العباس بن علي عليهما السلام

 
 

الصفحة (40)

انطباعات عن شخصيّته (عليه السّلام)

واحتلّ أبو الفضل (عليه السّلام) قلوب العظماء ومشاعرهم ، وصار أنشودة الأحرار في كلّ زمان ومكان ؛ وذلك لما قام به من عظيم التضحية تجاه أخيه سيّد الشهداء الذي ثار في وجه الظلم والطغيان ، وبنى للمسلمين عزّاً شامخاً ومجداً خالداً .

وفيما يلي بعض الكلمات القيّمة التي أدلى بها بعض الشخصيات الرفيعة في حقّ أبي الفضل (عليه السّلام) .

1 ـ الإمام زين العابدين

أمّا الإمام زين العابدين (عليه السّلام) فهو من المؤسسين للتقوى والفضيلة في الإسلام ، وكان هذا الإمام العظيم يترحّم دوماً على عمّه العبّاس ، ويذكر بمزيد من الإجلال والإكبار تضحياته الهائلة لأخيه الحسين ، وكان ممّا قاله في حقّه هذه الكلمات القيّمة : (( رحم الله عمّي العباس ، فلقد آثر وأبلى ، وفدى أخاه بنفسه حتّى قُطعت يداه ، فأبدله الله بجناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كما جعل لجعفر بن أبي طالب . وإنّ للعبّاس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة ))(1) .

وألمّت هذه الكلمات بأبرز ما قام به أبو الفضل من التضحيات تجاه

ـــــــــــــــــــــ
(1) الخصال 1 / 35 .

الصفحة (41)

أخيه أبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فقد أبدى في سبيله من ضروب الإيثار ، وصنوف التضحية ما يفوق حدّ الوصف ، وما كان به مضرب المثل على امتداد التاريخ ، فقد قطعت يداه الكريمتان يوم الطفّ في سبيله ، وظلّ يقاوم عنه حتّى هوى إلى الأرض صريعاً ، وإنّ لهذه التضحيات الهائلة عند الله منزلة كريمة ، فقد منحه من الثواب العظيم ، والأجر الجزيل ما يغبطه عليه جميع شهداء الحقّ والفضيلة في دنيا الإسلام وغيره .

2 ـ الإمام الصادق

أمّا الإمام الصادق (عليه السّلام) فهو العقل المبدع والمفكّر في الإسلام ، فقد كان هذا العملاق العظيم يشيد دوماً بعمّه العبّاس ، ويثني ثناءً عاطراً ونديّاً على مواقفه البطولية يوم الطفّ ، وكان ممّا قاله في حقّه : (( كان عمّي العبّاس بن علي (عليه السّلام) نافذ البصيرة ، صُلب الإيمان ، جاهد مع أخيه الحسين وأبلى بلاءً حسناً ، ومضى شهيداً ))(1) .

وتحدّث الإمام الصادق (عليه السّلام) عن أنبل الصفات الماثلة عند عمّه العبّاس ، والتي كانت موضع إعجابه ، وهي :

أ ـ نفاذ البصيرة

أمّا نفاذ البصيرة ، فإنّها منبعثة من سداد الرأي وأصالة الفكر ، ولا يتّصف بها إلاّ مَنْ صفت ذاته وخلصت سريرته ، ولم يكن لدواعي الهوى والغرور أي سلطان عليه ، وكانت هذه الصفة الكريمة من أبرز صفات أبي الفضل ، فقد كان من نفاذ بصيرته ، وعمق تفكيره مناصرته ومتابعته لإمام

ـــــــــــــــــــــ
(1) ذخيرة الدارين / 123 , نقلاً عن عمدة الطالب .

الصفحة (42)

الهدى وسيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقد ارتقى بذلك إلى قمّة الشرف والمجد ، وخلدت نفسه العظيمة على امتداد التأريخ ، فما دامت القيم الإنسانية يخضع لها الإنسان ، ويمجّدها فأبو الفضل قد بلغ قمّتها وذروتها .

ب ـ الصلابة في الإيمان

والظاهرة الأخرى من صفات أبي الفضل (عليه السّلام) هي الصلابة في الإيمان ، وكان من صلابة إيمانه انطلاقه في ساحات الجهاد بين يدي ريحانة رسول الله مبتغياً في ذلك الأجر عند الله ، ولم يندفع إلى تضحيته بأيّ دافع من الدوافع المادية ، كما أعلن ذلك في رجزه يوم الطفّ ، وكان ذلك من أوثق الأدلّة على إيمانه .

ج ـ الجهاد مع الحسين (عليه السّلام)

وثمّة مكرمة وفضيلة أخرى لبطل كربلاء العباس (عليه السّلام) أشاد بها الإمام الصادق (عليه السّلام) ، وهي جهاده المشرق بين يدي سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسيّد شباب أهل الجنّة ، ويعتبر الجهاد في سبيله من أسمى مراتب الفضيلة التي انتهى إليها أبو الفضل ، وقد أبلى بلاءً حسناً يوم الطفّ لم يشاهد مثله في دنيا البطولات .

د ـ زيارة الإمام الصادق (عليه السّلام)

وزار الإمام الصادق (عليه السّلام) أرض الشهادة والفداء كربلاء ، وبعدما انتهى من زيارة الإمام الحسين وأهل بيته والمجتبين من أصحابه (عليهم السّلام) ، انطلق بشوق إلى زيارة قبر عمّه العبّاس ، ووقف على المرقد المعظّم ، وزاره بالزيارة التالية التي تنمّ عن سموّ منزلة العبّاس وعظيم مكانته ، وقد استهلّ زيارته بقوله :


الصفحة (43)

(( سلام الله , وسلام ملائكته المقرّبين ، وأنبيائه المرسلين ، وعباده الصالحين ، وجميع الشهداء والصدّيقين ، والزاكيات الطيّبات فيما تغتدي وتروح عليك يابن أمير المؤمنين ... )) .

لقد استقبل الإمام الصادق (عليه السّلام) عمّه العباس بهذه الكلمات الحافلة بجميع معاني الإجلال والتعظيم ، فقد رفع له تحيات من الله ، وسلام ملائكته ، وأنبيائه المرسلين ، وعباده الصالحين ، والشهداء ، والصدّيقين ، وهي أندى وأزكى تحيّة رفعت له ، ويمضي سليل النبوّة الإمام الصادق (عليه السّلام) في زيارته قائلاً : (( وأشهد لك بالتسليم والتصديق , والوفاء والنصيحة لخلف النبيّ المرسل ، والسبط المنتجب ، والدليل العالم ، والوصي المبلّغ ، والمظلوم المهتضم ... )) .

وأضفى الإمام الصادق (عليه السّلام) بهذا المقطع أوسمة رفيعة على عمّه العبّاس هي من أجلّ وأسمى الأوسمة التي تضفى على الشهداء العظام ، وهي :

أ ـ التسليم

وسلّم العباس (عليه السّلام) لأخيه سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السّلام) جميع أموره ، وتابعه في جميع قضاياه حتّى استشهد في سبيله ، وذلك لعلمه بإمامته القائمة على الإيمان الوثيق بالله تعالى ، وعلى أصالة الرأي ، وسلامة القصد ، والإخلاص في النيّة .


الصفحة (44)

ب ـ التصديق

وصدّق العبّاس (عليه السّلام) أخاه ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في جميع اتجاهاته ، ولم يخامره شكّ في عدالة قضيّته ، وإنّه على الحقّ ، وإنّ مَنْ نصب له العداوة وناجزه الحرب كان على ضلال مبين .

ج ـ الوفاء

من الصفات الكريمة التي أضافها الإمام الصادق (عليه السّلام) على عمّه أبي الفضل (عليه السّلام) ، الوفاء ، فقد وفى ما عاهد عليه الله من نصرة إمام الحقّ أخيه أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام) ، فقد وقف إلى جانبه في أحلك الظروف وأشدّها محنة وقسوة ، ولم يفارقه حتّى قطعت يداه ، واستشهد في سبيله .

لقد كان الوفاء الذي هو من أميز الصفات الرفيعة عنصراً من عناصر أبي الفضل ، وذاتياً من ذاتياته ، فقد خُلِق للوفاء والبرّ للقريب والبعيد .

د ـ النصيحة

وشهد الإمام الصادق (عليه السّلام) بنصيحة عمّه العبّاس لأخيه سيّد الشهداء (عليه السّلام) ، فقد أخلص له في النصيحة على مقارعة الباطل ، ومناجزة أئمّة الكفر والضلال ، وشاركه في تضحياته الهائلة التي لم يشاهد العالم مثلها نظيراً في جميع فترات التاريخ .

ولننظر إلى بند آخر من بنود هذه الزيارة الكريمة ، يقول (عليه السّلام) : (( فجزاك الله عن رسوله ، وعن أمير المؤمنين ، وعن الحسن والحسين صلوات الله عليهم أفضل الجزاء بما صبرت واحتسبت وأعنت , فنعم عقبى الدار ... )) .

وحوى هذا المقطع على إكبار الإمام الصادق (عليه السّلام) لعمّه العبّاس ، وذلك لِما قدّمه من الخدمات العظيمة ، والتضحيات الهائلة لسيّد شباب أهل


الصفحة (45)

الجنّة ، وريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فقد فداه بروحه ، ووقاه بمهجته ، وصبر على ما لاقاه في سبيله من المحن والشدائد ، مبتغياً في ذلك الأجر عند الله ، فجزاه الله عن نبيّه الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ، وعن باب مدينته الإمام أمير المؤمنين ، وعن الحسن والحسين أفضل الجزاء على عظيم تضحياته .

ويستمرّ مجدّد الإسلام الإمام الصادق (عليه السّلام) في زيارته لعمّه العبّاس ، فيذكر صفاته الكريمة ، وما له من المنزلة العظيمة عند الله تعالى ، فيقول بعد السلام عليه : (( أشهد ، وأُشهد الله أنّك مضيت على ما مضى به البدريّون والمجاهدون في سبيل الله ، المناصحون له في جهاد أعدائه ، المبالغون في نصرة أوليائه ، الذابّون عن أحبّائه ، فجزاك الله أفضل الجزاء , وأوفى الجزاء ، وأوفى جزاء أحد ممّن وفى ببيعته ، واستجاب لدعوته ، وأطاع ولاة أمره ... )) .

لقد شهد الإمام الصادق (عليه السّلام) العقل المفكّر والمبدع في الإسلام ، وأشهد الله تعالى على ما يقول من أنّ عمّه أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) قد مضى في جهاده مع أخيه أبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السّلام) ، على الخطّ الذي مضى عليه شهداء بدر الذين هم من أكرم الشهداء عند الله ؛ فهم الذين كتبوا النصر للإسلام ، وبدمائهم الزكية ارتفعت كلمة الله عالية في الأرض ، وقد استشهدوا وهم على بصيرة من أمرهم ، ويقين من عدالة قضيّتهم .

وكذلك سار أبو الفضل العبّاس على هذا الخطّ المشرق ، فقد استشهد لإنقاذ الإسلام من محنته الحازبة ؛ فقد حاول صعلوك بني أميّة حفيد أبي سفيان أن يمحو كلمة الله ، ويلفّ لواء الإسلام ، ويعيد الناس لجاهليتهم الأولى ، فثار أبو الفضل


الصفحة (46)

بقيادة أخيه أبي الأحرار في وجه الطاغية السفّاك ، وتحققت بثورتهم كلمة الله العليا في نصر الإسلام ، وإنزال الهزيمة الساحقة بأعدائه وخصومه .

ويستمرّ الإمام الصادق (عليه السّلام) في زيارته لعمّه العباس ، فيسجّل ما يحمله من إكبار وتعظيم ، فيقول : (( أشهد أنّك قد بالغت في النصيحة ، وأعطيت غاية المجهود ، فبعثك الله في الشهداء ، وجعل روحك مع أرواح السعداء ، وأعطاك من جنانه أفسحها منزلاً ، وأفضلها غرفاً ، ورفع ذكرك في علّيين ، وحشرك مع النبّيين والصديقين ، والشهداء والصالحين ، وحسن أُولئك رفيقاً .

أشهد أنّك لم تهن ، ولم تنكل ، وأنّك مضيت على بصيرة من أمرك ، مقتدياً بالصالحين ، ومتّبعاً للنبيّين ، فجمع الله بيننا وبينك , وبين رسوله وأوليائه في منازل المخبتين ، فإنّه أرحم الراحمين ))(1) .

ويلمس في هذه البنود الأخيرة من الزيارة مدى أهميّة العبّاس ، وسموّ مكانته عند إمام الهدى الإمام الصادق (عليه السّلام) ، وذلك لِما قام به هذا البطل العظيم من خالص النصيحة ، وعظيم التضحيّة لريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الإمام الحسين (عليه السّلام) ، كما دعا الإمام له ببلوغ المنزلة السامية عند الله التي لا ينالها إلاّ الأنبياء وأوصيائهم ، ومن أمتحن الله قلبه للإيمان .

3 ـ الإمام الحجّة

وأدلى الإمام المصلح العظيم بقيّة الله في الأرض ، قائم آل محمد (صلّى الله عليه وآله)

ـــــــــــــــــــــ
(1) مفاتيح الجنان ـ للقمّي , وغيره من كتب الزيارات والأَدعية .

الصفحة (47)

بكلمة رائعة في حقّ عمّه العبّاس (عليه السّلام) جاء فيها : (( السلام على أبي الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين ، المواسي أخاه بنفسه ، الآخذ لغده من أمسه ، الفادي له ، الواقي ، الساعي إليه بمائه ، المقطوعة يداه ، لعن الله قاتليه يزيد بن الرقاد ، وحكيم بن الطفيل الطائي ))(1) .

وأشاد بقيّة الله في الأرض بالصفات الكريمة الماثلة في عمّه قمر بني هاشم وفخر عدنان ، وهي :

1 ـ مواساته لأخيه سيّد الشهداء (عليه السّلام) ، فقد واساه في أحلك الظروف وأشدّها محنة وقسوة ، وظلّت مواساته له مضرب المثل على امتداد التاريخ .

2 ـ تقديمه أفضل الزاد لآخرته ، وذلك بتقواه ، وشدّة تحرّجه في الدين ، ونصرته لإمام الهدى .

3 ـ تقديم نفسه ، وإخوته وولده فداءً لسيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين (عليه السّلام) .

4 ـ وقايته لأخيه المظلوم بمهجته .

5 ـ سعيه لأخيه وأهل بيته بالماء حينما فرضت سلطات البغي والجور الحصار على ماء الفرات من أن تصل قطرة منه لآل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) .

4 ـ الشعراء

وهام الأحرار من شعراء أهل البيت (عليهم السّلام) بشخصية أبي الفضل التي

ـــــــــــــــــــــ
(1) مزار محمد بن المشهدي من أعلام القرن السادس / 553 .

الصفحة (48)

بلغت قمّة الشرف والمجد ، وسجّلت صفحات من النور في تاريخ الأمّة الإسلاميّة ، وقد نظموا في حقّه روائع الشعر العربي إكباراً وإعجاباً بمثله الكريمة ، فيما يلي بعضهم :

أ ـ الكُمَيْت

أمّا شاعر الإسلام الأكبر الكُميت الأسدي فقد انطبع حبّ أبي الفضل في أعماق نفسه ، وقد تعرّض لمدحه في إحدى هاشمياته الخالدة ، قال :

وأَبُو الفَضلِ إنَّ ذِكرَهُم الحُل      وُبِـفِيَّ الشِّفَاءُ للأَسقَام(1)

إنّ ذكر أبي الفضل العباس (عليه السّلام) ، وسائر أهل البيت حلو عند كلّ شريف ؛ لأنّه ذكر للفضيلة والكمال المطلق ، كما إنّه شفاء للنفوس من أسقام الجهل والغرور ، وسائر الأمراض النفسية .

2 ـ الفضل بن محمد

من الشعراء الملهمين الذين هاموا بشخصية أبي الفضل (عليه السّلام) هو حفيده الشاعر الكبير الفضل بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس ، فقد قال :

إنّــي لأذكـرُ لـلعبّاسِ مـوقفَهُ       بـكربلاء  وهـامُ القومِ تُختطفُ
يـحمي الحسينَ ويحميه على ظمأٍ       ولا يـولّي ولا يـثني فـيختلفُ
ولا أرى مـشهداً يـوماً كـمشهدِهِ       مع الحسين عليه الفضلُ والشرفُ

ـــــــــــــــــــــ
(1) الهاشميات / 25 ، ومن الغريب أنّ الشارح لهذا الديوان قال : إنّ المراد بأبي الفضل هو العباس بن عبد المطلب .

الصفحة (49)

أكرم به مشهداً بانت فضيلتُهُ       ومـا أضاع له أفعاله خلفُ(1)

 

وصوّرت هذه الأبيات شجاعة أبي الفضل (عليه السّلام) ، وما قام به من دور مشرق يدعو إلى الاعتزاز والفخر في حماية أخيه أبي الأحرار ، ووقايته له بمهجته ، وسقايته له ولأفراد عائلته وأطفاله بالماء ، فلم يكن هناك مشهد أفضل ولا أسمى من هذا الموقف الرائع الذي وقفه أبو الفضل مع أخيه أبي عبد الله (عليه السّلام) ... .

وقد استولت مواقف أبي الفضل على حفيده الفضل فهام بها , ورثاه بذوب روحه ، وكان من رثائه له هذه الأبيات الرقيقة :

أحـقّ الـناسِ أن يُبكى عليه       فـتىً أبكى الحسينَ بكربلاءِ
أخـوه وابـن والـدهِ عـليٍّ       أبو  الفضلِ المضرّجِ بالدماءِ
ومَـنْ  واسـاه لا يثنيه شيءٌ       وجاد له على عطشٍ بماءِ(2)

نعم ، إنّ أحق الناس أن يمجّد ويبكي على ما حلّ به من رزء قاصم هو أبو الفضل رمز الإباء والفضيلة ، فقد رزأ الإمام الحسين (عليه السّلام) بمصرعه ، وبكاه أمرّ البكاء ؛ لأنّه فقد بمصرعه أبرّ الإخوان وأعطفهم عليه .

3 ـ السيّد راضي القزويني

وهام الشاعر العلوي السيّد راضي القزويني بشخصية أبي الفضل (عليه السّلام) ، قال :

ـــــــــــــــــــــ
(1) قمر بني هاشم / 147 نقلاً عن المجدي .
(2) الغدير 3 / 5 .

الصفحة (50)

أبا الفضلِ يا مَنْ أسسَ الفضلَ والإبا        أبـى الـفضلُ إلاّ أن تكونَ لهُ أبا
تـطـلّبت أسـبـابَ العُلا فبلغتها        ومــا  كـلّ سـاعٍ بالغٌ ما تطلّبا
ودونَ احـتـمالِ الضيمِ عزٌّ ومنعةٌ        تـخـيّـرتَ أطرافَ الأسنّةِ مركبا

إنّ أبا الفضل من المؤسسين للفضل والإباء في دنيا العرب والإسلام ، فقد سما إلى طرق المجد ، وأسباب العلى فبلغ قمّتها ، وقد تخيّر أطراف الأسنّة والرماح حتّى لا يناله ذلّ ولا ضيم .

4 ـ محمد رضا الأزري

وأشاد الشاعر الكبير الحاج محمد رضا الأزري في رائعته بالمثل الكريمة التي تحلّى بها قمر بني هاشم ، والتي احتلّت عواطف الأحرار ومشاعرهم ، يقول :

فانهض إلى الذكرِ الجميلِ مشمّراً       فـالذكرُ  أبقى ما اقتنته كرامُها
أوَ  مـا أتاكَ حديثُ وقعةِ كربلا       أنّـى وقـد بـلغَ السماءَ قتامُها
يومٌ أبو الفضلِ استجارَ بهِ الهدى       والشمسُ من كدرِ العجاجِ لثامُها

ودعا الأزري بالبيت من رائعته إلى اقتناء الذكر الجميل الذي هو من أفضل المكاسب التي يظفر بها الإنسان ؛ فإنّه أبقى وأخلد له ، ودعا بالبيت الثاني إلى التأمّل والاستفادة من واقعة كربلاء التي تفجّرت من بركان هائل من الفضائل والمآثر لآل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، وعرج بالبيت الثالث على أبي الفضل العبّاس (عليه السّلام) الذي استجار به سبط النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وريحانته ، ولنستمع إلى ما قام به العبّاس من النصر والحماية لأخيه ، يقول الأزري :

الصفحة (51)

فـحـمـى عرينته ودمدمَ دونها        ويذبّ من دون الشرى ضرغامُها
والبيضُ فوقَ البيضِ تحسبُ وقعها        زجـلَ الرعودِ إذا اكفهرّ غمامُها
مــن  بـاسلٍ يلقى الكتيبةَ باسماً        والـشوسُ يـرشحُ بالمنيةِ هامُها
وأشـمّ لا يـحـتلّ دارَ هضيمة        أو  يـسـتقلّ على النجومِ رغامُها
أوَ لـم تـكـن تدري قريشٌ أنّه        طـلاّعُ كـلّ ثـنـيـةٍ مقدامُها

وهذه الأبيات منسجمة كلّ الانسجام مع بطولات أبي الفضل ، فقد صوّرت بسالته ، وما قام به من دور مشرّف في حماية أخيه أبي الأحرار ، فقد انبرى كالأسد يذبّ عن أخيه في معركة الشرف والكرامة ، غير حافل بتلك الوحوش الكاسرة التي ملأت البيداء دفاعاً عن ذئاب البشرية .

وقد انطلق أبو الفضل باسماً في ميادين الحرب وهو يحطّم أنوف أُولئك الأوغاد ، ويجرّعهم غصص الموت في سبيل كرامته وعزّة أخيه ، وقد استبان للقبائل القرشية في هذه المعركة أنّ أبا الفضل طلاع كلّ ثنية ، وأنّه ابن مَنْ أرغمها على الإسلام ، وحطّم جاهليتها وأوثانها .

وبهذا العرض نأتي على الانطباعات الكريمة عن شخصية أبي الفضل (عليه السّلام) عند الأئمّة الطاهرين ، وعند بعض أعلام الأدب العربي .

 * * *


الصفحة (52)


الصفحة (53)

عناصره النفسيّة


الصفحة (54)


الصفحة (55)

كان سيّدنا العباس (عليه السّلام) دنيا من الفضائل والمآثر ، فما من صفة كريمة أو نزعة رفيعة إلاّ وهي من عناصره وذاتيّاته ، وحسبه فخراً أنّه نجل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) الذي حوى جميع فضائل الدنيا ، وقد ورث أبو الفضل فضائل أبيه وخصائصه حتّى صار عند المسلمين رمزاً لكلّ فضيلة ، وعنواناً لجميع القيم الرفيعة . ونلمح بإيجاز لبعض صفاته :

1 ـ الشجاعة

أمّا الشجاعة فهي من أسمى صفات الرجولة ؛ لأنّها تنمّ عن قوّة الشخصية وصلابتها ، وتماسكها أمام الأحداث . وقد ورث أبو الفضل (عليه السّلام) هذه الصفة الكريمة من أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) الذي هو أشجع إنسان في دنيا الوجود ، كما ورث هذه الصفة من أخواله الذين تميّزوا بهذه الظاهرة ، وعرفوا بها من بين سائر الأحياء العربية .

لقد كان أبو الفضل دنيا في البطولات ، فلم يخالج قلبه خوف ولا رعب في الحروب التي خاضها مع أبيه كما يقول بعض المؤرخين ، وقد أبدى من الشجاعة يوم الطفّ ما صار مضرب المثل على امتداد التأريخ .

فقد كان ذلك اليوم من أعظم الملاحم التي جرت في الإسلام ، وقد برز فيه أبو الفضل (عليه السّلام) أمام تلك القوى التي ملأت البيداء فجبَّنَ الشجعان ، وأرعب قلوب


الصفحة (56)

عامّة الجيش ، فزلزلت الأرض تحت أقدامهم ، وخيّم عليهم الموت ، وراحوا يمنّونه بإعطاء القيادة العامّة إن تخلّى عن مساندة أخيه ، فهزأ منهم العبّاس ، وزاده ذلك تصلّباً في الدفاع عن عقيدته ومبادئه .

إنّ شجاعة أبي الفضل (عليه السّلام) ، وما أبداه من البسالة يوم الطفّ لم تكن من أجل مغنم مادي من هذه الحياة ، وإنّما كانت دفاعاً عن أقدس المبادئ الماثلة في نهضة أخيه سيّد الشهداء ، المدافع الأوّل عن حقوق المظلومين والمضطهدين .

مع الشعراء

وبُهر شعراء الإسلام بشجاعة أبي الفضل ، وقوّة بأسه ، وما ألحقه بالجيش الأموي من الهزيمة الساحقة ، وفيما يلي بعض الشعراء الذين هاموا بشخصيته :

1 ـ السيّد جعفر الحلّي

ووصف الشاعر العلوي السيّد جعفر الحلّي في رائعته ما مُني به الجيش الأموي من الرعب والفزع من أبي الفضل (عليه السّلام) ، يقول :

وقـعَ الـعـذابُ عـلى جيوشِ أميّةٍ        مـن بـاسـلٍ هـو في الوقائعِ معلمُ
مــــا راعـهـم إلاّ تـقحّمُ ضيغمٍ        غـيـرانَ يـعـجـمُ لـفظهُ ويدمدمُ
عبستْ  وجوهُ القومِ خوفَ الموت وال       عـبّـاسُ فـيـهـمِ ضـاحكٌ يتبسّمُ
قلبَ اليمينَ على الشمالِ وغاصَ في ال        أوســاطِ  يـحصدُ للرؤوسِ ويحطمُ
مـــا  كـرّ ذو بـأسٍ لـهُ متقدّماً        إلاّ  وفــرّ ورأسـهُ الـمـتـقـدّمُ
صـبغَ  الـخيولَ برمحهِ حـتّى غدا        سـيّـان أشـقـر لـونـها والأدهمُ


الصفحة (57)

مـا شدّ غضباناً على ملمومةٍ        إلاّ وحـلّ بـها البلاءُ المُبرمُ
ولهُ  إلى الإقدامِ نزعةُ هاربٍ        فـكـأنّـمـا هو بالتقدّمِ يسلمُ
بطلٌ  تورّثَ من أبيهِ شجاعةً        فيها أنوفُ بني الضلالةِ ترغمُ

أرأيتم هذا الوصف الرائع لبسالة أبي الفضل ، وقوّة بأسه ، وشجاعته النادرة ؟

أرأيتم كيف وصف الحلّي ما حلّ بالجيش الأموي من الجبن الشامل ، والهزيمة الساحقة حينما برز إليهم قمر بني هاشم ، وبطل الإسلام فأنزل بهم العذاب الأليم ، وترك صفوفهم تموج من الخوف والرعب ، وكان العباس متبسّماً مثلوج الفؤاد ممّا ينزل بهم من الخسائر الفادحة ؟

فقد ملأ ساحات المعركة بجثث قتلاهم ، وصبغ خيولهم بدمائهم ، وفيما أحسب أنّه لم توصف البسالة والشجاعة بمثل هذا الوصف الرائع الدقيق ، والذي لا مبالغة فيه حسبما تحدّث الرواة عمّا أنزله العباس (عليه السّلام) بأهل الكوفة من الخسائر الجسيمة .

ويستمرّ السيد الحلّي في وصف شجاعة أبي الفضل , فيقول :

بـطلٌ إذا ركبَ المطهّمَ خلْته        جـبـلاً أشـمَّ يخفُّ فيه مطهّمُ
قسماً بصارمهِ الصقيلِ وإنّني        في غيرِ صاعقةِ السما لا أقسمُ
لولا القضا لمحا الوجودَ بسيفه        واللهُ يـقضي ما يشاءُ ويحكمُ

لقد كان سيف أبي الفضل صاعقة مدمّرة قد حلّت بأهل الكوفة ، ولولا قضاء الله لأتى العبّاس على الجيش ، ومحاهم من ساحة الوجود .

2 ـ الإمام كاشف الغطاء

وبُهر الإمام محمد الحسين كاشف الغطاء (رحمه الله) بشجاعة أبي الفضل ,


الصفحة (58)

فقال في قصيدته العصماء :

وتـعبسُ  من خوفٍ وجوهُ أميّةٍ       إذا كـرّ عـبّاسُ الوغى يتبسّمُ
عـليمٌ بـتأويلِ الـمنيّةِ سـيفُهُ       تـزولُ على مَنْ بالكريهةِ معلمُ
وإن عادَ ليلُ الحربِ بالنقعِ ألْيلا       فـيومُ  عـداهُ منهُ بالشرِّ أيومُ

لقد عبست وجوه الجيش الأموي رعباً وخوفاً من أبي الفضل الذي حصد رؤوس أبطالهم ، وحطّم معنوياتهم ، وأذاقهم وابلاً من العذاب الأليم .

3 ـ الفرطوسي

وعرض شاعر أهل البيت (عليهم السّلام) الشيخ عبد المنعم الفرطوسي (نضّر الله مثواه) في ملحمته الخالدة إلى شجاعة أبي الفضل وبسالته في ميدان الحرب ، قال :

عـلمٌ لـلجهادِ في كلّ زحفٍ       عـلمٌ  في الثباتِ عند اللقاءِ
قـد  نـما فيهِ كلّ بأسٍ وعزٍّ      مـن  عـليّ بـنجدةٍ وإبـاءِ
هو  ثبتُ الجنانِ في كلّ روعٍ      وهو روعُ الجنانِ من كلّ راءِ

وأضاف الفرطوسي مصوّراً ما أنزله أبو الفضل من الخسائر الفادحة في جيوش الاُمويِّين ، قال :

فـارتقى صهوةَ الجوادِ مطلاً        عـلـماً  فـوقَ قـلعةٍ شمّاءِ
وتـجـلّى  والـحربُ ليلُ قثام        قـمراً  فـي غياهبِ الظلماءِ
فـاستطارت من الكماةِ قلوبٌ        أُفـرغت  من ضلوعها كالهواءِ
وتهاوت جسومُهم وهي صرعى        واسـتطارت رؤوسهم كالهباءِ


الصفحة (59)

وهو يرمي الكتائبَ السودَ رجماً       بـالمنايا  من اليدِ البيضاءِ(1)

إنّ شجاعة أبي الفضل قد أدهشت أفذاذ الشعراء وصارت مضرب المثل على امتداد التأريخ ، وممّا زاد في أهميتها أنّها كانت لنصرة الحقّ ، والذبّ عن المثل والمبادئ التي جاء بها الإسلام ، وأنّها لم تكن بأيّ حال من أجل مغنم مادي من مغانم هذه الحياة .

2 ـ الإيمان بالله

أمّا قوّة الإيمان بالله ، وصلابته فإنّها من أبرز العناصر في شخصية أبي الفضل (عليه السّلام) ومن أوليات صفاته ، فقد تربّى في حجور الإيمان ، ومراكز التقوى ، ومعاهد الطاعة والعبادة لله تعالى .

فقد غذّاه أبوه زعيم الموحّدين وسيّد المتّقين , بجوهر الإيمان ، وواقع التوحيد ، لقد غذّاه بالإيمان الناشئ عن الوعي ، والتدبّر في حقائق الكون ، وأسرار الطبيعة ، ذلك الإيمان الذي أعلنه الإمام (عليه السّلام) بقوله : (( لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً )) .

وقد تفاعل هذا الإيمان العميق في أعماق قلب أبي الفضل ، وفي دخائل ذاته حتّى صار من عمالقة المتّقين والموحّدين ، وكان من عظيم إيمانه الذي لا يحدّ أنّه قدّم نفسه وإخوته وبعض أبنائه قرابين خالصة لوجه الله تعالى .

لقد جاهد العبّاس ببسالة دفاعاً عن دين الله ، وحماية لمبادئ الإسلام التي تعرّضت للخطر الماحق أيّام الحكم الأموي ، ولم يبغ بذلك إلاّ وجه الله والدار الآخرة .

ـــــــــــــــــــــ
(1) ملحمة أهل البيت 3 / 329 ـ 330 .

الصفحة (60)

3 ـ الإباء

وصفة أخرى من أسمى صفات أبي الفضل (عليه السّلام) ، وهي الإباء وعزّة النفس ؛ فقد أبى أن يعيش ذليلاً في ظلّ الحكم الأموي الذي اتّخذ مال الله دولاً ، وعباد الله خولاً ، فاندفع إلى ساحات الجهاد كما اندفع أخوه أبو الأحرار الذي رفع شعار العزّة والكرامة ، وأعلن أنّ الموت تحت ظلال الأسنّة سعادة ، والحياة مع الظالمين برماً .

لقد مثّل أبو الفضل (عليه السّلام) يوم الطفّ الإباء بجميع رحابه ومفاهيمه ، فقد منّاه الاُمويّون بإمارة الجيش ، وإسناد القيادة العامّة له إن تخلّى عن أخيه سيّد شباب أهل الجنّة ، فهزأ منهم وجعل إمارة جيشهم تحت حذائه ، واندفع بشوق وإخلاص إلى ميادين الحرب ؛ يجندل الأبطال ، ويحصد الرؤوس دفاعاً عن حرّيته ودينه وكرامته .

4 ـ الصبر

ومن خصائص أبي الفضل (عليه السّلام) ومميّزاته الصبر على محن الزمان ، ونوائب الدهر ، فقد ألمّت به يوم الطفّ من المصائب والمحن التي تذوب من هولها الجبال فلم يجزع ، ولم يفه بأيّ كلمة تدلّ على سخطه ، وعدم رضاه بما جرى عليه وعلى أهل بيته ، وإنّما سلّم أمره إلى الخالق العظيم ، مقتدياً بأخيه سيّد الشهداء (عليه السّلام) الذي لو وزن صبره بالجبال الرواسي لرجح عليها .

لقد رأى أبو الفضل الكواكب المشرقة ، والممجّدين الأوفياء من


الصفحة (61)

أصحابه وهم مجزّرون كالأضاحي في رمضاء كربلاء تصهرهم الشمس ، وسمع عويل الأطفال وهم ينادون : العطش العطش ، وسمع صراخ عقائل الوحي وهنّ يندبن قتلاهنّ ، ورأى وحدة أخيه سيّد الشهداء وقد أحاط به أنذال أهل الكوفة يبغون قتله ؛ تقرّباً لسيّدهم ابن مرجانة .

رأى أبو الفضل كلّ هذه الشدائد الجسام فلم يجزع , وسلّم أمره إلى الله تعالى ؛ مبتغياً الأجر من عنده .

5 ـ الوفاء

ومن خصائص أبي الفضل (عليه السّلام) الوفاء الذي هو من أنبل الصفات وأميزها ؛ فقد ضرب الرقم القياسي في هذه الصفة الكريمة ، وبلغ أسمى حدّ لها ، وكان من سمات وفائه ما يلي :

أ ـ الوفاء لدينه

وكان أبو الفضل العباس (عليه السّلام) من أوفى الناس لدينه ، ومن أشدّهم دفاعاً عنه ، فحينما تعرّض الإسلام للخطر الماحق من قبل الطغمة الاُمويّة الذين تنكّروا كأشدّ ما يكون التنكّر للإسلام ، وحاربوه في غلس الليل وفي وضح النهار ، فانطلق أبو الفضل إلى ساحات الوغى فجاهد في سبيله جهاد المنيبين والمخلصين ؛ لترتفع كلمة الله عالية في الأرض ، وقد قُطعت يداه ، وهوى إلى الأرض صريعاً في سبيل مبادئه الدينية .

ب ـ الوفاء لأمّته

رأى سيّدنا العبّاس (عليه السّلام) الأمّة الإسلاميّة ترزح تحت كابوس مظلم من الذلّ والعبودية ، قد تحكّمت في مصيرها عصابة مجرمة من الاُمويِّين فنهبت


الصفحة (62)

ثرواتها ، وتلاعبت في مقدّراتها ، وكان أحد أعمدتهم السياسية يعلن بلا حياء ولا خجل قائلاً : إنّما السواد بستان قريش . فأيّ استهانة بالأمّة مثل هذه الاستهانة ؟!

ورأى أبو الفضل (عليه السّلام) أنّ من الوفاء لأمّته أن يهبّ لتحريرها وإنقاذها من واقعها المرير ، فانبرى مع أخيه أبي الأحرار والكوكبة المشرقة من فتيان أهل البيت (عليهم السّلام) ، ومعهم الأحرار الممجّدون من أصحابهم ، فرفعوا شعار التحرير ، وأعلنوا الجهاد المقدّس من أجل إنقاذ المسلمين من الذلّ والعبودية ، وإعادة الحياة الحرّة الكريمة لهم ، حتّى استشهدوا من أجل هذا الهدف السامي النبيل . فأيّ وفاء للأمّة يضارع مثل هذا الوفاء ؟

ج ـ الوفاء لوطنه

وغمرت الوطن الإسلامي محن شاقّة وعسيرة أيام الحكم الأموي فقدت استقلاله وكرامته ، وصار بستاناً للأمويين وسائر القوى الرأسمالية من القرشيين وغيرهم من العملاء .

وقد شاع البؤس والحرمان ، وذلّ فيه المصلحون والأحرار ، ولم يكن فيه أيّ ظلّ لحرية الفكر والرأي ، فهبّ العباس تحت قيادة أخيه سيّد الشهداء (عليه السّلام) إلى مقاومة ذلك الحكم الأسود وتحطيم أروقته وعروشه ، وقد تمّ ذلك بعد حين بفضل تضحياتهم ، فكان حقاً هذا هو الوفاء للوطن الإسلامي .

د ـ الوفاء لأخيه

ووفى أبو الفضل ما عاهد الله عليه من البيعة لأخيه ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، والمنافح الأوّل عن حقوق المظلومين والمضطهدين .

ولم يرَ الناس على امتداد التاريخ وفاءً مثل وفاء أبي الفضل لأخيه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ومن المقطوع به أنّه ليس في سجلّ الوفاء الإنساني


الصفحة (63)

أجمل ولا أنظر من ذلك الوفاء الذي أصبح قطباً جاذباً لكلّ إنسان حرّ شريف .

6 ـ قوّة الإرادة

أمّا قوّة الإرادة فإنّها من أميز صفات العظماء الخالدين الذين كُتب لهم النجاح في أعمالهم ؛ إذ يستحيل أن يحقّق مَنْ كان خائر الإرادة ، وضعيف الهمّة أيّ هدف اجتماعي ، أو يقوم بأيّ عمل سياسي .

لقد كان أبو الفضل (عليه السّلام) من الطراز الأوّل في قوّة بأسه ، وصلابة إرادته ، فانظمّ إلى معسكر الحقّ ، ولم يهن ولم ينكل ، وبرز على مسرح التأريخ كأعظم قائد فذّ ، ولو لم يتّصف بهذه الظاهرة لما كتب له الفخر والخلود على امتداد الأيّام .

7 ـ الرأفة والرحمة

واُترعت نفس أبي الفضل بالرأفة والرحمة على المحرومين والمضطهدين ، وقد تجلّت هذه الظاهرة بأروع صورها في كربلاء حينما احتلّت جيوش الاُمويِّين حوض الفرات ؛ لحرمان أهل البيت (عليهم السّلام) من الماء حتّى يموتوا أو يستسلموا لهم .

ولمّا رأى العباس (عليه السّلام) أطفال أخيه وسائر الصبية من أبناء إخوته ، وقد ذبلت شفاههم ، وتغيّرت ألوانهم من شدّة الظمأ , ذاب قلبه حناناً وعطفاً عليهم ؛ فاقتحم الفرات وحمل الماء إليهم وسقاهم .

وفي اليوم العاشر من المحرّم سمع الأطفال ينادون : العطش العطش ، فتفتت كبده رحمة ورأفة عليهم ، فأخذ القربة والتحم مع أعداء


الصفحة (64)

الله حتّى كشفهم عن نهر الفرات ، فغرف منه غرفة ليروي ظمأه فأبت رحمته أن يشرب قبل أخيه وأطفاله ، فرمى الماء من يده .

فتّشوا في تاريخ الأمم والشعوب ، فهل تجدون مثل هذه الرأفة والرحمة التي تحلَّى بها قمر بني هاشم وفخر عدنان ؟

هذه بعض عناصر أبي الفضل وصفاته ، وقد ارتقى بها إلى قمّة المجد التي ارتقى إليها أبوه .

* * *


الصفحة (65)

مع الأحداث


الصفحة (66)


الصفحة (67)

ورافق أبو الفضل العباس (عليه السّلام) منذ نعومة أظفاره كثيراً من الأحداث الجسام التي لم تكن ساذجة ولا سطحية ، وإنّما كانت عميقة كأشدّ ما يكون العمق .

فقد أحدثت اضطراباً شاملاً في الحياة الفكرية والعقائدية بين المسلمين ، كما استهدفت بصورة دقيقة إبعاد أهل البيت (عليهم السّلام) عن المراكز السياسية في البلاد ، وإخضاعهم لرغبات السلطة وما تعمله على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي من أعمال لا تتّفق في كثير من بنودها مع التشريع الإسلامي ، وقد تجلّى ذلك بوضوح أيّام حكومة عثمان وما سلكته من التصرّفات في المجالات الإدارية .

فقد عمدت إلى منح مناصب الدولة ، وسائر الوظائف العامّة إلى بني أميّة وآل معيط ، وحرمان بني هاشم ومَنْ يتّصل بهم من أبناء الصحابة من أيّ منصب من المناصب العامّة .

وقد استولى الاُمويّون على جميع أجهزة الدولة ، وراحوا يعملون عامدين أو غير عامدين إلى خلق الأزمات الحادّة بين المسلمين . ومن المقطوع به أنّه لم تكن لأكثرهم أيّة نزعة إسلامية ، كما لم تكن لهم أيّة دراية بأحكام القانون الإسلامي ، وما تتطلّب إليه الشريعة الإسلاميّة من إيجاد مجتمع إسلامي متطوّر قائم على المودّة والتعاون ، وبعيد كلّ البعد عن التأخّر .

لقد أشاعت حكومة عثمان الرأسمالية في البلاد ، فقد منحت الاُمويِّين وبعض أبناء القرشيين الامتيازات الخاصّة ، وفتحت لهم الطريق لكسب


الصفحة (68)

الأموال وتكديسها بغير وجه مشروع ، وقد أدّت هذه السياسة الملتوية إلى خلق اضطراب شامل لا في الحياة الاقتصادية فحسب ، وإنّما في جميع مناحي الحياة ، وأشاعت القلق والتذمّر في جميع الأوساط الإسلاميّة ، فاتّجهت قطعات من الجيوش المرابطة في العراق ومصر إلى يثرب ، وطالبت عثمان بالاستقامة في سياسته ، وإبعاد الاُمويِّين عن جهاز الدولة ، كما طالبوه بصورة خاصّة بإبعاد مستشاره ووزيره مروان بن الحكم الذي كان يعمل بصورة مكشوفة لتأجيج نار الفتنة في البلاد .

ولم يستجب عثمان لمطالب الثوّار ، ولم يخضع لرأي الناصحين له والمشفقين عليه ، وظلّ متمسّكاً بأسرته ، ومحتضناً لبطانته ، تتوافد عليه الأخبار بانحرافهم عن الطريق القويم ، واقترافهم لما حرّمه الله فلم يعنَ بذلك ، وراح يسدّدهم ويلتمس لهم المعاذير ، ويتّهم الناصحين بالعداء لأسرته .

وبعدما اختفت جميع الوسائل الهادفة لاستقامة عثمان لم يجد الثوار بُدّاً من قتله ، فقُتل شرّ قتلة . ويقول المؤرّخون : إنّه تولّى قتله خيار أبناء الصحابة كمحمد بن أبي بكر ، كما أقرّ قتله كبار الصحابة وعظماؤهم ، وفي طليعتهم الصحابي الجليل صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخليله عمّار بن ياسر .

وانتهت بذلك حكومة عثمان ، وهي من أهمّ الأحداث الجسام التي جرت في عصر أبي الفضل (عليه السّلام) وبمرأى ومسمع منه ، فقد كان في شرخ الشباب وعنفوانه ، وقد رأى كيف تذرّع الانتهازيّون من الاُمويِّين بمقتل عثمان فطبّلوا له ، ورفعوا قميصه الملطّخ بدمائه فجعلوه شعاراً لتمرّدهم على حكم الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ذلك الحكم القائم على الحقّ والعدل .

إنّ أسوأ ما تركت حكومة عثمان أنّها ألقت الفتنة بين المسلمين ،


الصفحة (69)

وحصرت الثروة عند الاُمويِّين وآل أبي معيط ، وعملائهم من القرشيين الحاقدين على العدل الاجتماعي ، وبذلك استطاعوا القيام بعصيان مسلّح ضدّ حكومة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) التي كانت امتداداً ذاتياً لحكومة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) .

وعلى أيّ حال فلنترك حديث عثمان ، ونتوجّه إلى ذكر بقيّة الأحداث التي جرت في عصر أبي الفضل (عليه السّلام) .

* * *

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث