هكذا عرفت كربلاء

 
 

هكذا عرفت كربلاء

بقلم : حسن الأنباري ـ بتصرّف

مقدّمة :

مَنْ عرف كربلاء عرف الحقّ والعدل والإباء , ودافع عنه

إنّ الصراع بين الحقّ والباطل جارٍ على طول التاريخ , والمعركة بين جنود الرحمان وجنود الشيطان مستمرة على وجه الأرض ما دام على وجهها بني الإنسان . وسترى هنا مدينة خلّدها التأريخ فأصبحت رمزاً للمجد وللتضحية والفداء , ولطلب العدل والصلاح , والإباء على كلّ ضيم , بسبب يومها المشهود الذي استشهد فيها سيّد الشهداء , وسيّد شباب أهل الجنّة وصحبه الكرام , ومن أجل تعريف الحقّ والهدى , وللمطالبة بالعمل الصالح ورفض الظلم والعدوان ؛ ولهذا خاف مثواه وذكره الظلمة والطغاة على مرّ الزمان .

نعم , كربلاء مدينة الإمام الحقّ , معلم الإباء , وسيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ؛ فإنّ الظلمة كانوا يخافون أن يتوجّه المحبّون لمنهجه الكريم عند زيارته , وتجديد العهد معه ؛ للسير على هداه الكريم .

وقد كتبت مقالاً في أربعين الإمام الحسين (عليه السّلام) , هذا أبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون , راجعه وتذكّر كيف زاره في هذه السنّة سنة 1424 هـ المحبّون ؛ ليكتسبوا منه منهل الوفاء للإيمان والهدى , ومنهج للعقيدة حتّى تطبيقها ؛ فعدّوا زوّار أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) في كربلاء بالملايين بدل الاُلوف , فترى فيه شيئاً من التعبير الذي عانى منه أولياؤه على مرّ السنين ؛ لمنع الكفّار والظلمة من زيارته , ومحاربة مَنْ يتوجّه لمرقده ؛ فإنّ الحكّام الطغاة كانوا يخافون من مرقده الطاهر , ويخافون من قبره الشريف , فكان يغضبهم زيارته من الأحرار , ويزعجهم تقرّب المؤمنين منه والطيّبين الأخيار .

فترى أهل الظلم وأتباعه والانحراف عن الدين وأصحابه لا يرضون بالقرب من الصراط المستقيم وزيارته , وتراهم يعتدون على المرقد الطاهر , ويمنعون الناس من القرب منه .
ولم يعلم هؤلاء المعاندون أنّ الحسين ومبادئه , وعقائده وتعاليمه زرعت في قلوب المؤمنين حبّاً ومودّة , وديناً واعتقاداً , ونمت في أفكارهم أهداف وغاية يسعى للوصول إليها الأحرار والمؤمنون ؛ ببذل النفوس وتحمّل الصعاب في كلّ وادٍ , فيقيمون مجالس ذكره الشريف من أجل الالتحاق به وبمنهجه ودينه , ومبرزين له كلّ الحبّ والوفاء , وبأشدّ إخلاص , ومعلنين لكلّ العالم هداه , وهم في أماكنهم وفي جميع بقاع الأرض ؛ فإنّه (عليه السّلام) أثمر لهم المجد والكرامة ,


الصفحة (2)

والعز والإباء , والإخلاص في العبودية لربّ العالمين , ونُشرت تعاليمه لكلّ المسلمين , بل لجميع العالمين .
تدبّر التأريخ ترى أنّ كلّ الظلمة يموتون ويُدثر ذكرهم وتُمحى رسومهم , وتبقى اللعنة تصبّ عليهم من الله والملائكة والناس أجمعين , وآثارهم خربة وفرجة للمتفرّجين وعبرة للمعتبرين ؛ لأنّهم كانوا طغاة .

وبقي الحسين وآله وصحبه (عليهم السّلام) مبدأ وعقيدة , وهدفاً وغاية , وبتعاليمه ومعارفه الإلهية يصل المؤمنون لدين الله الحقّ ورضاه الواقعي ؛ ولذا يتقرّب المؤمنون منه , ويسعى المحبّون للتشرّف بزيارته , ويتمنّى قربه في الدنيا والآخرة كلّ الطيّبون ؛ فسكن وجوده وقوله , وعلمه وعمله , وفكره وتعاليمه العقول قبل الأرواح , ونما في الفكر قبل القلوب , واتّسع وجوده فشمل الزمان , فكان يومه كلّ التأريخ عاشوراء , ومحلّ شهادته توسّع فصار في كلّ أرض صالحة يوجد فيها مَنْ يطالب بالعدل والهدى الإلهي , والإنصاف والحقّ , ملتهم منها الإيثار والفداء , فصارت تلك البقاع كربلاء .

نعم , قد قال الأحرار بكلّ وجودهم : كلّ يوم عاشوراء وكلّ أرض كربلاء ؛ وذلك حين يتوسّمون الهدى الذي علّمه الحسين (عليه السّلام) في كلّ شيء , وبالخصوص حين يقاومون الظلم في أيّ بقعة من بقاع العالم , مقتدين بمنهج الحسين (عليه السّلام) إيماناً وعلماً وعملاً , ومعبّرين عن اعتقادهم وصدق نيّتهم في قبول الإمام الحسين (عليه السّلام) وسيرته , وتصرّفه من أجل طلب الإصلاح في اُمّة جدّه وشيعة أبيه ما استطاع .

فاقتدى به الطيّبون والأحرار ولو بتضحية النفس وكلّ الأهل من أجل مقارعة الظلم والعدوان ؛ فلم يستسلموا لظلم في إيمانهم , ولم يخنعوا لذلّ الجور والاعتداء في داخل وجودهم وإن سُجنوا أو عذّبوا , أو حكمهم ظالم وطاغية لأيام أو سنين ظاهراً , بل كان الشرفاء يقولون , ويقدم منهم الطيبون , كما قال الإمام الحسين (عليه السّلام) وأقدم حين حان الوقت المناسب للفداء : (( ألا إنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلّة ـ مقارعة السيوف ـ والذلّة ـ الخنوع للظالم بكلّ الوجود , والتسليم له ظاهراً وباطناً ـ , وهيهات منّا الذلّة ! أبى الله ذلك ورسوله , وجدود طابت , وحجور طهرت , واُنوف حمية , ونفوس أبيه , من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام . ألا قد أعذرت وأنذرت . ألا وإنّي زاحف بهذه الاُسرة على قلّة العدد , وخذلة الناصر )) .


الصفحة (3)

فأقدمَ (روحي لمنهجه الفداء) يُقارع الظلم بكلّ ما اُوتي من قوّة , وبكلّ الأهل والمال والعيال والنفس , مع خذلان الناصر وقلة المنتصر له في ذلك الزمان حتّى الشهادة .

فلمّا علم الله والمؤمنون , وكلّ الأحرار والطيّبون صدقه , قبلوه إماماً , ورضوا بمنهجه عقيدة وديناً ؛ ولذا وجب اتّباعه والاقتداء به من أجل رفض كلّ جور وظلم وطغيان , فقام كلّ شريف يحبّ الخير ويتوق للعدل على منهجه , فيحبّ المطالبة بالإصلاح والهدى الحقّ , بل يؤمن به , وعمل بكلّ وجوده من أجله , ويسعى بكلّ جهده لأن يقيم العدالة والإحسان في السيرة والسلوك لكلّ بني الإنسان الطيّبين , فضلاً عن صميم نفسه وأسرته وأهله .
فلهذا صار محلّ مثوى الحسين (كربلاء) رمز الحرية وشعار الصالحين , يجدّدون العهد معه فيها , ويسيرون في خطاه , مقتدين به بكلّ وجودهم خطوة خطوة , مقتدين آثاره في كلّ هدىً ودين ؛ ولذا صار مرقده الطاهر وقبّته تناطح السماء علوّاً ورفعة وشموخاً , وعزّاً وإباء ؛ فإنّ كلّ المؤمنين الأتقياء يحبّون الوصول إليها , وتهفو لمدينة كربلاء كلّ الشرفاء , فيزورها المؤمنون الأحرار , ويتمنّى قربها الأخيار , وخزي ولعن كلّ مَنْ تعرّض لها بسوء من الأشرار .

وهذا فصل من صحيفة الإمام القدوة الحسين (عليه السّلام) بين يديك يا طيّب , يحكي شيئاً من الجغرافية والتاريخ عن كربلاء التضحية والفداء , والذي اُسكن فيها سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السّلام) .

وهنا كلام عن شموخ مثواه ومرقده الطاهر وموقعه الشريف , وسنذكر في موضوع آخر من صحيفة الإمام الحسين (عليه السّلام) إن شاء الله جور الخلفاء الاُمويِّين والعباسيِّين عليه وولاتهم في قصص ذكرها مَنْ عاش تلك الأحداث , ونذكر هذا للطيّبين والأحرار المخلصين للعبرة والعظة .

وكما عرفنا يعرف المؤمنون , ولكلّ الناس بأنّ الحقّ يعلو ولا يُعلى عليه , وينمو في الفكر والعقيدة والوجود والتاريخ والجغرافية حتّى يكون كربلاء , وأنّ الباطل والطغاة والظلمة منحسرون خاسئون , تلعنهم الأرض والسماء , والله والملائكة والناس أجمعون , حتّى ليكون مثواهم مزبلة ومحلّ كسافة للنزلاء , يهجره حتّى مَنْ يتولاّه ولا يؤمن بزيارته , بل يحرم قربه والبناء عليه كما عليه الوهابيّة العملاء , فهذا هو مرقد سيّدهم يزيد ومعاوية وأمثالهما .
وتبقى كربلاء كالحسين (عليه السّلام) مبدأً وعقيدة , وغاية وهدفاً ينمو ويتّسع في عالم المعنى والروح , جغرافية وتأريخاً , وهذا مرقده الطاهر يهفو له المؤمنون ويزوره الناس من جميع بقاع الأرض , وهم بذكره يأنسون , مرتاحون في أشدّ الأحول وأصعبها , فضلاً عن أيام اليسر والراحة , وأصبحت مدينته (كربلاء) من أهم المدن


الصفحة (4)

في الأرض سمعة وصيتاً ؛ لما حلّ فيها من التضحية والإيثار والفداء , وصارت مقدّسة يهفو لحبّ ذكرها النبلاء بعد أن كانت أرضاً قاحلة في صحراء .
ويا أخي الكريم , يا مَنْ يحبّ الكرام وأهل الإباء , قد جعلنا ما يُعرّفك من جغرافية وتأريخ المرقد الطاهر ومدينته كربلاء , وما جرى عليها من الجور وإباءها عليه في بحوث , فتدبّر فيها لعل الله ينفعنا وإياك في جعل الحسين (عليه السّلام) قدوة واُسوة لنا حتّى نحبّه , بل نحبّ أرضه كربلاء , ويرزقنا الله سبحانه زيارته وشفاعته في الدنيا والآخرة إنّه أرحم الراحمين , ورحم الله مَنْ قال آمين .

وهنا بحوث في تعريف كربلاء من الناحية الجغرافية والتاريخيّة ؛ معنى ولفظاً , وباطناً وظاهراً .


البحث الأول : تعريف كربلاء المعنوي واسمها الظاهري

أوّلاً : التعريف الحقيقي والمعنوي لكربلاء
كربلاء : مدينة ذكرها الله لأبي البشر آدم حين علّمه الأسماء , ولجميع المصطفين الأصفياء ؛ فزار تربتها الأنبياء (عليهم السّلام) , بل عرفتها ملائكة السماء , وهي البقعة التي أعدّها الله تعالى لتواري الجسد الطاهر للحسين وصحبه (عليهم السّلام) , وكفاها فخراً وشرفاً ومنقبةً وفضلاً في ذلك , وقد ذكرنا أحاديث في هذا المعنى في فصول من صحيفة الإمام الحسين (عليه السّلام) من موسوعة صحف الطيّبين .
وصارت كربلاء بسيّد الشهداء مهبطاً للملائكة والأنبياء من ملكوتهم , والمؤمنين والطيّبين وكلّ الشرفاء في دنياهم , فذكرت كربلاء مع كلّ ذكر للحسين (عليه السّلام) في أغلب مجالس ذكره , حتّى قالوا : كلّ أرض كربلاء . وليوم إبائها وشموخها على الذلّ , وتعزّزها على الطغيان بالحسين (عليه السّلام) في العاشر من المحرّم قالوا : كلّ يوم عاشوراء .
كربلاء : قد جاء ذكرها مع الحسين (عليه السّلام) , فكثر معناها في أحاديث أهل البيت (عليهم السّلام) , بل بالعاطفة والعقل لمحافظة الله على دينه , وبالدليل للدين أنّه مصون بأئمّة حقّ وقادة مختارين من الله , يكرمهم ويشرفهم بكلّ ما يجعل الناس يقتدون بهم , ويتأسون بكلّ شيء من ذكرهم وسيرتهم , بل حتّى آثارهم .

وسترى في مقال يأتي أنّه في تربتها الشفاء , وأنّ التسبيح بسبحة من ترابها يخرق الحجب ويصل أرقى محلّ في السماء , والسجود على تربتها يرضي الربّ فيصعد الدعاء , وأصبحت محطّ لأنظار الملائكة والمؤمنين والأولياء , ورغب بزيارتها كلّ المخلصين والذين هم لمنهج دينهم الحقّ أوفياء ,


الصفحة (5)

فأضحت تفاخر الكعبة المكرّمة , والمدينة المنوّرة , والقدس الشريفة , مع ما لهنّ من الفضل والكرامة عند الله والملائكة والأصفياء .
ثانياً : أسماء مدينة كربلاء في التأريخ
كربلاء : سمّيت مدينة كربلاء من قديم التأريخ , فكانت أوّل أمرها مقبرة للنصارى .

وأسماؤها

أ ـ بالبابلية : قرب الإله

ب ـ بالآشورية : كرب إيل : حرم الله , وهي من كور بابل القديمة

ج ـ بالفارسية قبل الإسلام : كار بالا : العمل الأعلى .
وسمّيت بأسماء مدن تقربها قبل تشريفها بالحسين (عليه السّلام) .
وعقر بابل , وكور بابل , مجموعة من القرى , منها :
قرية نينوى : وهي الآن أطلال شمال شرق كربلاء الحالية .
والنواوويس : هي مقبرة للنصارى قبل مجيء الإسلام , قرب نينوى .
وكربلاء : قرية تقع شمال غرب كربلاء الحالية قليلاً , وهي التي غلب اسمها ؛ لقربها من محلّ الشهادة , بل اليوم ضمنها , وهي التي أشار إليها الإمام الشهيد الحسين بن علي (عليه السّلام) بقوله : (( كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات , بين النواويس وكربلا )) .
والطفّ ؛ لوقوعها على جانب نهر العلقمي .
وكذا سمّيت بالغاضرية ؛ لقربها من القرية التي يسكنها بني أسد , والمسمّاة الآن بالحسينيّة . وقرية كربله تقع شمال كربلاء الآن وشمال شرق الغاضرية .
وتسمّى بالحير ؛ لأنّه حار الماء حول مرقده الطاهر عندما حرثوا وسقوا تراب كربلاء بالماء بأمر المتوكّل , فلم يصل الماء للقبر , فدار حوله وحار محيط به . واليوم يعرف المحيط الذي يحيط بصحن الإمام الحسين (عليه السّلام) بالحائر , وينتسب له ناس كثيرون بالحائري , يتشرّفون بلقبهم هذا ؛ لأنّهم في زمان سكنوا قرب هذا المحيط المقدّس فيلقّبون به , ولهم به كلّ فخر , فيتشرّفون بذكر مجاورتهم له . واستقرّ اسمها القديم كربلاء لها , وتعرف به اليوم دون غيره .
 


الصفحة (6)

البحث الثاني : موقع كربلاء في القلوب والأرض

أوّلاً : حقيقة موقع كربلاء في القلوب
تقع كربلاء في قلوب المؤمنين معلمة للثورة والتضحية والفداء في سبيل إعلاء كلمة الله ودينه الحقّ , وكربلاء في أرواح الطيّبين بقعة بيضاء لا تقبل الكفر والشرك والنفاق , وفي لبّ أولياء الله فكرة الجهاد , ورفض المتجبّرين والظلم والخنوع للطغاة والفسقة على طول التاريخ .

فكربلاء هي العاصمة المعنوية للعراق , والعاصمة الدينية لكلّ الأحرار والمؤمنين المحبّين لله ورسوله وآله الطيّبين الطاهرين , واُسوتهم الحسين (عليه السّلام) .
ثانياً : كربلاء في بقع الأرض
وتقع كربلاء في بقع الأرض في آسيا , وسط العراق مدينة مقدّسة , على بعد 105 كم من بغداد عاصمة العراق , وعلى جهتها اليمنى جدول الحسينيّة , وهي في شرق الفرات وبساتينه الغنّاء , وعلى حافتها الجنوبية والغربية بحيرة الرزّازة وصحراء .
أو فقل : تقريباً في شمالها بغداد عاصمة العراق الظاهرية , وفي جنوبها النجف التي فيها مثوى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) , وفي شرقها بابل وآثارها الحلّة , وفي غربها الأنبار وبلاد الشام , أي بادية الشام وأراضي الحجاز في شبه الجزيرة العربية .
كربلاء مدينة المعنى والظاهر في الأرض
فمَنْ يعرف كربلاء يدخل في حدودها فيكون فيها , فيحدّه ويكون في حدود ما يحدّها في عالم المعنى :
من الشرق نور الإيمان ورضا الله والجنّة , إن قبلها مبدأ وغاية في الهدف كما كان سيّدها .
وهي لمَنْ غرب عنها في قلبه فلم يعرفها في سرّه , والمجانب لها في الاُسوة والقدوة , والتارك لها فهو في نار الكفر متحقّق , وفي جحيم النفاق واقع , وفي الشرك متورّط في ظاهره وباطنه , بل هو من أتباع الاستعمار والصهاينة والطغاة الفسقة على طول التأريخ , وفي جميع بقاع الأرض أو مَنْ مثلهم .

فمَنْ شم ثراها بالمعرفة الحقّة تشفّى عقلاً وإيماناً وهدى , وغدا رجل الحقيقة والنضال , والإيثار والصلاح , والعدل والإحسان .

ومَنْ تجنّبها تجنّب عن الحسين وأبيه علي واُمّه فاطمة وأخيه الحسن وجدّه محمّد (صلوات الله عليهم جميعاً) , والوحي , وكلام الله القرآن بما فيه الأحكام والسنن , فضلاً عن آيات الإمامة والمودّة والولاية , و (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) , وكلّ ثواب وأجر .


الصفحة (7)

البحث الثالث : موقع كربلاء وبالخطوط والطرق المعنوية والأرضية

أوّلاً : موقع كربلاء على خطّ الطول والعرض المعنوي
تقع كربلاء على خطّ الطول في عالم المعنى , على خطّ الصراط المستقيم الذي يوصل لرضا الله تعالى وكلّ نعيم , وتطول بساكنها في المعنى والحقيقة والإيمان محلّ الكرامة في الجنّة , حتّى يحفّ المتمسك بكلّ وجوده بمنهج الحسين (عليه السّلام) بالمقام المحمود معه , عند جدّه نبي الرحمة في ملكوت السماء , وعلى ضفاف الكوثر يسكن في الفردوس الأعلى في درجات العلا , في مقام لدينا مزيد , ولا عين رأت ولا اُذن سمعت بكرامة الله لأوليائه وأحبائه المخلصين .
وتقع كربلاء على خطّ عرض الدين وحماته , وشرفه وهيبته وعزّه , فسرت في الزمان من أوّل التاريخ لآخره , هيبة وكرامة وشرفاً لمَنْ قبلها وتمسّك بمنهجها , وفي المكان وسعت جميع بقاع الأرض ؛ فسكّانها كلّ الأحرار الطيّبين المؤمنين , والموالين والمحبّين لله ولأوليائه من الرسل والأنبياء , وبالخصوص نبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ومحبّيهم وإن كانوا هم في أماكنهم ومساكنهم في جميع بقاع الأرض .

فمَنْ تاه في بقاع المعنى وضلّ عن المعرفة الوسطى فمناره وعلامة هداه كربلاء , تكون له كسيّدها مصباح هدىً في أعلى منار الإيمان , وسفينة نجاة تنجي من كلّ ضلال , فيأتيه في كلّ زمان مجالس ذكرها مع ذكر الحسين (عليه السّلام) المتجدّد عند المخلصين المؤمنين , فيعرفه الحقّ وأهله , وإيثارهم وثورتهم من أجل الإصلاح , وطلب العدل والإيمان من الطغاة فضلاً عن نفسه وأهله .
فكربلاء لمَنْ تعرّف عليها بحقّ تقع على حدّ العقل دليلاً للهدى , ومناراً للتقى , وبرهاناً يجلي العمى , وفي وسط الفؤاد والقلب حقيقة معنى الإصلاح والعدل , والإيمان والمحبّة , فهي السالكة بالمؤمنين والصاحين لواقع الاُمّة الوسطى , فتدلّ , بل تأخذ لمَنْ يسلك سبيلها لأعلى مراتب الإيمان واليقين بالله وتعاليمه الحقيقة الواقعية الصادقة , فيصل بمعرفة حقيقة وجودها وغرض تقديسها لأعلى هدفه في طلب مراتب العدل والإحسان , فيتنعّم برضا الرحمان في أعلى الجنان .
ثانيا : خطّ الطول والعرض الجغرافي
تقع مدينة كربلاء على خط طول 44 درجة و40 دقيقة , وعلى خط عرض 33 درجة و31 دقيقة .


الصفحة (8)

البحث الرابع : التوسعة والإعمار لمدينة كربلاء

أولاً : التوسّع والعمارة المعنوية
توسّعت كربلاء فشملت قلوب جميع المؤمنين المخلصين والأحرار والثوار , فسكنت قلوبهم تضحية وإيثاراً , وتوسّعت في فؤادهم محبّة , وفي أفكارهم مبدأ وعقيدة , وفي كلّ آن تتجدّد مستمدة بركاتها من ساكنها الحقيقي , سيّد الشهداء وأهل الجنّة , والذي أعطها كلّ فخر وعزّة وشرف بعدما كانت صحراء على ضفاف نهر لا تروى ؛ لارتفاع أرضها نسبياً , فارتفعت بسيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) , فبلغت السماء علوّاً ورفعة , ومجداً وشموخاً , وأصبحت محطّ أنظار الشرفاء .
ولهذا اتّسعت لمَنْ سكنها وزارها من المؤمنين , فحبّ البقاء فيها , منتهل منها نور الإيمان والإخلاص للدين , وللتحقّق بالطاعة لمعارف ربّ العالمين , فأصبحت أحد مدن العراق المهمّة , ومحافظاته الواسعة في العمران والسكن .
وتعرف تطوّرها التأريخي الحقيقي بالتدبّر في الفصول من صحيفة الحسين (عليه السّلام) عند الحديث لذكرها عند الأنبياء ونبيّنا الأكرم والصالحين (عليهم السّلام) .

فأوّل مَنْ سكنها أبو عبد الله الحسين واثنان وسبعون من أصحابه وأهل بيته (عليهم السّلام) , وأربعة آلاف من الملائكة , وخمسين ألفاً , ومئات الآلاف منهم يزوروه كلّ يوم , فهي عامرة في عالم الروح والمعنى , ومن أوسع مدن معارف الله سبحانه وتعالى , تُعلّم التضحية والفداء والإيثار , والعدل وطلب الإصلاح , وكلّ خير وفضيلة ؛ علماً وعملاً لكلّ مَنْ يعرف حقيقة وجودها وسبب تقديسها .
وأمّا المتعلّمون فيها وعلماؤها , فهم كلّ محبين آل محمّد (عليهم السّلام) , وكلّ حرّ في دنياه وإن لم يخاف المعاد .
وأمّا سعتها ومحلاتها , فقد وسعت جميع قلوب المؤمنين وسكنت فيها , بل سكنوا فيها بالفكر والعقيدة وهم في بلادهم , فكان محلّها فكر المؤمن المحبّ لله ورسوله وآله الأطهار قبل قلبه .
وأمّا شوارعها وطرقها , فهو الصراط المستقيم , الموصل لرضا الله والجنّة وكلّ نعيم , وفيها مسالك الكوثر والهدى , والحديث عن النعيم لسيّد المرسلين في آله وفنائهم في هدى الله حتّى الشهادة .

وأمّا أسواقها , فهي تبيع السلوان للمبتلين والمصابين , والصبر للمضطهدين والمستضعفين والمنكوبين , والثورة والفداء والتضحية للثوار والأحرار , فتمنحهم العزّ والكرامة , وطلب الإصلاح والعدل والإحسان , فيُشترى بالإيمان بها منهجها ومبادئها حتّى اليقين


الصفحة (9)

برضا الله , وقبول الأعمال الصالحة نية وعملاً , فيكون ربحها الجنّة , وكلّ خير وكرامة , ونعيم وشرف , وعزّ وإباء , ففيها شراء الأنفس , وبيعها رضا الربّ ونعيم الدنيا والآخرة , وكلّ هدى وصلاح , وهباتها المجد التليد , والعزّ الذي لا يبيد , وكلّ كرامة لمَنْ من فيضها يقتبس وبحقّ يُريد .

ويخسر أكبر صفقة هدىً مَنْ لم يدخل في سوقها , ومَنْ ينكر فضلها فلم يشترِ منها بقلبه فكرة دين ومنهجاً للعقيدة , ومَنْ يهجرها فلم يبع فيها , ولم يشترِ منها يخسر الاطمئنان فيقع بالخوف والبوار , والذلّ وكلّ عار ؛ لأنّه إمّا أن يكون من الطغاة والظالمين والمستكبرين , أو من أتباعهم , ومتورّط في حبالهم , من حيث يدري أو لا يدري , فهو أجير لهم اشتروه بثمن بخس الهوى والشهوات والأفكار الرديئة , وليس بعد الحقّ إلاّ الضلال , بل يلاحقه أنصار الحسين (عليه السّلام) وطلاب العدل والإصلاح , وكلّ فضيلة وفلاح ؛ للإثابة لرشده , وطاعة هدى ربّه .
وكلّ هذا الفخار والمجد والعزّة جاء لكربلاء من أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) الإمام , وخليفة رسول الله الثالث , وخامس أصحاب الكساء المعصومين الذين طهّرهم الله بآية التطهير , وأورثهم الله تعالى الكتاب بآية الوراثة للذين اصطفى , وأمر بمودّتهم واتّباعهم بآية المودّة واقتراف الحسنة , وبرّهم بسورة الأبرار المسمّاة بسورة الإنسان والدهر , وكثّرهم بسورة الكوثر ؛ فباهلوا كلّ سكّان الدنيا بآية المباهلة , فنالوا بنبيّنا محمّد وآله الأطهار رضا الله , وسكنوا نعيمه , وصاروا صراطه المستقيم في سورة الحمد (الفاتحة) , وتبعهم محبّوهم وأتباعهم والأرض التي سكنوها , والهواء الذي استنشقوه ؛ لما سيعطي الله نبيّه فيرضى , فيُرضي محبّيه ومحبّي سبطه الحسين وآله الأطهار (عليهم السّلام) بآية
(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) .

فهلمّ يا أخي المؤمن لحرم الحسين (عليه السّلام) , واسكن حريمه عقيدة وديناً ولو كنت في أقصى بقاع الأرض ؛ فإنّه من أجل العدالة وطلب الإصلاح والهدى يجب أن يكون عندك كلّ أرض كربلاء , بل كلّ يوم عاشوراء , معلن رفضك للظلم والطغيان ولو في قلبك بأضعف الإيمان , فضلاً عن القلم واللسان , وكلّ ما يوصل لتطبيق الخير والفضيلة , والبرّ والإحسان , بل والإيمان بكلّ هدى الرحمان الذي علّمه الحسين وآله الكرام (صلّى الله عليهم) وتطبيقه .

ثانياً : التوسعة والإعمار الظاهري

وأمّا التوسعة والإعمار الظاهر لمعرفة تاريخ كربلاء , وبناء الضريح المقدّس وقبته الشامخة , وتوسعتها وسكّانها , فيتلخّص :
* بُنيت كربلاء منذ مثوى الحسين (عليه السّلام) وصحبه الكرام فيها , فلم تخلو من الزوّار , وتوسّعت بين المدّ والجزر حتّى اتّخذت البيوت قربها في زمن الاُمويّين والعباسيّين , واستقر بناؤها وتوسّعها


الصفحة (10)

بدون جزر من زمن المنتصر , الملك العباسي المؤمن ابن الملك الناصبي المتوكّل العباسي في سنة 247 للهجرة , وشُيّدت قبّة كبيرة على المرقد الطاهر سنة 280 هجري بأمر الداعي العلوي , وسنة 371 للهجرة توسّعت وعمرت في زمن عضد الدولة البويهي , واستمرت في العمران والسعة على طول التاريخ , وسلمت من فتن النواصب وعدائهم لأهل البيت في أغلب تأريخها , إلاّ ما ندر في فترات قصيرة من تأريخها , وبالخصوص ممّا جاء في زمن أذناب الاستعمار (الوهابية) الذين اعتدوا على المرقد , وسرقوا ما فيه في زمان توسّعهم , وبدعم الاستعمار وتأييده , وهم الآن يده الضاربة , يدرون أو لا يدرون .
والآن , وبحمد الله , فإنّ المرقد الطاهر فيه حضرة وصحن ومنارة يندر وجود مثلها في جميع الدنيا , إلاّ ما كان في المراقد المقدّسة الاُخرى التي يرعاها المؤمنون . ومدينة كربلاء مدينة واسعة , وهي الآن من أكبر محافظات العراق وأجملها .

وللتوسعة في معرفة تاريخ كربلاء اقرأ الكتب التالية :
كربلاء في الذاكرة ـ تأليف سلمان هادي طعمة ـ ط1 سنة 1988م ـ بغداد .
تراث كربلاء ـ سلمان هادي طعمة ـ ط1 سنة 1983 م .
موسوعة العتبات المقدسة ج8 ط2 سنة 1987 م .
العراق قديماً وحديثاً ـ السيد عبد الرزاق الحسني .
المدن الإسلاميّة ـ مؤسسة الموسوعة الكومبيوترية .
وأمّا المصدر المعنوي لما قرأت , فهو حتّى اليقين الاقتداء بسيّد الشهداء وحبّه وجعله اُسوة , والمجاورة المعنوية لأبي الأحرار على طول العمر في الدنيا والآخرة إن شاء الله , والسكن قربه في الروح والقلب , والفكر والعقل بإذن الله , والسكن في الحائر قربه في باب السلطانية في البدن عند ريعان الشباب , وفي الكهولة إن شاء الله بعد الهجرة القهرية التي أبقيت الروح عنده .
وأمّا المصدر الكتبي , فهو صفحة كربلاء من كتاب المدن الإسلاميّة , المنشور على شبكة رافد للتنمية الثقافية , وكتاب الملهوف ص26 , وتراث كربلاء 19 .


الصفحة (11)

البحث الخامس : تأريخ كربلاء في سطور

وذكر في كتاب المدن الإسلاميّة , في فصل : كربلاء المقدّسة من ذاكرة التاريخ : نزل فيها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أثناء مروره إلى حرب صفين , وشوهد فيها متأمّلاً ؛ لما فيها من أطلال وآثار , فسُئل عن ذلك , فقال (عليه السّلام) : (( إنّ لهذه الأرض شأناً عظيماً ؛ فها هنا محط ركابهم , وها هنا مهراق دمائهم )) . فسُئل عن ذلك , فقال (عليه السّلام) : (( ثقل لآل محمّد (صلّى الله عليه وآله) ينزلون ها هنا )) .

أقول : ذكرنا في فصول صحيفة الإمام الحسين بحوث في معرفتها للأنبياء (عليهم السّلام) , وبالخصوص نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله) بإخبار جبرائيل (عليه السّلام) لكلّ وقائع كربلاء وآثارها .
ـ سنة 61 هـ لمّا انتهى الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى كربلاء , وأحاطت به خيل عبيد الله بن زياد , قال : (( ما اسم تلك القرية ؟ )) , وأشار إلى العقر , فقيل له : اسمها العقر . فقال (عليه السّلام) : (( نعوذ بالله من العقر . فما اسم هذه الأرض التي نحن فيها ؟ )) . فقالوا : كربلاء . قال : (( أرض كرب وبلاء )) .
ـ في العاشر من المحرّم سنة 61 هـ استشهد الإمام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه الميامين فيها , ودُفن في الحائر المقدّس .
ـ في عهد يزيد بن معاوية حدثت ثورة يزيد بن المهلّب في ميدان العقر بالقرب من كربلاء , على ضفة الفرات , ودارت هنالك معركة رهيبة أسفرت عن هزيمة الثوار أمام جيش مسلمة بن عبد الملك قائد جيش يزيد .
ـ سنة 369 هـ حدثت غارة ضبّة بن محمّد الأسدي على كربلاء عندما كان أميراً لِعين التمر .
ـ سنة 479 هـ غارت خفاجة على كربلاء في زمن إمارة سيف الدولة .
ـ سنة 795 هـ وقعت هجمات تيمور لنك على كربلاء .
ـ سنة 858 هـ استولى مولى (علي المشعشعي) على كربلاء ونهب المشهد الحسيني , وقتل أهلها , وأسر مَنْ بقي منهم إلى دار ملكه في البصرة .
ـ سنة 1013 هـ غزت قبيلة آل مهنا كربلاء بزعامة أميرها المدعو (ناصر بن مهنا) , وبسطت زعامتها على المدينة 40 عاماً , إلى سنة 1053 هـ .
ـ سنة 1216 هـ أغار الوهابيّون على مدينة كربلاء بقيادة سعود بن عبد العزيز , وقتلوا كثيراً من أهلها في الأسواق والبيوت , وهدموا قبّة مرقد الإمام الحسين (عليه السّلام) , ونهبوا جميع ما في المدينة والمرقد الشريف من أموال وسلاح ولباس , وفضة وذهب , وكانت تسمّى بحادثة (الطفّ الثانية) .


الصفحة (12)

ـ سنة 1534 م احتلّ العثمانيون العراق , وقام السلطان سليمان القانوني بحفر نهر من الفرات سمّي (النهر السليماني) , وهو نهر الحسينيّة الحالي .
ـ سنة 1241 هـ / 1825 م وقعت حادثة المناخور في عهد الوالي داود باشا , حيث حاصرت قوات داود باشا كربلاء بقيادة أمير خيّالته (سليمان ميراخور) , حيث حاصرها واستباح حماها لمدة 8 أشهر .
ـ سنة 1258 هـ / 1842 م وقعت حادثة محمّد نجيب باشا , إذ أجبر سكان مدينة كربلاء بقوّة السلاح للخضوع لحكم العثمانيين .
ـ سنة 1623 م احتل الإيرانيون العراق بزعامة الشاه عباس الصفوي .
ـ سنة 1638 م حاصر السلطان العثماني مراد الرابع مدينة كربلاء .
ـ سنة 1293 هـ / 1876 م حدثت حركة علي هدلة المناوئة للحكومة العثمانية .
ـ سنة 1923 م هاجم الوهابيّون مدينة كربلاء مرّة ثانية .
ـ سنة 1920 م اندلعت الثورة العراقية المسمّاة (ثورة العشرين العظيمة) , وكان اندلاعها من مدينة كربلاء التي اتُّخذت معقلاً للثوار , وعلى رأسهم المرحوم الشيخ محمّد تقي الحائري الشيرازي , وإصداره فتواه بتحريم انتخاب غير المسلم لحكم العراق .
ـ في 29 حزيران 1920م أُلقي القبض على الشيخ محمّد رضا نجل الإمام الشيرازي مع تسعة من الشيوخ والأعلام المجاهدين , وتمّ تسفيرهم إلى هنكام .
ـ سنة 1980 م وفي مراسم إحياء أربعينية الإمام الحسين (عليه السّلام) اصطدمت مواكب المشاة من جميع المحافظات العراقية من أنصار الحسين (عليه السّلام) مع السلطات العراقية , وذلك عندما حاولت القوات منعهم من زيارة الحسين (عليه السّلام) , وحدوث انتفاضة رجب الخالدة في زمن نظام البعث المجرم .
ـ سنة 1991 م في انتفاضة 15 شعبان تحرّرت من الطغاة فترة , ولكنّ قوات النظام الحاكم في العراق قصفت قبّة المشهد الحسيني الشريف فدمّرت جزءاً منها , وذلك خلال أحداث انتفاضة شعبان الخالدة , وكان قائد النظام آنذاك هو حسين ناقص (كامل) , زوج ابنة الطاغية صدام (هدام) حسين دكتاتور العراق , وكان وزيراً له , فوكّل بالتصدّي لانتفاضة الثوار في كربلاء , فرمى القبّة الشريفة بقذيفة دبابة أثّرت فيها ثقباً , وقال في كلمته الخبيثة مخاطباً الإمام الحسين : أنت حسين وأنا حسين , وسترى مَنْ ينتصر .
هذا وقد اُصلحت القبة الطاهرة ورجعت كما كانت بعد مدّة قصيرة , وهذا اللعين المسمّى بحسين ناقص بعد أشهر خرج على طاغيته فقتله , وقتل أبيه وإخوته شرّ قتلة , فانتقم الله منه وأخزاه .


الصفحة (13)

وهذا المعتدي على حرم الحسين (عليه السّلام) الآن في نار جهنم , يغدو عليها ويمسي فيها , وهو متيقّن أنّ سيّد الشهداء انتصر عليه وعلى أمثاله بمظلوميته على طول التأريخ .
فالسلام على كلّ الثوار والشهداء والأحرار , وكلّ مَنْ يأخذ منهج الحسين (عليه السّلام) مبدأً وعقيدة , فيسلك سبيله بصراط مستقيم حتّى يصل لغايته ؛ إمّا النصر بتطبيق هداه أو الشهادة , فيكون بكلّ وجوده وفي كلّ آن طالباً للعدل والإصلاح والإحسان , وعن هدى وإيمان , فيتعبّد لله تعالى بدين الحسين (عليه السّلام) حتّى يكون بكلّ وجوده في جوار رضا الرحمن , فيسكن كربلاء المعنى والهدى أينما كان من بقاع الدنيا .
يا إلهي , لا إله إلاّ أنت , أنت الذي أمرتنا بالاقتداء بالصالحين المتّقين , وهذا سيّد شباب أهل الجنّة , وسبط نبيّك محمّد سيّد الأنبياء والمرسلين , والذي كان الحسين منه وجوداً , ونبيّنا منه استمرار للاُسوة والقدوة , والخير والفضيلة , والصلاح والدين , وكلّ هدى , فاجعلنا منهم ومعهم منتسبين ومتسبّبين حتّى اليقين , بحقّ محمّد وآله الطيّبين الطاهرين , ورحم الله مَنْ قال : آمين .

ــــــــــــــــ
(*) تجدر الإشارة إلى أنّ هذا المقال قد اُخذ عن موقع موسوعة صحف الطيّبين , مع مراجعة وضبط النص (موقع معهد الإمامين الحسنين) .
 
الفهرس

 

طباعة الصفحةاعلى