العباس بن علي عليهما السلام

 
 

الصفحة (1)

 

العباس بن علي (عليهما السّلام) رائد الكرامة والفداء في الإسلام

 

تأليف

باقر شريف القرشي


الصفحة (2)


الصفحة (3)

بسم الله الرحمن الرحيم

( وَلاَ تَحْسَبنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِن خَلْفِهِمْ ألا خَوْفُ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) سورة آل عمران / 169 ـ 171 .


الصفحة (4)


الصفحة (5)


الصفحة (6)


الصفحة (7)

الإهـداء

إلى ... الفاتح العظيم الذي احتلّ قلوب الناس وعواطفهم .

إلى ... اُنشودة الأحرار في كلّ زمان ومكان .

إلى ... أبيّ الضيم ، وسيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السّلام) .

أرفع ـ بتواضع ـ هـذه الدراسة عن حياة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) الذي جسّد في سلوكه مع أخيه الحسين (عليه السّلام) حقيقة الأخّوة الصادقة ؛ ففداه بنفسه ، ووقاه بمهجته ، راجياً التفضّل عليَّ بالقبول .


الصفحة (8)

بين يديك يا قمر بني هاشم ، وفخر عدنان . . .

أنت يا قدوة الثوار والأحرار , قد تألّقت في سماء هذا الشرف رمزاً للبطولات ، وعنواناً للتضحية والفداء ، فقد رأيت الحكم الاُموي السحيق يسوس المجتمع نحو الدمار الشامل ؛ يسحق الكرامات ، ويقضي على الحريّات ، ويمتصّ الأقوات ، ويقود المجتمع إلى حياة بائسة لا ظلّ فيها للعدل الاجتماعي والعدل السياسي ، فرفعت راية التحرير مع أخيك أبي الأحرار وسيّد الشهداء (عليه السّلام) الذي جسّد آمال الشعوب وطموحاتها ، وسعى لتحرير إرادتها وإعادة كرامتها .

لقد وقفت مع أخيك في خندق واحد , فرفعتما كلمة الله الهادفة إلى كرامة الإنسان ، وبناء حياة آمنة مستقرّة لا ظلّ فيها للظلم والطغيان . أمّا أنت يا أبا الفضل , فكنت هبة من الله لهذه الأمّة ؛ فقد فتحت لها آفاقاً مشرقة من الحرية والكرامة ، وعلّمتها أنّ التضحية يجب أن تكون خالصة لله ، وبعيدة كلّ البعد عن الرغبات والعواطف وسائر الميول التي مآلها إلى التراب ، وبهذه الروح الإسلاميّة الأصيلة كانت تضحيتك يا أبا


الصفحة (9)

الفضل ؛ فقد اتّسمت بالدفاع عن الحقّ ، والذبّ عن القيم والمبادئ , وهذا هو السرّ في خلود تضحيتك وتفاعلها مع عواطف الناس على امتداد التاريخ .

أمّا أنت يا قمر بني هاشم , فقد أقمت صروح الحقّ في دنيا العرب والإسلام ، وشيّدت للمسلمين مجداً شامخاً بنصرتك لأخيك سيّد الشهداء الذي نافح من أجل أن تسود العدالة الاجتماعية في الأرض ، وتوزّع خيرات الله على المضطهدين والمحرومين ، وتحمّلت معه أعباء هذه الرسالة ، وبهذا كنت مع أخيك وسائر الشهداء الممجدين من أهل البيت (عليهم السّلام) وأنصارهم الطلائع المقدّسة لشهداء الحقّ في جميع أنحاء الأرض .


الصفحة (10)


الصفحة (11)

تقديم

وبرز أبو الفضل العباس (عليه السّلام) على مسرح التاريخ الإسلامي كأعظم قائد فذّ لم تعرف له الإنسانية نظيراً في بطولاته النادرة ، بل ولا في سائر مُثله الأخرى التي استوعبت ـ بفخر ـ جميع لغات الأرض .

لقد أبدى أبو الفضل يوم الطفّ من الصمود الهائل والإرادة الصلبة ما يفوق الوصف ، فكان برباطة جأشه وقوّة عزيمته جيشاً لا يُقهر ؛ فقد أرعب عسكر ابن زياد وهزمهم نفسيّاً كما هزمهم في ميادين الحرب .

إنّ بطولات أبي الفضل كانت ولا تزال حديث الناس في مختلف العصور ، فلم يشاهدوا رجلاً واحداً مثقلاً بالهموم والنكبات يحمل على جيش مكثّف مدعّم بجميع آلات الحرب ، قد ضمّ عشرات الآلاف من المشاة وغيرهم , فيلحق بهم أفدح الخسائر من معداتهم وجنودهم .

ويقول المؤرّخون عن بسالته يوم الطفّ : إنّه كلّما حمل على كتيبة تفرّ منهزمة من بين يديه ، يسحق بعضها بعضاً , قد خيّم عليها الموت ، واستولى عليها الفزع والذعر ، قد خُلعت منها الأفئدة والقلوب ، ولم تغنِ عنها كثرتها شيئاً .

إنّ شجاعة أبي الفضل وسائر مواهبه ومزاياه ممّا تدعو إلى الاعتزاز


الصفحة (12)

والفخر , ليس له وللمسلمين فحسب ، وإنّما لكلّ إنسان يدين لإنسانيته ويخضع لقيمها الكريمة .

وبالإضافة إلى ما يتمتّع به أبو الفضل العباس (عليه السّلام) من البطولات الرائعة فإنّه كان مثالاً للصفات الشريفة والنزعات العظيمة ، فقد تجسّدت فيه الشهامة والنبل والوفاء والمواساة ؛ فقد واسى أخاه أبا الأحرار الإمام الحسين (عليه السّلام) في أيام محنته الكبرى ، ففداه بنفسه ووقاه بمهجته . ومن المقطوع به أنّ تلك المواساة لا يقدر عليها إلاّ مَنْ امتحن الله قلبه للإيمان ، وزاده هدى .

ومثَّل أبو الفضل العباس (عليه السّلام) في سلوكه مع أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) حقيقة الأخوّة الإسلاميّة الصادقة ، وأبرز جميع قيمها ومثلها ، فلم يبقَ لون من ألوان الأدب ، والبرّ والإحسان إلاّ قدّمه له .

وكان من أروع ما قام به في ميادين المواساة له ، أنّه حينما استولى على الماء يوم الطفّ تناول منه غرفة ليشرب ، وكان قلبه الزاكي كصالية الغضا من شدّة الظمأ ، فتذكّر في تلك اللحظات الرهيبة عطش أخيه الإمام الحسين وعطش الصبية من أهل البيت (عليهم السّلام) ، فدفعه شرف النفس ، وسموّ الذّات إلى رمي الماء من يده ومواساتهم في هذه المحنة الحازبة .

تصفّحوا في تاريخ الأمم والشعوب ، فهل تجدون مثل هذه الأخوّة الصادقة ؟ انظروا في سجلاّت نبلاء الدنيا ، فهل ترون مثل هذا النبل ومثل هذا الإيثار ؟


الصفحة (13)

الله أكبر ، أيّ رحمة مثل هذه الرحمة ، وأيّة مودّة مثل هذه المودّة !

إنّ الإنسانية بجميع قيمها ومثلها لتنحني إجلالاً وخضوعاً أمام أبي الفضل على ما أبداه من عظيم النبل لأخيه الإمام الحسين ، أبي الأحرار وسيّد الشهداء (عليه السّلام) .

والشيء الذي يدعو إلى الاعتزاز بتضحية أبي الفضل ونصرته لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، إنّها لم تكن بدافع الأخوّة والرحم الماسة وغير ذلك من الاعتبارات السائدة بين الناس ، وإنّما كانت بدافع الإيمان الخالص لله ، ذلك الإيمان الذي تفاعل مع عواطف أبي الفضل وصار عنصراً من عناصره ، ومقوّماً من مقوّماته ، وقد أدلى بذلك في رجزه حينما قطعت يمينه التي كانت تفيض برّاً وعطاءً للناس ، قائلاً :

واللهِ إن قـطعتمُ يـميني       إنّي اُحامي أبداً عن ديني

وعـن إمامٍ صادقِ اليقين

إنّ الرجز في تلك العصور كان يمثّل الأهداف والمبادئ والقيم التي من أجلها يُقاتل الشخص ، ويستشهد في سبيلها ، ورجز سيّدنا العباس (عليه السّلام) صريح واضح في أنّه إنّما يُقاتل دفاعاً عن الدين ، ودفاعاً عن المبادئ الإسلاميّة الأصيلة التي تعرّضت إلى الخطر أيام الحكم الأموي الأسود .

كما إنّه إنّما يُقاتل دفاعاً عن إمام المسلمين ، سبط رسول الله وريحانته الإمام الحسين (عليه السّلام) , المدافع الأوّل عن كرامة الإسلام .

فهذه هي العوامل التي دفعته إلى التضحية ، وليس هناك أيّ دافع آخر ، وهذا هو السرّ


الصفحة (14)

في جلال تضحيته ، وخلودها عبر القرون والأجيال .

لقد استشهد أبو الفضل العباس من أجل المبادئ العليا التي رفع شعارها أبو الأحرار أخوه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، والتي كان من أهمّها أن يقيم في هذا الشرق حكم القرآن ، وينشر العدل بين الناس ، ويوزّع عليهم خيرات الأرض ، فليست هي لقوم دون آخرين .

لقد استشهد أبو الفضل من أجل أن يعيد للإنسان المسلم حرّيته وكرامته ، وينشر بين الناس رحمة الإسلام ، ونعمته الكبرى الهادفة لاستئصال الظلم والجور ، وبناء مجتمع لا ظلّ فيه لأي لون من ألوان الفزع ، والخوف .

لقد حمل أبو الفضل مشعل الحرية والكرامة ، وقاد قوافل الشهداء إلى ساحات الشرف ، وميادين العزّة ، والنصر للشعوب الإسلاميّة التي كانت ترزح تحت وطأة الظلم والجور .

لقد انطلق أبو الفضل إلى ميادين الجهاد من أجل أن ترتفع كلمة الله تعالى عالية في الأرض ، تلك الكلمة التي هي منهج كامل للحياة الكريمة بين الناس .

وفجّر الإمام أبو الأحرار ثورته الكبرى التي أوضح الله بها الكتاب ، وجعلها عبرة لأولي الألباب ، فدكّ بها حصون الظلم وقلاع الجور . ولم يفجّر الإمام الحسين (عليه السّلام) ثورته الرائدة العملاقة أشراً ولا بطراً ،


الصفحة (15)

ولا ظالماً ، ولا مفسداً ـ حسب ما يقول ـ وإنّما أراد تغيير الواقع المرير الذي تعيشه الأمّة من جرّاء الحكم الأموي المنحرف عن جميع الأعراف والقوانين ، ذلك النظام الذي أحال حياة الناس إلى جحيم لا يُطاق ، فقد عجّت البلاد الإسلاميّة بجميع صنوف الجور والإرهاب ، وكان من أعظمها محنة ، وأشدّها بلاءً البلاد الخاضعة لحكم زياد بن أبيه ، والي معاوية على العراق وأخيه اللاشرعي , الذي أجّج نار الفتنة ، وحكم بين الناس بغير ما أنزل الله ؛ فأخذ البريء بالسقيم ، والمقبل بالمدبر ، وقتل على الظنّة والتهمة ، كما أعلن ذلك وطبّقه بالفعل على الحياة العامّة بين الناس .

وإنّ سبط الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وأمل الإسلام ، والمسؤول الأوّل عن رعاية المسلمين ، وصيانة حياتهم والواقع الاجتماعي الذي تعيشه الأمّة ، والذي ينذر بخطر عظيم على حياتها العقائدية ، والفكرية والاجتماعية ؛ فقد تحكّم في مصيرها جبابرة الأمويين ، وطغاة الرأسمالية القرشية ، التي حملت معول الهدم على جميع ما أسّسه الإسلام من مجد أصيل ، وخلق رفيع للأمّة .

بالإضافة إلى أنّها أخذت تستنزف الموارد الاقتصادية في العالم الإسلامي ، وتنفقها على شهواتها ، ورغباتها الخاصّة . فهبّ أبو الأحرار لإنقاذ المسلمين ، وإعادة الحياة الكريمة لهم ، فما أعظم عائدته على الإسلام ، وما أكثر ألطافه وأياديه على المسلمين .

إنّ ملحمة كربلاء من أهم الأحداث العالمية ، بل ومن أهمّ ما حقّقته


الصفحة (16)

البشرية من إنجازات رائعة في ميادين الكفاح المسلّح ضدّ الظلم والطغيان ، فقد غيّرت مجرى تاريخ الشعوب الإسلاميّة ، وفتحت لها آفاقاً مشرقة للتمرّد على الظلم والطغيان .

لقد ألهبت هذه الملحمة الخالدة عواطف الأحرار ، ودفعتهم إلى النضال المسلّح في سبيل تحرير المجتمع من نير العبودية والذلّ ، وإنقاذه من الحكم اللاشرعي .

لقد انتصر سيّد الشهداء (عليه السّلام) في ثورته الخالدة ، وانتصرت أهدافه ومبادئه العظيمة ، وظلّ مثلاً خالداً للكفاح المقدّس يطارد الظالمين والطغاة في كلّ عصر وزمان ، ويمدّ الثوّار بروح التضحية والفداء .

إنّ من الانتصارات الرائعة التي حقّقها أبي الضيم في ثورته أنّه جرّد الحكم الأموي من الشرعية ، وأنّه لا يمثّل الإسلام ولا المسلمين بأيّ حال من الأحوال ، وإنّما هو حكم ديكتاتوري قائم على النطع والسيف لا على رضا الأمّة واختيارها .

لقد وضع أبو الأحرار العبوات الناسفة في أروقة الحكم الأموي ففجّرتها ، ونسفت معالم زهوهم وفجورهم وطغيانهم ، وظلّوا مثلاً أسوداً لكل حكم منحرف عن سنن الحق والعدل .

لقد أيقظت ثورة أبي الأحرار الشعوب الإسلاميّة من تخديرها وسباتها ، فانطلقت كالمارد الجبّار في ثورات متلاحقة ، وهي ترفع شعار التحرير ، وشعار الاستقلال ، وشعار الكرامة من أجل التخلّص من ذلك الحكم الأسود .


الصفحة (17)

لقد قامت الشعوب الإسلاميّة في ثورات متلاحقة كانت امتداداً لثورة الحسين (عليه السّلام) ، حتّى أطاحت بالحكم الأموي ، وأزالته من دنيا الوجود .

ومن الجدير بالذكر : إنّ كارثة كربلاء ، وما لحق بالإمام الحسين (عليه السّلام) من التنكيل ، والاعتداء الصارخ ، لم يأتِ ذلك عفواً ، وإنّما كان من النتائج المباشرة للانحرافات ، والسلوك في المنعطفات السياسية من جانب الحكّام والمسؤولين الذين كانوا ينظرون إلى السلطة بأنّها مغنم ، ووسيلة للظفر بالثراء العريض .

ولم يعوا أنّ الإسلام اعتبر السلطة أداة لخدمة المجتمع ، وتطوير حياته الفكرية والاقتصادية ، وأنّها مسؤولة أمام الله عن اقتصاد الأمّة فيجب عليها الاحتياط فيه كأشدّ ما يكون الاحتياط ؛ فليس لرئيس الدولة ولا لغيره من أجهزة الحكم أن يصطفوا لأنفسهم وذويهم أيّ شيء من أموال الدولة . وكان على رأس الحكّام المنحرفين ملوك بني أميّة الذين اتّخذوا مال الله دولاً ، وعباد الله خولاً .

وبالإضافة إلى ما اقترفوه من ظلم الأمّة والاعتداء على كرامتها ، فإنّهم عمدوا إلى ظلم العلويين ، والإجهاز على شيعتهم ، وقد شاهد أبو الفضل (عليه السّلام) المحن الشاقة والعسيرة التي حلّت بأهل بيته ومحبّيهم ، وممّا لا ريب فيه أنّها تركت في أعماق نفسه أقسى ألوان المحن والآلام .

أمّا دور سيّدنا العباس (عليه السّلام) في ملحمة كربلاء فإنّه يأتي في الأهمّية بعد أخيه أبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السّلام) صانع هذه الملحمة الخالدة في


الصفحة (18)

دنيا الحقّ والعدل ، وقد فاق جميع أصحاب الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وأهل بيته المكرمين ، وذلك بما قدّمه من عظيم الخدمات لأخيه .

بالإضافة إلى مواقفه البطولية الرائعة ، وصموده الهائل أمام معسكر ابن زياد ، وقد أبدى من البسالة ما يُذهل الأفكار ويُحيّر الألباب ، وكان يشيع في نفوس أصحاب أخيه وأهل بيته العزم والتصميم على التضحية والجهاد بين يديه ؛ فقد استهان بالموت وسخر من الحياة ، وقد انطبعت هذه الظاهرة في نفوسهم فاعتنقوا الشهادة ، وانطلقوا إلى ميادين الجهاد ليرفعوا كلمة الله في الأرض .

وكان العبّاس (عليه السّلام) أيّام المحنة الكبرى التي حلّت بأخيه ملازماً له لم يُفارقه ، وقدّم له جميع ألوان البرّ والإحسان ، فكان يقيه بنفسه ويفديه بمهجته ، فهو صاحب لوائه ، ومدير شؤونه ، والمتصدّي لخدماته .

ويقول الرواة : إنّه قد استوعب حبّه والإخلاص له قلب أخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) حتّى فداه بنفسه ، وكان عليه ضيفاً ، فلم يسمح له بالحرب حتّى بعد مقتل أصحابه وأهل بيته ؛ لأنّه كان يشعر بالقوّة والمنعة ما دام حيّاً إلى جانبه ، ولمّا استشهد العباس شعر الإمام الحسين بالوحدة والغربة والضياع بعده ، وفقد كلّ أمل له في الحياة ، وراح يبكي عليه أمرّ البكاء ، ويندبه بذوب روحه ، وسارع إلى ساحة الحرب ليلتقي به في جنان الخلد .

سلام الله عليك يا أبا الفضل ، ففي حياتك وشهادتك ملتقى أمين لجميع القيم الإنسانية ، وحسبك أنّك وحدك كنت أنموذجاً رائعاً لشهداء الطفّ الذين احتلّوا قمّة الشرف والمجد في دنيا العرب والإسلام .


الصفحة (19)

كان بودّي قبل حفنة من السنين أن أتشرّف بالبحث عن سيرة أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) رائد الشرف والكرامة لهذه الأمّة ، وقد دعاني إلى ذلك ـ بإصرار ـ بعض السادة من فضلاء الحوزة العلمية في النجف الأشرف ، إلاّ إنّ انشغالي بتأليف موسوعة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) قد شغلني عن ذلك .

وقد ألمّت كارثة من كوارث الزمن ببعض ولدي , فتوسّلت وتوسّلت ضارعاً إلى الله تعالى أن يكشف عنه ما هو فيه ، وينقذه وينجيه ، فاستجاب الله دعائي ودعاءه فأنجاه ممّا هو فيه والحمد لله .

وقد طلب منّي أن أكتب رسالة عن حياة أبي الفضل وسيرته وشهادته ، فاستجبت له ، وجمّدت الموضوع الذي بيدي ، واتّجهت صوب أبي الفضل آملاً من الله تعالى أن أُوفَّق إلى إعطاء صورة متميّزة وكاملة عن حياته ، وأن لا أكون قد جافيت الواقع ، أو ابتعدت عن القصد فيما كتبته عنه إنّه تعالى وليّ القصد والتوفيق .

                                                                                                               باقر شريف القرشي

النجف الأشرف / 1412 هـ ـ 1992 م


الصفحة (20)


الصفحة (21)

ولادته ونشأته


الصفحة (22)


الصفحة (23)

وقبل أن أتحدّث عن ولادة أبي الفضل العباس (عليه السّلام) ونشأته أعرض ـ بإيجاز ـ إلى نسبه الوضّاح ، ذلك النسب الكريم الذي كان له الأثر التامّ في بناء شخصيته العظيمة ، وتكوين سلوكه المشرّف القائم على الشرف والفضيلة ، وفيما يلي ذلك :

نسبه الوضّاح

ليس في دنيا الأنساب نسبٌ أسمى ولا أرفع من نسب أبي الفضل ؛ فهو من صميم الأسرة العلوية التي هي من أجلّ وأشرف الأُسر التي عرفتها الإنسانية في جميع أدوارها ، تلك الأسرة العريقة في الشرف والمجد ، التي أمدّت العالم العربي والإسلامي بعناصر الفضيلة ، والتضحية في سبيل الخير ، وما ينفع الناس ، وأضاءت الحياة العامّة بروح التقوى والإيمان .

وهذا عرض موجز للاُصول الكريمة التي تفرّع قمر بني هاشم وفخر عدنان منها :

الأب

أمّا الأب الكريم لسيّدنا العباس (عليه السّلام) فهو الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ،


الصفحة (24)

وصيّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وباب مدينة علمه ، وختنهُ على حبيبته ، وهو أوّل مَنْ آمن بالله ، وصدّق رسوله ، وكان منه بمنزلة هارون من موسى ، وهو بطل الإسلام ، والمنافح الأوّل عن كلمة التوحيد ، وقد قاتل الأقربين والأبعدين من أجل نشر رسالة الإسلام ، وإشاعة أهدافه العظيمة بين الناس .

وقد تمثّلت بهذا الإمام العظيم جميع فضائل الدنيا ، فلا يدانيه أحد في فضله وعلمه ، وهو ـ بإجماع المسلمين ـ أثرى شخصية علمية في مواهبه وعبقرياته بعد الرسول محمد (صلّى الله عليه وآله) ، وهو غنّي عن البيان والتعريف ، فقد استوعبت فضائله ومناقبه جميع لغات الأرض ... ويكفي العباس شرفاً وفخراً أنّه فرع من دوحة الإمامة ، وأخ لسبطي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

الأُمّ

أمّا الأمّ الجليلة المكرّمة لأبي الفضل العباس (عليه السّلام) فهي السيدة الزكية فاطمة بنت حزام بن خالد .. ، وأبوها حزام من أعمدة الشرف في العرب ، ومن الشخصيات النابهة في السخاء والشجاعة وقرى الأضياف ، وأمّا أسرتها فهي من أجلّ الأُسر العربية ، وقد عُرفت بالنجدة والشهامة ، وقد أشتهر جماعة بالنبل والبسالة منهم :

1 ـ عامر بن الطفيل

وهو أخو عمرة الجدّة الأولى لاُمّ البنين ، وكان من ألمع فرسان العرب في شدّة بأسه ، وقد ذاع اسمه في الأوساط العربية وغيرها ، وبلغ من عظيم شهرته أنّ قيصر إذا قدم عليه وافد من العرب فإن كان بينه وبين عامر


الصفحة (25)

نسب عظم عنده ، وبجّله وأكرمه ، وإلاّ أعرض عنه .

2 ـ عامر بن مالك

وهو الجدّ الثاني للسيّدة اُمّ البنين ، وكان من فرسان العرب وشجعانهم ، ولُقّب بملاعب الأسنّة لشجاعته الفائقة ، وفيه يقول الشاعر :

يُلاعِبُ أَطرافَ الأَسِنَّةِ عامِرٌ      وَصارَ  لَهُ حَظُّ الكَتيبَةِ أَجمَعُ

وبالإضافة إلى شجاعته فقد كان من أُباة الضيم ، وحفظة الذمار ، ومراعاة العهد ، ونقل المؤرّخون عنه بوادر كثيرة تدلّل على ذلك .

3 ـ الطفيل

وهو والد عمرة الجدّة الأولى لاُمّ البنين ، كان من أشهر شجعان العرب ، وله أشقّاء من خيرة فرسان العرب ، منهم ربيعة ، وعبيدة ، ومعاوية ، ويُقال لأمّهم (اُمّ البنين) ، وقد وفدوا على النعمان بن المنذر فرأوا عنده الربيع بن زياد العبسي ، وكان عدوّاً وخصماً لهم ، فاندفع لبيد ـ وقد تميّز من الغيظ ـ فخاطب النعمان :

يا واهبَ الخيرِ الجزيلِ من سعهْ        نـحنُ بنو اُمّ  الـبنين الأربعهْ
ونحنُ  خيرُ عامر بن صعصعهْ        الـمـطعمون الجفنةَ المدعدعهْ
الضاربونَ الهامَ وسطَ الحيصعهْ        إلـيـكَ جـاوزنا بلاداً مسبعهْ
تُـخـبرُ عن هذا خبيراً فاسمعهْ        مـهلاً أبيتَ اللعنَ لا تأكل معهْ

فتأثّر النعمان للربيع ، وأقصاه عن مسامرته ، وقال له :

شرّد برحلكَ عنّي حيثُ شئتَ ولا      تـكثر  عليَّ ودع عنكَ الأَباطيلا
قـد  قـيلَ ذلكَ إن حقاً وإن كذباً      فـما  اعتذاركَ في شيء إذا قيلا


الصفحة (26)

ودلّ ذلك على عظيم مكانتهم وسموّ منزلتهم الاجتماعية عند النعمان ؛ فقد بادر إلى إقصاء سميره الربيع عن مسامرته .

4 ـ عروة بن عتبة

وهو والد كبشة الجدّة الثانية لاُمّ البنين ، وكان من الشخصيات البارزة في العالم العربي ، وكان يفد على ملوك عصره فيكرّمونه ، ويجزلون له العطاء ، ويحسنون له الوفادة(1) .

هؤلاء بعض الأعلام من أجداد السيّدة الكريمة اُمّ البنين ، وقد عُرفوا بالنزعات الكريمة ، والصفات الرفيعة ، وبحكم قانون الوراثة فقد انتقلت صفاتهم الشريفة إلى السيّدة اُمّ البنين ، ثمّ منها إلى أبنائها الممجدين .

قِران الإمام باُمّ البنين (عليهما السّلام)

ولمّا ثُكل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بوفاة بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وريحانته سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السّلام) , ندب أخاه عقيلاً ـ وكان عالماً بأنساب العرب ـ أن يخطب له امرأة قد ولدتها الفحول ليتزوّجها ؛ لتلد غلاماً زكياً شجاعاً لينصر ولده أبا الشهداء في ميدان كربلاء(2) .

فأشار عليه عقيل بالسيّدة اُمّ البنين الكلابية ؛ فإنّه ليس في العرب مَنْ هو أشجع من أهلها ولا أفرس ، وكان لبيد الشاعر يقول فيهم : ونحنُ خيرُ عامر بن صعصعهْ , فلا

ـــــــــــــــــــــ
(1) قمر بني هاشم 1 / 11 ـ 13 , ذكر المحقّق الشيخ عبد الواحد المظفر في كتابه (بطل العلقمي) عرضاً مفصّلاً لمآثر هذه الأُسرة الكريمة .
(2) تنقيح المقال 2 / 128.

الصفحة (27)

ينكر عليه أحد من العرب , ومن قومها ملاعب الأسنّة أبو براء الذي لم يعرف العرب مثله في الشجاعة(1) . فندبه الإمام (عليه السّلام) إلى خطبتها ، وانبرى عقيل إلى أبيها فعرض عليه الأمر ، فأسرع فرحاً إليها فاستجابت باعتزاز وفخر ، وزُفّت إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وقد رأى فيها العقل الراجح ، والإيمان الوثيق ، وسموّ الآداب ، ومحاسن الصفات ، فأعزّها وأخلص لها كأعظم ما يكون الإخلاص .

رعايتها لسبطيّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)

وقامت السيّدة اُمّ البنين برعاية سبطي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وريحانتيه ، وسيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، وقد وجدا عندها من العطف والحنان ما عوّضهما من الخسارة الأليمة التي مُنيا بها بفقد أمّهما سيّدة نساء العالمين ، فقد توفّيت وعمرها كعمر الزهور ، فقد ترك فقدها اللوعة والحزن في نفسيهما .

لقد كانت السيدة اُمّ البنين تكنّ في نفسها من المودّة والحبّ للحسن والحسين (عليهما السّلام) ما لا تكنّه لأولادها اللذين كانوا ملء العين في كمالهم وآدابهم . لقد قدّمت اُمّ البنين أبناء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، على أبنائها في الخدمة والرعاية ، ولم يعرف التاريخ أنّ ضرّة تخلص لأبناء ضرّتها وتقدّمهم على أبنائها سوى هذه السيّدة الزكيّة .

فقد كانت ترى ذلك واجباً دينياً ؛ لأنّ الله أمر بمودّتهما في كتابه الكريم ، وهما وديعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وريحانتاه ، وقد عرفت اُمّ البنين ذلك فوفت بحقّهما ، وقامت بخدمتهما خير قيام .

ـــــــــــــــــــــ
(1) تنقيح المقال 2 / 128 .

الصفحة (28)

مكانتها عند أهل البيت (عليهم السّلام)

ولهذه السيّدة الزكية مكانة متميّزة عند أهل البيت (عليهم السّلام) ، فقد أكبروا إخلاصها وولاءها للإمام الحسين (عليه السّلام) ، وأكبروا تضحيات أبنائها المكرمين في سبيل سيّد الشهداء (عليه السّلام) .

يقول الشهيد الأوّل ، وهو من كبار فقهاء الإمامية : كانت اُمّ البنين من النساء الفاضلات ، العارفات بحقّ أهل البيت (عليهم السّلام) ، مخلصة في ولائهم ، ممحضة في مودّتهم ، ولها عندهم الجاه الوجيه ، والمحلّ الرفيع ، وقد زارتها زينب الكبرى بعد وصولها المدينة تعزّيها بأولادها الأربعة ، كما كانت تعزّيها أيام العيد(1) .

إنّ زيارة حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وشريكة الإمام الحسين (عليه السّلام) في نهضته زينب الكبرى (عليها السلام) لاُمّ البنين ، ومواساتها لها بمصابها الأليم بفقد السادة الطيبين من أبنائها ، ممّا يدلّ على أهميّة اُمّ البنين وسموّ مكانتها عند أهل البيت (عليهم السّلام) .

مكانتها عند المسلمين

وتحتلّ هذه السيّدة الجليلة مكانة مرموقة في نفوس المسلمين ، ويعتقد الكثيرون إلى أنّ لها منزلة عظيمة عند الله ، وأنّه ما التجأ إليها مكروب ، وجعلها واسطة إلى الله تعالى إلاّ كشف عنه ما ألمّ به من المحن والخطوب ، وهم يفزعون إليها إن ألمّت بهم كارثة من كوارث الزمن أو محنة من محن الأيّام .

ومن الطبيعي أن تكون لها هذه المنزلة الكريمة عند

ـــــــــــــــــــــ
(1) العباس ـ للمقرّم / 72 ـ 73 , نقلاً عن مجموعة الشهيد الأَوّل .

الصفحة (29)

الله ؛ فقد قدّمت في سبيله أفلاذ أكبادها ، وجعلتهم قرابين لدينه .

الوليد العظيم

وكان أوّل مولود زكيّ للسيّدة اُمّ البنين هو سيّدنا المعظّم أبو الفضل العباس (عليه السّلام) ، وقد ازدهرت يثرب ، وأشرقت الدنيا بولادته ، وسرت موجات من الفرح والسرور بين أفراد الأسرة العلوية ، فقد ولد قمرهم المشرق الذي أضاء سماء الدنيا بفضائله ومآثره ، وأضاف إلى الهاشميين مجداً خالداً وذِكراً نديّاً عاطراً .

وحينما بُشِّر الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بهذا المولود المبارك سارع إلى الدار فتناوله وأوسعه تقبيلاً ، وأجرى عليه مراسيم الولادة الشرعية ، فأذّن في أُذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى ، لقد كان أوّل صوت قد اخترق سمعه صوت أبيه رائد الإيمان والتقوى في الأرض ، وأنشودة ذلك الصوت : الله أكبر ... لا إله إلاّ الله .

وارتسمت هذه الكلمات العظيمة التي هي رسالة الأنبياء ، وأنشودة المتّقين في أعماق أبي الفضل ، وانطبعت في دخائل ذاته حتّى صارت من أبرز عناصره ، فتبنّى الدعوة إليها في مستقبل حياته ، وتقطّعت أوصاله في سبيلها .

وفي اليوم السابع من ولادة أبي الفضل (عليه السّلام) قام الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بحلق شعره ، والتصدّق بزنته ذهباً أو فضّة على المساكين ، وعقّ عنه بكبش ، كما فعل ذلك مع الحسن والحسين (عليهما السّلام) عملاً بالسنّة الإسلاميّة .


الصفحة (30)

سنة ولادته

أفاد بعض المحقّقين أنّ أبا الفضل العباس (عليه السّلام) وُلد سنة (26) هـ , في اليوم الرابع من شهر شعبان(1) .

تسميته

سمّى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وليده المبارك (بالعباس) ، وقد استشفّ من وراء الغيب أنّه سيكون بطلاً من أبطال الإسلام ، وسيكون عبوساً في وجه المنكر والباطل ، ومنطلق البسمات في وجه الخير . وكان كما تنبّأ ؛ فقد كان عبوساً في ميادين الحروب التي أثارتها القوى المعادية لأهل البيت (عليهم السّلام) ، فقد دمّر كتائبها وجندل أبطالها ، وخيّم الموت على جميع قطعات الجيش في يوم كربلاء ، ويقول الشاعر فيه :

عبست وُجوه القَوم خَوف المَوت وَال      عَـبـاسُ  فـيهم ضـاحكٌ مـتبسّمُ

كنيته

وكُنِّي سيّدنا العبّاس (عليه السّلام) بما يلي :

1 ـ أبو الفضل

كُنّي بذلك ؛ لأنّ له ولداً اسمه الفضل ، ويقول في ذلك بعض مَنْ رثاه :

أبا الفضلِ يا مَنْ أسّسَ الفضلَ والإبا        أبـى الـفضلُ إلاّ أن تـكونَ لهُ أبا

وطابقت هذه الكنية حقيقة ذاته العظيمة ، فلو لم يكن له ولد يُسمّى
ـــــــــــــــــــــ
(1) قمر بني هاشم 2 / 5 .

الصفحة (31)

بهذا الاسم ، فهو حقّاً أبو الفضل ، ومصدره الفيّاض ؛ فقد أفاض في حياته ببرّه وعطائه على القاصدين لنبله وجوده ، وبعد شهادته كان موئلاً وملجأً لكلّ ملهوف ، فما استجار به أحد بنيّة صادقة إلاّ كشف الله ما ألمّ به من المحن والبلوى .

2 ـ أبو القاسم

كُنّي بذلك ؛ لأنّ له ولداً اسمه (القاسم) ، وذكر بعض المؤرّخين أنّه استشهد معه يوم الطفّ ، وقدّمه قرباناً لدين الله ، وفداءً لريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

ألقابه

أمّا الألقاب التي تُضفى على الشخص فهي تحكي صفاته النفسية ؛ حسنة كانت أو سيّئة ، وقد أُضيفت على أبي الفضل (عليه السّلام) عدّة ألقاب رفيعة تنمّ عن نزعاته النفسية الطيبة ، وما اتّصف به من مكارم الأخلاق ، وهي :

1 ـ قمر بني هاشم

كان العبّاس (عليه السّلام) في روعة بهائه وجميل صورته آية من آيات الجمال ؛ ولذلك لقّب بقمر بني هاشم ، وكما كان قمراً لأسرته العلوية الكريمة ، فقد كان قمراً في دنيا الإسلام ؛ فقد أضاء طريق الشهادة ، وأنار مقاصدها لجميع المسلمين .


الصفحة (32)

2 ـ السقّاء

وهو من أجلّ ألقابه ، وأحبّها إليه ، أمّا السبب في إمضاء هذا اللقب الكريم عليه ؛ فهو لقيامه بسقاية عطاشى أهل البيت (عليهم السّلام) حينما فرض الإرهابي المجرم ابن مرجانة الحصار على الماء ، وأقام جيوشه على الفرات ؛ لتموت عطشاً ذرية النبيّ (صلّى الله عليه وآله) محرّر الإنسانية ومنقذها من ويلات الجاهلية... .

وقد قام بطل الإسلام أبو الفضل باقتحام الفرات عدّة مرّات ، وسقى عطاشى أهل البيت (عليهم السّلام) ومَنْ كان معهم من الأنصار ، وسنذكر تفصيل ذلك عند التعرّض لشهادته .

3 ـ بطل العلقمي

أمّا العلقمي فهو اسم للنهر الذي استشهد على ضفافه أبو الفضل العباس (عليه السّلام) ، وكان محاطاً بقوى مكثّفة من قبل ابن مرجانة ؛ لمنع ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسيّد شباب أهل الجنّة ومَنْ كان معه من نساء وأطفال من شرب الماء .

وقد استطاع أبو الفضل بعزمه الجبّار ، وبطولته النادرة أن يجندل الأبطال ، ويهزم أقزام ذلك الجيش المنحطّ ، ويحتلّ ذلك النهر ، وقد قام بذلك عدّة مرّات ، وفي المرّة الأخيرة استشهد على ضفافه ؛ ومن ثمّ لُقِّب ببطل العلقمي .

4 ـ حامل اللواء

ومن ألقابه المشهورة (حامل اللواء) ، وهو أشرف لواء ، إنّه لواء أبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقد خصّه به دون أهل بيته وأصحابه ؛ وذلك لما تتوفّر فيه من القابليات العسكرية ، ويعتبر منح اللواء في ذلك العصر من أهمّ المناصب الحسّاسة في الجيش .

وقد كان اللواء الذي تقلّده


الصفحة (33)

أبو الفضل يرفرف على رأس الإمام الحسين (عليه السّلام) منذ أن خرج من يثرب حتّى انتهى إلى كربلاء ، وقد قبضه بيد من حديد ، فلم يسقط منه حتّى قطعت يداه ، وهوى صريعاً بجنب العلقمي .

5 ـ كبش الكتيبة

وهو من الألقاب الكريمة التي تُمنح إلى القائد الأعلى في الجيش ، الذي يقوم بحماية كتائب جيشه بحسن تدبير ، وقوّة بأس ، وقد أضفي هذا الوسام الرفيع على سيّدنا أبي الفضل ؛ وذلك لما أبداه يوم الطفّ من الشجاعة والبسالة في الذبّ والدفاع عن معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فقد كان قوّة ضاربة في معسكر أخيه ، وصاعقة مرعبة ومدمّرة لجيوش الباطل .

6 ـ العميد

وهو من الألقاب الجليلة في الجيش التي تُمنح لأبرز الأعضاء في القيادة العسكرية ، وقد قُلّد أبو الفضل (عليه السّلام) بهذا الوسام ؛ لأَنّه كان عميد جيش أخيه أبي عبد الله ، وقائد قوّاته المسلّحة في يوم الطفّ .

7 ـ حامي الظعينة

ومن الألقاب المشهورة لأبي الفضل (عليه السّلام) (حامي الظعينة) . يقول السيّد جعفر الحلّي في قصيدته العصماء التي رثاه بها :

حامي الظَعينة أَين مِنهُ رَبيعةٌ      أَم  أَيـن مِن عَليا أَبيهِ مكرمُ


الصفحة (34)

وإنّما أُضفي عليه هذا اللقب الكريم لقيامه بدور مشرّف في رعاية مخدّرات النبوّة وعقائل الوحي ، فقد بذل قصارى جهوده في حمايتهنّ وحراستهنّ وخدمتهنّ ، فكان هو الذي يقوم بترحيلهنّ ، وإنزالهنّ من المحامل طيلة انتقالهنّ من يثرب إلى كربلاء .

ومن الجدير بالذكر أنّ هذا اللقب أُطلق على بطل من شجعان العرب وفرسانهم , وهو ربيعة بن مكرم ، فقد قام بحماية ظعنه ، وأبلى في ذلك بلاءً حسناًً(1) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) جاء في العقد الفريد 3 / 331 أنّ دريد بن الصمّة خرج ومعه جماعة من فرسان بني جشم حتّى إذا كانوا في واد لبني كنانة يُقال له : الأَخرم ، وهم يريدون الغارة على بني كنانة , فرأوا رجلاً معه ظعينة في ناحية الوادي ، فقال دريد لفارس من أصحابه : امضِ واستولِ على الظعينة . وانتهى الفارس إلى الرجل فصاح به : خلّ عن الظعينة وانجُ بنفسك . فألقى زمام الناقة وقال للظعينة :

سيري على رسلك سير الآمنِ        سير  دراج ذات جاش طامنِ
إنّ الـتأنّي دون قرني شائني        أبـلى بلائي فاخبري وعايني

ثمّ حمل على الرجل فصرعه ، وأخذ فرسه وأعطاها للظعينة ، وبعث دريد فارساً آخر لينظر ما صنع صاحبه ، فلمّا انتهى إليه رآه صريعاً , فصاح بالرجل فألقى زمام الظعينة ، فلمّا انتهى إليه حمل عليه وهو يقول :

خـلِّ سبيلَ الحرّةِ المنيعهْ       إنّـكَ لاقٍ دونـها ربيعهْ
فـي  كـفّه خطيّة منيعهْ        أو لا فخذها طعنةً سريعهْ

وحمل عليه فصرعه ، ولمّا أبطأ بعث دريد فارساً آخر لينظر ما صنع الرجلان ، ولمّا انتهى إليهما وجدهما صريعين ، والرجل يجرّ رمحه ، فلمّا نظر إليه قال للظعينة : اقصدي قصد البيوت . ثمّ أقبل عليه وقال :

مـاذا  تُريد من شئيم عابسِ        أما ترى الفارسَ بعد الفارسِ

أرداهـما عـاملُ رمحٍ يابس

ثمّ حمل عليه فصرعه ، وانكسر رمحه ، وارتاب دريد في أمر جماعته ، وظنّ أنّهم أخذوا الظعينة وقتلوا الرجل , فلحقهم وقد دنا ربيعة من الحي ، فوجدهم دريد قد =

الصفحة (35)

8 ـ باب الحوائج

وهذا من أكثر ألقابه شيوعاً ، وانتشاراً بين الناس ، فقد آمنوا وأيقنوا أنّه ما قصده ذو حاجة بنيّة خالصة إلاّ قضى الله حاجته ، وما قصده مكروب إلاّ كشف الله ما ألمّ به من محن الأيام ، وكوارث الزمان ، وكان ولدي محمد الحسين ممّن التجأ إليه حينما دهمته كارثة ففرّج الله عنه .

إنّ أبا الفضل نفحة من رحمات الله ، وباب من أبوابه ، ووسيلة من وسائله ، وله عنده الجاه العظيم ، وذلك لجهاده المقدّس في نصرة الإسلام ، والذبّ عن أهدافه ومبادئه ، وقيامه بنصرة ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى استشهد في سبيله .

هذه بعض ألقاب أبي الفضل وهي تحكي بعض معالم شخصيّته العظيمة ، وما انطوت عليه من محاسن الصفات ومكارم الأخلاق(1) .

ملامحه

أمّا ملامحه فقد كان صورة بارعة من صور الجمال ، وقد لُقّب بقمر بني هاشم ؛ لروعة بهائه ، وجمال طلعته ، وكان متكامل الجسم ، قد بدت عليه

ـــــــــــــــــــــ
 = قتلوا جميعاً ، فقال لربيعة : إنّ مثلك لا يُقتل ، ولا أرى معك رمحك ، والخيل ثائرة بأصحابها فدونك هذا الرمح فإنّي منصرف عنك إلى أصحابي ، ومثبّطهم عنك . فانصرف إلى أصحابه وقال لهم : إنّ فارس الظعينة قد حماها وقتل أصحابكم وانتزع رمحي ، فلا مطمع لكم فيه . فانصرف القوم ، فقال دريد في ذلك :

ما إن رأيتُ ولا سمعتُ بمثلهِ        حامي الظعينةِ فارساً لم يقتلِ
أردى  فوارس لم يكونوا نهزةً        ثـمّ اسـتـمرّ كأنّهُ لم يفعلِ
فـتـهلّلت تبدو أسرّةُ وجههِ        مثل الحسام جلته كفّ الصيقلِ
يزجى طعينته ويسحبُ رمحهُ        مثل البغاث خشينَ وقعَ الجندلِ

(1) جاء في تنقيح المقال 2 / 128 إنّه تحدّث للعباس ستة عشر لقباً .

الصفحة (36)

آثار البطولة والشجاعة ، ووصفه الرواة بأنّه كان وسيماً جميلاً ، يركب الفرس المطهم(1) ورجلاه يخطّان في الأرض(2) .

تعويذ اُمّ البنين له

واستوعب حبّ العباس قلب اُمّه الزكيّة ، فكان عندها أعزّ من الحياة ، وكانت تخاف عليه ، وتخشى من أعين الحسّاد من أن تصيبه بأذى أو مكروه ، وكانت تعوذه بالله ، وتقول هذه الأبيات :

أعـيذهُ  بـالواحدِ        من عينِ كلّ حاسدِ
قـائمِهم والـقاعدِ        مـسلمِهم والجاحدِ
صادرِهم  والواردِ        مـولدهم  والوال(3)

 

مع أبيه

كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يرعى ولده أبا الفضل في طفولته ، ويعنى به كأشدّ ما تكون العناية ؛ فأفاض عليه مكوّنات نفسه العظيمة العامرة بالإيمان والمثل العليا ، وقد توسّم فيه أنّه سيكون بطلاً من أبطال الإسلام ، وسيسجّل للمسلمين صفحات مشرقة من العزّة والكرامة .

كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) يوسع العباس تقبيلاً ، وقد احتلّ عواطفه وقلبه . ويقول المؤرّخون : إنّه أجلسه في حجره فشمّر العبّاس عن

ـــــــــــــــــــــ
(1) الفرس المطهم : هو السمين الفاحش في السمن كما في القاموس ، وفي المنجد أنّه التامّ الحسن .
(2) مقاتل الطالبيِّين / 56 .
(3) المنمق في أخبار قريش / 437 .

الصفحة (37)

ساعديه ، فجعل الإمام يقبّلهما وهو غارق في البكاء ، فبهرت اُمّ البنين وراحت تقول للإمام : ما يبكيك ؟!

فأجابها الإمام بصوت خافت حزين النبرات : (( نظرت إلى هذين الكفّين ، وتذكّرت ما يجري عليهما )) .

وسارعت اُمّ البنين بلهفة قائلة : ماذا يجري عليهما ؟

فأجابها الإمام بنبرات مليئة بالأسى والحزن قائلاً : (( إنّهما يقطعان من الزند )) .

وكانت هذه الكلمات كصاعقة على اُمّ البنين ، فقد ذاب قلبها ، وسارعت وهي مذهولة قائلة : لماذا يقطعان ؟

وأخبرها الإمام (عليه السّلام) بأنّهما إنّما يقطعان في نصرة الإسلام ، والذبّ عن أخيه حامي شريعة الله ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فأجهشت اُمّ البنين في البكاء ، وشاركنها مَنْ كان معها من النساء لوعتها وحزنها(1) .

وخلدت اُمّ البنين إلى الصبر ، وحمدت الله تعالى في أن يكون ولدها فداءً لسبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وريحانته .

نشأته

نشأ أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) نشأة صالحة كريمة ، قلّما يظفر بها إنسان ، فقد نشأ في ظلال أبيه رائد العدالة الاجتماعية في الأرض ، فغذّاه بعلومه

ـــــــــــــــــــــ
(1) قمر بني هاشم 1 / 19 .

الصفحة (38)

وتقواه ، وأشاع في نفسه النزعات الشريفة ، والعادات الطيّبة ليكون مثالاً عنه ، وأنموذجاً لمثله ، كما غرست أمّه السيّدة فاطمة في نفسه جميع صفات الفضيلة والكمال ، وغذّته بحبّ الخالق العظيم ، فجعلته في أيّام طفولته يتطلّع إلى مرضاته وطاعته ، وظلّ ذلك ملازماً له طوال حياته .

ولازم أبو الفضل أخويه السبطين ريحانتي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة ، فكان يتلقّى منهما قواعد الفضيلة ، وأسس الآداب الرفيعة .

وقد لازم بصورة خاصّة أخاه أبا الشهداء الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فكان لا يفارقه في حلّه وترحاله ، وقد تأثّر بسلوكه ، وانطبعت في قرارة نفسه مُثُله الكريمة وسجاياه الحميدة حتّى صار صورة صادقة عنه يحكيه في مثله واتجاهاته . وقد أخلص له الإمام الحسين (عليه السّلام) كأعظم ما يكون الإخلاص ، وقدّمه على جميع أهل بيته ؛ لِما رأى منه من الودّ الصادق له حتّى فداه بنفسه .

إنّ المكوّنات التربوية الصالحة التي ظفر بها سيّدنا أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) قد رفعته إلى مستوى العظماء والمصلحين ، الذين غيّروا مجرى تاريخ البشرية بما قدّموه لها من التضحيات الهائلة في سبيل قضاياها المصيرية ، وإنقاذها من ظلمات الذلّ والعبودية .

لقد نشأ أبو الفضل (عليه السّلام) على التضحية والفداء من أجل إعلاء كلمة الحقّ ، ورفع رسالة الإسلام الهادفة إلى تحرير إرادة الإنسان ، وبناء مجتمع أفضل تسوده العدالة والمحبّة والإيثار .

وقد تأثّر العباس (عليه السّلام) بهذه المبادئ العظيمة ، وناضل في سبيلها كأشدّ ما يكون النضال ، فقد غرسها في أعماق نفسه ، ودخائل ذاته ، أبوه الإمام أمير المؤمنين وأخواه الحسن والحسين (عليهم السّلام) ، هؤلاء العظام الذين حملوا مشعل الحرية والكرامة ، وفتحوا الآفاق المشرقة لجميع


الصفحة (39)

شعوب العالم وأُمم الأرض من أجل كرامتهم وحرّيتهم ، ومن أجل أن تسود العدالة والقيم الكريمة بين الناس .

 * * *

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث