|
كربلاء من جديد(*)
في كلِّ سنة لنا ذكرى مع أجواء عاشوراء ، وفي كلِّ سنة
نستعيد في وعينا وحياتنا كربلاء . لكن قيمة عاشوراء
وكربلاء الذكرى أنّ لها لقاءً في كلّ زمن مع الاُمّة ،
تمدّها وتعطيها من حيويتها ، وتدفعها إلى المواقع
المتقدّمة في مسيرة الحياة الكريمة .
فكنّا نراها شاخصةً في السابق ، ونراها الآن تتحرّك في
حياتنا لتمنح عطاءها لكلّ بلاد العالم الإسلامي في واقعها
الجديد ومعاناتها الجديدة . فلم تعد كربلاء متصلةً بقصة
جغرافية في نطاق بلد معين أو دولة معيّنة ، بل راحت تتفاعل
مع كلّ أرض يعيش فيها المسلم الصراع ضدّ الكفر والظلم ,
والاستغلال والاستكبار ، وبدت لنا أكثر من كربلاء ؛ لنا
كربلاء في لبنان ، ولنا كربلاء في العراق ، ولنا كربلاء في
أفغانستان ، ولنا كربلاء في كلّ بلد يقف فيه الإسلام
والمسلمون ضدّ الكفر .
ولم تعد عاشوراء ـ عاشوراء الحسين (عليه السّلام) وعاشوراء
الشهداء ـ مجردة في التاريخ ، وإنّما تحوّلت لتكون منطلقاً
في كلّ زمن ، وكل جيل تتمثّل فيه المجالات الّتي يقف فيها
الإنسانُ المسلمُ في كلّ مرحلة من مراحل الجهاد من أجل
العزّة والكرامة في سبيل الله .
عاشوراء في
صميم الواقع
ولكن عندما
نتمثَّل كربلاء في كلِّ أرض يتحرّك فيها الجهاد ، وفي كلّ
زمن ينطلق فيه خطّ الجهاد ، لا بدّ لنا من أن نعيش هذه
الروح ، وهذه القضية ، وهذا التحرّك بعمق المعاني الّتي
عاشتها تلك الأرض ، وبعمق الأهداف الّتي عاشها اُولئك
الشهداء ؛ كي لا تصبح عاشوراء مجرَّد زمن يتحرّك فيه
الجهاد .
لا بدَّ أن يكون الجهاد الّذي نمارسه بحجم فكر الإمام
الحسين (عليه السّلام) ، بحجم تطلّعاته ووعيه لدوره
وإخلاصه لربّه ، وبحجم الأهداف الكبيرة الّتي يستهدفها
للحياة .
كذلك لا بدّ لنا أن نعيش في أنفسنا وفي حياتنا أجواء
اُولئك الشهداء الّذين قال الإمام الحسين (عليه السّلام)
فيهم : (( واللَّهِ , ما رأيتُ
أبرَّ ولا أوْفى من أصحابي ؛ إنَّهم يستأنِسونَ
بالمنَيَّةِ استئناسَ الطفلِ بمحالب اُمِّه )) .
لا بدّ أن نعيش هذه الروح المخلصة لله سبحانه وتعالى ,
فكربلاء ليس فيها شيء للذات أو للفئة ، كربلاء كلُّها لله
سبحانه وتعالى ؛ القتال كان فيها لله ، والسلم كان فيها
لله ، والصلاة كانت فيها لله ، وكلّ العلاقات فيها كانت في
سبيل الله .
لهذا إذا كنّا نفكّر في أي مرحلة ، وفي أي مجال من
مجالاتنا العملية في آفاقنا الضيقة ، كما كنّا نفكر سابقاً
.
إذا كنّا نفكّر أن يتعلّب كلّ واحدٍ منّا في إطار معين ،
أو في شخصيته , أو في ذاته ، وأن يتعقّد من أخيه المؤمن
لمجرّد أنّه ينتسب إلى ما لا ينتسب إليه ، فإنّ عاشوراء
ترفضنا ، وترفض جهادنا الّذي سوف لا يكون لله ، وإنّما
يكون للإطار الّذي يعيش فيه ، وللذات الّتي نختنق فيها .
الصفحة (2)
وفي الظروف الّتي ينبغي أن نعيش فيها الإخلاص لله تعالى
علينا أن لا نترك للشيطان مجالاً ينفذ فيه إلى أفكارنا
ومشاعرنا وعلاقاتنا ، فلا نتحاور حوار الذين يعيش كلّ واحد
منهم الحذر والتحفّظ على الآخر .
إنّ علينا أن نشعر بأنّ المعركة والمرحلة تصهرنا ، وتجعلنا
أكثر وعياً لدورنا ولساحتنا ، وأشدّ إخلاصاً في علاقتنا
بالله سبحانه وتعالى . وعندما نستحضر ذكرى الآلام الّتي
خلّفها الاضطهاد والكفر والطغيان في عاشوراء التاريخ ،
علينا أن نرتبط بهذه الآلام الّتي يعيشها الناس هنا وهناك
، وفي كلّ بلد من بلدان العالم الإسلامي .
عندما نستقبل عاشوراء علينا أن نستقبلها على أساس ما نحمل
من مسؤولية تجاه الله سبحانه وتعالى ، وأن نعيش التقوى في
الفكر عندما نفكّر ، وفي العمل عندما نعمل ، وفي علاقاتنا
وكلّ أوضاعنا العامّة ، وأن نشعر أيضاً أنّ لا صفة لنا
إلاّ أنّنا مسلمون ، وعلى أساس هذه الصفة يجب أن نتصرّف في
أوضاعنا وعلاقاتنا , وحربنا وسلمنا ، يجب أن لا نحرّك
رجلاً إلاّ بعد أن نعلم ما هو حكم الله هنا ، وما هو حكم
الله هناك .
في ذكرى عاشوراء علينا أن نتطلَّع إلى الإمام الحسين (عليه
السّلام) في تلك الأرض الّتي واجه فيها الضلال والطغيان
بكلِّ قوّة ، وواجه فيها الآلام بكلّ فرح روحي ؛ حيث يقول
: (( هوّن عليَّ ما نزل بي أنّه
بعين الله )) .
عندما تتألمون ، وعندما تجرحون لا تتخاذلوا ولا تهنوا ،
وإنّما قفوا وقفة الإمام الحسين (عليه السّلام) عندما أخذ
دم ولده الرضيع ، وقال وهو يرفع وجهه إلى السماء :
(( هَوَّنَ عليّ ما نزَل بي أنّه
بعينِ الله ))(1) .
لنقل جميعاً : هوّن ما ينزل بنا من كلّ الآلام أنّها في
سبيل العزّة والكرامة ، والنصر في مواجهة الكفّار .
لماذا
إقامة عاشوراء ؟
لماذا أراد أئمَّة أهل البيت (عليهم السّلام) أن نقيم
عاشوراء في كلِّ بلد ، وفي كلّ جيل ، حتّى أصبحت قاعدة
أساسية من قواعد حركتنا الإسلاميّة في خطّ أهل البيت
(عليهم السّلام) ، بحيث لو ذهبت إلى شرق الأرض وغربها
لرأيت ذكرى عاشوراء تُقام بشكل متنوّع .
لماذا إصرار أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) على الخطّ
العاشورائي في العلاقة مع الإمام الحسين (عليه السّلام) ؟
لقد أرادوا لنا ذلك ؛ لأنّ هذا الخط هو خطّ الرفض ، الرفض
للوثنية وللانحراف ، وللجاهلية وللظلم , ولكل الذين
يستعبدون وينهبون الناس . وبكلمة واحدة ، لكلّ أعداء الله
، ولكلّ المناهج الّتي تبتعد عن الله .
وهذا الخطّ هو خطُّ الموالاة لكلّ أولياء الله ، ولكلّ
المناهج الّتي تنطلق من الله ، وتتحرّك في خطّ الله الّذي
انطلق فيه الإسلام من خلال رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) ، وانطلق فيه علي بن أبي طالب والأئمّة (عليهم
السّلام) من خلاله .
على أنّ هذا الخطّ يحتاج إلى قوّةٍ حركيةٍ تهزّ السائرين
عليه في كلّ
ــــــــــــــ
(1) بحار
الأنوار 45 / 47 .
الصفحة (3)
جيل , وفي كلّ وقت ؛ ليقول للنّاس كلّهم : إنّ الدماء
الّتي سالت في كربلاء هي سرّ شخصيتكم الّتي ركّزت القاعدة
الإسلاميّة المنطلقة في خطّ الله ورسوله وأوليائه من أئمّة
أهل البيت (عليهم السّلام) ؛ لذلك تذكّروا دماء الحسين
(عليه السّلام) لتتذكّروا الإسلام الّذي انطلق الحسين
(عليه السّلام) في نهضته من أجل التّضحية في سبيله .
تذكّروا كلّ الشهداء من الأطفال والرضّع ، من الشباب
والشيوخ ؛ لتعرفوا أنّ التزامهم الإيماني بأهل البيت
(عليهم السّلام) لم يكن مجاناً ، وإنّما ثمنه كان دم
الحسين (عليه السّلام) , ودم أولاده وأنصاره وأهل بيته
(عليهم السّلام) ، بحيث تبقى هذه الدماء النهر الّذي
يتدفّق ويتفجّر في كلّ مرحلة تشعرون فيها بأنّ للحرية قضية
، وللوحدة ضرورة في صفوفكم .
لقد كان أصحاب الإمام الحسين (عليه السّلام) من عشائر
تتوزّع على مجمل الجزيرة العربية ، وكانوا قبل أن يجتمعوا
في كربلاء متفرّقين حتّى في خطوطهم وانتماءاتهم السياسية .
ولكنّ صوتَ الحسين (عليه السّلام) هو الّذي دعاهم وربطهم
بالحقيقة الواحدة وبالرسالة الواحدة ؛ فتوحّدوا بالحسين ،
واجتمعوا على اسمه حتّى بعد أن جعلهم (عليه السّلام) في
حلّ من بيعته ، لكنّهم شعروا أنَّ البيعة ليست الأمر الّذي
يربطهم به ، إنّما الرسالة الّتي يؤمنون بها من خلال قيادة
الإمام الحسين (عليه السّلام) ، والخط الّذي يتحرّكون فيه
على أساس إمامته .
إنّهم توحّدوا بالحسين (عليه السّلام) ، وتوحّدت مواقفهم
ودماؤهم وكلماتهم ، وتوحّد الصدق في عهدهم ؛ ولذلك كان
الإمام الحسين (عليه السّلام) عندما يستأذنه أيّ شخص من
أصحابه يتلو هذه الآية : (مِنْ
الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ
عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ
يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)(1)
.
كأنّه يريد أن يقول لهم : يا أصحابي ، إنّ وحدتكم هي وحدة
الصادقين مع الله في عهدهم له .
ماذا طرح الإمام الحسين (عليه السّلام) من شعارات في
كربلاء ؟
1
ـ (( إنّما خَرجتُ لطلبِ الإصلاحِ
في اُمةِ جَدّي ؛ اُريد أن آمرَ بالمعروفِ وأنهى عنِ
المنكر ))(2) .
2
ـ (( لا واللَّهِ ، لا اُعطيكُم
بيدي إعطاءَ الذليلِ ، ولا اُقرُّ لكُم إقرارَ العبيد ))(3)
.
3 ـ
(( ألا وإنَّ الدعيّ ابن الدعيّ قد تركني بين السّلةِ
والذلّةِ ، وهيهات له ذلك ، وهيهاتَ منّا الذلّة ! أبى
اللَّهُ ذلكَ ورسولُه والمؤمنون ))(4)
.
4
ـ (( وإنّي لا أرى الموتَ إلاّ
سعادةً ، والحياةَ معَ الظالمينَ إلاّ بَرَماً ))(5)
.
هذه هي بعض شعاراته ، إلاّ أنّها ليست شعارات المرحلة
الّتي كان يعيش فيها ؛ لتكون المسألة مجرَّد مسألة
ــــــــــــــــ
(1) سورة الأحزاب
/ 23 .
(2) بحار الأنوار
44 / 329 .
(3) بحار الأنوار
45 / 7 .
(4) بحار الأنوار
45 / 83 .
(5) تحف العقول /
245 .
الصفحة (4)
غارقة في التاريخ ، لكنّها شعارات الحياة كلّها ، وشعارات
الإسلام في كلّ مواقعه .
مَنْ منّا لا يلمح الإفساد والفساد السياسي على مستوى
الحاكم والمحكوم وحركة الحكم ؟ كم منّا لا يرى الإفساد
والفساد على مستوى الاستكبار العالمي والإقليمي والمحلّي
في كلِّ ما يريده الاستكبار من مصادرةٍ لقضايانا المصيرية
على مستوى الاُمّة وعلى مستوى البلاد ؟
منْ منّا لا يجد أنّ الواقع يعمل على إفساد الأخلاق
الفردية والاجتماعية في داخل الفرد المسلم , والمجتمع
والاُمة المسلمة من خلال مَنْ يريدون المتاجرة بالأخلاق ؟
منْ منّا لم يرفض الواقع الّذي يترك فيه الكثيرون من
المسلمين عبادة الله في الوقت الّذي يقولون فيه : أشهد أن
لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، دون أن يصلّوا
أو يصوموا أو يحجّوا لبيت ربّهم ، ودون أن يعملوا على
إخراج الحقّ المعلوم الّذي فرضه ربّهم للسائل والمحروم في
أموالهم وممتلكاتهم ؟
مَنْ منّا لا يرفض هذا الواقع الّذي ترك فيه المسلمون
المعروف في العبادة ، والصدق والأمانة ، والعفّة والوفاء
وما إلى ذلك من اُصول الأخلاق الإسلاميّة ؟
مَنْ منّا لا يرفض الكثير من مظاهر الانحراف في حياتنا ،
والعلاقات الممزّقة ، والفتن الّتي تتحرّك على مستوى
الأفراد والعوائل ، والأحزاب والطوائف الإسلاميّة وما إلى
ذلك ؟
إنّ مثل تلك المشاكل قد تكون أخطر من المشاكل الّتي عاشها
الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقال فيها :
(( خرجت لطلب الإصلاح في اُمة جدّي
؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر )) .
كانت المشكلة السياسية في زمن الإمام الحسين (عليه
السّلام) هي مشكلة الحاكم المنحرف الّذي يحاول إعطاء حكمه
صورة الإسلام ، دون أن يمثّل في عمقه حكم الإسلام . أمّا
في واقعنا الحاضر فنلتقي بالحكّام الذين ينتمون إلى
الإسلام ، ولكنّهم يرفضون إعطاء حكمهم حتّى صورة الإسلام
في الدول الإسلاميّة .
فالإسلام فيها يتمثَّل غالباً في مناسبات الأعياد والعطل
الإسلاميّة ، أمّا القوانين فهي قوانين (الكفر) وما إلى
ذلك ، وما يستحدثه الناس في مجالسهم النيابية . وإذا تحدّث
إنسان عن حكم الإسلام وُصِفَ بأنّه متطرّف ، وعلامة تطرّفه
أنّه يريد تطبيق الشريعة الإسلاميّة والقوانين الشرعية ،
هذا متزمّت ، وعلامة تزمّته أنّه لا يريد لنوادي القمار ،
ولا لحانات الخمور ، ولا لأماكن البغاء أن تأخذ حريتها .
من دروس عاشوراء
منذ أربعة عشر
قرناً من الزمن تقريباً ونحن نحيي هذه الذكرى في حياتنا ،
حتّى تحوّلت إلى عادةٍ متأصّلة متجذّرة في وجداننا الديني
، ينشأ عليها الصغير ، ويهرم عليها الكبير ، وما زالت
تتنامى وتتّسع ، وتمتد في كلّ ساحة يتحرّك فيها الإسلام في
خطّ أهل البيت (عليهم السّلام) ، وربّما تتمثّل حتّى في
بعض الساحات التي لا تلتزم خطّ أهل البيت (عليهم السّلام)
مذهباً .
على أنّ الطابع الّذي أخذته هذه الذكرى في تقاليدنا وفي
عاداتنا هو طابع الحزن الّذي تسيل معه الدموع ، وربّما
تحترق فيه القلوب .
الصفحة (5)
وعندما يعيش الإنسان الحزن على قضية مرّت عليها القرون
المتقادمة يحتاج إلى تسويغ هذا الحزن ليكون عنصراً فاعلاً
في حياته .
فما معنى أن تبكي على مأساة حصلت في التاريخ لاُناس تحبّهم
من خلال عقيدتك وإيمانك وولائك وأنت تعيش في أكثر من موقع
من مواقع حياتك آلاماً ، قد تكون أقسى من آلامها وفظائعها
، وقد تكون وحشية ما يلقاه الناس الذين ترتبط بهم برابط
العقيدة والولاء والإنسانية في الوقت الحاضر أشدّ فظاعة ،
فتشعر أنّك تعيش اللاّمبالاة أمام حركة المأساة في الحاضر
؟
إنّ ذلك يعني أنّ حزنك على الإمام الحسين (عليه السّلام)
ليس حزناً إنسانياً رسالياً ، ولكنّه حزن انفعالي جامد لا
يتحرّك ؛ ليثير فيك حزناً مماثلاً في كلِّ صورة شبيهة
بصورة كربلاء ؛ لذلك لا بدّ لنا أن نفسّر هذا الحزن
لأنفسنا حتّى نوحي لها بأنّ هذا الحزن ليس حزناً ذاتياً ،
بل هو حزن ينفتح على كلِّ مواقع المأساة في الحياة عندما
تتحرّك المأساة في ساحاتنا من خلال الذين يضطهدون الناس
على أساس الإسلام ، ويقتلون الناس على أساس التزامهم
بالحرّية الّتي يقدّمها الإسلام ، أو من خلال التزامهم
بالعدالة الّتي هي سرّ حركة الإسلام .
نحن نحبّ الإمام الحسين (عليه السّلام) ، نحبّه ونحبّ أخاه
، ونحب اُمَّه وأباه وجدَّه ، والأئمة المعصومين من
ذرّيّته (صلوات الله عليهم أجمعين) ، وننتظر حفيده (عجّل
الله فرجه) لنكون من جنوده ؛ ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما
مُلِئَت ظلماً وجوراً .
نحبّه ؛ لأنّه أحبَّ الله ، ونحبُّ آل بيته جميعاً ؛
لأنّهم أحبّوا الله . نحبّه ونحبّهم ؛ لأنّهم حملوا رسالة
الله ، ولأنّهم جاهدوا في سبيل الله ، وأعطوا كلّ شيء
يملكونه لله . من هنا فحبّنا لهم ليس ذاتياً ، وليس حبَّ
قرابة أو حبّ صداقة ، ولكنّه حبّ يفرضه علينا انتماؤه إلى
القاعدة الّتي انطلق منها الإمام الحسين (عليه السّلام) ،
وتحرّك في اتّجاهها .
لقد أراد الإمام الحسين (عليه السّلام) الإصلاح في الاُمّة
, لا الإصلاح في العائلة أو القرية . الإصلاح على مستوى
الاُمّة كلّها ، لا على مستوى الوطن الّذي يتأطّر فيه
الإنسان .
لقد انطلق (عليه السّلام) ليقول لنا : فكِّروا في قضايا
اُمّتكم من خلال الإسلام الّذي حمله جدّي رسول الله (صلّى
الله عليه وآله) ، وأصلحوا ما فسد فيها . فكّروا في قضايا
الاُمّة حتّى يكون كلّ واحد منكم مسلماً يحمل همّ الإسلام
كلّه ، وهمّ المسلمين كلّهم . لا تعيشوا عصبية الذات أو
العائلة أو الوطن ، أو عصبية القوميّة . عيشوا رساليّة
الإسلام في كلِّ المساحات الإنسانية الّتي للإسلام فيها
قضية ، وللرسالة فيها خطّ ، وللإنسان فيها انفتاح .
وعندما نفكِّر في حجمِ الاُمّة سينطلق تفكيرنا في قضايانا
الصغيرة على أساس مقارنتها بالقضايا الكبرى ؛ فإذا ما
أردنا أن نتحدّث عن قضية الحرّية على سبيل المثال فيجب أن
نثيرها على أساس علاقتها بقضية الحرّية في العالم الإسلامي
والعالم بأسره ، بحيث لا نجعل خطّ الحرية حركةً قد نربح
فيها شيئاً ويخسر العالم الإسلامي من خلالها أشياء .
الصفحة (6)
بمعنى : أنّ هناك ضرورةً للتكامل مع العالم الإسلامي في
هذا المجال حتّى نفهم دورنا تماماً , كما قال رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) : (( مَثَلُ
المؤمنينَ في توادِّهم وتراحُمهم كَمَثَل الجسدِ ، إذا
اشتَكى بعضُه تداعى سائرُه بالسهرِ والحُمّى ))(1)
. تماماً كما هو كلّ عضو في جسدك ، لا يطلب الراحة والشفاء
لنفسه إلاّ من خلال راحة بقية الأعضاء .
فلا يمكن للإنسان أن يعالج يده إذا كان المرض يدبّ في كلّ
أجزاء جسمه ، كما لا يمكن أن يعالج يده بدواءٍ ينقلب إلى
داءٍ في جميع أجزاء جسمه ، بل لا بدّ حين أخذ الدواء من
التحقّق من أنّ هذا الدواء لن تنتج عنه مضاعفات سلبية على
الأجزاء الاُخرى في جسد الإنسان .
ولهذا قد يذهب شخص ما إلى بعض الأطباء فيقولون له : إنّ
هذا الدواء يفيد في معالجة المرض ، ولكنّه يضرّ المعدة ،
أو القلب ، أو جهازاً عصبياً ، أو ما إلى ذلك ، فلا بدّ من
البحث عن دواءٍ يشفي المرض ولا يخلق أمراضاً اُخرى لبقية
الجسد .
وهكذا عندما نريد أن نفكّر في قضايا الاُمّة ، فإنّ علينا
أن نفكّر بحلّ المشكلة في بلدنا ، أو في إقليمنا ، أو في
أي موقع يتّسع ويضيق من مواقعنا ، بحيث لا ينعكس سلباً على
قضايا الاُمّة ، وهذا ما نواجهه في المرحلة الحاضرة في
أكثر من قضية من قضايانا العامة الّتي تتصل بواقعنا كلّه .
لقد أصبحنا في كلّ بلدٍ نفكّر بحلٍّ لمشاكله ، كما لو كان
هذا البلد منفصلاً عن البلدان الاُخرى . نفكّر مثلاً بحلّ
مشكلةٍ لبنانية بعيداً عن مشاكل العرب ، أو مشاكل المسلمين
كلّهم ، أو نفكّر بحلِّ المشكلة العراقية مثلاً بعيداً عن
المشكلة العربية ، أو الإسلاميّة المتصلة بمواقع الاستكبار
العالمي لتلك المشاكل .
وهذا وهمٌ كبير ؛ إذ لا يمكن أن تُحلّ مشكلة في بلد ،
وتُستأصل من جذورها ، إلاّ إذا استطعنا ربطها بالمشكلة
الاُم الّتي توزّع مشاكلها على المواقع كلّها ، وإلاّ فقد
يكون ما يصوّر لنا حلاً قد يكون مجرّد تخدير ، وهناك فرقٌ
بين أن تحلّ المشكلة وبين أن تخدّرها ، وهناك فرق بين أن
تشفي المريض وبين أن تخدّره .
قد يستيقظ الألم عند الشروع بعلاجه ، لكنّه سوف يبرأ بعد
ذلك ؛ لهذا فإنّ ما نودّ قوله في مرحلتنا الحاضرة هو ضرورة
استيحاء كلمة الإمام الحسين (عليه السّلام) :
(( خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي
)) .
إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) كان ينظر في ثورته إلى
الساحة الإسلاميّة الواسعة ، وإلى الخط الإسلامي الممتدّ
في حياة المسلمين جميعاً ؛ لهذا ، فإنّ معارضته ليزيد لم
يعقها كون يزيد خليفةً يعيش في الشام . الإمام الحسين
(عليه السّلام) كان يعيش في الحجاز ، وبالتالي فإنّه لم
يفكّر أنّه لا دخل لأهل الحجاز بأهل الشام ، وعلى كلّ فريق
تدبير أمره ومشاكله .
أليس هذا هو المنطق الّذي نعيشه الآن في أكثر من بلد
إسلامي ؛ حيث يعتبر كلّ بلد أنّ له قضاياه ومشاكله الّتي
يريد حلّها ولو على حساب قضايا الاُمة ؟!
ـــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار
58 / 150 .
الصفحة (7)
الإمام الحسين (عليه السّلام) لم ينظر إلى القضية من هذا
الجانب ، ولم ينظر إلى يزيد باعتباره مجرّد والٍ على
الحجاز يمكن أن يُعزل فَتُحَلّ المشكلة ، ولا باعتباره
والياً على الشام ، إنّما نظر إلى يزيد كونه (خليفة
المسلمين) ، فسلوكه ينعكس سلبياً على السلوك الإسلامي كلّه
، وطريقته في إدارة المسؤولية تنعكس سلباً على كلِّ مواقع
المسؤولية في العالم الإسلامي .
وعلى أساس ذلك ، فقد اعتبر الإمام الحسين (عليه السّلام)
مشكلة يزيد مشكلةً تمسُّ الاُمّة كلّها لا فريقاً معيناً ؛
لأنّه في موقع حاكم واسع الصلاحيات في الوقت الّذي لا يملك
فيه أيّة مؤهّلاتٍ فكريةٍ وأخلاقيةٍ وروحيةٍ تسوّغ له أن
يكون في هذا الموقع .
وعلى هذا الأساس وجد الإمام الحسين (عليه السّلام) أنّ
عليه أن يطلق الصوت ولو ليسمعه بعض الناس ؛ فالأصوات كانت
قد خفتت ، وأصبح هناك أمر واقع ، كلٌّ يقول للآخر : ماذا
نفعل وقوّة الدولة أقوى من قوّة الأفراد ؟
كأنّ عليهم الاستسلام للدولة ، فهذا يخيف صاحبه بانقطاع
راتبه إذا ما قام بعمل ضدّ الحاكم ، وذاك يخيف صاحبه
بتهديم بيته ، وبذلك استطاع الحاكم أن يستقطب الساحة كلّها
من المؤيّدين له ، ومن المعارضين الساكتين ، ومن الحياديين
الذين يجلسون على التل ؛ لهذا فالمسألة كانت بحاجة لصوت
ينطلق ، يحرّك ويدوّي ليربك الساحة ، وليخلق فيها ذهنيةً
جديدةً ؛ ليشجّع الذين لا يملكون أيّة إمكانياتٍ لحركة
شجاعتهم ؛ لأنهم لا يرون أحداً يتحدّث أو يتكلم أو يثير
المسألة .
إنّ حركة الإمام الحسين (عليه السّلام) لم تكن حركةً نحو
الفتح الكبير على مستوى الواقع العسكري ، ولكنّها كانت
حركةً نحو الفتح الكبير على مستوى الذهنية الإسلاميّة
الّتي يريد أن يطلقها باتجاه قضايا الحرية والعدالة
والمنهج الإسلامي القويم ؛ لهذا نبَّههم إلى أنّهم اُمّة
محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وأنّ هناك فساداً في
الأنظمة ، وأنّه (عليه السّلام) انطلق ليُصلح ، وأنّ عليهم
أن يتبعوه .
وهكذا طرح مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، على
أساس أنّه يمثّل الرقابة الاجتماعية الّتي يتحوّل فيها كلّ
مسلم إلى خفير . فكلّ مواطن في الإسلام هو حارسٌ للقيم
وللنهج الشرعي في حياة الناس .
أجل ، إنّ كلّ مسلم هو حارسٌ للقضايا الكبرى الّتي يمكن أن
يتحرّك ضدّها هذا الفريق أو ذاك ، وهذا ما يسمّى بالأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر الّذي دعا الله سبحانه وتعالى
الناس إليه ؛ ليهيّئوا من أنفسهم جماعةً قويةً بحجم الحاجة
، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، حيث قال :
(وَلْتكُنْ مِنكُم أمَّةٌ يَدْعُونَ
إلى الخيرِ ويأمُرونَ بِالمعروفِ وينهونَ عن المنكر)(1)
.
على أساس أنّ سلامة المجتمع هي في الدعوة إلى المعروف
ومواجهة المنكر الّذي يمكن أن يساهم في إسقاط حياة الناس
فكرياً وسياسياً ، وأمنياً واجتماعياً واقتصادياً .
ــــــــــــــــ
(1) سورة آل
عمران / 104 .
الصفحة (8)
وعندما طرح الإمام الحسين (عليه السّلام) هذه المسألة ،
طرحها بفرض أن تفتح عقول الناس على هذه العناوين ، وأن
تفتح أرواح الناس على تحسّس مثل هذه الاُمور ، ولم يكن في
اُسلوبه يتحرّك من موقع العنف ؛ فقد خاطب الناس قائلاً :
(( فَمنْ قَبِلَني بقَبولِ الحقِّ
فاللَّهُ أولى بالحقّ ))(1)
.
كأنّه يريد أن يقول للناس : فكّروا في كلماتي وفي طروحاتي
ومواقفي ، ولا تستغرقوا في ذاتي ، ولكن استغرقوا في الخط
الّذي أطرحه عليكم ، وفي الواقع الّذي اُنبّهكم إلى كلِّ
ثغراته وسلبياته . ومَنْ ردَّ عليّ ولم يقبلني فإنّما يكون
رافضاً للحقّ الّذي جئتُ به ، وانطلقت فيه صابراً حتّى
يأتي الوقت الّذي ينفتح الناس فيه على الحقّ دون أن أتراجع
، أو أن أسقط , أو أتعقد ، ولكنّني اُتابع قول كلمة الحقّ
الآن وبعد الآن .
ولذا ، فعندما جاءت الجيوش لتقتل الإمام الحسين ولتحاربه ،
كان يقف في كلّ يوم ليخطب فيهم ؛ ليسمعهم كلمة الحقّ حتّى
يُخرجهم من عصبياتهم ، فيجعلهم يعيشون التوافق والانسجام
بين الفكر والممارسة ؛ لأنّه (عليه السّلام) وجدهم ـ كما
وصفهم الفرزدق ـ قلوبهم معه وسيوفهم عليه ، فحاول أن يجعل
سيوفهم في اتجاه ميل قلوبهم ، وحاول أن يوفّق بين حركتهم
في الواقع وبين حركتهم في العقل وفي الفكر ؛ لأنّ هذه هي
مشكلة أغلب الناس الذين يحبُّون الله ، ولكنّهم يحبّون
الشيطان معه .
فعندما تنفتح مصالحهم على الخط الآخر يحتفظون بمحبّتهم
كعاطفةٍ في قلوبهم ، ويتحرّكون في خطواتهم لمحاربة الله
ورسوله عملياً ، على أساس أنّ مصالحهم تتجه في ذاك الاتجاه
.
لقد كان الإمام الحسين (عليه السّلام) يعمل على فتح القلوب
، فيما كانت قيادات يزيد تعمل على إغلاقها ؛ ولذلك رأينا
شمر بن ذي الجوشن يقف أمام الحسين (عليه السّلام) وقد فرغ
الحسين (عليه السّلام) من خطابه ليقول له : ما ندري ما
تقول , ولكن انزل على حكم بني عمك(2)
.
بمعنى أنّنا لسنا مستعدين أن نسمع أو نفكّر بما تقول ؛
لأنّ مسألتنا محسومةٌ ، فهي ليست مسألة قناعةٍ ، ولكنّها
مسألة منفعةٍ . وليست القضية أن تكون مسيرتنا حقاً أو
باطلاً ، خيراً أو شراًً ، بل القضية هي أن نقبض في
مسيرتنا هذا المال أو ذاك ، أو نحصل على هذا الموقع أو ذاك
.
ولذلك ، فلا بدَّ من دراسة قضايانا كلّها ، لا على مستوى
الحاضر , بل على صعيد الحاضر والمستقبل ، وهو ما نستوحيه
من كلمة الإمام الحسين (عليه السّلام) :
(( وَمَنْ ردّ عليّ هذا أصْبر ))(3)
.
فلنقل الكلمة وليرفضها العالم ، فلا بدّ أن يأتي وقت يمكن
للناس أن يواجهوا فيه قضاياهم من موقع متقدّم ؛ لأنّ
الحاضر إذا ضاق عن قضاياكم فإنّ المستقبل يمكن أن يفتح لكم
أكثر من ثغرة .
ـــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار
44 / 330 .
(2) الإرشاد / 99
.
(3) بحار الأنوار
44 / 330 .
الصفحة (9)
فلا بدّ إذاً من قول كلمة الحقّ دائماً مهما كانت الصعوبات
، فالحقّ كالجنين تماماً ، فكما أنّ الجنين لن يستطيع بلوغ
تكامله ونموّه إلاّ في الشهر التاسع ، كذلك الحقّ قد يحتاج
إلى سنوات ، وقد يحتاج لأجيال .
المسألة كلّ المسألة هي أن نعمل على أساس أن لا يفقد الحقّ
نموّه في فكرنا وروحنا , ووحدتنا وقوّتنا ، وفي كلِّ صرخات
الدعوة إلى الله ، والدعوة إلى الحقّ .
وإذا ما أردنا عاشوراء إسلاميّة متحرّكة فيجب الانطلاق على
أساس أن تبقى عاشوراء لله ولرسول الله (صلّى الله عليه
وآله) وللإسلام ، وأن تبقى عاشوراء في كلّ الأجيال صرخة
الحرية والعدالة . عندما ينطلق الذين يستعبدون الناس
ليفرضوا عليهم العبودية ، أو الذين يظلمون الناس ليفرضوا
عليهم الظلم , فإنّ هذا هو طريق عاشوراء
.
ــــــــــــــــ
(*) مراجعة
وضبط النص (موقع معهد الإمامين
الحسنين) .
|