قداسة كربلاء
وتربتها(*)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين , والصلاة والسّلام على نبينا محمّد وآله
الطيبين الطاهرين , واللّعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين
البحث الأول : لمّا عرفت كربلاء سجدت على ترابها , واتّخذت سبحتي منه
أيّها الأطايب الكرام ,
كتبت مقالات سابقة كانت عناوينها : هكذا عرفت الإمام الحسين (عليه
السّلام) , ولمّا عرفت الحسين انتسبت إليه , وهكذا عرفت كربلاء
.
وحان الآن بيان واجبي تجاه
تراب كربلاء التي ثوى فيها جدث الحسين (عليه السّلام) , فصار مرقده
الطاهر فيها نوراً يشرق بالإيمان في قلوب المخلصين لله بدين النبي
محمّد وآله الكرام (صلّى الله عليهم وآله) , وصار تراب كربلاء المتناقل
بأيدي المؤمنين والأحرار الطيبين سبحة وتربة , مُلهم الهدى الحقّ لدين
الله الصافي , ولتعاليمه الحقّة التي يُطاع بها سبحانه , من غير ضلال
ولا شرك ولا نفاق .
وإنّكم عرفتم في ما ذكرت سابقاً أني اتّخذت منهج أبي عبد الله الحسين
(عليه السّلام) ديناً وعقيدة , وتعاليمه هدىً أتعبّد بها لله , وأطلب
به ثوابه ورضاه , ثمّ إنّي أخلصت له الودّ والمحبّة كما أمر الله في
آية المودّة , وأطعته في كلّ شيء عرّفه لنا بسيرته وسلوكه وعلمه وعمله
؛ لآية
(أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ
مِنْكُمْ)
, فاتّخذته
إماماً لآية
(يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)
, فكان لي قدوة واُسوة كجدّه
رسول الله , وأبيه وأخيه , وأبنائه المعصومين (صلوات الله عليهم
جميعاً) إلى يوم الدين ؛ فإنّ
الله تعالى قال : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ
وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ) ,
الصفحة (2)
وقال رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) :
(( حسين منّي وأنا من حسين )) .
فطلبت ما يذكّرني
برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسنّته , وسيرته وسلوكه , بتطبيق علمي وعملي , حقّاً غير مختلف
به ولا فيه , وكلّ مَنْ خالفه يُعرف ضلاله وكذبه فيما يدّعيه , وواضحاً
مستبيناً لكلّ ذي بصيرة بأقل تدبر في تأريخ الدين وسنة رسول ربّ العالمين
وأقواله ؛ فوجدته بغيتي متجسّدة , بل بكلّ روح اليقين من النور الذي
يشرق من نهج الحسين (عليه السّلام) وهداه وتعاليمه , حتّى كان الحسين
(عليه السّلام) ـ بحقّ ـ كما ذكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) منه في كلّ شيء , حتّى في سلوكه وسيرته , بل
كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الحسين (عليه السّلام) كما قال (صلّى الله عليه وآله) :
(( وأنا من
حسين )) , أي هو استمرار لدينه وهداه بكلّ معارفه , ومعلّم له بأوضح
سبيل يعرفه كلّ حرّ وطيّب عرف ثورة الحسين (عليه السّلام) وتضحيته
وإيثاره بأقل تدبّر .
ثمّ لمّا كنت أحبّ ذكر الله كثيراً وبإخلاص , وأرجو ثواب الله في اليوم
الآخر كما علّمتنا الآية أعلاه , وحثّتنا لهدى الدين , اتّخذت خرز
مسبحتي من طين تراب الحسين (عليه السّلام) في كربلاء ؛ لأذكر الله كثيراً عند تدويرها
, بل سجدت عليه حمداً لله وشكراً في صلاتي , وأستعين بالله لأن يعرّفني
هداه كما علمه الحسين الذي يحكي دين جدّه رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) , وبكلّ شيء من
علمه وعمله , بل في كلّ آثاره التي خالطت تراب مثواه في كربلاء , وبهذا
عرفت حرمة تراب كربلاء ؛ فسجدت على ترابها , واتّخذت سبحتي منه .
فيا إخوتي , ها أنا ذا أرجو أن أكون بحقّ قد تمسّكت بهدى الحسين
(عليه السّلام) ؛ فإنّه بحقّ مَنْ عرف الحسين حقّ معرفته يعرف أنّه أسرع
سبيل لمعارف الدين , وصراط مستقيم
يوصل لهدى الله عند الآل أجمعين , أقصد رسول الله وآله الكرام الطاهرين
, بأمر الله تكويناً وتشريعاً ؛ وذلك لِما فيه من خصوصية البيان الواضح
لهدى الله , حتّى لا يمكن أن يشكل عليه بقيل ولا قال ؛ فإنّ الحسين
(عليه السّلام) شهيد الحقّ , وخالط دمه تراب كربلاء من أجل طلب الإصلاح في اُمّة جدّه
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وأبيه الإمام والولي والوصي علي بن أبي طالب (عليهم
السّلام) .
وذلك بعد أن استفحل الظلم والضلال , وشاع الفسق والفجور ,
وتجاهروا به حتّى عرفه الداني والقاصي , ولم يعُد مجال للسكوت عن الحقّ
, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ارتكبه حكّام الجور الطغاة
الظلمة , المتسلّطون على رقاب المسلمين وأتباعهم
, فلم يكفِ الإنذار
والبيان , ولا توضيح الهدى بخُطَب الكلام , بل لا بد لأن يشهر سيفه
فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر , ويدعو لاستخدامه حتّى يُقام الإصلاح
, فأقدم ـ روحي له الفداء ـ مع خذلان الصديق وقلّة الناصر , كما عبّر عنه
في موقفه حين قدومه لكربلاء , بل قبله , ولكن حين قدم سقى هداه كربلاء .
فتصدّى لواجبه (عليه السّلام) ولو مع قلّة الناصر , وبما يرضي الله
ويحبّ سبحانه ؛ ليقيم الإصلاح في اُمّة جدّه الكريم نبي الرحمة , وشيعة
أبيه أمير المؤمنين الوصي الحقّ , فكان مخلصاً في إقدامه حتّى نال
الشهادة بكلّ فخر وعزّ , رافضاً لأي خضوع للظلم والذلّ ؛
الصفحة (3)
ولهذا اتّضح
لكلّ منصف وحرّ أبيّ أنّه مَنْ خالف الحسين (عليه السّلام) في هداه
ومنهجه من أجل الدين فقد انحرف عنه في أيّ زمان كان , وأيّ مكان وجد .
وقد ضلّ عن الهدى , وطغى على الحقّ مَنْ تبع أعداء الحسين , وهكذا
مَنْ خالف آله ؛ لأنّه منهم وهم منه , وكلّهم من رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) في هداه وولايته المكتسبة بفضل الله سبحانه الذي يختار
لتعريف دينه خير عباده , وأطيبهم وأطهرهم , فيجعلهم أئمّةً وولاة أمر ؛
لتدبير عباده وهدايتهم لحقائق معارفه , ويجعل بيدهم نور الصراط
المستقيم والدين القويم , فكانوا هم المنعم عليهم ؛ فإنّهم آل محمّد
(عليهم السّلام) .
ولكن للخصوصية التي ذكرتها خصّصت مقالي هذا لبيان معرفتي بالحسين
(عليه السّلام) وبعض
آثاره , وما أنار به العقول بسلوكه ومنهجه , وكيف دخل القلوب بفدائه
وتضحيته , فتتبّعت آثاره التي تذكّرني بإقدامه وإيثاره , ومواقفه المعرّفة لحقّه
بعلم وإيمان وعمل , والتي تمنح المجد والكرامة لمَنْ يتبعها بروحه
وعقله وقلبه , وتسلك به الصراط المستقيم لمعرفة الحقّ من دين الله
وهداه , وتطبيقه بكلّ يقين وإخلاص .
فلم أجد بعد عالم المعنى والعلم والهدى وتطبيقه ؛ لكي أطلب به الإصلاح
والعدل , والإحسان ورضا ربّنا الرحمان , بل عبوديته بإخلاص , شيئاً
يذكّرني بهدى الصراط المستقيم في كلّ لحظة وآن حين الذكر , وفي أوقات
الفراغ , أو في الأماكن المقدّسة والمجالس , بل حتّى أثناء الصلاة
فضلاً عن الجلوس مع الأحبّة , وفي النوادي والمقاهي والأسواق , إلاّ أن
أسجد لله حمداً وشكراً على تربة شهدت كلّ الإخلاص لله والطاعة له حتّى الشهادة , وصُبغت بالإيثار والتضحية , وبكلّ شيء يبذل من أجله سبحانه .
فوجدت بحقّ أنّه يجب عليّ أن أسجد على تربة ثوى فيها أبو عبد الله
الحسين (عليه السّلام) , وأن أتّخذ خرز مسبحتي التي أديرها حين ذكر
الله على كلّ حال من ذلك التراب الطاهر ؛ فلهذا كان وما زال يرافقني في
كلّ زمان ومكان شيء من تراب كربلاء , تربة وسبحة .
نعم يا إخوتي , سجدت على تراب كربلاء , فتعبّدت به لله في كلّ أوراد
صلاتي وذكري ؛ فإنّي حين اُكبّر الله وأحمده واُسبّحه أرى واجبي أن
أتّخذ مسبحتي من ذلك التراب الطاهر الذي قدّسه الإمام أبو عبد الله
الحسين (عليه السّلام) حين ثوى فيه , فصارت كلّ ذرة فيه تطالب بالإصلاح
والعدل والإحسان , وتذكّر كلّ مؤمن بحقيقة هدى الرحمان حتّى الشهادة في
سبيل إعلاء كلمة الهدى .
وكلّ طيّب يريد أن يقتدي بمنهج أبي عبد الله
الحسين (عليه السّلام) وتعاليمه , وتضحيته وإيثاره ؛ فيعرف برؤيتها الحقّ والهدى الإلهي
, فيسعى لتطبيق معارف الله سبحانه الحقّة , وهداه الصادق حين يتذكّر
معارف ومنهج أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) , فيكون ـ بحقّ ـ هذا
السجود على تربة كربلاء والتسبيح بها تبليغاً لدين الله الواقعي
بالموعظة الحسنة , وبالدليل العملي فضلاً عن البرهان العلمي .
الصفحة (4)
نعم يا إخوتي , وجدت تراب كربلاء حين حلّ فيه منهج الحسين
(عليه السّلام) ودمه وهداه في موقفه المشرّف الأبيّ في ذلك اليوم المشهود ,
عينَ الإخلاص لله , والصدق في طاعته , ورأيته بكلّ ذرّة وجزء وتركيب منه
مذكّر بهدى الله سبحانه , وبتعاليمه الواقعية وصراطه المستقيم , فهذه
كانت عندي حقيقة تراب كربلاء ؛ ولهذا تحققت وتيقّنت أنّه صار من واجبي
أن أسجد عليه في صلاتي , وأُديره بيدي حين أذكر الله وحده لا شريك له
في تعقيب الصلاة أو في وقت فراغي ؛ لأنّه يرفض الظلم والعدوان
والطغيان , والفجور والفسوق , فضلاً عن الشرك والكفر والنفاق .
بل لكي
أتذكر الحقّ والعدل والإحسان , وضرورة الإخلاص في طاعة الرحمان في كلّ
الأحوال والظروف مهما كان الأمر ؛ لذا قرّرت بكلّ همّة ويقين علماً
وعملاً أن ترافقني تربة كربلاء في حلّي وترحالي أبداً ما حييت , حتّى كاد أن يكون ذلك عندي ضرورة من ضرورات الدين من غير بدعة وتشريع , بل
من أجل أن أعرف الله بإخلاص , وأعرف هداه وأذكره بحقّ كما يحبّ ويرضى
أن يُطاع ويُعبد .
بل يا إخوتي الكرام , ساُوصي أحبّتي أن يضعوا في مساجدي السبعة ؛ جبهتي
وكفَّي , وركبتَي وإبهامَي , بل وعلى مسامعي وعيني , وفي كفني ومثواي
حين مماتي شيئاً من تربة كربلاء ؛ لعل الله يقبلني فيحشرني مع الحسين
(عليه السّلام) وآله الكرام في الدنيا والآخرة . وأسال الله أن يحاسبني
بنيتي هذه , ويُثيبني عليها بأحسن ثواب أعدّه لعباده الصالحين الذين
رضي بإيمانهم وعملهم , وجعلهم شهداء وصدّيقين , وأن أكون مع الصادقين
؛ نبيّنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين .
نعم يا إخوتي الكرام , هذا إيماني واعتقادي بترابٍ ثوى فيه الحسين
(عليه السّلام) ؛ فإنّي جعلت هدف السجود على تراب كربلاء هو الوصول لمعرفة
الحقّ وأهله , والعدل والصلاح وتطبيقه , فضلاً عن المطالبة به ؛ فإنّه
قد صار في كلّ ذرّة من ذلك التراب الطاهر في كربلاء تعليم واضح للتضحية
, وبيان للإيثار والفداء من أجل الهدى والصلاح , والعدل والإحسان
مطالبة وتطبيقاً ؛ لأنّه ثوى فيه رمز الحرية والإباء , والمقدّم كلّ
وجوده وأهله وماله في سبيل إعلاء كلمة الله سبحانه .
بل صار حمل تربة كربلاء , تربة وسبحة , عين وحقيقة ذكر الله الحقّ
بإخلاص , والسجود عليها غاية خضوع الإنسان للحقّ تعالى ؛ فلهذا تيقّنت
أنّه تلخّص في تربة كربلاء كلّ معاني تطبيق الإصلاح والعدل والإحسان ,
من غير هوادة ولا توانٍ ولا مداهنة , بل لا لهو فيه ولا غفلة عنه ولا
نسيان له .
وقد جاء في الأثر أنّها تسبّح لله من غير ذكر ؛ لأنّها
معجونة بالإخلاص لله , بل الذاكر حين يديرها بيده أو يسجد عليها وهو
ملتفت لمعنى علمه وعمله بالصورة والمعنى الذي ذكرت , يكون بحقّ خالصاً
مجدّاً مجتهداً في رضا الله سبحانه , فيخرق دعاؤه وذكره وتسبيحه وشكره
الحجب السبع , بل ينير كلّ ظلام حوله , فضلاً عن إفنائه عمى القلب
فيجعله عين الإيمان , وفي العقل حقيقة البرهان لمحلّ معارف هدى الرحمان
.
الصفحة (5)
نعم يا إخوتي , إنّي أفهم في تراب كربلاء وتراكيب ذراته , وفي كلّ جزء
من أجزائه , تعاليم ترفض الظلم والعدوان , ومعارف تنفّر من الجور
والطغيان , وتبعد عن وساوس الشيطان , وهوى النفس الأمارة بالسوء
وشهواتها الباطلة , وكلّ فكر سيِّئ يحاول أن يمليه كافر أو منافق , أو
فاجر أو فاسق , وكلّ ضلال وباطل مما عليه الطغاة وأهل الجور من بني
الإنسان ؛ ممّن تسمى بسلطان , أو خليفة , أو أمير مؤمنين , أو رئيس جمهورية
, أو ملك , أو وزير , أو واعظ له أو تابع , وهو مخالف في سلوكه وتصرّفه
لمنهج الحسين (عليه السّلام) وهداه .
ولذا صار يا إخوتي الكرام , تراب مثوى الحسين (عليه السّلام) في كربلاء
ـ
ليس لي وحدي ـ هدى للدين الحقّ , ومنهجاً ومذكّراً بالفداء والتضحية من أجل
العدل , وكلّ تعاليم الله القيّمة وصراطه المستقيم , والذي يختصّ
بالمنعم عليهم بحقّ , ومن سلك سبيلهم ؛ فإنّه يا أحبّتي , وأنتم أعلم
بحقيقة ما أذكر وأقول ومعناه ،
إنّ حمل تراب كربلاء كسبحة أو السجود عليه في الصلاة صار علامة للمتّقين
, ومُعرّف لحقيقة الهدى للصالحين , ومعين عذب ينهل منه تعاليمه حقائق
الدين ؛ فإنّ تراب كربلاء ـ كذكر الحسين وكربلاء ـ صار شعاراً للطيبين
, فسجدوا عليه في صلاتهم ؛ يرجون به القرب من ربّ العالمين , وذكراً
مضاعفاً لله في تسبيحهم فطهّرهم من كلّ ما يبعد عن الله , بل ما داموا
حاملين له في فكرهم وعقلهم وقلوبهم فهم في ذكر الله وطلب القرب منه .
فلذا حقّ لهم أن يتّخذوا سبحتهم منه , فيقولوا : الله أكبر ؛ لتكبير
ربّ العالمين من النقص , أو أن يُقاس به شيء في الذات والصفات فيحاط به
علماً , ولا في الخلق والفعل والهدى التكويني والتشريعي ؛ فإنّه سبحانه
ليس له شريك في الخلق , ولا في الهدى ندّ ؛ فإنّه تعالى أكبر من أن
يخلق الإنسان ويتركه من غير إمام هادٍ بعد ختم النبوّة , ومن غير
مُعرّف حقٍّ لمحل الهدى وأهله ؛ فإنّه عرفنا بالعلم والعمل وبآثار
الطيبين الطاهرين كلّ وضوح لمنهجه ونور هداه , والذي يسعد ويتنعّم به
الإنسان , خليفته في الأرض والجنّة إن أطاعه , وإلاّ يهوي في نار
الجحيم إن عصى .
ولهذا أصبح تراب مثوى الحسين (عليه السّلام) في كربلاء أنور من الشمس في إشراقه لإيمان
القلوب في كلّ مكان , بل استطال حتّى وسع الزمان , ينير الأحرار
والطيّبين , وأهل الحقّ وطالبي العدل والصدق , فيميّزوا به الحقّ وأهله من
الضلال وأهله على طول التأريخ , وفي أيّ مكان كانوا في صدر الإسلام أو
بعده , وبأيّ مذهب تمذهبوا .
فلذا نحمد الله بسبحة ترابها مخلوط بالإخلاص الذي منحه لها الحسين
(عليه السّلام)
بعد أن نكبّره على ما أنعم علينا من الهدى , وأرانا الصراط المستقيم
الحقّ , بِولي دين طاهر وإمام صادق طيّب , يعرّفنا معارف الله كلّها
بتطبيق علمي وعملي ,
الصفحة (6)
وبكلّ سيرته وسلوكه , وبكلّ كلماته الداعية للصلاح والعدل والهدى
, وبأعلى إخلاص , وبكلّ شيء من الأهل والنفس فضلاً عن المال والحلال ,
ومع ما له من الشرف والمجد والأصالة في كلّ وجوده , فيرينا فيه كلّ شيء
من معاني دين الله وحقائق تطبقيه , والإخلاص فيه حتّى الشهادة الواقعية
المخلصة المطيعة لله بحقّ وصدق , وعن معرفة بمحلّ الصلاح والهدى ,
والإقدام والإيثار والتضحية ومحلّها , ومن غير شك ولا شبة , ولا ضلال
ولا باطل .
فسبحان الله حقّاً حقّاً , وإيماناً وتصديقاً , وعبودية ورقاً ! ما
أعظم شأنه ! لم يهمل الخلق بعد خلقهم , بل هو الكامل وواهب الكمال , لا
نقص في دينه ولا في هداه حتّى يوم القيامة , وبهذا صار لنا الحقّ أن
نقدّس الله وبإخلاص وحده لا شريك له , ومتّخذين سبحة من تراب طاهر ثوى
عليها حقيقة معنى الصلاة , والصلاح والفلاح , وحي على خير العمل , بل
أشهد أن لا إله إلاّ الله , وأشهد أنّ محمداً رسول الله , وأنّ علياً
ولي الله , وكلّ الشهادة المعرّفة والموصلة للدين الحقّ والفناء في
طاعة الربّ , الهادي الرحمان , بل المحسن المنّان .
وبهذا عرفت تراب كربلاء فسجدت عليه , وأخذت سبحتي منه ؛ فإنّه بكلّ شيء
فيه صورة ومنظر , وذرّات وتركيب , يُعلي كلمة الهدى , ويقوم بتعريف
حقيقة الدين الحقّ ومحلّه وأهله , فوجب عليَّ أن أُخلص له علماً وعملاً
, وبياناً وتذكيراً به للطيبين والأحرار , وأنصار الحقّ والعدل ؛ لأنّه
يذكّرهم كما يذكّرني بالطاعة الحقيقة والإخلاص له حين معرفة حقّه ,
وهذا معنى الصدق من حقائق الإيمان وحبّ الرحمان , ومن باب أن يحبّ
المؤمن لأخيه ما يحبّ لنفسه .
وبهذا حقّ لي ولكلّ مؤمن بعد المعرفة بحقائق الدين , وما يذكّر به أن
يدير وأدير مسبحتي بتراب كربلاء الطاهر الذي كلّه إخلاص وإيثار ,
وجدّ واجتهاد , فأقول وبكلّ وجودي , وبمعنى الكلمة وبحقيقة الهدى : لا
إله إلاّ الله , وحده لا شريك له , وسبحان الله , والحمد لله , ولا إله
إلاّ الله , والله وأكبر , من أن يوصف حقّاً , ولا يؤدّي شكره أحد مهما
عبد , أو ذَكر وذكّر , ولكن هذا جهدي بتوفيقٍ منه ذكرته بما يحبّ أن يُطاع
به من الهدى الخالص والدين القيم , الذي لا شرك فيه ولا ضلال .
وأسأل الله أن تشهد لي هذه التربة المباركة الطاهرة , تربة كربلاء التي
طهّرها الحسين (عليه السّلام) , ويشهد لي كلّ مَنْ رآها في يدي , وشاهد سجودي عليها ,
بأنّي طلبت معاني الهدى والدين الذي سكب عليها , والإخلاص الذي خالطها
.
ولذا يا أعزّتي , حقّ لي كما حقّ لغيري من أهل مذهبي أن نسجد على تربة
الحسين (عليه السّلام) حين الصلاة لرب العالمين , وفي كلّ سجدة شكر له
وحده لا شريك له , وهكذا حين اُريد أن اُعدّ تكبير الله وحمده , وتسبيح
الله وتهليله مئة أو أكثر , بل حتّى الألف وأكثر بسبحة من تربة الحسين
(عليه السّلام) ؛ لأنّه فيها يُستنشق الإخلاص فيدخل المبدأ والعقيدة في
الروح , وعن دليل راسخ في العقل قبل
الصفحة (7)
القلب , وفي اللبّ قبل الفؤاد ؛ فإنّ تراب كربلاء تراب ثوى فيه الإيمان
فخالط ترابه , ولن يفارقه إلى يوم القيامة .
فلذا يا كرام , حقّ للمؤمنين وكلّ الأحرار والطيبين , وأنصار الهدى
والعدل والحقّ السجودُ على تراب كربلاء , واتّخاذ سبحة خرزها من ذلك
الإيمان الذي خالطها , والإخلاص الذي عجن فيها , وذلك من أجل معرفة الله
وعبادته بما يحبّ ويرضى من الهدى , وتسبيحه وتقديسه بسبحة خرزها قد
خالط ترابه ذلك المجد والشرف , والكرامة والإباء ؛ فإنّ السجود عليها
والتسبيح بخرز من ترابها حقّاً يكون عملاً صالحاً يُرفع لمحلّ الكرامة
بأسرع من البرق ونوره ؛ فإنّه بنور هداها يقتبس نور الله , وهداه ورضاه ؛
لأنّه دليل الإخلاص في جنب الله الذي ثوى في تراب كربلاء وخالطه إلى
يوم الدين ؛ فلذا صار فيها حقائق من برهان معارف ذكر الله تعالى في كلّ
ذرة من ذراتها .
فحقّ لي يا إخوتي , بعد أن عرفت الإمام الحسين (عليه السّلام) بهذه
المعرفة أن أسجد على تربته في كربلاء , وأن أتّخذ مسبحتي من طين جفّف
من قرب مثوى مرقده من كربلاء ؛ فإنّه طين الكرامة , وتراب العزّ الظاهر
والباطن ؛ فإنّه طين يابس من تراب كربلاء .
الصفحة (8)
البحث الثاني : شرح وتذكرة بالأسباب الداعية لحمل تربة كربلاء سبحة
وتربة
قد عرفتم يا إخوتي الكرام في المقالات السابقة , أهمَّ الأسباب التي
جعلتني أحمل في فكري ويدي , وعلمي وعملي , تراب كربلاء كسبحة أذكر بها
الله تعالى حين اُسبّح كبرياءه , وأحمده مقرّاً بكماله .
وتربة لتعظيم الله سبحانه فأحمده وأشكره , واستعين به ؛ لكي يسلك بي
صراطه المستقيم , والتحلّي بكلّ تعاليم دينه القويم , حتّى أكون مع
المنعم عليهم نبينا محمّد وآله الكرام , وصحبه النجباء (صلّى الله عليهم
وآله) , لا من المغضوب عليهم ولا الضالين ؛
وذلك لكون تراب كربلاء ـ كما عرفتم ـ قد خالطه بكلّ ذرّة من ذراته صفاء
وإخلاص ووفاء لله ودينه , والذي سقاه إيّاه أبو عبد الله الحسين (عليه
السّلام)
حتّى روى وأروى , وفي ذلك اليوم العظيم في الدين , والعزيز على قلوب المؤمنين
عاشوراء كربلاء .
ذلك اليوم المشهود الذي ثار به الحسين (عليه السّلام)
من أجل تعريف دين الله الحقّ , وإصلاح ما فسد من تعاليم جدّه رسول الله
, حتّى جعل (روحي له الفداء) تراب كربلاء رمزاً مذكّراً بهدى الله
بتطبيق علمي وعملي , بل صار برهاناً واقعيّاً معروفاً لمحل هدى الله ,
ودليلاً محكماً على ضرورة التحلّي بمعارف الله , بل والتجلّي بها
والإشراق , فيجعلنا مطالبين وداعين كلّ الأحرار والطيبين للعلم والعمل
بمعارف لله من أجل الله وأنفسهم ؛ ليعيشوا بكرامة وعزّ وإباء , فيكونوا
مجاهدين بكلّ ما اُوتوا من قوّة من أجل سبيل الحقّ ؛ لإعلاء كلمة الله ,
ورافضين كلّ ما يبعد عن العدل والإنصاف والإحسان , وعن كلّ هدى الرحمان
.
وبما ذكرنا سابقاً عرفتم يا إخوتي الكرام , شيئاً عن تراب كربلاء الذي
أحمله ويحمله كرام المؤمنين الذين تحقّقوا معنى التسبيح به لله ,
والسجود عليه ؛ تعظيماً لله , فحملوه معهم من أجل نعيم أنفسهم , وسعادتهم
الموافقة بحقّ لهدى الله وطاعته ؛ لأنّه ما فقد من الجهد في العبودية
لله والطاعة , وجدّ في هدى الربوبية فيكون الإنسان عبد لله لا لهوى
نفسه , مالك زمامه بما منحه الله من الكرامة والخلافة , فيكون من
الربّانيين المالكين لزمام اُمورهم بالعدل والإحسان , والبعيدين عن
وساوس الشيطان والشهوات , وكلّ ما يوجب لهم وعليهم الطغيان , فلا إفراط
ولا تفريط في الدين , بل هي الشجاعة والعفّة , والعدالة والطريقة
الوسطى من اُمّة وسطى يأمرون بالمعروف ويعملون به , وينهون عن المنكرن
وينتهون عنه , فهذا عين الصلاح الذي سقاه الإمام الحسين (عليه السّلام) تراب كربلاء مع
كلّ إخلاص .
فالأحرار والطيّبون ؛ لأنّهم عرفوا أنّ الدين الحقّ , والهدى الواقعي
النازل من الله قد سقاه الحسين تراب كربلاء , اتّخذوا تربة السجود لله
في الصلاة من تراب كربلاء , وخرز سبحتهم حين ذكر الله من تراب كربلاء ,
فحملوه معهم كمفسّر وعلامة للدين الذي يذكّر بالله , وبالتعاليم التي
يُطاع بها الله بعد أن لم يمكن نقل غيره من الرمز والبيان الذي خصّت
به كربلاء وعانقته بترابها , كما ولا يكون هذا المعنى والحقيقة في نقل
غير تراب كربلاء , ولا له خصوصيات وصفاء وبيان الحقّ من الدين والهدى
وأهله كما خصّ به تراب كربلاء , وبعد أن كاد الباطل أن يغلب المسلمين
في ذلك الحين , وفي أيّ حين بما يفسده أهل الضلال والظالمين والطغاة .
الصفحة (9)
فلمّا عرف الأخيار والأحرار والمؤمنون هذا صار مستحباً مؤكّداً عندهم
التسبيح والسجود على تراب كربلاء , بل حمله حتّى كاد أن يكون لهم
واجباً , بل يرجون أن يحصلوا على ثواب تبليغ دين الله الحقّ حين حمله ؛
لما حلَّ فيه من معنى الإصلاح والمطالبة بالعدل , فتجاهروا بالتسبيح به
حين ذكر الله , بل سجدوا عليه حين السجود لله , ويعتقدون أنّه الموعظة
الحسنة , والبرهان , والوافي الذي به يتمّ تعريف هدى الله الواقعي الصادق
, وأهله الصادقين أئمّة الدين الواقعيين المرضيين عند الله , وبكلّ
دينهم الظاهر بعلمهم وعملهم , وسيرتهم وسلوكهم , والذي لخّصه حمل تراب
كربلاء وأجمل تفصيله , فحمله المؤمنون تربة وسبحة .
بل يرى المؤمنون الخيّرون حين الحمل لتراب كربلاء , والسجود والتسبيح به
لله وذكره أنّه تطبيق لدين الله بصورة مباشرة وغير مباشرة , علمية وعملية
, ومع الإخلاص بدين الله من غير ضلال , وصافي عمّا يبعد عن الله وغضبه
؛ لأنّهم عرفوا كما عرفتم أنّ تراب كربلاء قد سكب عليه هُدى يعرف
بحقّ دين الله وأهله الصادقين , ويبيّن أهل الباطل المدّعين لدين الله ,
وأعداء منهج العزّ والكرامة في كلّ زمان ومكان .
فهذه معاني العزّ والكرامة , والصفاء والوفاء لدين الله وأهله , وجدها
المؤمنون الطيبون والأحرار معجونة بتراب كربلاء الحسين (عليه السّلام)
, فتحقّقوا به ليأملوا أن يكونوا صادقين كالحسين وصحبه (عليهم السّلام) حين التوجّه به
لله , بل يحكون بهذا إخلاصهم لله علناً , وكاشفين عن حقائق دينهم
وإيمانهم المكتوم في وجدوهم سرّاً
,
وإيماناً وهدى منهم بكلّ حقائقه , وبأعلى إخلاص له , مقتدين بإمام هدى
شرى منه الله نفسه , فباعه بأكرم إخلاص وأتمّه , ظاهراً وباطناً ,
وعلماً وعملاً في يوم عاشوراء كربلاء .
وبذلك صار عند المؤمنين والأحرار الساجد والمسبّح بتراب كربلاء والحامل
له , إن كان مخلصاً لله بدين الحسين مع جدّ الحسين وصحبه , يكون مع
الصدّيقين والصالحين وحسن اُولئك رفيقاً في الدنيا والآخرة , وله ثوابهم
في رضا الله في محلّ الكرامة والمزيد ممّا لديه في جنّة الخلد , وبما
لا عين رأت , ولا أذن سمعت .
فهذا تراب كربلاء أصبح رمزاً وبياناً لحقائق تعرف دين الله وأهله , حين
التسبيح به لله وذكر الله , والسجود عليه شكراً وحمداً , وصلاةً ودعاء
لله وحده لا شريك له .
الصفحة (10)
البحث الثالث :
إنذار الطغاة بحقائق تراب كربلاء ، وعتاب لمَنْ هجر معارفه
ثمّ يا أخي الكريم ، بعد ما عرفت حقائقاً ناصعة البيان
، وكثيرة البرهان عن حقيقة السجود لله وذكره بسبحة ترابها من كربلاء ،
لا أعتقد يفوتك تبكيت مَنْ أورد أمراً يشكل به على المؤمنين لسجودهم
على تراب كربلاء ، وعلى تسبيحهم وذكرهم لله كثيراً بسبحة خرز ترابها من
تراب كربلاء ؛ فإنّه حتماً تجيبه بما عرفت , وتضيف معارف أخرى فتقول كما
أقول : ليذهب إلى الجحيم الأبدي مَنْ يرفض مبادئ العزّ والكرامة ، والشرف
والإباء ، والإخلاص والهدى ، والعدل والإصلاح ، ويشكل على كلّ ما يُذكر
بها .
وبالخصوص مَنْ يشكل على مَنْ يحمل تراب كربلاء الذي
شهد يوم الوفاء لله , والإخلاص لدين الله وهداه السارية بروحه في ترابها
، والذي استخدمه الأباة والأحرار والمؤمنون تربة للصلاة ، أو سبحة
لتقديس الله , ودعوة لمعرفة أهل دين الله الصادقين المصطفين الأخيار
الأبرار .
ولذا يحقّ لي أن أقول بواضح البيان : مَنْ يشكل ولا يرضى بالمكنون الذي
حواه تراب كربلاء كان كمَنْ قد حُرِمَ من معارف الله الحقّة ؛ لأنّه
خالط فكره هوى أئمّة الضلال ، وطغاة الباطل قتلة الحسين وآله على طول
التأريخ في الفكر والعقيدة والدين ، وحقائق روح الهدى الحقّ الذي عرفه
آل الصراط المستقيم والنبأ العظيم ، وإن تظاهروا ببعض أعمالهم المخلوطة
بفكرهم ورأيهم واستحسانهم ؛ فإنّهم حرموا معارفاً عرفها الحسين وآله ،
فخسروا رحمة جدّ الحسين نبي الرحمة وربّه الرحمان الذي خصّهم بدينه
القيّم ، فعاداهم كما عادوهم أيام الهجران لأئمّة الحقّ والهدى في أيام
كان ما كان ، وحاربهم كما حاربوهم في سالف الزمان ، بل بيده وبقلمه
وبحاسبه وفكره وكلامه الآن .
ولذا مَنْ لم يعرف الحسين وآله ، ولا هداهم ومعارفهم بحقّ المعرفة ،
وكيف جاهدوا وجدّوا وتفانوا في كلّ مواقفهم من أجل دين الله ، وتعريفه
بحقائقه على طول التأريخ ، لا يحبّ تعريفه وبيانه ، بل ولا تطبيقه كما
طبّقه الحسين وآله (عليهم السّلام) بكل أبعاده وأهدافه ، وبكلّ تعاليم
هداه الذي فيها تمام رضا الله ، وبكلّ ما
الصفحة (11)
فيه من طلب العدل والصلاح ، ورفض المنكر والطغيان ،
والنهي لمَنْ يخرج عن تعاليم ربّنا الرحمان ؛ فلذا لم يحبّ ما أحبّوا
فأشكل على مَنْ يسبّح لله بتراب كربلاء ، ويسخر ممّنْ يقدّس الله بسبحة
تراب خرزها عجن بحقائق هدى الحسين ، ومنهجه الذي عانق ذرات تراب كربلاء
، فخالطه بإخلاص وتضحية وفداء ، فكان كمَنْ سخر فيما مضى من منهج
الحسين وهداه حتّى ظنّوا قتلوه في سالف الزمان ، لكنّه هيهات أبى الله
أن يتمّ نوره .
فهذا صرح شامخ يعلّم الهدى والإباء ، وقد خالط بحقّ
دينه ومنهجه تراب كربلاء ، فصار شاهداً ليوم العدل والإصلاح ، وكلّ ما
يوصل لرضا الله تعالى بإخلاص ؛ فلذا زاره المؤمنون وتعبّدوا لله بتربته
حتّى عليها سجدوا تعظيماً لله ، وفي هُداه المسكوب فيها في يوم عاشوراء
كربلاء ، فسبّحوا الله بسبحة خرز ترابها من كربلاء .
فلمّا جهل ذلك أعداء الحسين ، ومَنْ لم يعرف هُداه وتضحيته بإخلاص في
سبيل دين الله ، حُرموا أهداف فداء الحسين من أجل طاعة الله ، ولم
يعرفوا تعاليمه بحقيقة علمية وعملية توصل لرضا الله ، ولا غاية إيثاره
من أجل تطبيق طاعة الله بما يحبّ ويرضى ، ومن غير مداهنة ولا تسويف .
ولمّا جهلوا معنى التسبيح بتراب كربلاء والسجود عليه خسروا كلّ هذه
المعاني ، فلم يعانقوها بأرواحهم , ولا في دينهم , ولا في أهدافهم ، فدخل
في فكرهم من مبادئ وأهداف حزب الشيطان شيء وأشياء في الخفاء ، وبان
الضلال بتصرّفهم المعاند لآل رسول الله في أمور بالجلاء ، واتّضح
الباطل بصريح مخالفتهم للحسين علناً .
وبقي الأحرار والطيّبون وكلّ المؤمنين الذين يبحثون عن الحقّ والهدى ،
ويجدّون بتطبيق تعاليم الله الصادقة بكلّ حال ، وبكلّ ظرف مهما كان ،
فطلبوا معارف الدين الحقّة من غير ضلال ، والخالصة من الشرك والنفاق ،
والصافية عن كلّ باطل روّج له أئمّة الكفر والنفاق ، والشرك والجور
والطغيان ، فوجدوا ، بل أقاموا بجدّ وصدق تقديس الله وذكره بالسجود
والتسبيح بتربة كربلاء ؛
ولهذا كان وما زال مَنْ يمنع ويحرّم السجود على تراب كربلاء لم يعرف
حقائقه ومعانيه .
فنحن السالكون سبيل نبي الرحمة وآله الكرام الذين بان هضم منهجهم
بأوضح يوم وحالة في كربلاء الحسين ، فأبى إلاّ علوّاً وشموخاً ،
وبياناً ورفضاً للظلم والعدوان ، وكلّ ما يأتي به غير الزمان , لم نسجد للتربة الحسينيّة المأخوذة من كربلاء في الصلاة
، بل نسجد عليها لنعبد الله ونطلب رضاه ، وكم فرق بين السجود على شي والسجود له .
نعم ، نسجد على تراب كربلاء لنعبد الله ، لا نسجد
للتربة التي ترابها من تراب كربلاء ، فيكون صنماً بما هو ، كما يفعل
الكفّار والوثنية ، ونقول لم يشكل تدبر هذا .
وأفهم معناه ، وأعرف الفرق بين الأمرين تجد
الصفحة (12)
وجه الإشكال عند مَنْ يشكل ،
وما خلط فيه ، وحلّه ومعناه الحقّ عند أهل الهدى والإخلاص ؛
فإنّ مَنْ يسجد على سجّادة ، أو على الحصير ، أو على الفراش ، أو على
الأرض عند الصلاة لم يسجد لها ، ولم يعبدها , ولم يجعلها صنماً ؛ فإنّ
مَنْ يسجد لله بأمر الله على الأرض ، وعلى سجّادة وحصير ، لم يسجد لها
بما هي أرض وحصير وسجّادة ، ولا عبدها , ولا اتّخذها صنماً أو وثناً ،
بل هي محلّ للسجود يسجد عليه لله بأمر الله ، فما أحلى إن خالط محلّ
السجود خلاصة الإيمان ، والإخلاص والطاعة والفداء من أجل الله كما عليه
تراب تربة كربلاء !
ثمّ هل رأيت أو سمعت بعابد صنم يسجد عليه
؟! أم إنّه لا بدّ لمَنْ يريد أن
يعبد شيئاً أن يضعه أمامه ، ويسجد له لا عليه ؟!
وإنّ السجود على تربة كربلاء والتي خالطها الفداء من أجل الله ، أبعد
في الشبه عن السجود للكعبة التي يتوجّه إليها المؤمنون ويضعوها أمامهم
, والسجود على تربة كربلاء أبعد عن سجود الملائكة لآدم (عليه السّلام)
في الشبهة ؛ لأنّه (عليه السّلام) كان أمام الملائكة ولم يسجدوا عليه
كما يسجد على الحصير والأرض مَنْ يصلّي ويعبد الله ، ولكن لكون السجود
بأمر الله ، ومن أجل الله ، ولله وحده وبإخلاص جاز ، فصار مستحباً ، بل
واجباً ، وحلّ وطاب وقُبل .
فتكرم بالرضا من الله مَنْ قبل عمله وإيمانه
، فكان عملاً صالحاً , وذكراً لله تعالى وحده لا شريك له ، وخسر الشيطان
ومَنْ تبعه لعصيان أمر الله .
ثمّ ثانياً : نحن نشترط كما شرط الله في تعاليم الصلاة بأن يكون محلّ
السجود على أجزاء الأرض الأصلية من حجر أو مدر أو ترابه ، وإن فُقِدَ
فعلى نبات الأرض من غير المأكول والملبوس ؛ لكي لا تشتهيه النفس التي
تفرّ إلى الله تعالى في الصلاة من زينة الدنيا وزخارفها .
وقد قال نبي الله (صلّى الله عليه وآله) : ((
جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )) , وهذا الحديث يرويه صحيح
البخاري ، وسنن البيهقي في باب التيمم كما نرويه في كتبنا ، وهم
يقولون : يستحب السجود على الأرض , وتعفير الوجه بترابها ، فما أحلى التراب
إذا كان قد خالطه الإيمان والإخلاص لله ، وطولب عليه بالعدل والصلاح
والهدى من أجل الله ، فصار كلّه تضحية وإيثاراً وفداء لدين الله ،
وتبليغاً وتعريفاً للحقّ من هدى الله ، فكان حقيقة محل تعاليم الله ،
ومثوى الفداء من أهل دينه القيّم الطيبين الطاهرين .
ثمّ بعض مَنْ يخالف السجود على تراب كربلاء ولم يفهم حقائق معناه ، لهم
ترتيب آخر عند الوقوف للصلاة ، فهم يكفرون بالتكتيف ، أي بوضع اليد
اليمنى على اليسرى ، بثلاث أنواع :
الشافعي : رأيه أن توضع اليدين أحدهم على الأخرى فوق السرّة .
والحنفي
: يتكتّف بوضع اليدين أحدهم على الأخرى تحت السرّة ، وفي رواية عن مالك
الصفحة (13)
يسبل مثلنا ، وفي كلّ هذا غرضهم يقولون : إنّ هذه
الحالة لاحترام الله ومن أجل الله ، ولم يُسن بالتشريع من قبل في زمن
النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) .
فإن كان هذا من أجل الله ، فأي احترام أفضل من وضع
الجبهة على الأرض ، وتعفير الوجه بالتراب الذي هو بأمر الله ، وعلى
تراب تمّ وحسن فيه الإخلاص لله ، فحوى كلّ معاني هدى الدين ، ومع هذا
متذكّرين قوله تعالى :
(مِنْهَا
خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً
أُخْرَى)(1) .
فإنّ سجودنا على تراب كربلاء هو تراب تلك الأرض التي ترابها خالطه هدى
الله حتّى اليقين ، وسكب عليها تعاليمه من الصدّيقين ، وسُقي بالإخلاص
والتضحية والفداء ، وبأحسن معنى يعرّفنا محلّ هدى الله ، ودينه القيّم
, وأهل الصراط المستقيم ، المنعم عليهم باختيار الله واصطفائه ، والذين
أوجب المودّة والموالاة لهم فجعلهم أئمّة هدى وحقّ ، وكلّ هذا بأمر
الله ؛
فإنّه إن كان كما يقول كلّ المسلمين يستحبّ السجود على الأرض ، فأيّ
أرض أفضل وأحبّ للمسلم من أرض كربلاء التي تقدّست بدم سيّد شباب أهل
الجنّة أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، ومعه أهل بيته الطيبون
الطاهرون وأصحابه المخلصون .
تلك الجماعة المباركة التي ثارت من أجل تعريف دين الله
، وفازت بالشهادة من أجل تعليم هُدى الله ، فقدّمت أرواحها وكلّ ما
تملك من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومطالبة بالإصلاح ،
ورافضة للظلم والطغيان , والجور والعدوان , فإنّها كانت نخبة طاهرة وليس على وجه الأرض شبيه بها ،
ولم نسمع بمثلها في إخلاصها من أجل تعريف دين الله وحتّى الموت ؛
فإنّها من أجل الله قدّمت للدين الحنيف أنفسها ومالها وأهلها
حتى سقوا بكلّ إيمان ، وبأظهر إخلاص لله تراب كربلاء .
فاتّخذ المؤمنون
الذين آمنوا بمنهج الحسين وصحبه تربة لتعظيم الله من ذلك التراب الطاهر
، تراب كربلاء ، وسبحة يُذكر بها الله ؛ لأنّه تراب أبيّ
محلّه صار في كربلاء ؛ فإنّه تراب ثوى فيه الحسين وآله , آل النبي الكرام
وصحبهم النجباء ، فيقتدون بهم فيرفضون كلّ ضيم وهضم وظلم ، في كلّ حين
وزمان ، فزاروهم في كربلاء , وحملوا معهم تراب كربلاء ، فكانوا منهم
ومعهم في كلّ شيء دنياً وآخرة ، ومنهجاً وديناً ونعيماً ، ويخافهم
الطغاة والظالمون حين ثورتهم بعد بيانهم ووعظهم في كلّ حين ، بتربة
وسبحة من تراب الوفاء والعدل والهدى ، تراب كربلاء .
ــــــــ
(1) سورة طه / 55 .
الصفحة (14)
البحث الرابع :
قسماً بالمقدّسات ، كربلاء مقدّسة قدّسها الحسين (عليه السّلام)
أقسم بالله وحده لا شريك له ، وبالقرآن العظيم ، وبوليّه
الحسين ودمائه الطاهرة ، وبمواقفه المشرّفة ، وبجدّ الحسين وأبيه
, وإخوته وبنيه ، لولا ما قدّم الحسين (عليه السّلام) من الضحايا الثمينة
والقرابين المقدّسة في كربلاء ؛ لإحياء دين الله تعالى ، والذي بلّغه
جدّه محمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، حتّى ضحّى بنفسه الطاهرة ،
وقدّم أهل بيته للسبي والأسر ، وأصحابه وأولاده وإخوته للقتل ، لما
بقي للدين الإسلامي عمود ، ولما اخضرّ له عود ، ولما عُرِفَ له اسم ولا
رسم ، ولمُحي كلّ أثر له على يد ماجن بني أميّة وسكّيرها ، المتجاهر
بالفجور ، والمتظاهر بالفسق ، بل المروّج للكفر والإلحاد بكلّ تصرّف له
، فتجاوز علم وعمل المنافقين المتظاهرين بالدين من غير حقائقه ، فإذا
كان ربّ البيت بالدف ناقراً ، كان شيمة أهل البيت الصفق والرقص .
فكيف بملعّب القرود , السكران
, الزاني بمحارمه ، وما كان
يروّج له من أعمال وعلوم تطمس معالم الدين ، وتصرف الناس عن هدى ربّ
العالمين ؟!
ولكن هيهات ، قد أعدّ الله ورسوله هدى ومبدأً ، بل هدفاً وغاية ، هو
الإخلاص لله (عزّ قدسه) بتعاليمه حتّى الشهادة والموت في سبيله ، فتتقدّس
النفس الأبية عن الشين وما يهين في الدين ، ومن غير إجبار للناس على
الطاعة ، بل قد تبيّن الرشد من الغي ، فكان المعدّ بأجمل بيان ، وأشرف
شرح ، وبأعلى علم وعمل ظهر من الحسين (عليه السّلام) في عاشوراء كربلاء ، فكان أنور من
الشمس حين تمخض .
وتلخص بالحسين (عليه السّلام) ثائراً مجاهداً ، وصابراً محتسباً ،
ومقدّماً نفسه وأهله ، وكلّ ما يملك من أجل الله ودينه ، فثوى شهيد
التقديس للدين على تراب كربلاء فقدّسه .
وبهذا الإقدام والبطولة ، والصمود والإيثار والتعليم شرح الحسين (عليه
السّلام) محلّ
الدين وتعاليمه ببيانه المكرّم المقدّس في كربلاء ، فجعل بصفاء نوره
وخلوصه في طاعة الله يُعرف الحقّ ، وكلّ ما حلّ بالإسلام وأهله في أهم
دور من تأريخه حين التدّبر بما حلّ بالحسين (عليه السّلام) في كربلاء ، فيعرف الحرّ
وكل أبيّ كيف حرفوا الناس
الصفحة (15)
عن الهدى الواقعي للدين ، وكيف هُجرت تعاليم ربّ
العالمين ، حتّى يُقتل ابن بنت نبي المسلمين ولو كان يطلب الإصلاح
والعدل ، والهدى والفلاح في أمّة جدّه ، وشيعة أبيه وكلّ المسلمين ،
فيرفضون مخدوعين مجبورين ، بل قسم منهم معاندون طاغون ، حتّى أذاقوه
كأس الله الأوفى لمقامه الأرقى ، مقام الشهادة والإيثار والفداء للحسين
وصحبه ، فثوى المقدّس سيّد شباب أهل الجنة في كربلاء شهيداً ، فقُدّس
ترابها حتّى صارت كربلاء المقدّسة .
فأخذ من ترابها الأحرار ، والمؤمنون والثوار يقدّسون الله تعالى
ويكبّرونه ، ويحمدونه ويسبّحونه وحده لا شريك له بتربة وسبحة منه ؛
لأنّ كربلاء تقدّست بالمقدّس الحسين الذي وهب ترابها التقديس لمَنْ
يطلب التقديس لربّ العالمين , وذكره وحمده ، كإخلاص الحسين المقدّس من
كلّ ما يشين ويذلّ ويهن ، فتسمّى أبيّاً شهماً غيرواً ، وبطلاً مغواراً
مقداماً من المؤمنين .
وهذا التقديس للدين من علم وعمل أهل الضلال الذي سقاه الحسين كربلاء ،
فصارت مقدّسة بخالص الهدى ، وتسقيه للمقدّسين لربّ العالمين ، كان كما
قدّس أبيه الأكرم علي بن أبي طالب (عليه السّلام) النجف فصار النجف الأشرف ، وكما قدّس
جدّه (صلّى الله عليه وآله) نبي الرحمة , السراج المنير , المدينةَ فصارت المدينة المنوّرة ، بل
كما بنى وقدّس أبوهم إبراهيم وابنه إسماعيل (عليهما السّلام) مكّة فجعلها الله
رمزاً لعبادته ، وصارت بالعلامة والجهة بيت الله فصارت مكّة المكرّمة .
وهكذا كان المسجد الأقصى حين بنى على الصخرة المباركة
إبراهيم وبنوه من إسحاق وابنه يعقوب وبنوه الكرام فصارت بيت المقدس .
فهذه بيوت العبادة لله ، وشيء من مكارم قدسها ، وآثار الدين الحقّ ،
وبيان لهداه وأهله تمّت لمَنْ حلّ بها نوراً وهدى ، وبتقديم القرابين
وآثار الجهاد والصبر للمقدّسين فيها وبها .
ولكن كربلاء قربانها الصابر والصامد بها سيّد الشهداء ،
وسيّد شباب أهل الجنّة ، المقدّس ابن كلّ المقدّسين , الذي ورث قدسهم ،
فكان وارث النبيّين كما يُزار في زيارة وارث ، ومَنْ تبعه وسار على نهج
قدسه كان معه يحفّ بجدّه الكريم وآله الطيّبين الطاهرين من النبيّين
وصحبه المنتجبين ، في المقام المحمود على موائد النور الإلهية ، تحت
لواء الحمد في حضرة القدس مع كلّ المقدّسين الذين عرفوا حقائق
التقديس في الدين فطبّقوها في الدنيا , فكانوا في الآخرة مقدّسين .
نعم كربلاء المقدّسة ، هكذا يعرفها المؤمنون ويرفقون بها التقديس بحقّ
علماً ودراية ، ولا يلفظون كربلاء إلاّ بصفتها المقدّسة ، بل حقيقتها
تقدّست بالمبادئ الحقّة ، فيقولون : كربلاء المقدّسة .
والتي سقى الحسين
(عليه السّلام) ترابها في يومه المشهود ، والشاهد يوم عاشوراء كربلاء ، شهده المؤمنون
بالوصف والذكر في كلّ مكان وزمان ، فكان بياناً للحقّ والهدى ، وتعريفاً
لأهل الدين المقدّسين ، الحسين وآله وصحبه الذين كانوا معه ، أو الذين
لحقوا به فصاروا معه مقدّسين ولو بعد حين ، بل صار موقف الحسين (عليه
السّلام) المقدّس
في يوم التقديس للدين على تراب كربلاء شرحاً مجملاً لمَنْ اكتفى ،
ومفصّلاً لمَنْ أراد التفصيل لمنهجه ودينه ، فيراه في كلّ
الصفحة (16)
مجلس وزمان ومكان علماً وعملاً بتراب كربلاء الذي
قدّسه الحسين (عليه السّلام) فضلاً عن ذكر يومه عاشوراء .
فلذكر ذلك اليوم الذي قدّسه الحسين (عليه السّلام) ، وللتراب الذي حوى قدسه ، حمل
المقدّسون من تراب كربلاء المقدّس الذي شهد يوم التقديس للدين ، بل حلّ
فيه ذلك التقديس ، فحملوا من ذلك التراب المقدّس الذي قدّسه الحسين
(عليه السّلام) ،
فكانوا بحقّ يحبّون التقديس ؛ فصدقوا بنيّتهم باتّباع منهج الحسين
(عليه السّلام) وحبّ
السير على هُداه ، وكلّ ذكر يذكر به وذكرى تعرفه ، فتقدّسوا مثله بدينه
ومنهجه ، فكانوا مع المقدّسين في كلّ حين في الدنيا والآخرة .
فهذا حال مَنْ عرف المقدّسين الحقيقيِّين فرضي بمنهجهم ديناً ، وطبّق
قدسه بروحه وعلمه وعمله فخلص من كلّ ما يشين في الدين ، فضلاً عن حبّ
أعمال الطغاة والظالمين ، فكان مع مَنْ قدّسوا الله بالمنهج الحقّ
للتقديس ، وبكلّ ما يوصل له حتّى بحمل تربته التقديس قد سقاها مقدّس في
يوم التقديس ، فقدّس الله بها بذكر ودين خالي وخالص من كلّ ما يذلّ
ويشين ، وقد رفض كلّ عمل للظالمين .
فبهذا المعنى حمل أهل التقديس تراب كربلاء فقدّسوا به
الله ، وتقدّسوا والتحقوا بالمقدّسين .
كما ويبيّن ذلك اليوم والتراب المشهود لكربلاء ، المحمول بيد المؤمنين
، فيشهد على الظلم والعدوان ، والطغيان والانحراف عن الدين ، والتجاوز
على هُدى ربّ العالمين في أعداء الحسين ومنهجه ، في كلّ مكان وزمان
كانوا وحلّوا ، معاندين له رافضين لهُداه ودينه ؛ فإنّه مشهود عندهم
بكلّ مَنْ ذكر تأريخ الدين ، وذكر به ذكر الحسين وما حلّ به ، بل لمّا
لم يحمل تراب التقديس ولا حبّوا تعريفه كتربة وسبحة ، صار عليهم شاهداً
، وقد جعل الله الأرض واليد والرجل حين الختم على الأفواه تشهد ،
وتُعرّف الإخلاص لربّ العالمين وعدمه ، ومنهجه وهُداه , ودينه حقّ أم
باطل ، وسواء كان علماً أو عملاً .
فتعساً لمَنْ يرفض العدل والإصلاح الذي سقاه الحسين
(عليه السّلام) تراب كربلاء فقدّسه ، ويقبل عمل الطغاة بعلمهم
وبأعمالهم ، والتي سيرونها حسرات عليهم يوم
(لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ
* إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)
.
نعم يا كرام ، أخذ المؤمنون والأحرار يقدّسون الله بتراب كربلاء
المقدّسة في السجود عليه ، والتسبيح والذكر به لله وحده ، بل حين الحمل
له ؛ لأنّه تراب مقدّس قد قدّسه الحسين (عليه السّلام) بهُداه الذي رواه إيّاها في
عاشوراء ، طالبين بذلك الحمل والتسبيح والسجود لله ، والإخلاص والثبات
على الهُدى والدين ، ومعرفة تعاليم ربّ العالمين من المقدّسين ،
فتخلّصت تربة كربلاء للعارف بها بحقّ من فكر المبطلين والظالمين
والطغاة .
فحقّ لهم حينئذ أن يقدّسوا الله ويذكروه تسبيحاً وذكراً
بتراب كربلاء المقدّسة ، بل ويسجدوا له (عزّ قدسه) على تراب كربلاء ،
معبّرين حين السجود له والذكر بالتسبيح له عن إخلاصهم بكلّ ما أمر به
من دينه ؛ لأنّهم مقتدون بأئمّة الحقّ والهدى ، وعن بصيرة بدين
المقدّسين .
فهذا تراب كربلاء الذي قدّسه الإمام الحسين
(عليه السّلام) شاهد لهم
في أيديهم ، يطلبون به التقديس لله (عزّ قدسه) ؛ لأنّه
الصفحة (17)
تقدّس بإخلاص في سبيله ، وبكلّ صفاء في تطبيق هُداه ،
وبأعلى صوره وأوضحها وأجلاها ، وبالمقدّس أبي عبد الله الحسين (عليه
السّلام) وارث
كلّ المقدّسين ، وهُداه الذي بذله في الله على ترابها فصارت كربلاء
المقدّسة .
ولذا ترى يا طيّب تراب كربلاء المقدّس سبحة وتربة بيد مَنْ يطلب
التقديس لنفسه ، فيقدّس الله (عزّ قدسه) فينال من قدّسه مقام القدس ،
ومحلّ الكرامة في الدنيا والآخرة .
فلا هوان ولا ذلّ له إن كان طالب معناه وهُداه بحقّ ،
فيكون بمحل العلم والعمل بمقام ، هيهات منه الذلّة , أبى الله له ذلك
ورسوله , وحجور طابت واُنوف أبيّه ، كما قال المقدّس أبو عبد الله الحسين
على تراب كربلاء فقدّسه ، وتقدّس به المقدّسون الذين هم لربّهم يقدّسون
.
فهذا الحسين المقدّس ابن المقدّسين الذين قدّسهم الله ، وتقدّس بهم كلّ
مَنْ قدّس الله بهُداه ومخلص له بدينه ، وبهذا أبى الله تعالى إلاّ
أن يتمّ نور دينه ، وكلّ تعاليمه بأروع فداء علمي وعملي ولو كره
الكافرون والمشركون والمنافقون ، فيبقى مثوى الحسين (عليه السّلام) وتراب يحيطه في
كربلاء المقدّسة رمزاً وبياناً ، وشرحاً وبرهاناً لحقائق هُدى الله
المقدّس ، فلا يحرفه ولا يغيّره كلّ جناة العالم وفسقت الوجود ، فضلاً
عن عتل بني اُميّة ، وزنيم آل زياد ، ومَنْ تبعهم في كلّ زمان ومكان ،
ولو لم يتسمّوا باسمهم ولا يعرفونهم ، ولكن لهم سيرة الطغاة والظلمة ،
وأهل الجور والعدوان ، والفسق والفجور .
فإنّه بحقّ أُقسم بكلّ المقدّسات إنّه لولا حسين الفداء والتضحية ،
الذي آثر دينه بنفسه وبصحبه الأوفياء في موقفهم المشرف على تراب كربلاء
، فقدّسه من كلّ ما يشين ويحرف الدين ، لسرى مكر بني اُميّة وخداعهم
وظلمهم ، وطغيانهم وفسقهم وفجورهم ، حتّى كادوا أن يطمسوا به معالم
الدين ويمحوا قِيمه ، وتعاليمه وآثاره , وباسم الدين ؛ لأنّه فعلهم
وعملهم ، وتعليمهم المخالف للحسين وجدّه وأبيه وأخيه (صلوات الله
عليهم) من قبل ، صار بأمر
حاكم المسلمين , الغاصب لخلافة المؤمنين ، والمتسمّي بأمير لهم ، حتّى فعلوا مَنْ أغواهم الشيطان ، وساروا على نهجهم فتبعوهم
, والناس على
دين ملوكهم ، ولا من رادع يمنعهم ، ولا وازع يدعو لإصلاح ما أفسدوه ،
ولكانت أفكار الطغاة تسير عليها الأمّة كلّها ، ولصار المنكر معروفاً
والمعروف منكراً .
ولكن هيهات ، أبى
(اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)
, أين ما كانوا ، وبأيّ اسم تسمّوا ؛ لأنّه قدّس دينه بالمقدّسين ، وبالخصوص بما عرفه في حينه الحسين
(عليه السّلام) ، فقدّسه من كلّ ذلّ وفكر وظلم يهين
تعاليم الدين ويحرّفها .
فحقّاً أقول ، وأُقسم بربّ العزّة والكمال ، والهدى المتعال ، وبكلّ
حَسن ورحمة وجمال : فإنّه تعالى وتقدّس ، كيفما قرّر أن يوصل لنا هُداه
ومعارف دينه ، وبأيّ اُسلوب أحبّ فهو عدل وحسن وهُدى ، حقّ يجب تطبيقه
بكلّ ما عَلَم وهدى ، وما أجمله حين جعله ببيان حقيقة الإخلاص والصفاء
الذي سجّله الإمام الحسين (عليه السّلام) بمواقفه ودمائه الطاهرة ،
وإخلاصه المتفاني من أجل دين الله ، حتّى كادت ، بل صارت نهضته المباركة
تيقظ المسلمين في كلّ زمان ومكان ، وتمنحهم
الصفحة (18)
الصبر والشجاعة ، والقوّة والصمود ؛ لمقاومة كلّ الجناة
والطغاة في أيّ زمان ومكان كانوا ، بني اُميّة أو غيرهم ، ومَنْ صار على
شاكلتهم في فكرهم وظلمهم .
فهذا فداء الحسين (عليه
السّلام) قدّس الدين وخلصه من كلّ مَنْ يحاول
محو أهداف هُدى ربّ العالمين ، ويفكّر بطمس قيمه وتعاليمه وآثاره الآن
، أو ممّن كان في سالف الزمان ، ممّن أمر بالمنع من ممارسة شعائره
وتدوين آثاره , وبالخصوص سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وتحريم روايته , وتعريفه لمَنْ
يدخل في الإسلام ، والذي فتحوا بلاده بإذن الله ، وبحجّة (يكفينا كتاب
الله عن حديث رسول الله) ، وكأنّ كتاب الله عرّف كلّ حدود الصلاة والصوم
والزكاة ، ولا يحتاج لبيان تطبيق العدل والإصلاح الذي سلكه رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) في اُمّته ، ولم يحتج للحقّ من تفسير رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) وشرحه وبيانه ، وكلّ
تعاليمه وأقواله وسننه وخُلقه العظيم ، وكلّ تصرّف له من سيرته وسلوكه
.
ولكنّهم اكتفوا ببدع يقيمون عليها حسب رأيهم واجتهادهم
، وقياسهم واستحسانهم , وهجروا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، بل حتّى حكموا وسلّطوا
ابن آكلة الأكباد ، وأعدى أعداء الإسلام , وأشدّهم على المسلمين ، فاستغلّهم
وتأمّر عليهم بكلّ خداع ومكر وحيلة ؛ فعرّف فكره وما يراه دين ، ولسرى
هذا في كلّ المسلمين ، لولا الحسين وآله (عليهم السّلام) في يومه
المشهود المقدّس ، الذي قدّس به الدين من حيل وأباطيل وضلال المنحرفين
والطامعين والظلمة ، وما حملوه على المسلمين ، فعرف مَنْ يحبّ التقدّيس
بحقّ هُدى المقدّسين عند الحسين فقدّس به ربّ العالمين .
ولهذا قسمت واُقسم بالله ودينه الحقّ ، وبروح كلّ الطيبين المصطفين
الأخيار ، لولا الدماء التي سكبها الحسين (عليه السّلام) في مواقفه المقدّسة ، ولولا
إخلاصه في تعريف دين الله الحقّ وأهله ، وما أقدم عليه في التصدّي
ببيانه وخطبه ، وكلّ مواقفه من شرح حدود الحقّ ، والدعوة للإصلاح في
دين الله والعدل والإنصاف فيه حتّى الجهاد بأهله وبكلّ ما يملك ، لما
قام أحد كما قام به من التضحية والإيثار في منع كلّ أنواع الخلاعة
والمجون ، والاستهتار والفسق والفجور ، والظلم والعدوان والطغيان ،
والكفر والإلحاد والنفاق الذي كان يمارسه حكّام بني اُميّة ومَنْ تبعهم
، وبالخصوص كان الناس في أوّل الدين الإسلامي ولا يعرفون عنه شيئاً إلاّ ما عرّفه الحكّام ومَنْ وعظ لهم ؛ فإنّه كان مَنْ يدخل في الإسلام
في أوّل عهده لا يعرف الدين إلاّ منهم .
فأقسم صادقاً لولا إقدام الإمام الحسين (عليه السّلام) وتضحيته في كربلاء ، وبما أشرق
بتلك المواقف الكريمة من نور الوعظ والإرشاد ، وبيان الحقّ وأهله ،
والضلال وأهله ، لما عرفت لتعاليم الإسلام من معلم حقّ صادق ، ولطُمست
وغُيّرت أغلب تعاليمه كما غُيّرت وحرّفت الأديان السابقة ، ولكن لله في
خلقه شؤون ، وبيان حقّ لتعريف إخلاص أوليائه ، وفي تعريف هُداه ودينه
بالمخلصين في تعليمه وتطبيقه ، فاختار له بعد فترة من الغفوة في الاُمّة
؛ ليختبرها ويغربلها ، وليستبين الصادقون من المنافقين فيمَنْ يدّعي أنّه من أهل الدين ، فقدّم ربّ العزّة والكمال
, واهب التقدّيس , للنفوس
الإمام الحسين (عليه السّلام) , المقدّس ابن المقدّسين ؛ لإيقاظ الاُمّة ،
وتقديس مَنْ يتبعه منها ، وبه بعث الهمم في رجالها على طول التاريخ ؛
لمقاومة الظلم والعدوان والطغيان , وكلّ أنواع الانحراف ؛ فإنّه كان
الحسين (عليه السّلام) في تقديسه
الصفحة (19)
للدين يرافق تحرّكه وثورته علم وعمل عظيم ، يجعل النفس
الضعيفة الخانعة كبيرة أبية هاربة من حياة الذلّ ، ومجاهدة كريمة
مطالبة بالعدل والإصلاح وتطبيق كلّ هُدى الله ؛ فإنّه (عليه السّلام)
بإقدامه علّمنا كيف يتربّى العقل السليم فيعرف مناخ الضعة والمجون
فيجتنبه ، وكيف يلقّن المؤمن نفسه دروس الإباء والشهامة والصمود فيحيا
ويموت عليها .
وبهذا الدين المقدّس ، دين الحسين (عليه السّلام) , المقدّس ابن المقدّسين
, يُعرف الحقّ
وأهله ، وكيف يسير المؤمن في هُداه فيتقدّس . وكان تراب كربلاء
المقدّسة الذي قدّسه الحسين (عليه السّلام) حين حلّ فيه فحمله المؤمنون بنيّة التقدّيس
، شاهداً لهم وعليهم حين يلزموه بيدهم سبحة فيقدّسون الله كتقديس
المقدّسين ، أو يسجدوا عليه في صلاتهم تعظيماً وتقديساً ، وحمداً لله
واستعانة به ؛ ليهديهم الصراط المستقيم ، والذي خصّه بالمنعم عليهم
الذين طهّرهم بآية التطهير والإمامة والولاية فقدّسهم ، فيتقدّس مثلهم
حين قبول مبادئ قدسهم ويتحقّق بها ، ولا يكون ضالاً ولا مغضوباً عليه
كما يكون عليه كلّ مَنْ يرفض التقديس ولو بظاهره ، فيرفض تراب كربلاء
المقدّسة جملة وتفصيلاً ، معنى وهُدى ، فضلاً عن الحمل بالفكر
والعقيدة والدين ، وما حلّ به من مبادئ التقديس .
فهنيئاً لمَنْ قدّس الله بمبادئ المقدّسين ، وبكلّ ما يعرفه من آثارهم
وهداهم ، ولو بحمل تربة وسبحة من تراب حلّ به المقدّس ابن المقدّسين
الحسين في كربلاء المقدّسة ، فقدّس نفسه من كلّ ما يشين ، بل بترابها
يقدّس الله فيكون من المقدّسين ومعهم في محلّ القدس عند ربّ العالمين .
الصفحة (20)
البحث الخامس : ثوى
مقدّس في كربلاء فقدّسها ، وصار فيها رمزاً للحرية والكرامة مخلداً
يا أخي الكريم ، تدبّر في تقدير
اُمم العالم لإكرام قومهم ؛ فقد جرت عادتهم حتّى صارت من أجمل وأحسن وأفضل سننهم ،
وهي تعظيم
زعمائهم ، وأبطال قادتهم ، والربانيّين فيهم ، والعدول والمصلحين في
سيرتهم وسلوكهم في مجتمعهم وقومهم ؛ بحيث يقرّ ويذعن شعبهم وقومهم
بفضلهم وشرفهم ، ومجدهم وكرامتهم من غير إجبار ولا إكراه .
فتراهم يعظموهم مفتخرين بما لهم من المواقف المشرّفة ،
ويتسمون بأسمائهم تخليداً لهم ، بل يحكون قصصهم معتزّين بها ، ويرون
ذكرهم وذكراهم عزّاً لهم ، ومن شرفهم وفخرهم وأصالتهم .
وأمّا الحكّام والطغاة ، والقادة الظلمة , ومَنْ يلعق قصعات أهل الجور
والطغيان ، ترى قومهم ، بل أهلهم حين ذكرهم يلعنونهم ويتبرّؤون من
أفعالهم ، ويرون ذكرهم مذلّة لهم ، وتأريخاً أسود مرّ بهم ، فلا يقيمون
لهم وزناً ، ويمحون كلّ آثارهم ، وكلّ ما يذكّر بهم ؛ ليكونوا عبرة
لمَنْ يأتي بعدهم ، فلا يقتدون بهم ، ولا تخليد لهم إلاّ بلعنة ومسبّة
ترافق اسمهم وذكرهم .
وهكذا الاُمم والشعوب ، يفتخرون بشعرائهم وحكمائهم وعلمائهم ، وبكلّ
مَنْ له خدمة عامّة لمجتمعه وشعبه بحقّ ، بشرط أن يروا خدمتهم من عزّهم
وفخرهم ، وتبيّن وتوضّح قيمهم وقدرتهم ، وشرفهم وفهمهم ، فتحكي شيئاً من
مجدهم وهمهم في الكمال والرقي ، فتراهم يذكرونهم بكلّ خير ، ويفتخرون
بسرد قصصهم ، بل يحبّون الاقتداء بهم والكون مثلهم ، بل ويربّون
أولادهم كتربيتهم وما يمكن من سيرتهم .
فشعبهم وقومهم , وكلّ مَنْ تربطه
علاقة بهم يسعى بجدٍّ إلى تخليدهم ؛ فينقل مكارمهم ، فيكونوا رمزاً شامخاً
في قلب ووجدان كلّ مواطني شعبهم ، بل قد يسري لغير شعبهم ولآلاف السنين
، فتمثّل مواقفهم ويحتذوا بها ، بل ينصروهم بالعلم والعمل ، وبالتذكار
لهم والتذكير بهم بكلّ مناسبة ممكنة تشرّفهم .
فتراهم معتزّين بتضحياتهم ، ومقدّسين لمبادئهم ،
ومقتصّين آثارهم ليعمروها ، ومقتدين بهداهم ، ومتّبعين لمناهجهم
بالحياة الدنيا ، بل الربّانيّون يرجون من ربّهم أن يُحشروا يوم القيامة
مع أئمّتهم الحقّ وأولياء دينهم ؛ لأنّهم اقتدوا وتأسّوا بهم , ونصروا
منهجهم وطبّقوا هداهم .
فانظر يا أخي الكريم النفس ؛ لتتيقّن ما ذكرت في أحوال البلاد ، ومراسم
العباد ، وشعوب العالم ، كيف يسعون مجدّين في إحياء جنود فقدوا في
معارك لهم ، حتّى إنّهم بنوا للجندي المجهول المدافع عن قيمهم ووطنهم
نصباً تذكارياً يزورونه ، ويقفون عنده بكلّ إجلال وإكرام وتقدير له ،
مثمّنين له جهده الذي منحه لوطنه ، والعزّ في البقاء محرّراً كريماً ،
أو حاول ذلك ولو لم يتمّ له ما أراد ، ولم يعرف عنه شيء .
الصفحة (21)
فإذا كان هذا حال الاُمم في تكريم جندي ، أو قائد لهم ،
أو فرد مصلح في قومهم وشعوبهم ,
فكيف يجب أن يكون تكريم وتقدير واحترام مَنْ كان جندياً أبيّاً حقّاً ،
وعنده كلّ الهدى وتعاليم الدين ، والعدل والإصلاح ، والنور والفلاح ،
وقائد مقدام بكلّ نور الإيمان كالحسين (عليه السّلام) ؟!
وهل يوجد أفضل منه حتّى يُتّخذ قدوة في الإخلاص للدين
والعقيدة ، ويخلد في النفس والروح فيكون لها اُسوة ، وفي اتّباع القيم
والمبادئ الربّانية الحقّة التي زرعها في عقول الاُمّة ، ولبّ أفرادها
المؤمنين هدى قيماً ، وإيماناً راسخاً بالمبادئ العالية ، والأهداف
الغالية في العدل والصلاح والمطالبة به ، بل تعدّى فضله وقيمه , وتخليده
وذكره لكلّ الأحرار من المخلصين لأوطانهم ومبادئهم وعقائدهم ؟
وأيّ جندي معلوم كالحسين (عليه السّلام) أعظم تضحية ، وأكثر فداء لمبادئ
الدين الحنيف وإن جهله مَنْ خالفه في الدين والمذهب ؟ وأي بطل أكثر
تفانياً من الحسين (عليه السّلام) لأحياء الإسلام وبيان حدوده ؟ وأيّ
إنسان عنده موقف أفضل من مواقفه ، وفداء أكبر من فدائه ، وإيثار
لدينه بكلّ أهله وماله ، ونفسه وعياله بين قتل وسبي مثله ؟
فحقّاً يجب أن يقرّ لأبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) كلّ منصف بما فدى دينه وربّه
بروحه وماله وأهله ، فزرع أعظم تعاليم الصمود ، وطلب الصلاح والعدل
والهدى في ضمير شعبه وقومه واُمّته , وكلّ مَنْ يأتي بعده ، ورفضاً للجور
والطغيان والفساد بكلّ شكله ، مصرّاً على الفداء حتّى آخر قطرة من دمه
وماله ، وحتّى بنيه وصحبه وأهله ، وكلّ ما يملك من أجل الإصلاح وطلبه ،
فأثّر تعليمه بحقّ وعن بصيرة , وبكلّ إيثار وتضحية ممكنة ، فكان معلّماً
لطلب العدل والإباء والإصلاح ، وإقامة حدود الهدى والإيمان ، ورفضاً
لكلّ ظلم وطغيان , وجور وعدوان .
فإنّ سيّد شباب أهل الجنّة الحسين (عليه السّلام) (روحي له الفداء) كان
قمّة في موقف التضحية والإخلاص ، وكلّ هذا الفداء الذي قدّمه كان
خالصاً لوجه الله ، وبه أرى وعلّم كلّ منصف وحرّ وأبيّ قيمة الصلاح والعدل
والهدى عن إيمان , فقدّم أكرم تعاليم وبطولة وصمود لكل شعوب الأرض ، فضلاً عن
قوم أبيه وجدّه (صلوات الله عليهما) ، وذلك حين جمعه مفصلاً ، وسكبه شرحاً ومجملاً على أرض
كربلاء ، فقدّسها يوم عاشوراء فصارت كربلاء المقدّسة .
نعم ، كانت تضحية الحسين (عليه السّلام) وفداؤه من أجل
الله ؛ ليربّي عباده وقوم جدّه وشيعة أبيه ، فيسلك بهم تعاليم الصراط
المستقيم والدين القويم ، وقد خلطه منهج ودين بكلّ حركة له في تراب
كربلاء ، فصبغ ترابها ذلك الإباء والدعوة للحقّ والإصلاح بما لا مثيل
له في البيان والإيضاح ، حتّى لم يبقِ عذراً لأحد يطلب الفضيلة والإباء
أن ينكر حقّه ، أو يتجاهل هداه ودينه ، إلاّ
الصفحة (22)
أن يكون قد استحوذ عليه الشيطان ، وكان عميلاً بالخفاء
أو علناً لأولياء الطغيان ، وشهوات النفس , وهوى المجون حتّى يذيق نفسه
وقومه الحرمان .
ولما عرفت يا طيّب ، كان الحسين رمزاً عالياً في كربلاء ، فوجب على
كلّ طيّب وحرّ تخليد ذكراها ومثواه ، وهكذا وفى له المؤمنون ، فجعلوا
له مناراً شامخاً ، قد غطّوه بالذهب المصفّى اللمّاع ؛ ليلمع بالحقّ
ويشرق بالصلاح ، فينير ضمير ووجدان كلّ حرّ يطلب النصف ؛ لتقييم العدل
والإيمان والهدى ، فأبان الأوفياء من قومنا حقّ التخليد بأعلى بيان
لكريم الإسلام وسيّد شبابه ، وبكلّ إنصاف , حتّى اتّضح لكلّ أهل الدين
والدنيا أكمل تكريم للشرفاء الأمجاد , وأهل العزّ والفداء ، وبما لا
يوجد مثله في كلّ اُمم العالم وأديان الدنيا .
وهذا المرقد المقدّس للحسين (عليه السّلام) في كربلاء ، فضلاً عمّا عرفت عن تخليد ذكره
بترابه الطاهر ، حقّاً به يتمّ تخليد أهل الشرف والإباء , والسادة
الكرماء في اُمّة الوجود كلّها ، حتّى كان الحسين (عليه السّلام) وزيارته
, والجدّ في ذكره
، خلاصة لتكريم كلّ الأنبياء والنبلاء , والشرفاء والصلحاء ، والذين
قدّموا كلّ شيء من أجل إعلاء كلمة الله وهداه ، فوفى له الشرفاء
والأحرار المؤمنون بالذكر الجميل حتّى جعلوه يناطح الاُفق في أعلى السماء
، فيعكس نور الشمس والقمر ، بل نور العلم الربّاني والعمل الصالح إيماناً
وهدىً , وعدلاً وصلاحاً ، ورفضاً للظلم والطغيان ، فعمّ كلّ حرّ وطيّب وطالب
للحقّ والهدى والعدل والصلاح ، فلم يجهله أحد إلاّ أصمّ القلب وأعمى
العقل .
وهذا فعل الشرفاء والأوفياء ، وأهل الله والأحرار الأطايب ، أعلوا
وتفننوا في تكريم وتخليد وتمجيد رمز الحرية والعدل ، والمجد والشرف
والغيرة , وكلّ صلاح ، وبكلّ ما يستطيعون ؛ فجعلوه رمزاً للعدل , وطلب
الإصلاح والهدى , والدين والإيمان , ولو أبى الطغاة وامتعض الظلمة من فعل
المؤمنين وحاربوهم بكلّ ما يقدرون .
بل وفى للحسين (عليه السّلام)
الأحرار والمؤمنون ، فسجدوا لله على تراب كربلاء ؛ فإنّ السجود على
التربة التي استشهد عليها الحسين (عليه السّلام) ، وسُكبت عليها دماؤه
الطاهرة ، لهو عقد عهد مع الله تعالى ونبيّه الأكرم على أنّنا سائرون
على نهج الحسين (عليه السّلام) في التضحية والفداء ، وطلب العدل والصلاح
، وعن إيمان بهداه ودينه الذي بتطبيقه نرجو بكلّ أملٍ رضا الله ، وبكلّ
تعاليم دينه نقتدي إن شاء الله ، بل وكلّنا نيّة وعزم بالتأسّي
والاقتداء به ، وعلى كلّ حال وظرف مهما كان ، بل وبتطبيق علمي وعملي
لهداه بتوفيق الله .
فهذا ما يقصدون به من زيارة الحسين
(عليه السّلام) وإعلاء منار هداه ؛
فإنّ هذا هو معنى السجود لله على تراب الإخلاص والفداء ، تراب كربلاء
.
معناه أنّنا سالكون لسبيله في كلّ تصرّف لنا ، فضلاً عن
تخليد ذكراه , وبناء رمز الحرية والعدل والصلاح عالياً منيراً يناطح اُفق
السماء .
ونأمل من الله أن يوفّقنا ويرضى عنّا بكلّ صورة وحال ؛
للإرشاد والنصيحة للمسلمين والمؤمنين حين تعريف وبيان هداه ، وبكلّ
صورة ولو بتربة نسجد عليها لله , أو سبحة نذكر بها الله تعالى .
الصفحة (23)
ولذا يا أخي الكريم ، هذا من التخليد والوفاء
, صار
حقّاً علينا أن نعرف تراب كربلاء المقدّسة الذي قدّسه الحسين ابن
المقدّسين ؛ نبيّنا وأمير المؤمنين والأنبياء السالفين (عليهم السّلام) ، فنقف في اليوم
خمس مرّات للصلاة , واضعين لهذه التربة الطاهرة أمامنا ، نتذكّر بها أنّه
يجب علينا أن لا نخضع لظالم ولا لمعتدي ، و لا نداهن كافراً ولا مشركاً
ولا منافقاً ، ولا نصادق قويّاً غاشماً لا يحبّ العدل ولا يعمل به ،
ولا نصافح عدوّاً على باطل .
ولذا يا إخوتي ، حقّ التخليد لفداء الحسين (عليه السّلام) ودينه وتكريمه ، وأخذه قدوة
واُسوة واجب الطاعة وبكلّ شيء ، حتّى كرّمنا تربته المقدّسة في كربلاء
زيارةً .
وحين رؤيتنا لهذه التربة المقدّسة سبحة ، أو تربة للسجود
عليها حين الصلاة ، فنتذكّر كلّ دين الله الخالص وهداه الحقّ ، وما يجب
علينا وما لنا من الحقّ ، وبها نحبّ قيم العدل والإحسان بكلّ صوره ،
فنتذكّر أنّ علينا أن نؤاخذ كلّ مَنْ يهضم المؤمنين ويضع من قدرهم ،
ونهجر ، بل نقاوم وننكل بكلّ مَنْ يجبر المسلمين على الفسق والفجور
والعصيان ، أو يضطرهم عليه ويدعوهم إليه ، ونقاوم كلّ مَنْ يحاول أن
يكره الأحرار ويريد أن يقهرهم ويستعبدهم ويستعمرهم .
فإنّ هذه التربة الكريمة المقدّسة ، تربة كربلاء , تعلّمنا كيف يجب أن لا
نصبر على الضيم والهضم ، ولا نطيق الطغاة والجبابرة في أيّ حكم ، ولا
نرضى بالعدوان , ولا بسلب حقوق الناس ، ولا نحبّ الجور على أيّ فرد من
بني الإنسان أين ما كان ، فهذا رمز الحرية والإباء في النفس ، وحبّ
العدل والإحسان المقدّس الذي دعا له الحسين (عليه السّلام) ، ومات شهيداً من أجله
وفداه بكلّ أهله وماله وولده .
فإذا كانت الصلاة لله تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وتردع عن الحرام
والخطيئة ، وتمنع من ارتكاب الآثام والآصار ، وتقف سدّاً أمام اقتراف
الفجور والجناية ، فإنّ الصلاة على تربة كربلاء التي سكبت عليها
الدماء الطاهرة ، تعطي الكمال للنفس , والوقاية والقوّة للروح ، فتعاهد
الله تعالى على أن تتّصف بالصفات الحميدة ، والخصال الفاضلة التي تحلّى
بها الأماجد الكرام من آل نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه واله) ، والبقية
الباقية من أشراف أصحابه وأتباعه ، وبالخصوص سبط الرسول الحسين
وريحانته , وامتداد وجوده وهدى دينه .
فالصلاة على تربة الحسين (عليه السّلام) والتسبيح بها , وزيارتها تخليداً لمبادئه وهداه
، تذكّرنا في كلّ يوم خمس مرّات , وفي كلّ مكان وزمان ، بل تشعرنا بكلّ
ما اُوتي التبليغ من قوّة ، وفي كلّ يوم أربعة وثلاثين مرّة مع كلّ سجدة
، بتضحية أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) وصحبه الكرام ، خلاّن
الوفاء للعقيدة ، وأصدقاء الصفاء للمبدأ ، فنتعلّم منهم السماحة والجود
والكرم في سبيل النهوض بتعاليم الله بكلّ وجودنا ، تعليماً وتدريباً
وتطبيقاً ، وإقامة لحدود الله تعالى في أصعب الظروف والأحوال ، وبتقديم
الغالي والنفيس من أجلها .
الصفحة (24)
فالصلاة على تربة كربلاء ، أو التسبيح بسبحة من ترابها
تجعلنا نعيش مع حواري الأصحاب ، واُولي الحجى مبدأً وديناً وغاية ،
والخاصة من اُولي الألباب واُولي النهى الأكياس ، الذين عرفوا الحقّ
فاتّبعوه ، وهجروا الباطل والضلال حين عرفوه ؛ فإنّه بحقّ عن علم وعمل
وجهاد كانوا أبطال الهيجاء وفرسان النجدة المغاوير النجباء ، فصاروا
اُسوة وقدوة .
فهذه معرفتنا بالحسين وصحبه في كربلاء ؛ فإنّهم كانوا
ليوث الحرب والوعظ والإرشاد والنصيحة ، الآمرين بالمعروف والناهين عن
المنكر ، فحقّ علينا تكريمهم وتخليدهم حتّى السجود على ترابٍ ثوى فيه أبو
عبد الله (عليه السّلام) لعبادة الله , وبنفس إخلاصه وفدائه ؛ فإنّ الحسين وصحبه وآله في
كربلاء بحقّ كانوا من أجل هدى الله ودينه ، وتعليمه وتبليغه بكلّ ما
أوتوا من قوّة , هم أصحاب البسالة والشجاعة والنخوة ، فحقّ لهم علينا
تخليدهم والسير وفق هداهم ، والاقتداء بسيّدهم وقائدهم ، وزيارته
والسجود والتسبيح بتربة أحاطته .
فإنّ شهداء كربلاء الذين صبغوا ترابها بقيمهم وبتفانيهم من أجل دينهم
, بقيادة ولي المؤمنين وإمام الحقّ القائد الفذ بصدق ، قد لبّوا نداء
إمامهم وقائدهم حين قال (عليه السّلام) : (( ألا
من ناصر ينصرنا ؟ )) ،
فجاؤوا مسارعين بكلّ فخر ، وملبّين طالبين الكمال والعزّ الأبدي ،
والمجد الربّاني الدائم في نعيم الله ولو بالتضحية بالأرواح وبيعها لله
، فاشترى منهم سبحانه أنفسهم فخلّدهم ومجّدهم ، بل نشر ذكرهم حتّى مجّدهم المؤمنون والأحرار وخلّدوهم ؛ وذلك لعلمه بصدقهم الذي جاؤوا به
لولي دينه ، مقدّمين الأرواح والنفوس وكلّ ما يملكون ، ومتسابقون بكلّ
زهو لتقديم النجدة والنخوة للدين وأهله ، فوهبهم ربّ العزّة والكمال
كلّ تقدير واحترام , وعلى طول التأريخ .
وكان لهم عند كلّ الطيّبين كلّ
شموخ ، فكانوا عظماء عنده سبحانه في الملكوت الأعلى في أكرم منازل
الصدّيقين والشهداء ، وهكذا كرّمهم عباده فزاروهم وسجدوا لله على ترابهم
وسبّحوه به ؛ فإنّهم بحقّ كانوا أمجاداً شرفاء ، نالوا كلّ خير وبركة
ونعيم ، والمقام الرفيع المكنون في جنان الخلد والنعيم الأبدي ، وفي
جنان الروح , ولبّ النفوس الكريمة التي تطلب الحقّ بقدوة بان واتّضح
صدقه وإخلاصه بما لا شك فيه ، ولا شبهة في دينه بحقّ وواقع .
فإنّ الحسين (عليه السّلام) وصحبه الذين سكبوا الشرف والمجد والكرامة والإباء على تراب
كربلاء في ذلك اليوم العزيز ، بحقّ كانوا كباراً في الدين , وقدوة لكلّ
المسلمين ، واُسٌّ ركين في التأسّي بفدائهم وصمودهم ، ومن أجل تطبيق الهدى
الإلهي ، والدعوة والتبليغ لتعاليم الدين ، وبهذا نالوا الجزاء الأوفى
، والمكافئة العظمى في رضا الله ورسوله ، ودخلوا جنّة عرضها السماوات
والأرض ، فضلاً عن كونهم اُسوة وقدوة للكرام ، ولمَنْ يطلب المجد من أهل
الدنيا ؛ لأنّه يراهم بحقّ شرفاء عند قومهم ، وكلّ الأحرار والطيّبين
والمصلحين ، والذين يبحثون عن اُولي الحسنى والعدل ، والإصلاح للاقتداء
بهم , وللسير على سبيلهم .
ولهذا يا طيّب ، صار تراب كربلاء بكلّ صوره حملاً له وزيارة له ،
والسجود لله عليه , والتسبيح به لله , مذكّراً بكلّ ذرّة منه بهذه البطولة
والبسالة والصمود ، فهذه كربلاء منار العدل والصلاح قد قدّسها الحسين
(عليه السّلام) ،
وبالإيثار والفداء سقاها ،
الصفحة (25)
فزاروها الكرام والأوفياء ، وكرّموها في نفوسهم وعقولهم
بأجمل الذكر ، وبالتأسي بقيم ومبادئ قد حلّت فيها ، وعن دراية وعلم
وعمل قد عرف المؤمنون أنّه فيها ثوى المقدّس ابن المقدّسين ، الذي بان
قدسه وهدى فعله عن يقين لكلّ الأحرار والطيّبين ، فصار فيها كلّ شيء
ولو تراب يحمل مناراً ورمزاً من أجل كلّ خير وبركة يحبّ الإنسان الشريف
أن يهبه لنفسه ولاُمّته ولمجتمعه ، فخلّدوه وقدّسوه وزاروه ، ووقفوا عليه
وأمامه بكلّ تقدير واحترام .
ولهذا يا طيّب ، حقّ للمؤمنين والأحرار زيارة منار كربلاء ورمزها ،
والتسبيح بترابها ، والسجود على ذلك التراب المصبوغ بالمعنى والروح
بتلك الدماء الطاهرة والعقائد الكريمة الشريفة ، والتي تهب حياة
الكرامة والعزّ للإنسان أينما كان .
فلهذه المعاني الكريمة والوفاء من الصالحين والشرفاء لقيم العدل
والصلاح والإيمان صار ذلك المستحبّ المؤكّد السجود لله على تراب
كربلاء ، واتّخاذ خرز سبحهم من ترابها ، وحمله معهم أينما حلّوا ،
فضلاً عن زيارتها في المناسبات الكريمة ، وقصدها للتزوّد من الروح
والمعنى , والهدى والإيمان الذي حلّ بها ، ولم يفارقها إلى يوم القيامة
.
فتهب لمَنْ يقصدها ويحلّ بها المعرفة لأهل الهدى الحقّ والصراط
المستقيم ، والدين الحقّ القيّم الذي نزّله على جدّ الحسين (عليه
السّلام) ربُّ العالمين
، فيستمدّون بزيارتهم جدث الحسين وروح الإيمان في كربلاء العزمَ
والنيّة الجادة ، والجهاد الواقعي للنفس والصبر ، والصمود والمثابرة
لتطبيق الهدى عن إيمانٍ وجدٍّ ، ورفضاً لكلّ ما يغضب الربّ من الظلم
والضلال ، والباطل والطغيان والعدوان .
وهذه المعرفة للعزّة والكرامة لتخليد رمز الدين والهدى والإيمان في
كربلاء لم يعرفها المؤمنون والأحرار والاُباة والشرفاء فقط ، بل عرفها
كذلك الطغاة والظلمة وأتباعهم , فخافوها ، وحرّموا زيارة كربلاء , ومنعوا من
السجود على تراب كربلاء ، أو اتّخاذ سبحة للتسبيح لله بترابها ؛ لأنّه
بحقّ يعلم ويطالب بالهدى الواقعي والإيمان الصادق بلا مداهنة وتسامح ،
أو غضّ الطرف عن الفجور والطغيان ، فخافه الطغاة وأهل الفجور والعصيان
فمنعوا منه ، وحرّموا الاقتراب من قدسه ما استطاعوا , حتّى أفناهم الحفاة
والمشاة لذكر أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، ولو بصمتهم وأنسهم بالله وذكرهم
لما حلّ بتراب كربلاء بالروح والمعنى ، فأخذوا يزرون بالظلمة حتّى أقصوهم ، وهم في حكمهم في معاقل يعتقدون
أنها تمنعهم من الموت والذلّ
, والخذلان والخسة في الطبع ، فلا يُكشف ظلمهم وخسيس طبعهم
, ولكن تراب كربلاء أخذ يزري بالعملاء فيبتعدون عن المؤمنين والأحرار
إلاّ بتملّق وخسّة طبع , وذلّة ظلم وخباثة , ولؤم شهده الاُباة وحكوه .
بل مبادئ هدى كربلاء كان يغمّ المتقاعسين فيثقل عليهم حملها ،
بل لمسها بالروح والإيمان ؛ فيهجرونها ويقتربون من النفاق والشرك ، أو
يقعون فيه مثل عملاء الظلمة والطغاة ، فيتكلّمون بغير مبدأ حقّ ولا رمز
يكون مقياس لعلمهم وعملهم ، ولا أمر يصدّق دعواهم ومطالبهم ، ولا بيان
حقّ يكون مناراً لهم ,
الصفحة (26)
ويصير صراطاً مستقيماً يسلك بهم للهدى الواقعي الذي
لا يحاد عنه , فلا يتلاعبون بمقدّرات أنفسهم والناس وقومهم ، فيضلّون فكر
مَنْ تبعهم ، بل بمصير أنفسهم وأهل ملّتهم ؛ فإنّهم ينطقون لا عن إيمان
بهدى مجرّب ، ولا عن علم هدى له واقع مصدّق ، بل ولا تطبيق لهم كريم
شامخ يحكونه بحقّ حتّى يقتدي به ويتأسّى به أهل بجدتهم ، ولا عندهم أمر
حقّ يشتاق له الكرام والأحرار والطيّبون فيتّخذوه مبدأ وغاية وهدفاً
فيسعون لتطبيقه أو الإيمان به ، فضلاً عن الموت من أجله والتفاني بكلّ
شيء في سبيله ولخاطره .
ولكنّ النبلاء وأهل الحجى الطالبين للعزّ والمجد والكرامة يفتخرون بحمل
تراب كربلاء ، فضلاً عن زيارتها والاقتباس من منهلها العلم والهدى
والإيمان الذي حلّ بها ، فعانق ذكرها وترابها وأرضها وسماءها ، بل هم
يتشرّفون بالسجود عليه للواقع من العدل والصلاح الذي حلّ فيه ، فيحبّون
الكرامة في الكون فيه وزيارته ولو بالعمر مرّة ، ويحيون ذكراه بكلّ
تفاخر وعزّ ، معلنين هذا لكلّ أهل الكون بكلّ صورة ممكنة ، فيستفيضون
منه الشرف والكرامة والعزّ والإباء .
وما أكثر هذه المناسبات الكريمة عند شيعة الحسين
والأحرار من أتباعه حتّى تأسّوا به في كلّ مناسبة وفرصة تسنح لهم ،
فيُحيون ذكراه بحقّ وبما يناسب شأنه الكريم وعزّه التليد ، وعن علم
وإيمان ودراية بما يعملون .
ولهذا ، فإنّ الكرام والنبلاء ، والأحرار والمؤمنين يحبّون السجود والتسبيح
بالتربة الحسينيّة ، وتراب كربلاء المقدّسة بالمقدّس الحسين أصل النبل
والكرامة ، والإباء المتأصّل به من آبائه الكرماء النجباء ، أئمّة دين
وأنبياء الله ، بل حلّ أبناؤه أئمّة الحقّ ليوم الدين الذي يدان به
الناس المهتدون بالحقّ فيتنعّمون معهم ، ويتميّز المبطل الضال عدوّهم
فيعذّب بأليم النار ، وبأمر الله الذي يدعو كلّ أناس بإمامهم يوم
القيامة , وبولي هداهم عند الحساب ، فيسأله عن كلّ شيء ، وأوّل الأمر
إمامه والقائد الذي خلّده وتبعه واقتدى به فأطاعه في علمه وعمله ؛ ولذا
الحقّ في القول : إنّه من الآن يُحشر مع الحسين وصحبه وآله مَنْ قبل منه
مبادئ العزّ والكرامة , والشرف والإباء ، ورفض الظلم والطغيان , والفسق
والفجور فلم يتبع أئمّة الضلال والطغيان .
فإنّ الأحرار والمؤمنين والطيّبين يرون في تراب كربلاء وزيارتها في كلّ
حال ولو عن بعد ، فضلاً عن وقت الصلاة حين السجود لله والتسبيح بترابها
، أنّه يجب التدبّر والمعرفة والإيمان بما سقى الأرواح فأحلّها حقّ
الهدى موقعها وترابها وزيارتها ، واللبّ والعقل بحقائق الدين عن برهان
صادق ودليل واقعي ذكرها والتذكير بها ، فنال أولياء الحسين وأحباؤه
والمتأسّون به نوره , فتحقق في علمهم وعملهم وسيرتهم ، وأحبّوا كلّ ما
يذكّر به فخلّدوه في ذواتهم .
فهذا يا أخي الطيّب , الحرّ الأبي ، حقُّ معرفة المجد لأهل العزّ والشرف
والكرامة في تطبيقه ، وهذا واقع التخليد والذكر له بكلّ عزّ وكرامة
بواقع التخليد والذكر ، وهذا عين الشرف في السعي لتحصيل العدل والصلاح
والهدى ، والدين والإيمان بإخلاص من أهله ، وعن دليل واقعي وبرهان حقّ
يؤيده تاريخ
الصفحة (27)
الوجود ، وسيرة أهل المجد والشرف والفداء الكرام
المقدّسين بحقّ ، وبهذا حلّ بحقّ ، وتمكّن واقعاً ، وسكن صدقاً في
القلوب والأفئدة الحرّة الأبية والمؤمنة بمبادئ الحسين (عليه السّلام) بكلّ إخلاص له
وفداء له ، فسعوا بكلّ وجودهم في كلّ مكان وزمان ممكن لتحصيله والكون
فيه وزيارته ، ولو بالسلام عليه من بُعد فضلاً عن المشي له بأقدامهم
البدينة وأفكارهم الروحية .
بل يا أخي الكريم ، قد عرفت أنّهم قرّروا بكلّ إيمان السجود على
تربته من أجل الله ودينه ، والتسبيح بذرّات ترابه حين ذكر الله ؛ ليكون
في تطبيقهم لدين الله وهداه , وحقيقة ذكرهم حقيقة الدين مع الإخلاص ؛
فلهذا الواقع الحي الذي تشهده الدنيا ويسمع به كلّ أهل الوجود قَبِل
الأحرار والمؤمنون والكرام التسليمَ للحسين ، وللهدى الذي خالطه بتراب
كربلاء حتّى في ذكرهم لله ، فكانوا بحقّ مخلّدين لمنهجه ، والدعوة له ،
وتطبيق هدفه والجهاد من أجل دينه ؛ دين الله وجدّ الحسين رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) .
نعم يا كريم المنهج ، والراضي بحقائق الاُمور في العدل والصلاح ،
والدعوة له وتطبيقه ، ترى بعين اليقين أنّه بهذا الوفاء الصادق من
الكرام والأحرار والطيّبين خلّدوا ذكر الحسين فاتّخذوه مناراً في
فكرهم وقلوبهم ، بل تراب كربلاء زاروه واتّخذوه رمزاً وعلماً ومناراً ،
فقدّسوا الإخلاص والإباء ، والهدى والتضحية والإيثار الذي فيه حتّى سبّحوا الله به وقدّسوه عليه .
فهذا حقّ التكريم والتقديس ، والرضا والقبول للحقّ
والعدل والصلاح في زيارة كربلاء والسجود على ترابها ؛ من أجل تطبيق
دين الله , ومعرفة أهله , وصراطه المستقيم ، وهداه القويم , والعدل والصلاح
, ورفض الظلم بكلّ شكله والطغيان على هدى الرحمان .
فحقّاً يا أخي الكريم ، إنّه بهذا الحقّ من الهدى والواقع من الدين
تتنزّه النفس عن كلّ نعوت يتّصف بها أعداء الحقّ والعدل والهدى ، ويبعد
الأرواح والعقول الأبية الكريمة عن عمل الطغاة والظلمة وأهل الفسوق ،
فلا يخضعون لأهل الجور ولو كان فيه سفك دمائهم وفناء أبدانهم ؛ لأنّه
خالط وجودهم نور مبادئ ولي كربلاء المخلص في دين الله ؛ فنوّر روحهم ،
وأضاء وجود مَنْ يقبله ويتحقّق به عدلاً وصلاحاً وإيماناً ، وهدى قيماً
حقّاً .
وهذا حقّ الوفاء والتخليد لولاة الدين ، وقادة البلاد
, وسادة العباد , وأركان البلاد ، وحكماء الاُمّة , وأئمّة الحقّ , والقادة
الكرام الأباة ، والعدول في البلاد وأهل الصلاح والشرف .
نعم يا طيّب , يا مَنْ يحبّ الكرام ، بهذا المعنى الشريف رأى الطيّبون
كلّ معاني التضحية من أجل الشرف والمجد والكرامة قد ثوى مقدّس في
تراب كربلاء من الحسين (عليه السّلام) ؛ فقدّسوه وخلّدوه في فكرهم وأرواحهم مبدأ
وعقيدة وديناً ، حتّى سبّحوا لله بتراب يحيط به ، وطلبوا مبادئ الكرامة
والعزّ والشرف والغيرة فيه ؛ ولذا لم يكن مَنْ يسبح بذلك
التراب الطاهر تراب كربلاء ، ويسجد عليه وهو يعرف معناه ويطبّقه صادقاً
من اللخناء ، ولا من أهل الغباء أتباع الظلمة والطغاة ، ولا من العملاء
بكلّ وجودهم من حيث يدرون أو لا يدرون ؛ سواء في
الصفحة (28)
السابق أو في اللاحق ، بل
الآن حين يرضون بظلم الكفرة والمشركين والمنافقين , وضلالهم وانحرافهم عن
أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) في فكرهم ومبادئهم .
وبحقّ أقول لك يا طيّب ، لا يكونوا أنصار الحسين (عليه السّلام) من أراذل الناس الذين
باعوا الدين بالدنيا ، واشتروا الذلّ من أجل دراهم معدودة وآمال كاذبة
؛ فقاموا بقتل عمود الدين ورمز الحرية وأصل الإباء , سيّد الشهداء أبي
عبد الله وصحبه الكرام الأوفياء النجباء في يوم عاشوراء كربلاء .
بل
والآن فعلهم يتجدّد من أتباعهم حين منعوا زيارته ، وحاربوا منهجه ودينه القيّم وهداه ، فلم
ينصفوا العدل والصلاح , ولا خلّدوا الفضيلة والفلاح ، لا من أجل أنفسهم
ولا من أجل الله ، ولا من أجل الوطن والأهل والمجتمع .
فحقّ للكريم والأبي والغيور على وطنه ونفسه ودينه أن يعرف كربلاء وترابها فيزورها بروحه ولو عن بعد ، فضلاً عن بدنه وفكره في كلّ
حين ، فيخلّدها ويتّخذها رمزاً للخير والفضيلة , والهدى والدين ، والحرية
والإباء , والكرامة والمجد ، ولكلّ ما يرضي الله ويوصل لنعيم النفس وواقع
السعادة ، ولا يكون من أتباع الظلمة , ولا يخفى عليه الحقّ وأهله فيكون
مع مَنْ قتل الحسين (عليه السّلام) في هداه ودينه ومبادئه ، فيكون ملعوناً من الله ومن
كلّ النبلاء ، ومطرود من رحمة الله وجنته الواقعية ، المانحة للكرامة
والشرف والغيرة للنفس الأبية ، الخاضعة للعدل والحقّ , والمطالبة
بالإصلاح والقسط .
ولذا يا كريم النفس ، لا يحقّ لمَنْ يعرف الحسين (عليه السّلام) وهداه الذي سكبه في
كربلاء أن يتبع أعداءه الظلمة والطغاة ، ولا أهل الجور والفسق في أيّ
زمان كان ومكان كانوا ؛ فيتّصف في ميزان الحقّ والعدالة الإلهية
والإنسانيّة أنّه مَنْ خسر الدنيا والآخرة كان من الأغبياء ؛ لأنّه
تابع أهل الضلال والظلمة وأعداء الإنسانيّة ، ويكون من الخرقاء الذين
نكصوا عن الحقّ واتّبعوا الباطل ، فكان تبعاً لرموز الظلم وأهل الضلال
، فيكون مغضوباً عليه في ميزان الشرف ، وله الذلّ والعار الأبدي عند الله
.
فإنّ الدنيا وكلّ ما يزيّنه الشيطان وزخارف الدنيا ،
وظلمة بني الإنسان , هو التمتّع لأيام معدودة , ولمتعة أمل لم تتحقق في
دنياهم القصيرة ، ولم تروِّ من عطش الدنيا ، فضلاً عن أنّه يغرّهم ويمنع
تمتّعهم بحقّ الخوف والجبن من الظلمة ، فلا ينفعهم شيء ممّا أغرتهم به
الوعود الكاذبة إلاّ ما ركبهم من الروع والذعر من تهديد الحكّام
الطغاة ، وأهل الفسق والفجور الذين قبلوهم في كلّ تسلّطهم عليهم .
ولذا كان مَنْ يعرف بحقّ معاني الكرامة , والعزّ والشرف ، والنبل وإباء
الضيم الممزوج بذرّات تراب كربلاء ، يتّخذ منه سبحته ؛ فيذكر الله وهداه
, ويسجد عليه في كلّ صلاةٍ حمداً وشكراً لله ، ويزوره بروحه عن بعد , ومع
الإيمان بهداه وقيمه التي تمنح الكرامة الحقيقة الصادقة ، فيتّخذه
مناراً , ويجعله رمزاً واقعياً
الصفحة (29)
يمنحه كلّ حين العزم على الهدى
وطلب الصلاح ، فتكون له بحقّ روح كريمة تؤمن بالمبادئ التي ضحّى من
أجلها الحسين وصحبه الكرام (عليهم السّلام) ، وبهذا نعرف بيقين أنّه
مَنْ يسجد على التربة الحسينيّة تحصل عنده الشجاعة والعفّة والحكمة ،
فيبتعد عن ضعف الرأي والجهل ، والغباوة والحمق ، والسفه والبله ، وتدحر
نفسه سوء الخُلق وشره الهوى وصلف النفس ، وتطرد التلوّن والخداع
والتهوّر عنده .
فالروح التي تؤمن بالمعارف الإسلاميّة التي ضحّى من أجلها شهداء الحقّ
والفضيلة الحسين وصحبه (عليهم السّلام) ، ليس في حيرة من أمرها , ولا عندها خوف إلاّ من
ربّها ، ولا لها فزع من ظالم وطاغية ، ولا حرص ولا طمع بدنيا بغير حقّ
، ولا غدر ولا خيانة لقومها وأهل ملتها ، ولا خداع ولا تضليل لنفسها
وأهلها ومجتمعها ، ولا مكر ولا حيلة بغيرها ولو في أقصى بقاع الدنيا ،
لا كذب ولا افتراء في وجدانها وضميرها على غيرها .
فمَنْ حصلت له عقيدة وأهداف ثورة الحسين وصحبه (عليهم السّلام) يلتزم
بمواظبته على السجود على تربة حنتها دماؤهم الطاهرة ، فيعرف كيف يصمد
أمام كلّ قاسط وناكث ومارق من الدين ، ويصبغ التراب بدماء الحرية
والإباء ، ويكون على نهج ودين المعلّم لأهل الأرض ألوان التضحية
والفداء .
اللّهمّ بالحسين , وجدّه وأبيه , واُمّه وأخيه , والمعصومين من بنيه
اجعلني مع الحسين وآله الطاهرين وأصحابه الطيّبين
ــــــــــــــــ
(*)
تجدر الإشارة إلى أنّ هذا المقال قد اُخذ عن أحد المواقع الإسلاميّة , مع
تصرف كبير ومراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين)
.
|