هكذا عرفت الإمام الحسين (عليه
السّلام)(*)
حسن الأنباري
ـ بتصرف
في البدء أتقدّم بأسمى التهاني وأبهى التبريكات
لإمام زماننا وصاحب عصرنا بقيّة الله الحجّة ابن الحسن العسكري (عجّل
الله تعالى فرجه) , وللاُمّة
الإسلاميّة ولحضرتكم يا محبّي النبّي وآله ، وأسعد الله أيّامكم , وجعل الله
أوقاتكم ترفل في كلّ خير وبركة ورحمة
.
فيا طيّبين , نزفّ لكم أزكى التهاني وأسماها
, وأطيب التبريكات وأحلاها
بمناسبة حلول الأيّام الشريفة التالية ؛
ميلاد سبط النّبي الأكرم الإمام الحسين بن علي (عليه السّلام) ـ الذي بَعث
بجهاده الروح في دين جدّه ـ في اليوم الثالث من شهر شعبان المعظّم في
السّنة الرابعة للهجرة .
وميلاد أخي الحسين (عليه السّلام) قمر بني هاشم أبي الفضل العبّاس بن علي
(عليه السّلام)
،
ناصر الحقّ ، في الرابع من شعبان سنة 26 للهجرة .
وميلاد الإمام السجّاد علي بن الحسين زين العابدين (عليه السّلام) في
الخامس من
شعبان سنة 38 للهجرة المباركة (صلوات الله وسلامه عليهم وعلى آلهم أجمعين) .
فهنيئاً لمحبّي نبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين (صلوات الله عليهم
أجمعين) , وحشرنا الله معهم في الدنيا والآخرة , ورحم الله مَن قال : آمين .
وأمّا في معرفتي بالإمام الحسين (عليه السّلام)
ففيها مواطن للذكر
:
الذكر الأول :
اسم الإمام الحسين (عليه السّلام) ونسبه الطاهر الطيّب المجيد
فاسمه الكريم (الحسين) يكفي للموعظة والعبرة لدارسي تأريخ الدِّين ومعرفة إيمان الأقوام والملل
، ومعرفة النّفس وإطاعتها لله وحده لا شريك له ، والحثّ على نشر علوم
الله , والسّعي بجدّ لإقامة العدل والإنصاف ونصرة المظلومين ، وتعليم
الإباء والفخر بمقاومة الفسق والفجور ودحر الظالمين ، بل إخلاص الطاعة
والعبوديّة بكلّ الوجود لله ربّ العالمين , وبكلّ تعاليم الدِّين ؛
إذ هو إمام الحقّ وولي الهدى ، ووارث علم الأنبياء (عليهم السّلام) , وأمين الله ونوره
, وحجّته وخليفته على العالمين ، والوصي الثالث لجدّه نبي الرحمة بعد أبيه
وأخيه (صلوات الله عليهم وآلهم) .
وقد ضحّى بكلّ ما كرّمه الله من أجل نشر راية هدى الله وتعريفها
لكلّ الطيّبين الذين يطلبون قدوة واُسوة في توجهّهم لله ربّ العالمين في كلّ
الأحوال ، مع البيان الصافي لتعاليم الدِّين والخالصة من كلّ رأي وغشّ وضلال
لأئمّة الكفر ووساوس الشيطان , والطمع بالدنيا وزينتها .
أمّا
في المناقب فاسمه (الحسين) ، وفي التوراة (شُبَير) ، وفي الإنجيل (طاب)(1)
.
ذكر اسم جدّه لاُمّه : هو حبيب ربّ العالمين ، نبيّ الرحمة وشفيق الاُمّة ، سيّد المرسلين وخاتم
النبيّين ، المصطفى المختار ، البشير النّذير والسراج المنير ، محمّد بن عبد
الله (صلّى الله عليه وآله) .
ذكر اسم أبيه :
خليفة الله ، ووصي النّبي الكريم بالحقّ بلا فصل ، المدافع عن الإسلام
, وحامي
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وحجّة الله على خلقه بعده ، الإمام الأول أمير المؤمنين علي
بن أبي طالب (عليه السّلام) , ابن عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأخيه عند المؤاخاة بين المسلمين ،
ونفسه بنصّ القرآن حَسَب آية المباهلة .
ذكر اسم اُمّه : بضعة المصطفى , سيّدة نساء الدنيا والآخرة ، أشرف وأطهر وأنقى امرأة في
الوجود ، اُمّ الأئمّة ، فاطمة الزهراء البتول بنت محمّد المصطفى (صلّى الله
عليهم أجمعين) .
ذكر اسم أخيه الأكبر :
سبط نبي الرحمة , وأمين الله وخليفته ، وإمام الحقّ والهدى ، الثاني بعد
رسول الله وأبيه ، الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) .
ذكر اسم أخواته وإخوته : العالمة غير معلّمة ، المجاهدة الصابرة ، الحليمة الكريمة ، عقيلة بني
هاشم زينب ، واُمّ كلثوم . كما أنّ هناك إخوة وأخوات للحسين (عليه
السّلام) من أبيه
غير هؤلاء ، أعلاهم نقيبةً قمر بن هاشم العبّاس بن علي ، ومحمّد بن الحنفيّة
وغيرهما .
ذكر اسم جدّه لأبيه : عمّ النّبي وكفيله ، وحامي دينه وناصر رسالته
، والمدافع عنه ، أبو طالب بن عبد
المطّلب ، وهما سيّدا قريش ، وأبو طالب أخو عبد الله ـ أبو النّبي ـ وأبوهما
عبد المطّلب أشرف بيت في العرب والعجم ، وأنقى وأفضل عائلة في قريش
والدنيا كلّها ، وأمجد نسب في الوجود ، وأكرم آل بيت عند الله تعالى
، مطهّر ومصطفى ، ومختار لهداية النّاس لعبوديّته وتعليم طاعته ونشر معارفه
على طول الزمان من آدم حتّى قائم آل محمّد (صلوات الله عليهم أجمعين)
، ولهم أعلى نعيم ومقام في الجنّة ، وهكذا كلّ مَن يلتحق بهم عن ودّ وحبّ
،
واقتدى بهم وأصبح من شيعتهم ، ونصرهم في الدِّين والقَول والعمل .
ذكر اسم جدّته لاُمّه : اُمّ المؤمنين وسيّدة الإسلام الاُولى ، أول مَن أسلمت على يد رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) ، والمضحّية بنفسها ومالها وكلّ كيانها في سبيل
إعلاء دين الله وكلمته ، الخيّرة الفاضلة المكرّمة الشريفة اُمّ
المؤمنين خديجة بنت خويلد (سلام الله عليها) .
ذكر جدّته لأبيه : اُمّ النّبي الذي ربى في بيتها سبعة عشر سنة
، بل كلّ عمره الشريف ، وأكرمتْه
على ولدها ، وهي اُمّ علي ، فاطمة بنت أسد ، النّبيلة
الكريمة , المجاهدة الصابرة , المهاجرة العابدة التي حفّها النبي (صلّى
الله عليه وآله) بالكرامة
والسّعادة حتّى يوم وفاتها ، وكفّنها بثيابه ونزل في قبرها ؛ ليقيها
ـ بتشريف الله له ـ أهوال يوم الدّفن ووحشة القبر , ومصاعب البرزخ وكلّ مراتب
القيامة ؛ ولتكون معهم في الجنّة في أعلى مراتب المجد والنّعيم والكرامة
.
الذكر الثاني
:
ألقاب الإمام الحسين (عليه السّلام)
أوّلاً : ذكر ألقاب الإمام الحسين
(عليه السّلام) المشهورة :
ألقاب الإمام الحسين (عليه السّلام) يطول المقام معها وخصوصاً شرحها ،
فإنّه يمكن معرفة معناها وشرحها من خلال التدبّر في صحيفة الإمام الحسين
(عليه السّلام) ، ويمكن تحصيل كثير منها من زياراته المأثورة الواردة
عن الأئمّة (عليهم السّلام) ، وممّا ذكرت الأحاديث
من مناقبه ومكارمه وفضائله ؛ حيث إنّ اللقب هو اسم يقرن بالاسم الأول ،
وهي كلّ أسماء الإمام (عليه السّلام) الخاصّة أو المضافة للتعريف والتشريف ،
وهي المعدّة لبيان صفاته ومناقبه ، أو خلق من أخلاقه وأفعاله , وتضحيته
وفدائه (عليه السّلام) , وما يترتّب عليهم من الكرامة والعزّ والفخر ، وبها
يُعرف بحقّ محلّ المجد والشرف .
ونجملها فنذكر قسماً منها
المتداول والمعروفة المشهورة , فنقول : هو
الشهيد ، سيّد الشهداء ، السيّد ، الزكي ، السّبط ، السّبط الثاني ، الولي
والوصي والإمام الثالث ، المعصوم الخامس ، الرشيد ، الطيّب ، الطاهر ،
السّعيد ، الوفي ، المبارك ، التابع لمرضاة الله ، الدليل على ذات الله
، سيّد شباب أهل الجنّة .
ثانياً : ذكر ألقاب الإمام الحسين (عليه السّلام) من القرآن المجيد :
ويمكن تحصيل كثير من ألقابه (عليه السّلام) من القرآن المجيد ، وبالخصوص
من الآيات النّازلة والمفسّرة به , أو كونه كأحد آله ، أهل البيت (صلوات الله
عليهم أجمعين) , والتي منها :
ـ
المطهّر والطاهر ؛ لآية التطهير .
ـ المباهَل به أو مباهِل ؛ لآية المباهلة
.
ـ
المنعَم عليه والهادي والصراط المستقيم كما في سورة الفاتحة
.
ـ
الكوثر
كما في سورة الكوثر .
ـ
الوارث والوارث للكتاب كما في آية
(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ)
.
ـ
الذكر
؛ لآية
(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ)
.
ـ
البر
؛ لسورة الدهر أو لآية
(وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ)
.
ـ
الراضي والمرضيّ كما في سورة الفجر
.
ـ
المرجان
؛ لآيات سورة
الرحمن .
ـ
واجب المودّة
, المودود القريب ذو القربى ؛ لآية المودّة .
ـ
الصادق ؛ لآية
(وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)
.
ـ
الولي
؛ لأية
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)
.
ـ
الشهيد ؛ لآية أخذ الشهادة على
الاُمّة .
ـ
الإمام
؛ لآيات الدعاء
(يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)
.
وهكذا غيرها من الآيات النازلة في شأنهم (عليهم الصلاة والسّلام) :
العروة الوثقى ، وحبل الله ، والسبيل إلى الله ، ونور الله ، وهدى الله
، والشجرة الطيبة ، والآية ، والبيّنة ،
وباب الله .
ثالثاً : ذكر ألقاب الإمام الحسين (عليه
السّلام) في زياراته :
كما توجد كثير من ألقابه في زياراته الخاصة (عليه السّلام) ، أو في
الزيارات العامة مع أهل بيت النبوة الكرام والتي نزورهم بها كلهم ،
نذكر شيئاً من ألقابه الكريمة في زياراته الخاصة (عليه السّلام) , مثل :
حجّة الله ، صفي الله ، حبيب الله ، سفير الله ، باب حكمة الله ، خازن
علم الله ، قتيل الله ، الوتر ، الموتور ، وتر الله ، ثار الله ،
الساكن دمه في الخلد ، المقشعرّة له أظلّة العرش ، الباكية عليه الأرض
والسّماء ،
المبلّغ ، النّاصح ، النّور ، الزكي ، الهادي ، المهدي ، الوفي ،
المجاهد ، الصابر ، الداعي ، المخلص ، المصلح ، العبد الصالح ،
الآمر بالمعروف ، الناهي عن المنكر ، ركن المؤمنين ، دعامة الدِّين ،
الوصي ، التقي ، أمين الرحمن ، أمين الله ، شريك القرآن ، موضع سرّ
الله ، باب حطّة ، مصباح الهدى ، سفينة النجاة ، الدليل على الله ،
برهان الله ،
الآمر بالقسط والعدل ، المبلّغ عن الله ورسوله ، المظلوم ، قتيل
العبرات ، أسير الكربات ، صريخ العبرة الساكبة ، قرين المصيبة الراتبة
،
السيّد ، القائد ، الطيّب ، وارث الأنبياء ، مستنقذ العباد من الجهالة
وحيرة الضلالة ، الباذل في الله مهجته ، مانح النصح لعباد الله ،
المُعذر في الدعاء ،
حجّة الخصام ، ناصر دين الله ، باب الهدى ، إمام التقى ، خامس أصحاب
الكساء ،
المغذى بيد الرحمة ، الراضع من ثدي الإيمان ، المربّى في حِجر الإسلام .
فهذه كانت بعض أسمائه وألقابه
الكريمة والشريفة كي نناديه بها
, ونذكره بها مع اليقين بأنّه هو المصداق الواقعي لها ، وأحسن مَن تنطبق
عليه بالوجود بحق ، ولا يمكن لأحد غير الإمام الحسين (عليه السّلام) أو آله الكرام أن
يدّعيها لنفسه أو يدعوها له أحد وهو صادق ، وهي عرّفنا بها الله ورسوله
وآله الكرام ، وهي المذكورة في زياراته أو ما تنطبق عليه من الآيات
الكريمة التي تُعرّف أئمّة الحقّ وولاة الدِّين والهدى لربِّ العالمين
.
وغيرها الكثير يمكن تحصيلها من زيارات الإمام الخاصّة أو العامّة كزيارة
الجامعة الكبيرة .
وهذه الألقاب الشريفة والأسماء الكريمة كلّها لها
معنىً واسع يمكن للمؤمنين تتبّعها وتحصيلها من الزيارات والأحاديث
الشريفة .
رابعاً : ذكر أسماء وألقاب وكنى الإمام الحسين وآله
(عليهم السّلام) عقيدةً وديناً :
كما أنّ ما ذكرنا من ألقاب الإمام الحسين (عليه السّلام) ، بعضها عامّة
لكلّ أهل البيت (عليهم السّلام) ، وبعضها خاصّ به (عليه السّلام) ؛ لكونه هو
المتجسّد بها ، بل هو روحها وباعث الحياة الخالدة فيها , وهو معناها الحقيقي الذي لا يَصدِق إلاّ عليه بالأصالة وعلى غيره ـ من غير
جدّه وأبيه وأخيه (عليهم السّلام) ـ إلاّ بالتبعيّة له ولهم .
وهي إمّا مواصفاته ومواصفات
تضحيته , أو مواصفات إمامته وولايته (عليه السّلام) ، أو إنّها أوصاف لخلقه
الكريم ووجوده الشريف بانتسابه لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) كالسّبط أو خُلُق له ، وهي
مواصفات كرّمه الله بها في نفسه وفي آله وتشريفه له بكلّ معنى العزّ
والمجد والفضيلة .
والمراد بذكر هذه الألقاب الشريفة لأبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) أو
زيارته بها ليس فقط تسطير ألفاظ ونضد جمل وترتيب عبارات ، كلاّ وألف لا
، بل يراد معناها الحقيقي ووجوب الاعتقاد بها عن إيمان راسخ ويقين محكم
أنّها من مواصفات الدِّين التي دعا لها الإمام الحقّ أبو عبد الله
الحسين (عليه السّلام) ، والمراد معرفة حقائقها والتخلّق بالممكن منها
, والعمل بها
والدعوة إليها وتعريفها للنّاس ؛
وذلك لكونها كلمات لها معانٍ عميقة وواسعة المغزى والمراد ، وهي تبيّن
جهاده وصفاته , ونسبه وكرامات الله عليه , ومناقبه الشريفة وأسماءه الكريمة
؛ فلذا يجب تعلّمها ومعرفتها والعمل بها , والدعوة لها وبيانها للمؤمنين
؛ لتؤخذ عقيدةً وجهاداً , وديناً وطلباً للوصول بها لرضا ربّ العالمين .
كما إن شاء الله سنعقد بحثاً مفصّلاً في الأجزاء المتأخّرة من صحيفة الإمام
الحسين (عليه السّلام) في بيان الكمال الإنساني وجماله في التأسّي بألقاب
الحسين وآله الأطهار ، إن مدّ الله في عمرنا ، وقوّانا على طاعته , في بيان
كيفيّة التأسّي بالحسين (عليه السّلام) والاقتداء به ، واتّخاذه لنا حياةً وديناً وهدىً لليقين
في كلّ أحواله من أسمائه وألقابه وكناه ، حتّى خُلُقه الكريم وسيرته
وتضحيته وفدائه وكيفيّة الإستفادة من ذكره ومجالسه فضلاً عن أسمائه
الكريمة ، والله وليّ التّوفيق .
وألقاب وأسماء وكنى الإمام الحسين بل وآله (عليهم السّلام) هي أسماء
وألقاب وكنى كرامة وشرف وعزّ لهم (عليهم السّلام) ، وحقيقية صادقة عليهم
كأسمائهم الأوليّة ، وبها كمؤمنين نتعلّم منهم معنى الأسماء الجميلة
التي تنبض بالكمال والخير , وتدلّ على الشرف والكرامة ، ونتسمّى بها مقتدين
ومتأسّين بهم ؛ لنتخلّص من التنابز بالألقاب ، بل للفخر بها والشموخ عند
النداء لنا بها ، وننتقل بها لمعاني الجمال والكمال , والشرف والخير
والفضيلة , والعزّ والمجد ، كما تحلّى بها صاحبها الأصلي , ونحاول أن نتحقّق
بها روحاً ومعنى ، وليس اسم لفظ لا حقيقة له , ولا يدلّ على شيء حقيقي من
الفخر والمجد الإلهي والشرف الربّاني .
وأسماء وكنى وألقاب الإمام الحسين وآله أهل البيت (عليهم السّلام) هي
اسم على مسمّى حقيقةً وروحاً ومعنىً ، وليس كما ينادى أتباع غيرهم باللفظ من
غير حقيقة له , ولا لهم روحه ولا معناه ، بل هو اسم سرقوه فيكون مذمّة له
ولهم ، ويكون للسخريّة ولو كان اسماً ولقباً جميلاً ؛ لأنّه ينتقل لمكره وخداعه
وظلمه , وكيف تسمّى بأسماء ليس له حقّ بها , ولم يتحلَّ بمعناها .
وإنّه اسم
ولقب غصبه كما غصبوا منصب الخلافة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) والولاية والإمامة
, وتسمّوا
بأسماء أهل البيت (عليهم السّلام) الكريمة ؛
ولذا كان حتّى التلفّظ بأسماء
أعدائهم , ومَن حرم النّاس معرفتَهم ، وإن كان باسم جميل سرقوه منهم
ننتقل لمعناه عند آل الحسين , آل البيت المحمّدي الكرام دونهم ، وإن كان
اسماً قبيحاً لهم فهم أولى به ؛
ولذا كان كلّ اسم جميل حقّاً للمؤمن أن يعرج به لمعارف الله من خلال مَن
تسمّى به من آل محمّد (صلّى الله عليهم) .
وبالخصوص الأسماء الجميلة
والألقاب الفاضلة لهم , والكنى الشريفة التي اختصّوا بها ، والتي بحقّ تفرّح
المؤمن حين يُنادى بها , وتسرّ الطيّب حين يذكرها ؛ سواء نداء صديق له
, أو أحد
من آله ومعارفه فيحترمه ؛ لأنّه له أصل في الكرامة والمجد والفضيلة عند
صاحبه الأصلي من آل محمّد (عليهم السّلام) ، وبهذا كرّمنا الله بهم
, وشرّفنا وعرّفنا مجدنا ، وبهم فضّلنا الله حتّى بأسمائنا المطابقة لأسماء
وألقاب أهل البيت النّبوي الطاهر من آله ، وليخزي
أعداءهم ، ويموتوا بكذبهم وضلالهم وغيضهم حتّى في أسمائهم فضلاً عن دينهم .
وبالخصوص يوم ينادى كلّ اُناس بإمامهم ، أنّى لهم مثل أئمّة الحقّ من آل
محمّد الذين هم سفن النّجاة ومصابيح الهدى ، وهذا الفخر الحقّ والمجد الصادق
لأتباع الحسين (عليه السّلام) وأنصاره أنصار الله تعالى ؛ ولذا نجوا وهدوا للطيب من
القول والعمل الصالح , والإيمان الواقعي المرضي لله والذي يقبل التعبّد له
به ؛ ولذا نال أنصار الحسين (عليه السّلام) وشيعته محلّ الرفعة والكرامة والفضيلة عند
الله بكلّ شيء لهم تعلّموه وتأدّبوا به من تعاليم الدِّين المحمّدي ؛ بسبب ركوب
سبيل نهج الحسين (عليه السّلام) وسفينته حتّى في أسمائهم وألقابهم وكناهم
, وأنّى لغيرهم مثلهم !
وبالخصوص شيعته الكرام عندما يعرفون خصائص الإمام الحسين (عليه
السّلام) وخصاله
, وأسماءه وألقابه وكناه في مجالس ذكره , وذكر آله الكرام الطيّبين الطاهرين
(صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) ، فينتقلون بها ديناً وتعاليم عزٍّ وكرامة
، فيتسمّون بها , ويتحقّقون بمعناها بكلّ وجودهم وأرواحهم حتّى حُبّ النّداء بها
, وذكرها لهم أو لمَن يحبّون .
وبحقّ يكون اسم الحسين (عليه السّلام) وآله الكرام
(( أحبب لأخيك
ما تحبّ لنفسك )) معنىً حقيقيّاً ، ولفظ كيفما تدين تدان به ، ويطلب رضا الله بذكره ،
ويحصل لمَن يذكره على حبّ التوجّه لله ؛ لأنّها أسماء شريفة كريمة فيها معاني
القرب من الله حين التحقّق بمعناها , والعمل بما توحي إليه مضامينها .
خامساً : ذكر ألقاب الإمام الحسين
(عليه السّلام) في كتب المؤمنين :
قال في المناقب : وألقابه ؛ الشهيد ، السّعيد ، السّبط الثاني ، الإمام
الثالث(2) .
وفي كشف الغمّة : عن كمال الدِّين بن طلحة :
الرشيد ، والطيّب ، والوفيّ ، والسيّد ، والزكي ، والمبارَك ، والتابع
لمرضاة الله ، والسّبط ، وأشهرها الزكي , ولكن أعلاها رتبةً ما لقّبه به
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قوله عنه وعن أخيه :
(( إنّهما سيّدا شباب
أهل الجنّة )) . فيكون السيّد أشرفها ، وكذلك السّبط ؛ فإنّه صحّ عن رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : (( حسين سبط من الأسباط
)) .
وقال ابن الخشّاب : لقبه ؛ الرشيد ، والطيّب ، والوفيّ ، والسيّد ،
والمبارك ، والتابع لمرضاة الله ، والدليل على ذات الله (عزّ وجلّ) ،
والسّبط(3) .
وإذا عرفنا كرامات الله علينا بمعرفتنا ألقاب الفضيلة والمجد والشرف
للحسين (عليه السّلام) وأسماءها ، ننتقل لمعنىً آخر من فضله علينا ، بمعرفة
كناه في الذكر الآتي ، فنتدبّرها معاً ؛ فإنّها تعاليم الدِّين من أبي الأحرار
الإمام الحسين (عليه السّلام) .
الذكر الثالث
:
كنى الإمام الحسين (عليه السّلام)
عرفت أنّ كنى الإمام
(عليه السّلام) وألقابه من أرقى التعاليم الشريفة والكريمة التي
نتعلّمها من ذكر الإمام الحسين (عليه السّلام) وألقابه وكناه ، وبها يتمّ
التذكّر والرجوع لتعاليم الدِّين , ومن ثَمّ التفكّر بها والتحقّق بمعناها الشريف
؛ فإنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) ما ذكره أحد إلاّ وناداه : يا أبا عبد
الله ؛ ليعلّمنا أنّ إطاعته (عليه السّلام) والاقتداء به هي الموصلة لمعرفة
الله تعالى , وحقيقة تعاليمه ودينه وهداه ، ومن ثمّ إقامة العبوديّة
المفروضة الصحيحة له تعالى .
أو ينادي المؤمنُ الحسينَ (عليه السّلام) : يا أبا المساكين . وكلّنا مساكين
للحسين (عليه السّلام) , نحتاج لهداه والاقتداء والتأسّي به ؛ لتعلّم معالم
الدِّين ، ونخلص أنفسنا من المسكنة في المادّة أو الخنوع لظلم الظالمين
والمتعدين وأئمّة الكفر , والخضوع لضلالهم ولشهواتهم ، والارتفاع عن هوى
النّفس , والانتكاس في الفسق والفجور وعصيان ربّ العالمين .
فمن الإمام الحسين (عليه السّلام) نتعلّم الانتفاض لتعلّم معارف الدِّين
, ودروس
العزّة والكرامة , والسَّير في هداه ، ولننتقل من نداء الحسين بـ (أبي المساكين) إلى معرفة شريفة ، وهي أن نكون من الساكنين والمتمسكنين في المعارف
الإلهيّة والعلوم الربّانيّة الفاضلة الكريمة , والمتمسّكين به وبآله أئمّة
الحقّ للوصول إليها .
وقد ذكر الحرّ العاملي (رحمه الله) في الوسائل أحاديث
في استحباب وضع الكنية للولد في صغره ، ووضع الكبير الكنية لنفسه وإن
لَم يكن له ولد ، وأن يكنّى الرجل باسم ولده(4) .
كما ذكر في الباب 29 كراهة كون الكنية أبا مرّة وأبا عيسى وأبا
الحكم وأبا مالك وأبا القاسم للذي اسمه محمّد ، وذكر في الباب 30 كراهة ذكر اللقب والكنية اللذَّين يكرههما صاحبهما أو يحتمل كراهته لهما
.
وهذه من سنن التعاليم الإسلاميّة ومعارف أهل البيت (عليهم السّلام) ؛ ولذا
ترى لهم كنى وألقاباً جميلةً تعلّمنا الاقتداء بهم في التسمية , وذكر الكنية
للطيّبين من أتباعهم وأوليائهم . وهذه من المسائل الفقهيّة والآداب
الدينيّة التي شرّفونا بها وكرّمونا بمعرفتها والتحقّق بها ، ويجدها مَن يحبّ
المعرفة الواسعة الرجوع لها في الرسائل العمليّة للمجتهدين وأحاديث
المعصومين (عليهم السّلام) .
والكنية هي من الأسماء ، ينادى بها الإنسان باسم الابن أو البنت له على
نحو الحقيقة أو التقدير والفرض ، أو كنية تأتيه من عمل له شريف وفاضل
قام به . وغير أهل البيت لهم كنى مثل أبي جهل و أبي مرة و أبي معاوية
(جرو) وغيرها , أبعدنا الله منهم .
وللسنّة الحسنة التي دعت لها تعاليم
الدِّين اعتاد المؤمنون عندنا في العراق أن يكنّوا
مَن اسمه علي (أبو حسين) ؛ لكون مرقدي الإمام علي والإمام الحسين (عليهما السّلام) في العراق
, وفي قلوب المؤمنين ، يزورونها ويجددون العهد معهم
, وعقد العزم على الاقتداء بهم , والسير على صراطهم الموصل لله وطاعته كلّما
سنحت الفرصة وغنمت . كما أنّ بعض البلاد يكنّون مَن كان اسمه عليّاً بأبي حسن
أو أبي الحسنيين . وأمّا في ذكر أحاديثه فيقال مثلاً : قال أمير المؤمنين
, وهو لقبه الخاصّ , أو يقال : أبو الحسن , وهذا الغالب في ندائه بالكنية
(عليه السّلام) .
وأمّا مَن كان اسمه حسين فإنه يكنّى : أبا علي ؛ لكون ثلاثة من أولاد الإمام الحسين
(عليه السّلام) اسمهم علي ؛ علي الأكبر , وعلي الأصغر , وقد استشهدا معه
في يوم الفاجعة الكبرى في كربلاء ، وعلي الأوسط , وهو إمام الحقّ الرابع
، علي بن الحسين السجّاد (عليه السّلام) . وفي كنيته (عليه السّلام) إشارة
وتعليم لمعنى العلوّ والمجد , والعزّة والكرامة , والفضيلة والشرف , والسعادة
والخير ، وهكذا نتكنى ونتلقّب بألقاب آل الحسين الكرام ؛ صادق وكاظم وجواد
وهادي ومنتظر وغيرهن .
فالإمام الحسين
(عليه السّلام) , بل وآله الكرام قدوة لنا واُسوة في اسمهم وكنيتهم ولقبهم
, وكل ما يوصلنا لسلوك هدى الله وتعاليمه ، كما أنّ اسم الحسين (عليه
السّلام) ولقبه وكنيته فيها معانٍ شريفة لتعليم المؤمنين السنّة الحسنة
, والتكني بالأسماء الحسنة والجميلة .
وجعل كنية
للابن قبل زواجه فضلاً عن تسمية الإنسان وندائه بأسماء أطفاله لا
يقتصر بكنى الحسين (عليه السّلام) ؛
إذ يمكن الانتقال في التكنّي من الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى كلِّ
آله الكرام , آل البيت النبوي الطاهر ، أو إلى خواص صحبهم الكرام , أو الأسماء
الجميلة التي تدل على الكرامة والشرف , والعز والخير والفضيلة ، والتي
فيها تعاليم الدين ، ولكلٍّ منها جماله , ولا أجمل من كنى أهل البيت (عليهم
السّلام) ، وهذا مذكور في تعاليمهم الشريفة وأخلاقهم الكريمة .
أقول : ويكنّى الإمام الحسين (عليه السّلام) عند بعض الثوّار الطيّبين
والمؤمنين بكنى ؛ إمّا جاءت في أحاديثه الشريفة , أو في معنى متجدّد مستفاد
من ثورته وتضحيته (عليه السّلام) , وهي :
ـ
أبو الأحرار ؛ لحديثه يوم
عاشوراء : (( كونوا أحراراً في دنياكم )) .
ـ
أبو الثوّار ؛ لكون مَن يقتدي بثورته يكون
مصلحاً وتابعاً له في طلب إقامة الحقّ والهدى , والعدل والخير , والفضيلة والعزّ
. وهكذا مثل : أبي المؤمنين ، أبي المصلحين ، أبي المجاهدين ، أبي
المعصومين .
مدّة عمر الإمام (عليه السّلام)
العمر قصير ، فليكن كعمر الحسين (عليه السّلام) في تقوى الله ورضاه
, والتضحية والفداء بكلّ
شيء في سبيل الله تعالى . وإن لم نكن مثل الحسين (عليه السّلام) ولا نستطيع فلنشارك
بما نقدر بنصر الحسين (عليه السّلام) ؛ فإنّ نداء الحسين (عليه
السّلام) هو نداء الدِّين
الذي يوجب علينا العمل بالواجبات والانتهاء عن المحرّمات .
وهو (عليه السّلام) صرخة العزّ والكرامة والهدى الرافض للظلم والعدوان
؛ سواء
ظلم النّفس أو الأهل أو المجتمع أو أي إنسان ؛ فالإمام الحسين (عليه
السّلام) رمز
العدالة , وفخر الحريّة , وقدوة الحياة , واُسوة في المال والأهل والولد .
فإلى الحسين (عليه السّلام) في المعنى والدِّين
, والروح والرواح ؛ لنذكر ربّ العالمين
في كلّ زمان وحين ، ولكي لا نكون لعهد الله وميثاقه من الغافلين
والنّاسين .
سني عمر الإمام الحسين (عليه السّلام) الشريف في الدنيا :
يتقسّم عمر الإمام الحسين (عليه السّلام) هكذا :
مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سبع سنين .
وفي عهد أمير المؤمنين (عليه السّلام) ثلاثين سنة .
وفي عهد أخيه الحسن (عليه السّلام) عشر سنين .
وكانت مدّة إمامته
(عليه السّلام) عشر سنين وأشهراً بعد أن أتمّ من العمر سبعاً وخمسين
سنة وخمسة أشهر وسبعة أيّام ، أي من
3 / 8 / 3 هـ إلى 10 / 1 / 61 هـ ,
فسلام الله عليه يوم وُلد , ويوم بَعث الحياة في دين الله , ويوم استشهد
, ويوم يبعث حيّاً .
اللهمّ بالحسين الوجيه
, وجدّه وأبيه , واُمّه وأخيه , والمعصومين من بنيه اجعلني مع
الحسين وآله الطاهرين وأصحابه الطيّبين
ــــــــــــــــ
(*)
مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين)
.
(1) بحار الأنوار 39 / 237 الباب الحادي عشر
ـ الحديث الأول .
(2) المصدر نفسه .
(3)
المصدر نفسه ـ الحديث الثاني .
(4) وسائل الشيعة 21 / 397 الباب 27 .
|