|
بعد ما عرفت الإمام الحسين (عليه السّلام)
انتسبت إليه(*)
إنّ الانتساب للحسين (عليه السّلام) سبب موصل لجدّه ، ولمعرفة الله وطاعته
. قال رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) : (( كلّ نسب
وسبب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي ))(1)
.
وهو حديث متواتر مذكور في أغلب المصادر العامّة والخاصّة
. وفي الحديث
قسمان :
القسم الأول : كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة
وقد حكاه الله تعالى في قوله : (فَإِذَا
نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ
يَتَسَاءَلُونَ)(2) .
كما يصوّر لنا سبحانه هذا الانقطاع عن الأنساب والأقرباء في يوم
القيامة في قوله تعالى : (يَوْمَ يَفِرُّ
الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ
وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)(3)
.
وهذا واضح في تعاليم الله ؛ حيث إن الرحم قد أوصى بها
الله تعالى في الدنيا وأمر بوصلها ، ولكن إذا لم
تكن مؤمنة فهي في الآخرة لا أمان لها ولا حرمة ويفرّ منها ، ولعلها بوصلها المأمور به
في الدنيا تنتفع وتؤمن ، فإذا كانت الرحم مقيمة على معصية
الله ، أو على الشرك به تعالى ـ والعياذ بالله من معصيته والشرك به ـ
ولم ينفع معها النصح والإرشاد ، فلا تُطاع ولا يُقتدى بها .
والبحث في صلة الرحم طويل ، ولكن خلاصته هي أن يُحترم الرحم المشرك من غير طاعة في معصية الله ، فهو نوع من
الفرار منه في الدنيا ، وفي الآخرة عرفت حكاية الله عنه .
وإذا كان هذا الكلام في النسب ، فكيف الحال في السبب المنقطع
؟ الذي لم
يعتبره الله ، ولم يقم له وزناً ، ولم يحترمه ، ولم يذكر له كرامة إذا
كان مشركاً وعاصياً ، بل المطلوب الفرار منه في الدنيا قبل الآخرة ، فحبله
لم يكن متيناً بقدر مايكون للرحم في الدنيا ، فيكون بالآخرة منقطعاً ؛ لأنّه
منقطع في الدنيا قبل الآخرة ، ويهوي بصاحبه في نار جهنم وعذاب الله
الشديد .
وهذا المعنى بيّن في تعاليم الإسلام والإنسانية ، وعند كلّ العقلاء
وأهل العرف ، من أنّه لا شفاعة ولا وصل ، ولا سبب للئيم أو خسيس ، أو عاص
للملك العظيم ، والربّ الرحيم ، وعلى عناده مقيم ، ولا نسبة ولا انتساب
بينهم وبين أتباعهم ، إذ شيمتهم الخيانة والنكران للجميل ، والغدر
والحيلة والمكر ، ولا حرمة له ولا كرامة .
القسم الثاني : إلاّ سببي ونسبي
يعني إلاّ مَنْ اتّصل برسول الله تعالى بالنسب والسبب ؛ فهو لم ينقطع
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الدنيا والآخرة ، والدين والهدى
، وكلّ نعيم الله وفضله وتشريفه لعباده المؤمنين .
ــــــــــــــــ
(1) أرجح
المطالب / 262 , أمالي ابن الشيخ / 217 .
(2) سورة
المؤمنون / 101 .
(3) سورة
عبس / 34 ـ 37 .
الصفحة (2)
وهذا له تفسير لا يمكن أن يحمل على ظاهره ؛ فإنّ أبا لهب هو عمّ
النبي (صلّى الله عليه وآله) , ولكن لعنه الله وأدخله النار ، ولم يكن
له سبب أو نسب يغنيه
وينجيه ؛ لأنّه لم يتمسّك به في الدنيا .
فلا حرمة لمطلق القرابة والصلة بالنبي الكريم
(صلّى الله عليه وآله) ، بل فقط النسب
والسبب والصلة التي شهد الله ورسوله لها بالإيمان وزكّاها
وطهّرها فهي التي تكون موصولة ، وكلّ مَنْ وصلها وتبعها ، وجعلها له
نسباً وسبباً ، وتمسك بها يكون معها ، ولم ينقطع عنها في الدنيا
والآخرة ، وهذه من أوّل معارف الإسلام ومبادئه ؛ ولذا قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)(1)
، وقال : (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا
مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ
آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ)(2)
، وهذا معناه أنّ الصادقين والأبرار ، والمنعم عليهم ، والهداة للصراط
المستقيم ، وأئمّة الحقّ سبب ونسب موصلان لله ورسوله .
وتوضيح ذلك
أنّه لا يمكن لأحد أن يدعو أو يذكر أو يعرف الله مباشرة من دون
انتساب للنبي الكريم ، ومعرفة تعاليم الله منه ؛ فإنّ الله لا يُعرف
حقّ المعرفة ، ولا يُطاع حقّ الطاعة إلاّ بتعاليمه التي أنزلها على
نبينا الكريم محمد (صلّى الله عليه وآله) ، والنبي الكريم يكون سبباً
متصلاً بالله تعالى , وبه ننتسب لدين الله الحقّ .
وهكذا يحتاج الإنسان غير المعاصر للنبي لمَنْ يوصله بالنبي الكريم ،
ويرشده لتعاليمه الحقيقية ، ولمعارفه الصادقة ، ويكون له سبب ونسب
يلحقه بالنبي ؛ لكي لا ينقطع يوم القيامة .
ولذا وجب على كلّ البشر المحبين للإيمان الحقيقي , معرفة الهدى الصادق
لله تعالى والموجود عند أئمّة الحقّ ؛ فلذا يجب على كلّ عاقل البحث
عنهم حقّ البحث حتّى يحصل له اليقين بمعرفتهم ، وهذا سبيله أهل بيت النبي الكرام
(عليهم السّلام) الذين شهد الله لهم بالصدق ، كما في قوله تعالى : (فَمَنْ
حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ
تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا
وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ
فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)(3)
.
فلو علم الله من أهل البيت كذباً لما أمر نبيه أن يباهل بهم نصارى نجران ، فهذه الآية الكريمة فيها معرفة قيّمة ،
وشهادة صادقة تبيّن الحقّ وأهله ، وسبب النبي المجتمع مع النسب ، وهم
النبي الكريم محمد وبعده علي الذي هو نفسه وزوج بضعته الزهراء ، وبعده
ابناهما الحسن والحسين ومعهم فاطمة بنت النبي التي مثّلت النساء
المؤمنات .
فآل النبي الكريم الذين شهد الله لهم بالصدق والكرامة ,
وبيّن شرفهم وعظمة شأنهم ، هم نسب النبي والسبب المتصل به ، وكلّ مَنْ اتصل بهم بسبب ،
وانتسب لهم بالدين ، وحصلت له معرفة بهم ، واعتقد شهادة الله بثبوت
الصدق لهم ، وتبعهم وأخذ تعاليم الله منهم ، يكون بحقّ قد استمسك
بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ،
ـــــــــــــــ
(1)
سورة التوبة / 119 .
(2) سورة
آل عمران / 193 .
(3) سورة
آل عمران / 61 .
الصفحة (3)
وبحبل الله المتين الذي لا ينقطع ، وكان من حزب الله الصادقين ، وحُشر
مع الأبرار والصالحين ، والمنعم عليهم والصديقين ، وحصل على سبب النبي
ونسبه ، ولم يقطعه الله عن نبيه وهو معه في الجنّة .
يضاف إلى
ذلك أنّ الله تعالى في آية أخرى أمر بمحبّتهم وودّهم ، فقال تعالى :
(ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ
عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لاَ
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى
وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ شَكُورٌ)(1) .
وقد عرفت في الباب السابق أنّ هذه الآية الكريمة تبيّن
البشرى لمَنْ
يقتدي بودّ ـ وهو المحبّة الشديدة ـ بأهل البيت (عليهم السّلام) ،
فيكون له حسنة مزيدة ، والله يغفر ذنوبه ، ويشكر سعيه .
وهذه الآية صريحة بأنّها أجر رسالة النبي الكريم ، ويبيّن مناسبتها أنّ الرسالة مستمرة في قربى نبي الرحمة وآله الطيبين الطاهرين (صلاة
الله وسلامه عليهم أجمعين) ، وبهذا الودّ للحسين وآله آل النبي الكريم
ننتسب للنبي ودينه ، ولله تعالى وهداه ، ونُخلص له الدين بتعاليمهم
ومعارفهم التي علمونا إياها بكلّ وجودهم , حتّى بأسمائهم الشريفة
الكريمة وتذكّرها ومعرفتها ، والتحقيق في معانيها ، وما توحي به مضامينها ،
فضلاً عن الانتساب له بالروح والهدى ، والاقتداء به ؛ للإخلاص لله بكلّ
تعاليم الدين .
فالآية الكريمة فيها عناية من الله تعالى بأهل البيت النبوي ، حيث
طهّرهم في آية التطهير ، ووفّقهم للإيمان الخالص ، والعمل الصالح الذي
بشرنا الله بأنّ مَنْ يقبله الله منه سيجعل له وداً . قال الله تعالى :
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدّاً * فَإِنَّمَا
يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ
بِهِ قَوْماً لُدّاً)(2) .
وهذا الودّ مع الإيمان والعمل الصالح ، وأجر الرسالة وقربى النبي في
هذه الآية والآية السابقة ، معناها أنّ مَنْ وصل آل النبي وانتسب لهم في
العلم الإلهي والمعارف الربانية ، قد حصل له سبب ونسب متّصلان بالنبي
ودين الله ، وجمع السبب والنسب والرسالة واستمرارها ، ومعرفة ما أمر الله تعالى
به من محبّة أئمّة الحقّ من أهل البيت (عليهم السّلام) واتباعهم .
وهذه الآية الكريمة تنذر من يعادي أهل البيت
(عليهم السّلام)
وينقطع عنهم ويبغضهم ، بأن يكون سببه ونسبه منقطعين في ذلك اليوم ، ويهوى في
نار جهنم كأبي لهب , أياً كان ، وبأيّ اسم تسمّى .
الإمام الحسين (عليه
السّلام) لخّص وشرح السبب والنسب المتصل بالنبي (صلّى الله عليه وآله)
نعم ، السبب المتّصل برسول الله (صلّى
الله عليه وآله) والمنتسب لدين الله قد
لخّصه وشرحه
الإمام الحسين (عليه السّلام) بتضحيته وفدائه ، كما أنّ أعداءه كانوا هم
السبب والنسب المنقطع ؛ لأنّهم قوم لدّوا النبي وهداه ، وهم أئمّة
الكفر وأتباعهم , فكان الانتساب لجامعة الإمام الحسين (عليه السّلام) هو السبب الموصل
لكلّية معارف الله ودينه ، وبه يمكن أن
ــــــــــــــ
(1) سورة
الشورى / 23 .
(2) سورة
مريم / 96 ـ 97 .
الصفحة (4)
نصل للخير والكرامة ، والأخلاق الفاضلة والطاعة لله تعالى ، وبمعرفته
نبتعد عن الانقطاع عن الله وعن تعاليمه ، وبتضحيته وسيرته بانَ واتّضح
انحراف أعداء آل محمد وأئمّة الكفر والنفاق عن دين الله وهداه على طول التأريخ , بما لا مجال معه للشبهة والشك والحيرة في الضلال وعدمه
.
إنّ مَنْ قتلوا الإمام الحسين (عليه
السّلام) ، وسبى حريم رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) , وكذلك أتباعهم ممن أبغض الحسين (عليه السّلام)
وآله الكرام ، وقتل أولياءهم في العقيدة والدين ، وكلّ مَنْ رضي بفعلهم ، وحال
دون معرفة كرامة الله لهم ، وما فضلهم وخصّهم به من
الشرف والمجد على طول الزمان ، لا يمكن أن يُتصوّر عندهم أدنى سبب ونسبة
لدين الله ولرسوله ، وهكذا كلّ مَنْ أحبّ أعداء الحسين وآله ، ومَنْ
حاربهم وخالفهم ، ودعا الناس لرأيهم ومكرهم وخداعهم ، فهو كأئمّة الكفر
المعادين لأئمّة الحقّ ، قد انقطع عن النبي الكريم ودين الله وكلّ
معارفه وتعاليمه ، ولم يعبد الله بما يحبّ ويرضى ، فضلاً عن الإخلاص له
.
ومن اليقين والقطع والإيمان الراسخ أنّ مَنْ نصر الإمام الحسين
(عليه السّلام) وتعلّم
منه فاقتدى به ، وتأسى به ورفض أعداءه ومبغضيه , يكون له أقوى سبب ونسب
يتصل به بالله ورسوله ، وكلّ تعاليمه ومعارف ودينه ، ويحقّ له ، بل
يصدّقه الله ورسوله وكلّ المؤمنين والمنصفين , أنّه تعبّد لله بدينه
المرضي ، وله أعلى ثواب وأجمل نعيم وكرامة من الله تعالى .
ولذا أكرمنا
الله بعقد مجالس نذكر
فيها الحسين (عليه السّلام) وننتسب إليه ، ويكون بها لنا
سبب يوصلنا بالنبي الكريم ورسالته ودينه (صلّى الله عليه وآله) ، فهو
(عليه السّلام) مدرسة
الدين الحنيف الذي يكون مَنْ انتسب إليه حصل على السبب المتّصل بالنبي
الكريم وتعاليمه ، ثمّ بالله وطاعته وعبوديته ، فهو (عليه السّلام)
جامعة الإسلام الكبرى التي فيها بيان الحقّ والهدى اللذين لا انحراف فيهما
ولا ضلال .
فبذكر الإمام الحسين (عليه السّلام) وحضور مجالسه ، والتعلّم من معارف
هداه , يكون لنا سبب متّصل بالله تعالى ومعارفه ، ونعرف نسبتنا وانتسابنا
للحسين (عليه السّلام) ولآل الحسين ، ولجدّ الحسين ، ومعرفة الله وطاعته
وعبوديته .
فالانتساب له (عليه السّلام) معرفة كبرى وتعليم كريم ، لمعنىً حقيقي
وواقعي عند الله ، وفي شرعه المتين ودينه المبين ، ويدخلنا في كلّية
معنى ناصر الحسين ، أو ذاكر الحسين ، أو الحاضر في مجالس الحسين ، وبه
ننتسب ونتسبب للحضور في جامعة آل محمد (عليهم السّلام) ، ونكون بحقّ قد
انتسبنا للنبي الكريم الذي لا ينقطع نسبه وسببه عند الله تعالى ، وهو
انتساب لله في الحقيقية بالطاعة ، وسبب كريم، وشريف لعبوديته تعالى عن
معرفة ويقين .
قول النبي الكريم
(صلّى الله عليه وآله)
:
(( حسين منّي وأنا من حسين ))
بما مرّ من المعرفة القيّمة لمعنى الانتساب والنسبة في الدين ، ومعرفة
هدى ربّ العالمين وطاعته ، عرفنا قول النبي الكريم
(صلّى الله عليه وآله) :
(( حسين منّي وأنا من حسين )) .
فكلّ مَنْ كان مع الحسين ومن أنصار الحسين على طول الزمان وفي أي مكان
، يكون من النبي في الهدى والدين ؛ فالحسين بيّن بشكل لا مثيل له
إخلاصه لله ربّ العالمين في العبودية والطاعة عن يقين ، وهكذا كلّ
الصفحة (5)
مَنْ ينتسب له في الدين ويقتدي به على الحقيقية يكون على يقين ، وبهذا
يتجسّد ، بل يظهر بحقيقة روحه ومعناه في مجالس ذكر الإمام الحسين (عليه
السّلام) ، وبما يفعله المؤمنون في ذكر الحسين والاقتداء به ، وجعله
أسوة لهم في سيرهم وسلوكهم ، وخلقهم الكريم وصفاتهم الفاضلة ، التي
اكتسبوها من الحسين (عليه السّلام) .
فإنّك ترى كلّ المؤمنين الأحرار ، والطيبين الكرام ينتسبون للحسين
(عليه السّلام) ، ويحبّون هذه النسبة ؛ باعتباره أباً معنوياً ودينياً
وروحياً لهم ،
يبعث فيهم الحياة الشريفة الكريمة ، ويمنحهم كرامة العزّ والمجد
، والأخلاق الحسنة والعلم الربّاني ، والدين الصادق والدليل الخالص على
معارف الله وهداه .
فذكر الإمام الحسين والانتساب له (عليه
السّلام) لذّة طعمها معرفة الدين
والإيمان بربّ العالمين ، ومجالس وَجد يتهافت عليها قلوب المحبين والطيبين
للربّ الهادي الرحيم ، ومجالسه سبب لعشق الخير والكرامة والفضيلة ؛ إذ
يُرى فيها إخلاص الحسين لله تعالى وإخلاص أتباعه وأنصاره ، وفيها يحصل
لهم سبب عشق الانتساب والاقتداء بالحسين ، ومن ثمّ بآل الحسين (عليهم
السّلام) في معرفة الهدى والإخلاص لله تعالى .
وهذا شأن كلّ الأحرار والمؤمنين والخيرين الصالحين والمصلحين في حبّ
الانتساب للحسين (عليه السّلام) ، وجعله سبباً لمعرفة العلم اليقيني الصادق بهدى الله
وصراطه المستقيم ، والموصل بسرعة وجدّ ، وطلب حثيث لطاعته من حيث أمر
وأراد أن يُطاع ، وبتعاليمه التي عند أئمّة الحقّ والهدى .
وهذا تفقده في كلّ مدارس وجامعات وكلّيات الدنيا ، ولم يوجد إلاّ في
مدرسة الحسين وجامعته وكلّيته التي تُعطي أعلى شهادة فيها توقيع الله
ورسوله وآل النبي الكريم ، والملائكة أجمعين والمؤمنين والطيبين ،
وتبيّن صدق الانتساب لله ورسوله وآل النبي الطاهرين ، وإنّ المنتسب
للحسين حصل على السبب الموصل لمعارف الله وتعاليمه الحقيقية وكلّ خير
وفضيلة ، ومن غير ضلال ولا انحراف ولا غش ولا كذب ولا خداع .
وذلك لكون الحسين (عليه السّلام) بحقّ هو المصباح الهادي لنور الإيمان ،
والدليل الصادق الموصل لليقين ، والبرهان الجلي على ضرورة التمسّك
بالعروة الوثقى ، والصراط المستقيم لنبينا وآله الطيبين الطاهرين ،
وسفينة النجاة لكلّ الأحرار والثوار في سبيل التضحية والفداء
؛ من أجل إعلاء كلمة الله والصبر في جنبه .
فكلّ المؤمنين والطيبين والأحرار يستقون منه معالم الدين ، وبذكره
العطر يسترفدون منهل حياتهم ، ويَعذُب وجودهم ، وتصفو نيّاتهم في طلب
العبودية والطاعة لله تعالى ، والعمل بتعاليمه ونشرها وترويجها .
فأيّ نسبة أحلى وأجمل من الانتساب للحسين ولآل الحسين
(عليهم السّلام) ، والسير في سبيلهم وصراطهم المستقيم ؛ لكي نصل إلى
نعيم ربّنا
وهداه ورضاه ، وعزّه وكرامته وفضله ، وكلّ سعادة في الدنيا والآخرة .
الانتساب للحسين وآله واجب على كلّ مَنْ أراد الله والعبودية له
وقد قال الله تعالى :
(يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ
أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ
فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ
الصفحة (6)
فَتِيلاً
* وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى
وَأَضَلُّ سَبِيلاً)(1)
.
وقد عرفت أنّ الإمام الحسين في كلّ مكان وزمان إمام حقّ ودليل صدق ؛
لتعريف آله الكرام وأئمّة الحقّ والهدى الإلهي لكلّ الدنيا ، وقد قال
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) :
(( سلمان منّا أهل البيت ))(2)
؛ وذلك لكون سلمان (رحمه الله) تابعاً لأهل البيت (عليهم السّلام) ، ومخلصاً في ودّهم
وولائهم ، وعارفاً لعلوم الله وهداه عن صراطهم المستقيم بعد رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) ،
وهذا السبيل يكون لكلّ مَنْ تبع أئمّة الحقّ من آل محمد (عليهم
السّلام) وانتسب إليهم ، واهتدى بصراطهم وكان من شيعتهم .
ويؤيّد هذا آيّة المودّة ،
وكل الآيات والروايات الموجبة لحبّهم وسلوك سبيلهم والانتساب لهم ؛ ولذا قال أبان بن تغلب : قال الإمام الشهيد
(عليه السّلام) : (( مَنْ أحبّنا كان منّا
أهل البيت )) . فقلت : منكم أهل البيت ؟! فقال :
(( منّا أهل البيت )) , حتّى قالها
ثلاثاً ، ثمّ قال (عليه السّلام) : (( أما
سمعت قول العبد الصالح : فَمَنْ
تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ))(3)(4)
؟
وما هذه المعارف الراقية في النسبة والانتساب إلاّ لكون حبّ الإمام الحسين
(عليه السّلام) والاقتداء
به أفضل وأسرع سبيل موصل لحقيقة معرفة الإمامة ، والإخلاص في
السير في سبيل أئمّة الحقّ ؛ وذلك لأنّه يعرّفهم بالدين والهدى وكلّ
فضيلة ومجد ، وبه المؤمن والطيب يعرفهم ويحبّ أن ينتسب لهم ، ويأخذ
كلّ تعاليم الله ومعرفته منهم وحدهم ، من غير شك ولاشبهة ، فلا يبقي
الانتساب للحسين (عليه السّلام) وآله لأحد مجالاً للحيرة والضلالة ,
حتّى يخلطهم بغيرهم من أئمّة الكفر وأتباعهم ، وبضلالهم وظلامهم على طول
الزمان .
وهذا معنى الإخلاص في الانتساب للإمام الحسين وآله ، والتسبب بهم
لرضوان الله ورسوله ، والكون معهم ومنهم ، مع التبرؤ المطلق من أئمّة
الكفر وأتباعهم وكلّ ضلالهم .
فالحمد لله الذي جعلنا ممّن ينتسب للإمام الحسين وآله ، ومن الذين
يحظون برضاه ورضا أهل بيته ؛ لأنّ رضاهم من رضا الله تعالى ، مخلصين
لهم في المودّة والطاعة , حتّى يجعلنا معهم في أعلى محلّ الكرامة والمجد ،
إنّه أرحم الراحمين .
أسأل الله تعالى ذلك لي ولمَنْ قال : آمين يا ربّ العالمين .
اللّهمّ بالحسين وجدّه وأبيه ، واُمّه وأخيه ، والمعصومين من بنيه
اجعلني مع الحسين وآله الطاهرين وأصحابه الطيبين ، يا ربّ العالمين .
ــــــــــــــــــــــــــ
(*) مراجعة وضبط النص
(موقع معهد الإمامين
الحسنين) .
(1) سورة
الإسراء / 71 ـ 72 .
(2) بحار
الأنوار 22 / 329 ، ب10، ح 38 .
(3) سورة
إبراهيم / 36 .
(4) نزهة
الناظر وتنبيه الخاطر / 85 ، ح 19 .
|