عاشوراء
نهضة الإصلاح وتغيير المنكرات(*)
الاُستاذ
بشير البحراني
إنّ
قضية الإمام الحسين بن علي
(عليه السّلام) في كربلاء ، وما قبلها
وما بعدها من إرهاصات وتداعيات ، لم تكن تختص بزمن وقوعها فحسب ، بل تكتسب
أبدية الهدف والغاية حتّى قيام يوم الدين ؛ ولذلك فقد حظيت قضية عاشوراء
باهتمام رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) شخصياً منذ
أيام حياته الشريفة في مطلع الإسلام .
فكان يحاول (صلّى
الله عليه وآله)
ما استطاع أن يلفت نظر المسلمين إلى عظمة مقام الإمام الحسين
(عليه السّلام)
عند الله سبحانه وتعالى . وممّا ورد عنه في هذا الصدد :
((
حسينٌ
منّي وأنا من حسين ، أحبَّ الله من أحبَّ حسيناً ، حسين سبط من
الأسباط ))
. وقال
(صلّى الله عليه وآله) :
((
مَن أحبَّ الحسن والحسين أحببته ، ومن أحببته أحبّه الله
، ومَن أحبّه
الله (عزّ وجلّ)
أدخله الجنّة . ومَن أبغضهما أبغضته ، ومَن أبغضته أبغضه الله
، ومَن
أبغضه الله خلَّده في النار
)) .
كما كان النبي الأكرم
(صلّى الله عليه وآله)
يحاول تنبيه المسلمين إلى الحدث الأكبر في يوم عاشوراء منذ
مولد الإمام الحسين
(عليه السّلام) ؛ فقد أخرج أحمد بن
حنبل في مسنده عن عبد
الله بن نُجي , عن أبيه أنه سار مع عليٍّ
(عليه السّلام) ، وكان صاحب مطهرته
، فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين نادى علي
(عليه السّلام) :
((
اصبر أبا عبد
الله ، اصبر أبا عبد
الله بشط الفرات )) .
قلت : وماذا ؟
قال
(عليه السّلام) :
(( دخلت
على النبي (صلّى الله عليه وآله)
ذات يوم وعيناه تفيضان ، قلت : يا نبي الله , أغضبك أحد
؟ ما شأن
عينيك تفيضان ؟ قال : بل قام من عندي جبريل فحدّثني أنّ الحسين
يُقتل بشطِّ الفرات . قال : فقال : هل لك إلى أن أشمّك
من تربته ؟ قال : قلت : نعم . فمدّ يده
، فقبض قبضة من تراب فأعطانيها ، فلم أملك عيني أن فاضتا ))
.
إذاً
، نحن أمام حدث وقضية عظيمة اهتمّ بها نبي الإسلام
(صلّى الله عليه وآله) أيّما
اهتمام كبير ، واهتمّ بها أئمة أهل البيت
(عليهم السلام)
من بعده ، والكل ينادي : وا حسيناه !
ومنذ حدوث تلك النهضة الحسينيّة عام (61) للهجرة النبويّة ونحن نحيي في كلِّ
عام تلك الذكرى ، نحاول أن نستفيد الدرس تلو الدرس من مدرسة
الإمام الحسين (عليه السّلام)
التي لا تنضب ، ونحاول أيضاً أن نتذكّر أنّ الحسين
(عليه السّلام)
لم يكن خائفاًً من الموت ومن
التضحيات الجسيمة ؛ فهو القائل عندما أراد الخروج من مكة
المكرّمة :
(( خُطَّ
الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى
أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف . وخُيّر لي مصرع أنا لاقيه
, كأني
بأوصالي تقطّعها عُسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء ؛ فيملأن
منّي أكراشاً جوفاً وأجربة سُغباً ، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم
، رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويوفّينا اُجور
الصابرين
))
.
ولماذا
كلّ هذه التضحيات ؟
الجواب : هو تحقيق الرسالة والهدف من النهضة الكربلائية العظيمة
، وتقديم أروع الدروس والمواعظ للمسلمين ، والمحافظة على الدين من
الضياع وسط لجّة الظلم والانحرافات
التي كانت تعج ّبالوسط المسلم .
حينما همَّ الإمام الحسين
(عليه السّلام)
بالرحيل عن مدينة جدّه المصطفى
(صلّى الله عليه وآله) توجّه إلى قبر جدِّه ، وناجى ربّه العزيز :
(( اللهمَّ هذا قبر نبيك محمّد ، وأنا
ابن بنت نبيك ، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت . اللهمَّ إنّي
اُحبُّ
المعروف ، واُنكر المنكر ، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقِّ
القبر ومَن فيه إلاّ ما اخترت لي ما هو لك رضاً ولرسولك رضاً
))
.
الحسين
(عليه السّلام)
يرجو رضا الله سبحانه وتعالى ، والقضية تتمركز في إحياء الدين
بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ حيث أكّد
(عليه السّلام)
ذلك في وصيته لأخيه محمّد بن الحنفية قائلاً :
(( إني لم
أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا ظالماً ولا مفسداً ، وإنّما خرجت لطلب
الإصلاح في اُمّة جدي ؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ))
.
إنّ نهضة عاشوراء الحسين
(عليه السّلام)
تحمل الكثير جدّاً من الدروس التي يمكن الاستفادة منها ؛ ولذلك
سيظل المسلمون يحيون ذكراها في كلِّ عام ؛ حبّاً في التزوّد من
توجيهاتها في مختلف الاتجاهات والنواحي الدينيّة والاجتماعيّة
, والثقافيّة والسياسيّة , وغير ذلك ممّا يصعب حصره .
المهم كيف نختار درساً أو أكثر من درس لنعيه ونستفيد منه في
حياتنا , وكيف نضيف في كلِّ عام جديداً إلينا من هذه النهضة التي
لا تموت ما بقي الدهر , وتظلّ أهم الدروس في الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ، تلك الفريضة التي تكاد تكون غائبة ليست عن
أيدينا وألسنتنا فقط ، بل عن عقولنا وقلوبنا أيضاً
.
ففي الزمن
الذي ينتشر فيه الفساد والانحراف من كلِّ صوب وحدب يلزم على
الإنسان المسلم عدم الاكتفاء بالتفرّج ، وينبغي عليه التحرّك من
مكانه ؛ طلباً للإصلاح وتغيير المنكرات ، ولكن وفق
الضوابط السلميّة والعقلانيّة التي يدعو إليها دين الإسلام .
لقد نهض الإمام الحسين
(عليه السّلام)
مذكّراً المسلمين بمثل قوله تعالى :
(كُنتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ
بِاللّهِ)(آل
عمران / 110) . فهل لاحظت كيف قدَّم
الله (عزّ وجلّ) الإصلاح بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على
الإيمان به (جلّ جلاله) ؟!
إنّ
الفلاح في نظر القرآن الكريم هو :
(وَلْتَكُن
مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(آل عمران
/ 104) .
فالفلاح الذاتي والاُسري والاجتماعي هو في الإصلاح ، والإسلام
يعتقد بأنّ ترك الإصلاح مهلكة للنفس وللآخرين ، ويرى أنّ الحريق
إذا وقع في بيت واحد ولم يستدرك فإنه ينتقل من بيت إلى بيت
حتّى تحترق بيوت كثيرة ، وأنّ من نظر إلى حيّة تؤم آخر لتلدغه ولم
يحذره حتّى قتلته فلا يأمن أن يكون قد اشترك في دمه ، وكذلك من نظر إلى شخص يعمل الخطيئة والمنكر ولم يحذّره وينبّهه
فلا يأمن أن يكون قد اشترك في إثمه .
في رواية عن رسول الإسلام
(صلّى الله عليه وآله)
في وصف الإمام الحسين
(عليه
السّلام) :
((
إنّ
الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة
)) ،
فاختر عزيزي القارئ أن تهتدي بمصباح أبي عبد الله الحسين
(عليه السّلام)
من خلال دروس نهضته العظيمة ، والاقتداء بنهجه السلمي الأخلاقي
الإصلاحي حتّى تركب سفينته فتنجو بإذن الله (عزّ وجلّ) .
ـــــــــــــــــــــ
(*)
مراجعة وضبط النص (موقع
معهد الإمامين الحسنين)
.
|