(وَلِتَكُن
مِنكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(آل
عمران / 104) أنّ من الأمر بالمعروف أمرَ الظالم بالمعروف ، وأنّ من النهي عن
المنكر نهي الظالم عن المنكر ، وأنّ من الأمر بالمعروف مواجهة الظالم ،
ومواجهة التحدي ، وإجباره على ذلك بالثورة في وجهه ؛ لأنّ الأمر بالمعروف قد
يكون بالكلمة ، وقد يكون بالموقف ، وقد يكون بممارسة القوّة .
كما إنّ الإمام الحسين
(عليه السّلام) أكَّد موقع العزة عندما قال : (( ألا
وإنّ الدَّعيَّ ابن الدَّعيّ قد تركني بين السلَّةِ والذِّلةِ , وهَيهاتَ له
ذلكَ ! هَيهات مِنّي الذّلة ؛ يأبى اللَّهُ ذلك ورسولُه والمؤمنون ، وجدودٌ
طَهُرَتْ ، وحُجورٌ طابَت من أن نؤثِرَ طاعة اللِّئامِ عَلى مصارعِ
الكرام ))
.
لقد تحرّك الإمام الحسين
(عليه السّلام) في المعركة تحت عنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهي
معركة خاسرة من الناحية العسكرية ، لكنّه يرى أنّه لا بدّ من أن يصدم الواقع
حتّى يستطيع أن يهزّ قواعده لتتحرّك الثورات من بعده ؛ لأنّ الواقع وصل إلى
مرحلة استرخى فيها تحت تأثير حكم يزيد ؛ ولذلك انطلق الناس وهم يحبّون
الحسين (عليه السّلام) ليحاربوه .
لقد كان الوضع الإسلامي
مُهيّأً لأن يستمرَّ الظلم ، بحيث يحرّك الناس كلّهم في مواجهة كلِّ دعوة
للحق ، وبذلك يستطيع التخطيط الكافر في داخل الحياة الإسلاميّة أن يقدّم
الكفر للناس باسم الإسلام ؛ ولذلك كان الحسين (عليه السّلام) يشعر بالحاجة إلى
صدم الواقع ، فاستعد للمأساة ، حتّى إنّه جلب نساءه وأطفاله معه من أجل أن
تمتد الثورة ، وتتسع دائرة صداها لتصل إلى كل الناس .
ومن الضروري في كلِّ تحرّك
, وفي كلِّ ثورة أن نتعرّف ما هي شرعيّة حركتنا الإسلاميّة هنا وهناك حتّى
نواجه الله من موقع شرعي في كلِّ ما عملناه .
لهذا ، فإنّ علينا في
كلِّ سنة أن نستعيد ثورة الحسين (عليه السّلام) ؛ باعتبار أنّها ثورة لتحريك
الواقع الإسلامي ضدَّ الحاكم الجائر ، ولدرء التخطيط الكافر لعملاء الكفر
في داخل الحياة الإسلاميّة ، حتّى نقول لكل الأجيال الإسلاميّة القادمة : هذا هو
الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وهو سيد شباب أهل الجنّة ، وهو إمامٌ من أئمة
المسلمين ، لا يتحرك إلاّ من خلال الخط الّذي رسمه الله .
إذاً نستطيع أن نأخذ من
ثورة الحسين (عليه السّلام) في كلِّ سنة نستعيد فيها هذه الذكرى , شرعيّةَ الثورة
في وجه الحاكم الظالم . وإذا أُجيزَ لنا أن نثور في وجه الحاكم الظالم وهو
مسلم فيجوز لنا بطريقٍ أَوْلَى أن نثور في وجه الحاكم الظالم وهو كافر ؛
لأنّه إذا جاز لك أن تثور بوجه المسلم فكيف بالكافر .
نعم ، عندما نريد أن ندرس
ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) علينا أن نعرف الظروف التي كان يعيش
فيها الحسين (عليه السّلام) من حيث الإمكانات وطبيعة الجوّ والوضع القائم ،
وندرس ظروفنا ونقارن ، فلربما تكون مرحلتنا مرحلة الإمام الحسين (عليه
السّلام) ، ولربما تكون مرحلة أُخرى . لكنّ القضية لا بدّ أن تُدرس دراسةً
دقيقة ، فمن حيث المبدأ : الإسلام لا يريد للإنسان المسلم أن يسترخي أمام
الظلم وأن يخضع له ما دام يستطيع أن يتحرك في وجهه .
إنّ الأحكام الشرعيّة لا
تتجمّد ، فكما قال الله سبحانه وتعالى : صلّوا ، صوموا ... فإنّه قال : جاهدوا
.
غاية الأمر أنّ للجهاد شروطاً ، في طبيعته , وفي حركته وأوضاعه , وفي كلِّ مواقعه
، تماماً كما للصلاة وللصوم شروطها .
إننا نبحث عن ثائر
تمنحنا حركتُه شرعيّة لحركتنا ، وهذا ما لا نجده إلاّ في الحسين (عليه
السّلام) ، وفي أمثال الحسين (عليه السّلام) ، فلنتحرك في هذا الخطّ ، وعلى هذا
الطريق حتّى نركّز المسألة على أساس ثابت متين في كلِّ المجالات العمليّة .