|
من معطيات الثورة الحسينيّة(*)
علي القطّان البستاني
حريٌّ بنا ونحن نعيش أيام ذكرى استشهاد أبي الأحرار الإمام
الحسين (عليه السّلام) أن نستفيد في حياتنا قبل مماتنا من عطاء
ثورته المباركة ؛ حيث إنّ لكلِّ حركة إصلاحية وثورة اجتماعية
تغييرية معطياتها ؛ سواء أكانت سلبية أو إيجابيّة . ولا يخفى على
كل حرٍّ أبيٍّ مدى المعطيات الإيجابيّة للثورة الحسينيّة , ومدى
استفادة الاُمّة الإسلاميّة وغيرها من هذه المعطيات ، بل حديثاً
قال غاندي : تعلّمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر .
ومع شديد الأسف نلاحظ أحياناً بعض من خطباء المنبر الحسيني
يقوم بالتركيز على الجانب المأساوي من قتل الإمام الحسين (عليه
السّلام) , وإثارة العواطف الجيّاشة بالبكاء فقط ، بدلاً من مزج
تلك العواطف بالأفكار النيّرة , وإفادة الناس من
هذه الثورة المباركة ومن معطياتها المتعدِّدة الأبعاد ؛ لتعود
على الناس بالنفع الكثير .
وحريٌ بنا أن نركِّز في هذا المقال المتواضع على شيءٍ من
معطيات الثورة الحسينيّة العقائدية والأخلاقيّة , والتضحويّة والإصلاحيّة
, والمعنويّة والروحيّة ، آملين من الله التوفيق للإفادة
والاستفادة .
أوّلاً : العطاء العقائدي
يحدّثنا التاريخ المعتبر أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) كما جاء
في سيرته عندما رفض أن يبايع يزيد بن معاوية ، وبينما هو في
طوافه في موسم الحج أتاه هاتف إلهامي يأمره بأن يحلَّ من
إحرامه وأن يجعل حجته عمرة مفردة , وإلاّ سوف يُقتل وإن كان
متعلقاً بأستار الكعبة . امتثل الإمام الحسين (عليه السّلام) لهذا
الهاتف .
وقد كانت هناك إرهاصاتٌ بذلك , كان الإمام (عليه السّلام)
على علمٍ بها . وعندما كان في المدينة المنورة لزيارة جدّه
(صلّى الله عليه وآله)
, وعند القبر بينما هو يزور غفا غفوة رأى فيها جدّه (صلّى الله
عليه وآله) قائلاً له : (( إنَّ
لك منزلة عند الله لن تنالها إلاّ
بالشهادة )) .
إنّ امتثال الإمام الحسين (عليه السّلام) , وإحلال إحرامه
, وخروجه من مكّة للحفاظ على حرمة الكعبة يُعدّ قمّة في إيمانه بقضاء
الله وقدره , مع علمه بأنه مقتول لا محالة ؛ لرفضه مبايعة يزيد
, وتمرّده على فسقه وفجوره العلني , بل على الظلم والاستبداد .
وموقف آخر يضربه لنا الإمام (عليه السّلام) في هذا الجانب ،
وهو عندما
رُمي عبد الله الرضيع بسهم حرملة في كربلاء ، أخذ الإمام (عليه
السّلام) دمه ورماه إلى السماء قائلاً : (( هوّنَ عليَّ ما نزل
بي أنَّه بعين الله )) . يعلّمنا الإمام (عليه السّلام)
أنّ كلَّ
ما ينزل بنا هو من الله سبحانه وتعالى , فكلّه هيّن وسهل في جنب
الله وفي سبيله ، وهو القائل (عليه السّلام) : ((
رضا الله رضانا أهل البيت , نصبر على عظيم بلائه فيوفّينا اُجور
الصابرين )) .
ثانياً : العطاء الأخلاقي
لقد أعطت ثورة الإمام الحسين
(عليه السّلام) دروساً أخلاقيّة
عظيمة ؛ ممّا يجعل المرء المنصف يتوقف عندها ويتأمّل فيها . ومن
تلك المواقف موقف الإمام (عليه السّلام) مع الحر الرياحي
وأصحابه عندما شارفوا على الهلاك من شدة العطش والتعب وهم
يسيرون في الصحراء بحثاً عن الإمام (عليه السّلام) وأصحابه . وحين
رآهم الإمام (عليه السّلام) وهم بحالة يرثى لها , وعلى الرغم أنهم
من أتباع يزيد وأزلامه ، أنقذهم الإمام (عليه السّلام) من الهلاك
؛ حيث أمر أصحابه أن يسقوا القوم من الماء ويرشَّفوا الخيل
ترشيفاً .
لاحظ عزيزي القارئ مدى أخلاقيات الإمام (عليه السّلام)
الإنسانيّة , كان باستطاعته أن يفنيهم عن بكرة أبيهم , ولكنّ
الأخلاق الإسلاميّة الرفيعة تأبى ذلك .
بل إنَّ الإمام (عليه السّلام) , ومع عظمته ومكانته وهيبته , وهو
ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، سقى أحدهم بيده المباركة
الشريفة ، وهو علي بن الطعّان ، ومع شديد الأسف هذا اللعين نفسه
شارك في قتل الإمام الحسين (عليه السّلام) .
وقد شملت أخلاقيات الإمام الحسين (عليه السّلام) حتّى الحيوان
والرفق به ؛ حيث لم ينسَ خيولهم , بل أمر أصحابه أن يرشّفوا الخيل
ترشيفاً ، هذا مع حاجة الإمام (عليه السّلام) إلى الماء وهو في
سفر ، ممّا يعطينا درساً في العفو والرحمة , والرفق والشفقة
والإنسانيّة ، درساً عملياً تراه بعين القلب وكأنه متجسدٌ أمامك
ينبض بالحيوية والحياة , ممّا يؤثّر تأثيراً بالغاً على النفس
, ويصقلها صقلاً أخلاقيّاً جميلاً .
درسٌ آخر يعطينا إيَّاه الإمام (عليه السّلام) في المساواة والتواضع عندما استشهد العبد جون
؛ حيث وضع خدَّه على خدِّه وهو يبكيه
ويندبه تماماً كما فعل مع ابنه علي الأكبر (عليه السّلام) .
وموقف آخر يدلُّ على عظمة ونبل الإمام (عليه السّلام) وأخلاقه
العالية , كما جاء في سيرته الكربلائيّة ، بكاؤه على أعدائه يوم
المعركة في كربلاء , وعندما سُئل عن بكائه قال (عليه
السّلام) : (( أبكي على هؤلاء , سوف يدخلون النار بسبب قتلي ))
.
هذا الموقف النبيل يربّينا ويروّض أنفسنا على الرحمة والرأفة
, والتسامح والعفو حتّى عن الأعداء كما قال أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) : ((
لا يحيف على مَن يبغض ـ أي لا يظلم من يبغض ـ
ولا يأثم في مَن يُحب )) .
وموقف آخر من أبي الفضل العباس
(عليه السّلام) عندما نزل المشرعة بعد أن أجلى الأوغاد عنها ؛ لأنهم
منعوا معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) من الماء . وبينما كان
العباس (عليه السّلام) يملأ القربة أحسَّ ببرد الماء وهو عطشان
عطشاً شديداً , فملأ كفه ليشرب لكنه تذكّر عطش أخيه الحسين (عليه
السّلام) , حين ذاك رمى الماء من كفّه وقال : هيهات أشرب الماء
وأخي الحسين عطشان .
هذا الموقف العظيم يدلُّ على عظمة شخصيَّة
العباس (عليه السّلام) , وعلى التربية الإسلاميّة الأصيلة التي
تلقّاها على يد والده الإمام علي (عليه السّلام) الذي زرع فيه تلك
الروح الأبيّة والمبادئ الإسلاميّة النبيلة .
ثالثاً : العطاء الإصلاحي
إنّ مبدأ خروج الإمام الحسين (عليه السّلام) على فساد وإفساد يزيد
قام على أساس الإصلاح في الاُمّة , وتطبيق أصل الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر , وهو القائل : (( لم أخرج أشراً
ولا بطراً , ولا
ظالماً ولا مفسداً , وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي
؛ اُريد
أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر )) .
إنّ الإمام (عليه السّلام)
بتقديمه الغالي والنفيس ؛ من عرضٍ ومالٍ , وأهلٍ وأولادٍ وأصحابٍ
, وكلِّ شيء في سبيل الله ، ومن أجل الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر ، قد رفع من أهمية هذا الأصل في عيون المؤمنين ، في الوقت
الذي توقّف فيه الآخرون لدى تطبيقهم لهذا الأصل عند حدود منع
الضرر الشخصي ، وبذلك قد حطّوا من قيمة هذا الأصل وأهمّيته .
رابعاً : العطاء التضحوي
إنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) تبقى على مر العصور مثالاً
يُحتذى به في التضحية والجهاد والاستشهاد , ومقارعة الظلم
والظالمين . لقد قدَّم الحسين (عليه السّلام) نفسه قرباناً في
سبيل استقامة الدين الذي جاء به محمّد (صلّى الله عليه وآله)
حتّى قيل : (الإسلام محمّدي الوجود , حسينيُ البقاء) ,
أي كان وجود الإسلام وظهوره بالنبي محمّد (صلّى الله عليه
وآله) , وكان استمراره وبقاؤه بتضحيات الإمام الحسين (عليه
السّلام) .
وحتّى الشباب الذين كانوا
في عمر الزهور اليافعة قدّموا أنفسهم للاستشهاد في سبيل الحق ،
مثل علي الأكبر (عليه السّلام) ؛ فإنّ هذا البطل الشاب كان أول من استشهد من
أهل الحسين (عليه السّلام) .
ولعلي الأكبر هذا موقفٌ يدلُّ على عظمته وشجاعته ،
وهو عندما غفا الإمام الحسين (عليه السّلام) وهم في الطريق إلى
العراق ؛ حيث رأى الإمام (عليه السّلام) رؤيا استرجع منها بعد غفوته ،
وحين سمعه علي الأكبر سأله : لمَ استرجعت يا أبي ؟ قال (عليه
السّلام) : (( سمعت
هاتفاً يقول : القوم يسيرون والمنايا تسير بهم )) . فقال علي
الأكبر : ألسنا على الحق يا أبي ؟ قال : (( بلى
يا بُني )) . قال : إذاً
لا نبالي أوقعنا على الموت أو وقع الموت علينا .
هذا الموقف ومواقف كثيرة في كربلاء ، مثل خروج القاسم بن
الحسن (عليه السّلام) للجهاد , واستشهاده في سنٍّ لم يبلغ الحُلم
. وقد
أصبحت تلك المواقف البطولية الاستشهادية نبراساً يسير عليه
معظم المجاهدين في تقديم أنفسهم من أجل الإسلام العزيز ونصرته
.
والذي حصل في لبنان وفلسطين من عملياتٍ استشهادية مثالٌ على
ذلك ، بل حتّى الاُمّهات في لبنان وفلسطين في تقديمهنّ أبناءهنّ
للاستشهاد كنَّ يقتدين بالاُمّهات اللاتي قدّمن أبناءهنَّ في
كربلاء من أجل نصرة الحق .
خامساً : العطاء الروحي والمعنوي
لقد كانت ملحمة الإمام الحسين (عليه السّلام) مسرحاً للعطاء
الروحي والمعنوي . يقول مفكّر الثورة الإسلاميّة الشهيد السعيد
الشيخ مرتضى المطهَّري (رحمه الله) : من خلالها ـ أي الثورة الحسينيّة ـ
يستطيع الإنسان أن يدرك عظمة القدرة الأخلاقيّة والروحية والمعنوية للبشر ، كما يستطيع أن يفهم ويستوعب حجم المقدرة
البشرية على العطاء والتضحية والظهور بمظهر التحرّر , والدفاع
عن الحقِّ , وعبادة الحقِّ تعالى ربِّ العباد .
أقول : والمتتبع لقضية كربلاء يلاحظ بروز معاني الصبر والتحمّل
, والشجاعة والتضحية والإقدام , وعدم التردد والحيرة , والصبر
والرضا والتسليم , والمروءة والكرم والنبل , والإيثار
والسماحة ... إلخ من الصفات الروحيّة والمعنوية التي خلّدها
الإمام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه .
كما يعجز القلم عن وصف الحالة المعنوية التي تمتّعوا بها في ذلك
الوقت التضحوي الصعب على الإنسان .
بعد أن عرفنا أهمّيّة النهضة الحسينيّة للإسلام وأهمّيّتها في
حياتنا ، ماذا علينا عمله حتّى نرفع أنفسنا إلى مستوى المسؤولية
في إصلاح مجتمعنا , ونرفع قدرنا عند الله (سبحانه وتعالى) والرسول
(صلّى الله عليه وآله) : (وَقُلِ
اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ
وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ
وَالشّهَادَةِ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
؟
مع
الأسف الشديد إنَّ من عادة أهل المنبر الحسيني عرض وتضخيم
الجانب المأساوي والتراجيدي في قضية كربلاء , وإبراز جانب الظلم
والقسوة التي حلّت على الإمام الحسين (عليه السّلام) وأهله
وأصحابه , وهي ضخمة بذاتها ومأساتها ,
بينما يفترض إبراز الجوانب المعنوية والروحية التي تعود على
المرء بالفائدة الكبرى في مسيرة حياته .
لذا يجب علينا التأسّي
والتأثُّر واقتباس الجوانب العظيمة والمشرقة التي سطّرها الإمام
الحسين (عليه السّلام) بدمه وتضحياته , والمضي قدماً نحو النهوض
بالاُمّة وإصلاحها عن طريق تطبيق الأصل المنسي لدى الناس , ألا وهو
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلْنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ
الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ
وَأَكْثَرَهُمُ الْفَاسِقُونَ) , واقتباس تلك الأنوار المعنوية
والروحية التي شُعّت من نور الإمام الحسين (عليه السّلام) , وتنوير
نفوسنا منها حتّى نصل إلى أكمل الإيمان , ونفوز بسعادة الدارين
, وكما قال تعالى : (وَجِيهاً فِي الْدّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ
الْمُقَرّبِينَ) .
ـــــــــــــــــــــ
(*) مراجعة وضبط النص
(موقع معهد الإمامين
الحسنين) .
|