ، ب 37 .
(2) راجع زيارة الناحية
.
(3) مقتل الخوارزمي 2 /
37 .
(4) كامل الزيارات / 37
ـ 539 ، ب108 ، ح 1 , بحار الأنوار 98 / 73 ، ب27 ، ح21 .
(5) سورة الأحزاب / 32 .
(6) سورة الأحزاب / 53 .
الصفحة (6)
الأسر المفجوعة فيعزيهنّ ، ويترحّم على أمواتهنّ ، وقد أمر بإقامة
النائحة على عمّه حمزة سيّد الشهداء ، وعندما ناحت عليه عمّته صفيّة
وابنته فاطمة شاركهما في البكاء والحنين في ساحة معركة حنين ، بمحضر
جمع من الأصحاب الّذين رووا ذلك الحادث .
وإنّ فاطمة الزهراء (عليها السّلام) كانت تندب أباها ليلاً ونهاراً ،
حتّى تضايق منها أهل المدينة فبعثوا إليها عليّاً ؛ ليقول لها إمّا أن
تبكي ليلاً وتسكت نهاراً ، وإمّا أن تبكي نهاراً وتسكت ليلاً .
بل يستفاد من عدد من الأحاديث أنّ صراخ النساء على قتلى الطفّ كان
محبوباً عند أهل البيت ، حتّى شمله دعاء الإمام الصادق (عليه السّلام)
في حديث معاوية بن وهب بقوله (عليه السّلام) :
(( وارحم تلك الصرخة الّتي كانت لنا ))(1)
.
وفي القاموس : الصرخة : الصيحة الشديدة . فهي بإطلاقها شاملة للنساء
، كما تشمل الرجال .
وروى الصدوق في العيون أنّ دعبل بن علي الخزاعي لمّا أنشد الرضا
(عليه السّلام) تائيّته المشهورة ، وانتهى إلى قوله :
أفاطمُ لو خلتِ الحسينَ مجدلاً وقد ماتَ عطشاناً بشطِّ فــراتِ
إذن للطمتِ الـخدَّ فاطمُ iiعنده وأجريتِ دمعَ العينِ في الوجناتِ(2)
لطمت النساء وعلا الصراخ من وراء الستر ، وبكى
الرضا (عليه السّلام) بكاءً شديداً حتى أُغمي عليه مرتين(3)
.
وفي
الكامل عن أبي هارون المكفوف قال : دخلت على أبي عبد الله
(عليه السّلام) , فقال لي : (( أنشدني ))
.
فأنشدته ، فقال : (( لا ، كما تنشدون ، وكما
ترثيه عند قبره )) .
قال
: فأنشدته :
اُمرر على جدثِ الحسيـ ـنِ وقـل لأعـظمه iiالزكيّه
فبكى ، فلمّا بكى أمسكت ، فقال : (( مر ))
.
فمررت ، ثمّ قال : (( زدني ))
.
فأنشدته :
مـريمُ قومي واندبي iiمولاكِ وعلى الحسينِ فاسعدي ببكاكِ
فبكى ، وتهايج النساء(4) .
وروى في الكامل أيضاً عن عبد الله بن غالب قال : دخلت على أبي عبد الله
(عليه السّلام)
ــــــــــــ
(1) كامل
الزيارات / 228 ـ 229 ، ب40 ، ح2 .
(2)
المجالس السنيّة 1 / 38 ، المجلس التاسع عشر .
(3) راجع
عيون أخبار الرضا (عليه السّلام) 2 / 263 ـ 267 ، ب66 .
(4) كامل
الزيارات / 210 ـ 211 ، ب33 ، ح5 .
الصفحة (7)
فأنشدته مرثية الحسين (عليه السّلام) ، فلمّا انتهيت إلى هذا الموضع :
فيا لبلية تكسو حسيناً بمسفاة الثرى
عفر التراب(*)
صاحت باكية من وراء الستر : يا أبتاه(1)
!
وإنّ فاطمة الزهراء (عليها السّلام) لمّا خرجت إلى المسجد ؛ لتعلن
احتجاجها على أبي بكر ، أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء ، وبعد أن أتمت خطابها انعطفت على قبر أبيها وأخذت قبضة من تراب القبر
وشمّتها ، ثمّ أنشأت تقول :
مـاذا على مَنْ شمَّ تربةَ iiأحمدٍ ألا يشمَّ مدى الزمان غواليا(2)
إلخ .
وروي أنّها خرجت في اليوم الثامن من وفاة أبيها إلى قبره وصرخت فتبادرت
النساء ، وخرجت الولائد والولدان ، وضجَّ الناس وجاؤوا من كلّ مكان , واُطفئت المصابيح ؛ لكي لا تبين صفحات النساء .
وعند وفاة أمير المؤمنين (عليه السّلام) خرجت زينب وجميع النساء , وشققن
الجيوب ، ولطمن الخدود ، ووقعت الصيحة فيهنّ ، حتى جاء الناس يهرعون ،
وصاحوا صياحاً عظيماً ارتجّت له الكوفة بأهلها .
فهذه الأحاديث دليل على جواز ندبة النساء بمحضر من الرجال الأجانب ؛ لفعل
فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ، وتقرير عدد من المعصومين ؛ لفعل حرمهم
وغير حرمهم .
بالإضافة إلى ورود الأدلّة على جواز الإصغاء إلى صوت المرأة بلا ضرورة
مطلقاً .
ففي الكافي عن أبي بصير قال : كنت جالساً عند أبي عبد الله (عليه
السّلام) إذ دخلت علينا اُمّ خالد , الّتي كان قطعها يوسف بن عمر ، تستأذن
عليه ، فقال أبو عبد الله (عليه السّلام) :
(( أيسرّك أن تسمع كلامها ؟ )) . قال : فقلت : نعم . قال : فأذن
لها ، وأجلَسني على الطنفسة . قال : ثمّ دخلت فتكلمت ، فإذا امرأة
بليغة(3) .
ولو كان الاستماع إلى صوت المرأة بلا ضرورة حراماً ، لما سمح الإمام
لإبي بصير أن يستمع إليها .
وحتّى لو كان الإصغاء إلى صوت المرأة حراماً ، لا يحرم المأتم الّذي
يرتفع فيه صوت النساء فيصغي إليه الرجال الأجانب , بل يظلّ المأتم
مستحبّاً ؛ لأنّ حرمة الخارج المقارن لا
ــــــــــــــــ
(*) تجدر الإشارة إلى أن هذا البيت ورد في مصدره المذكور بهذا النحو :
فـيا لـبليّة تسقوا iiحسيناً بمسقاة الثرى غير الترابِ
وليس له معنى , وما أثبتناه هو من مصدر آخر .
(موقع معهد الإمامين الحسنين)
(1) كامل
الزيارات / 209 ـ 210 ، ب33 ، ح 3 .
(2) راجع
كتاب الاحتجاج 1 / 131 .
(3)
الكافي 8 / 101 ، ح 71 .
الصفحة (8)
يغيّر عنوان المقارن به .
وقد روى الكافي صحيحاً عن زرارة قال : حضر أبو جعفر (عليه السّلام)
جنازة رجل من قريش وأنا معه ، وكان فيها عطاء , فصرخت صارخة ، فقال عطاء :
لتسكتنّ أو لنرجعن . قال : فلم تسكت ، فرجع عطاء . قال : فقلت لأبي
جعفر (عليه السّلام) : إنّ عطاءً قد رجع . قال :
(( وَلِمَ ؟ )) . قلت : صرخت هذه الصارخة ، فقال لها : لتسكتنّ أو
لنرجعنَّ , فَلم تسكت , فرجع . فقال : (( امضِ
بنا ، فلو أنّا إذ رأينا شيئاً من الباطل مع الحقّ تركنا له الحقّ ، لم
نقضِ حقّ مسلم ))(1) .
فالمآتم الرجاليّة والنسائيّة تجوز ، بل تستحبّ على نمط واحد وإن
استلزمت سماع الرجال الأجانب صراخ النساء الأجنبيّات .
ــــــــــــــــــــــــــ
(*) مراجعة وضبط النص
(موقع معهد الإمامين
الحسنين) .
(1) الكافي 3 / 171 ، ح 3 .
|