العباس بن علي عليهما السلام

 
 

الصفحة (70)

حكومة الإمام (عليه السّلام)

والشيء المؤكّد الذي لا خلاف فيه أنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) قد انتخب انتخاباً شاملاً من جميع قطعات الشعب ، فقد سارعت القوات المسلحة التي أطاحت بحكومته إلى مبايعته ، كما بايعته الجماهير العامّة في مختلف الأقاليم الإسلاميّة سوى الشام ، ونفر قليل في يثرب كان من بينهم سعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر ، وبعض الاُمويِّين الذين أيقنوا أنّ الإمام (عليه السّلام) يبسط العدالة الاجتماعية في الأرض ، ويحقّق المساواة الكاملة بين المسلمين ، فلا امتياز لأحد على أحد ، وبذلك تفوت مصالحهم فلم يبايعوه .

ولم يقف الإمام (عليه السّلام) معهم موقفاً معادياً , فلم يوعز إلى السلطات القضائية والتنفيذية باتّخاذ الإجراءات الحاسمة ضدّهم ؛ وذلك عملاً بما منحه الإسلام من الحريّات العامّة لجميع الناس ؛ سواء كانوا من المؤيّدين للدولة أو من المعارضين لها ، بشرط أن لا يُحدثوا فساداً في الأرض ، أو يقوموا بعصيان مسلّح ضدّ الدولة ، فإنّها تكون مضطرّة إلى اتّخاذ الإجراءات القانونية ضدّهم .

وعلى أيّ حال ، فقد بويع الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بيعة عامّة عن رضا واختيار من جميع أبناء الشعوب الإسلاميّة ، وأظهروا في بيعته جميع مباهج الفرح والسرور ، ولم يظفر بمثل هذه البيعة أحد من الخلفاء الذين سبقوه أو تأخّروا عنه .

وفور تقلّد الإمام (عليه السّلام) للخلافة تبنّى بصورة إيجابية وشاملة العدل الخالص والحقّ المحض ، وتنكّر لكلّ مصلحة شخصية تعود بالنفع عليه


الصفحة (71)

أو على ذويه ، وقدّم مصالح الفقراء والمحرومين على جميع المصالح الاُخرى ... .

كانت سعادته أن يرى الأوساط الشعبية تنعم بالخير والسعادة ، ولا مكان للحاجة والإعواز عندها ، ولم يعرف في تاريخ هذا الشرق حاكم مثله في عطفه وحنانه على البؤساء والمحرومين .

ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للحديث عن بعض شؤون الحكم عند الإمام (عليه السّلام) ؛ فإنّ ذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسيرة ولده أبي الفضل (عليه السّلام) ؛ فإنّه يكشف عن روعة التربية الكريمة التي تربّى عليها في عهد أبيه رائد العدالة الاجتماعية في الأرض ، والتي تركت في نفسه حبّ التضحية والفداء في سبيل الله ، كما يكشف عن الأسباب الوثيقة التي دعت القوى الطامعة والمنحرفة إلى الوقوف في وجه حكومة الإمام (عليه السّلام) ، ومناهضتهم لأبنائه من بعده ، وفيما يلي ذلك :

منهج حكم الإمام (عليه السّلام)

أمّا منهج الحكم وفلسفته عند الإمام (عليه السّلام) فقد كان مشرقاً وحافلاً بمقوّمات الارتقاء والنهوض للشعوب الإسلاميّة ، وفيما أعتقد أنّه لم تعرف الإنسانية في جميع أدوارها نظاماً سياسياً تبنّى العدل الاجتماعي ، والعدل الاقتصادي والسياسي مثل ما تبّناه الإمام وسنّه من المناهج الرائعة في هذه الحقول ، ونشير إلى بعضها :

1 ـ بسط الحريّات

وآمن الإمام (عليه السّلام) بضرورة منح الحريّات العامّة لجميع أبناء الأمّة ، وإنّ ذلك من أولوّيات حقوقها ، والدولة مسؤولة عن توفيرها لكلّ فرد من أبناء


الصفحة (72)

الشعب ، وإنّ حرمانهم منها يخلق في نفوسهم العقد النفسية ، ويمنع من التقدّم الفكري ، والتطوّر الاجتماعي في أبنائها ، ويخلّد لهم الخنوع والخمول ، ويعود عليهم بالأضرار البالغة . أمّا مدى هذه الحرية وسعتها فهي :

أ ـ الحريّة الدينية

يرى الإمام (عليه السّلام) أنّ الناس أحرار فيما يعتقدون ويذهبون من أفكار دينية ، وليس للدولة أن تحول بينهم وبين عقائدهم ، كما إنّه ليس لها أن تحول بينهم وبين طقوسهم الدينية ، وإنّهم غير ملزمين بمسايرة المسلمين في الأحوال الشخصية ، وإنّما يتّبعون ما قنن من تشريع عند فقائهم .

ب ـ الحريّة السياسية

ونعني بها منح الناس الحرية التامّة في اعتناق المذاهب السياسية التي تتّفق مع رغباتهم وميولهم ، وليس للدولة أن تفرض عليهم رأياً سياسياً مخالفاً لما يذهبون إليه ، كما إنّه ليس لها أن تفرض عليهم الإقلاع عن آرائهم السياسية الخاصة ، وإنّما عليها أن تقيم لهم الأدلّة والحجج الحاسمة على فساد ذلك المذهب ، وعدم صحّته ، فإن رجعوا إلى الرشاد فذاك ، وإلاّ فتتركهم وشأنهم ما لم يُحدثوا فساداً في الأرض ، أو يخلّوا بالأمن العام كما اتّفق ذلك مع الخوارج الذين فقدوا جميع المقوّمات الفكرية والركائز العلمية ، وراحوا يتمادون في جهلهم وغيّهم ، ويعرّضون الناس للقتل والإرهاب ، فاضطرّ الإمام (عليه السّلام) إلى مقاومتهم بعد أن أعذر فيهم .

ومن الجدير بالذكر أنّ ممّا يتفرّع على الحرية السياسية حريّة النقد لرئيس الدولة وجميع أعضائها ، فالناس أحرار فيما يتولّون وينقدون ، وقد كان الخوارج يقطعون على الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) خطابه ، ويخدشون


الصفحة (73)

عواطفه بنقدهم الذي لم يكن واقعياً ، وإنّما كان مبنيّاً على الجهل والمغالطة ، فلم يتّخذ الإمام أيّ إجراء ضدّهم ، ولم يسقهم إلى المحاكم والقضاء لينالوا جزاءهم ، وبذلك فقد عهد الإمام (عليه السّلام) إلى نشر الوعي العام وبناء الشخصية المزدهرة للإنسان المسلم .

هذه بعض صور الحرية التي طُبّقت أيام حكم الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وهي تمثّل مدى أصالة منهجه السياسي الذي يساير التطوّر والإبداع .

2 ـ نشر الوعي الديني

واهتم الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بصورة إيجابية بنشر الوعي الديني ، وإشاعة المثل الإسلاميّة بين المسلمين ، باعتبارها الركيزة الأولى لإصلاح المجتمع وتهذيبه .

إنّ من اُولى معطيات الوعي الديني إقصاء الجريمة ، ونفي الشذوذ والانحراف عن المجتمع ، وإذا لم يتلوّث بذلك فقد بلغ غاية الازدهار والتقدّم . ومن المقطوع به إنّا لم نجد أحداً من خلفاء المسلمين وملوكهم قد عني بالتربية الدينية كما عني الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) [ بها ] ؛ فقد حفل نهج البلاغة بالكثير من خطبه التي تهزّ أعماق النفوس ، وتدفعها إلى سلوك المناهج الخيّرة ، واعتناق الفضائل ، وإبعادها عن اقتراف الجرائم .

وقد أثمرت خطبه في إيجاد طبقة من خيار المسلمين وصلحائهم قاوموا الانهيار الأخلاقي ، وناهضوا التفسّخ والتحلل الذي شاع أيام حكم الاُمويِّين ، وكان من بين هؤلاء رشيد الهجري , وميثم التمّار , وعمرو بن الحمق الخزاعي ، وغيرهم من بناة الفكر الإسلامي .


الصفحة (74)

3 ـ نشر الوعي السياسي

أمّا نشر الوعي السياسي في أوساط المجتمع الإسلامي فهو من أهمّ الأهداف السياسية التي تبنّاها الإمام (عليه السّلام) في أيّام حكومته . ونعني بالوعي السياسي : هو تغذية المجتمع وإفهامه بجميع الطرق والوسائل بالمسؤولية أمام الله تعالى على مراقبة الأوضاع العامّة في الدولة وغيرها من سائر الشؤون الاجتماعية للمسلمين حتّى لا يقع أيّ تمزّق في صفوفهم ، أو أيّ تأخّر أو ضعف في حياتهم الفردية والاجتماعية .

وقد ألزم الإسلام بذلك , قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( كلّكم راع ، وكلّكم مسؤول عن رعيّته )) . ألقى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) المسؤولية على جميع المسلمين في رعاية شؤونهم ، والعمل على حفظ مصالحهم ، ودرأ الفساد عنهم .

ومن بين الأحاديث المهمّة الداعية إلى مقاومة أئمّة الظلم والجور هذا الحديث النبوي الذي ألقاه أبو الأحرار على جلاوزة ابن مرجانة وعبيدة قال : (( أيّها الناس ، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : مَنْ رأى سلطاناً جائراً ، مستحلاً لحرم الله ، ناكثاً لعهد الله ، مخالفاً لسنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر ما عليه بفعل ولا قول ، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله ))(1) .

وكان هذا الحديث الشريف من المحفّزات لسيّد الشهداء (عليه السّلام) على إعلان الجهاد المقدّس ضدّ الحكم الأموي الجائر الذي استحلّ ما حرّم الله ، ونكث عهده ، وخالف سنّة رسوله ، وعمل في عباد الله بالإثم والعدوان .

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 80 .

الصفحة (75)

إنّ الوعي السياسي الذي أشاعه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بين المسلمين أيّام حكمه قد خلق شعوراً ثورياً ضدّ الظالمين والمستبدّين ، فقد انبرى المجاهدون الأبطال ممّن غذّاهم الإمام بهذه الروح إلى مقارعة الطغاة ، وكان على رأسهم أبو الأحرار سيّد الشهداء (عليه السّلام) ، وأخوه البطل الفذّ أبو الفضل العباس (عليه السّلام) ، والكوكبة المشرقة من شباب أهل البيت (عليهم السّلام) وأصحابهم المجاهدين ؛ فقد هبّوا جميعاً في وجه الطاغية يزيد لتحرير المسلمين من الذلّ والعبوديّة ، وإعادة الحياة الحرّة الكريمة بين المسلمين ... .

وقد سبق هؤلاء العظماء المصلح الكبير حجر بن عديّ الكندي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، ورُشيد الهجري ، وميثم التمّار وغيرهم من أعلام الحرية ودعاة الإصلاح الاجتماعي ؛ فقد ثاروا بوجه الطاغية معاوية بن أبي سفيان ممثّل القوى الجاهلية ، ورأس العناصر المعادية للإسلام .

وعلى أيّ حال ، فقد غرس الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) روح الثورة على الظلم والطغيان في نفوس المسلمين ، وأهاب بهم أن لا يقارّوا على كظّة ظالم أو سغب مظلوم .

4 ـ إلغاء المحسوبيّات

وكان ممّا عني به الإمام (عليه السّلام) في أيّام حكومته إلغاء المحسوبيّات إلغاءً مطلقاً ، فالقريب والبعيد عنده سواء ، فليس للقريب امتياز خاص ، وإنّما شأنه شأن غيره في جميع الحقوق والواجبات ، كما ساوى بصورة موضوعية بين العرب والموالي ممّا جعل الموالي يدينون له بالولاء ، ويؤمنون بإمامته .

لقد ألغى الإمام جميع صنوف المحسوبيّات ، وصور العنصريات ، وساوى بين المسلمين على اختلاف قومياتهم مساواة عادلة لم يعهد لها نظير في تاريخ الأمم والشعوب ، فقد حملت مساواته روح الإسلام


الصفحة (76)

وجوهره ، وحقيقته النازلة من ربّ العالمين ؛ فهي التي تجمع ولا تفرّق ، ولا تجعل في صفوف المسلمين أيّ ثغرة يسلك فيها أعداء الإسلام لتشتيت شملهم وتصديع وحدتهم .

5 ـ القضاء على الفقر

أمّا فلسفة الإمام (عليه السّلام) في الحكم فتبتني على محاربة الفقر ولزوم إقصاء شبحه البغيض عن الناس ؛ لأنّه كارثة مدمّرة للمواهب والأخلاق ، ولا يمكّن الأمّة أن تحقّق أيّ هدف من أهدافها الثقافية والصحيّة وهي فقيرة بائسة . إنّ الفقر يقف سدّاً حائلاً بين الأمّة وبين ما تصبو إليه من التطوّر والتقدّم والرخاء بين أبنائها ... .

ومن الجدير بالذكر : إنّ من بين المخطّطات التي تزيل شبح الفقر وتوجب نشر الرخاء بين الناس ، والتي عني بها الإسلام بصورة موضوعية ، هي :

أ ـ توفير المسكن .

ب ـ إقامة الضمان الاجتماعي .

ج ـ توفير العمل .

د ـ القضاء على الاستغلال .

هـ ـ سدّ أبواب المرابين .

و ـ القضاء على الاحتكار .

هذه بعض الوسائل التي عني بها الإسلام في اقتصاده ، وقد تبنّاها الإمام في أيّام حكومته ، وقد ناهضتها القوى الرأسمالية القرشية ، ودفعت بجميع إمكانياتها للإجهاز على حكم الإمام الذي قضى على مصالحهم الضيّقة .

وبهذا نطوي الحديث عن منهج الإمام (عليه السّلام) وفلسفته في الحكم .


الصفحة (77)

القوى المعارضة للإمام (عليه السّلام)

ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للتعرّف على القوى المعارضة لحكومة الإمام ، التي لم تكن لها أيّة أهداف نبيلة ، وإنّما كانت تبغي الاستيلاء على الحكم ؛ للظفر بخيرات البلاد ، والتحكّم في رقاب المسلمين بغير حقّ ، وفيما يلي ذلك :

السيّدة عائشة

وانطوت نفس السيّدة عائشة ـ مع الأسف ـ على بغض عارم وكراهية شديدة للإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ولعلّ السبب في ذلك ـ فيما نحسب ـ يعود إلى ميل زوجها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وإلى بضعته وحبيبته سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، وإلى سبطيه وريحانتيه سيّدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين (عليهما السّلام) وإشادته دوماً بفضلهم ، وسموّ منزلتهم عند الله ، وفرض مودّتهم على عموم المسلمين كما أعلن الذكر الحكيم ذلك . قال تعالى : ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) .

وفي نفس الوقت كانت عائشة تُعامل معاملة عادية ، وفي كثير من الأحيان كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يشير إلى أفعالها ، فقد قال (صلّى الله عليه وآله) لنسائه : (( أيّتكنّ تنبحها كلاب الحوأب ، فتكون ناكبة عن الصراط ؟ )) . وقال (صلّى الله عليه وآله) : (( من ها هنا يتولّد الشرّ )) . وأشار إلى بيتها ، وغير ذلك ممّا أثار عواطفها .

وثمّة سبب في كراهية عائشة للإمام (عليه السّلام) وهو موقفه الصارم الذي وقفه تجاه بيعة أبيها أبي بكر ، ومقاطعته لانتخابه ، وشجبه لبيعته . وبعد سقوط حكومة عثمان كانت تروم إرجاع الخلافة إلى قبيلتها تيم ؛ لتكون سياسة الدولة بجميع أجهزتها خاضعة لرغباتها وميولها ، وهي على يقين أنّ


الصفحة (78)

الخلافة إذا رجعت للإمام (عليه السّلام) فإنّها سوف تعامل كغيرها من أبناء الشعوب الإسلاميّة ، ولا تحظى بأيّة ميّزة ؛ فإنّ جميع الشؤون السياسية والاقتصادية عند الإمام (عليه السّلام) لا بدّ أن تسير على وفق الكتاب والسنّة ، ولا مجال عنده للأهواء والعواطف .

وكانت عائشة تعرف ذلك جيّداً ؛ ولذا أعلنت العصيان والتمرّد على حكومته ، وقد انضمّ إليها كلّ من الزبير وطلحة والاُمويِّين ، وذوي الأطماع والمنحرفين عن الحقّ من القبائل القرشية ، الذين ناهضوا الدعوة الإسلاميّة من حين بزوغ نورها .

وعلى أيّ حال ، فقد كانت عائشة من أوثق الأسباب في الإطاحة بحكومة عثمان ، وقد أفتت بوجوب قتله ، ولمّا أيقنت بهلاكه خرجت إلى مكّة وهي تتطلّع إلى الأخبار ،فلمّا وافاها النبأ بقتله أعلنت فرحتها الكبرى ، ولكنّها لمّا فوجئت بالبيعة للإمام (عليه السّلام) انقلب وضعها رأساً على عقب ، وراحت تقول بحرارة : قُتل عثمان مظلوماً ، والله لأطلبنّ بدمه .

وأخذت تندب عثمان رياءً لا حقيقة ، وقد رفعت قميصه الملطّخ بدمه ، وجعلته شعاراً لتمرّدها على السلطة الشرعية التي أعلنت حقوق الإنسان ، وتبنّت مصالح المحرومين والمضطهدين ، والتي كانت امتداداً لحكومة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) .

وعقدت عائشة في مكّة الندوات مع أعضاء حزبها البارزين كطلحة والزبير وسائر الاُمويِّين ، وأخذت تتداول معهم الآراء أيّ بلد يغزونه ليشكّلوا فيه حكومة لهم ، ويتّخذوا منه قاعدة لانطلاقهم في محاربة الإمام ، والإجهاز على حكومته .

وبعد التأمّل والنظر الدقيق في أحوال المناطق الإسلاميّة أجمع رأيهم على احتلال البصرة ؛ لأنّ لهم بها شيعة وأنصاراً ،


الصفحة (79)

وأعلنوا بعد ذلك العصيان المسلّح ، وزحفوا نحو البصرة ، وقد التحق بهم بهائم البشر ، وحثالات الشعوب من الذين ليس لهم فكر ولا وعي ، وساروا لا يلوون على شيء حتّى انتهوا إلى البصرة ، وبعد مقاومة عنيفة بينهم وبين الحكومة المركزية فيها استطاعوا احتلالها ، وألقوا القبض على حاكمها سهل بن حنيف ، وجيء به مخفوراً إلى عائشة فأمرت بنتف لحيته ، فنتفتها جلاوزتها ، وعاد ابن حنيف بعد لحيته العريضة شاباً أمرداً .

ولما وافت الأنباء الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بتمرّد عائشة ، واحتلالها لمدينة البصرة ، سارع بجيوشه للقضاء على هذا الجيب المتمرّد ؛ خوفاً من أن تسري نار الفتنة إلى بقيّة الأمصار الإسلاميّة ، وقد ضمّ جيشه القوى الواعية في الإسلام ، أمثال : الصحابي العظيم عمّار بن ياسر ، ومالك الأشتر ، وحجر بن عدي ، وابن التيهان وغيرهم ممّن ساهموا في بناء الإسلام ، وإقامة ركائزه في الأرض .

وسرت جيوش الإمام حتّى انتهت إلى البصرة فوجدوها محتلّة بجنود مكثّفة ، وهم يعلنون الطاعة والولاء لأمّهم عائشة ، فأرسل الإمام رسله إلى أعضاء القيادة العسكرية في جيش عائشة كطلحة والزبير ، فعرضوا عليهم السلم والدخول في مفاوضات بينهم وبين الإمام حقناً لدماء المسلمين ، فأبوا وأصرّوا على التمرّد والعصيان مطالبين ـ بوقاحة ـ بدم عثمان ، وهم الذين أطاحوا بحكومته وأجهزوا عليه .

ولمّا نفدت جميع الوسائل التي اتّخذها الإمام (عليه السّلام) للسلم اضطّر إلى إعلان الحرب عليهم ، وجرت بين الفريقين معركة رهيبة سقط فيها أكثر من عشرة آلاف مقاتل ، وأخيراً نصر الله الإمام على أعدائه ، فقد قُتل طلحة والزبير ، ومُلئت ساحة المعركة بجثث قتلاهم ، وقذف الله الرعب في قلوب


الصفحة (80)

الأحياء منهم فولّوا منهزمين قابعين بالذلّ والعار .

واستولى جيش الإمام على عائشة القائدة العامّة للمتمرّدين ، وحُملت بحفاوة إلى بعض بيوت البصرة ، ولم يتّخذ الإمام معها الإجراءات الصارمة ، وعاملها معاملة المحسن الكريم .

وسارع الإمام (عليه السّلام) فسرّحها تسريحاً جميلاً إلى يثرب لتقرّ في بيتها الذي أمرها الله ورسوله أن تسكن فيه ، ولا تتدخّل بمثل هذه الأمور التي ليست مسؤولة عنها . وانتهت هذه الفتنة التي أسماها المؤرّخون بـ (حرب الجمل) ، وقد أشاعت في ربوع المسلمين الثكل والحزن والحداد ، ومزّقت صفوفهم ، وألقتهم في شرّ عظيم .

ومن المؤكّد أنّ دوافع هذه الحرب لم تكن سليمة ، ولم تكن حجّة عائشة وحزبها منطقية ، وإنّما كانت من أجل المطامع والكراهية الشديدة لحكم الإمام (عليه السّلام) الذي فقدوا في ظلاله جميع الامتيازات الخاصّة ، وعاملهم الإمام كما يعامل سائر المسلمين .

لقد شاهد أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هذه الحرب الدامية ، ووقف على أهدافها الرامية للقضاء على حكم أبيه رائد العدالة الاجتماعية في الأرض ، وقد استبان له أحقاد القبائل القرشية له ، واستبان له أنّ الدين لم ينفذ إلى أعماق قلوبهم ، وإنّما كانوا يلوكونه بألسنتهم حفظاً لدمائهم ومصالحهم .

معاوية وبنو اُميّة

وفي طليعة القوى المعارضة لحكومة الإمام والمعادية له معاوية بن أبي سفيان وبنو أميّة ؛ فقد نزع الله الإيمان من قلوبهم ، وأركسهم في الفتنة ركساً ، فكانوا من ألدّ أعداء الإمام ، كما كانوا من قبل من [ ألدّ ] الأعداء لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ فهم الذين ناهضوا دعوته ، وكفروا برسالته ، وكادوا له في غلس الليل ، وفي وضح النهار حتّى أعزّه الله وأذلّهم ، ونصره وقهرهم ، وقد


الصفحة (81)

دخلوا في الإسلام مكرهين لا مؤمنين به ، ولولا سماحة خُلق النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، وعظيم رأفته ورحمته لما أبقى لهم ظلاً على الأرض ، إلاّ إنّه (صلّى الله عليه وآله) منحهم العفو كما منح غيرهم من أعدائه .

ولم يكن للأمويِّين أيّ شأن يذكر أيّام النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، فقد قبعوا بالذلّ والهوان ، ينظر إليهم المسلمون بنظرة العداء والخصوم ، ويذكرون ما قاموا به في محاربة دينهم والتنكيل بنبيّهم .

ومن المؤسف أنّه لمّا فُجع المسلمون بفقد نبيّهم (صلّى الله عليه وآله) وآل الأمر إلى الخلفاء علا نجم الاُمويِّين ، وذلك لأسباب سياسية خاصّة ؛ فقد عيّن أبو بكر يزيد بن أبي سفيان والياً على دمشق ، وخرج بنفسه لتوديعه إلى خارج يثرب تعظيماً له ، وإشادة بمكانة أسرته ، ولم يفعل مثل ذلك مع بقية عمّاله وولاته كما يقول المؤرّخون .

ولما هلك يزيد أسندت ولاية دمشق إلى أخيه معاوية ، وكان أثيراً عند عمر ، تتوافد عليه الأخبار بأنّه يشذّ في سلوكه ، وينحرف في تصرّفاته عن سنن الشرع وأحكام الإسلام ؛ فقد أخبروه بأنّه يلبس الحرير والديباج ، ويأكل في أواني الذهب والفضّة ، وكلّ ذلك محرّم في الإسلام ، فيقول معتذراً عنه ، ومسدّداً له : ذاك كسرى العرب .

ومتى كان ابن هند الصعلوك النذل كسرى العرب؟! ولو فرضنا إنّه كان كذلك ، فهل يُباح له في شريعة الله أن يقترف الحرام ، ولا يحاسب عليه؟! إنّ الله تعالى ليست بينه وبين أحد نسب ولا قرابة ، فكلّ مَنْ شذّ عن سنّته ، وخالف أحكامه فإنّه يعاقبه على ذلك .

يقول الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) : (( لو عصيت لهويت )) . ويقول الإمام زين العابدين (عليه السّلام) : (( إنّ الله تعالى خلق الجنّة لمَنْ أطاعه ولو كان عبداً حبشياً ، وخلق النار لمَنْ عصاه ولو كان سيّداً قرشياً )) .

وعلى أيّ حال ، فإنّ عمر قد أغدق بألطافه ونعمه على معاوية ، وزاد في


الصفحة (82)

رقعة سلطانه ، ونفخ فيه روح الطموح ، وقد ظلّ يعمل في ولايته على الشام عمل مَنْ يريد الملك والسلطان ، فكان يقرّب الوجوه والزعماء ، ويغدق عليهم بالهبات والأموال ، ويشتري الذمم والعواطف ، ويركّز ولاءه في قلوب الغوغاء . ومهّدت عائشة في ثورتها على حكم الإمام الطريق لمعاوية لإعلانه العصيان المسلّح على حكومة الإمام (عليه السّلام) التي هي أشرف حكومة ظهرت في الشرق العربي على امتداد التأريخ .

وقد تذرّع بها معاوية الذئب الجاهلي لحرب الإمام (عليه السّلام) ، واتّخذ من دم عثمان وسيلة لإغراء الغوغاء ، واتّهم الإمام بأنّه المسؤول عن المطالبة بدمه ، وفي نفس الوقت أوعز إلى أجهزة الإعلام أن تندب عثمان وتظهر براءته ممّا اقترفه في تصرّفاته الاقتصادية والسياسية التي تتجافى مع أحكام الإسلام .

وتسلّح معاوية بكبار الدبلوماسيين ومهرة السياسة في العالم العربي ، أمثال : المغيرة بن شعبة ، وعمرو بن العاص ، وأمثالهما ممّن كانت لهم الدراية الوثيقة في أحوال المجتمع ، فكانوا يضعون له المخطّطات الرهيبة للتغلّب على الأحداث .

إعلان الحرب

ورفض معاوية رسمياً بيعة الإمام ، وأعلن عليه الحرب ، وهو يعلم أنّه إنّما يحارب أخا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ووصيّه وباب مدينة علمه ، ومَنْ كان منه بمنزلة هارون من موسى . لقد أعلن عليه الحرب كما أعلن أبوه أبو سفيان الحرب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

وتشكّل الجيش الذي زحف به معاوية لمحاربة الإمام (عليه السّلام) من


الصفحة (83)

العناصر التالية :

أ ـ الغوغاء

أمّا الغوغاء فهم جهلة الشعوب ، وهم كالأنعام بل هم أضلّ سبيلاً ، وتستخدمهم السلطة في كلّ زمان لنيل أهدافها ، ولتبني عروشها على جماجمهم . وكانت الأكثرية الساحقة من جيش معاوية من هؤلاء الغوغاء المغرر بهم ، الذين لا يميّزون بين الحقّ والباطل ، والذين تلوّنهم الدعاية كيفما شاءت ، وقد جعلهم معاوية جسراً فعبر عليهم لنيل مقاصده الشريرة .

ب ـ المنافقون

أمّا المنافقون فهم الذين أظهروا الإسلام في ألسنتهم ، وأضمروا الكفر والعداء له في ضمائرهم وقلوبهم ، وكانوا يبغون له الغوائل ، ويكيدون له في وضح النهار ، وفي غلس الليل . وقد ابتلى بهم الإسلام كأشدّ ما يكون البلاء ، وامتحن بهم المسلمون كأشدّ ما يكون الامتحان ؛ لأنّهم مصدر الخطر عليهم .

وقد ضمّ جيش معاوية رؤوس المنافقين وضروسهم ، أمثال : المغيرة بن شعبة , وعمرو بن العاص ، ومروان بن الحكم ، وأمثالهم من الزمرة الباغية الذين وجدوا الفرصة لهم مواتية لضرب الإسلام وقلع جذوره . وقد تسلّحوا بمعاوية بن أبي سفيان العدوّ الأوّل للإسلام فناصروه ، وساروا في جيشه لمحاربة أخي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ووصيه ، والمنافح الأوّل عن الإسلام .

إنّ جميع مَنْ حارب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من المنافقين قد انضمّوا إلى معاوية ، وصاروا من حزبه وأعوانه في محاربة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

ج ـ النفعيّون

ونعني بهم : الجماعة التي فقدت امتيازاتها ومنافعها اللامشروعة في ظلّ حكم الإمام رائد العدالة الاجتماعية في الأرض ، وفي طليعة هؤلاء ، العمّال


الصفحة (84)

والولاة ، وسائر الموظّفين في حكومة عثمان ، فقد فقدوا منافعهم وخافوا على مصادرة ما عندهم من الأموال التي اختلسوها من الشعب أيّام عثمان ، كما تمّ عزلهم عن مناصبهم فور تقلّد الإمام للحكم .

هذه بعض العناصر التي تشكّل منها جيش معاوية ، وقد زحف بهم إلى محاربة قائد الإسلام ، ورائد العدالة الإنسانية .

احتلال الفرات

واتّجهت جيوش معاوية صوب العراق ، فعسكرت في منطقة صفين واختارتها مركزاً للحرب ، وأوعزت القيادة العامّة إلى قطعات الجيش باحتلال الفرات ، ووضع المفارز على حوض الفرات لمنع جيش الإمام (عليه السّلام) من الشرب ليموتوا عطشاً .

وقد اعتبر معاوية ذلك أوّل النصر والفتح ، ونمَّ ذلك عن خبث طبيعته ولؤم عنصره ؛ فإنّ لكلّ إنسان ، بل ولكلّ حيوان حقّاً طبيعيّاً في الماء عند كافة الأمم والشعوب ، ولكنّ معاوية وبني أميّة قد تخلّوا عن جميع الأعراف ، فاستعملوا منع الماء كسلاح في معاركهم ، فقد منعوا الماء يوم الطفّ عن ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته حتّى أشرفوا على الموت من شدّة الظمأ .

ولمّا علم الإمام (عليه السّلام) بزحف معاوية لحربه اتّجه بجيوشه نحو صفّين ، فلمّا انتهوا إليها وجدوا حوض الفرات قد احتلّ من قبل معسكر معاوية ، ومنعوهم من تناول قطرة من الماء ، وألحّ العطش بجيش الإمام فانبرت إليه قادة جيشه ، وطلبوا منه الإذن في مقارعة القوم ، فرغب الإمام قبل أن يبدأهم بالحرب أن يطلبوا منهم السماح في تناول الماء ؛ إذ ليس لهم من سبيل أن يتخذوه وسيلة لكسب المعركة ؛ لأنّ الماء مباح لكلّ إنسان وحيوان عند جميع الشرائع والأديان ، وعرض عليهم أصحاب الإمام ذلك إلاّ إنّهم


الصفحة (85)

أبوا وأصرّوا على غيّهم وعدوانهم ، فاضطّر الإمام بعد ذلك إلى أن يسمح لقوّاته المسلّحة بفتح نار الحرب عليهم ، فحملوا عليهم حملة واحدة ، ففرّوا منهزمين شرّ هزيمة ، وتركوا مواقعهم فاحتلتها جيوش الإمام ، وأصبح نهر الفرات بأيديهم .

انطلق فريق من قادة الجيش نحو الإمام فطلبوا منه أن يسمح لهم في منع الماء عن أصحاب معاوية كما منعوهم عنه ، فأبى الإمام أن يقابلهم بالمثل ، فأباح لهم الماء كما هو مباح للجميع في شريعة الله ، ولم يشكر الاُمويّون الأوغاد هذه اليد البيضاء التي أسداها عليهم الإمام ، فقد قابلوه بالعكس ، فمنعوا الماء عن أبنائه في كربلاء حتّى صرعهم الظمأ ، وأذاب العطش قلوبهم .

دعوة الإمام إلى السلم

وكره الإمام (عليه السّلام) أشدّ الكره الحرب وإراقة الدماء ، فدعا إلى السلم والوئام ، فقد أرسل عدّة وفود إلى ابن هند يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون ، وأن يجنّبهم من الحرب فأبى ولم يستجب لهذه الدعوة الكريمة ، وأصرّ على الغيّ والعدوان ، وتذرّع كذباً بالمطالبة بدم عثمان الذي ما أراق دمه إلاّ سوء تصرّفاته السياسية والإدراية .

الحرب

ولمّا فشلت جميع الجهود التي بذلها الإمام من أجل السلم وحقن الدماء اضطّر إلى أن يفتح مع عدّوه باب الحرب ، وقد خاض معه حرباً مدمّرة ، سقط فيها عشرات الآلاف من القتلى فضلاً عن المعوّقين من كلا الجانبين ، واستمرّت الحرب أكثر من سنتين كانت تشتدّ حيناً ، وتفتر حيناً آخر ، وفي المرحلة الأخيرة من الحرب كاد الإمام أن يكسب المعركة ،


الصفحة (86)

وتحسم من صالحه ، فقد بان الانكسار في جيش معاوية ، وتفللت جميع قواعد عسكره ، وعزم معاوية على الهزيمة لولا أن تذكّر قول ابن الأطنابة :

أبت  لي عفّتي وحياءُ نفسي       وإقدامي على البطلِ المشيحِ
وإعطائي على المكروهِ مالي       وأخذي الحمدَ بالثمنِ الربيحِ
وقولي  كلّما جشأت وجاشتْ       مكانك  تحمدي أو تسريحي

فردّه هذا الشعر إلى الصبر والثبات كما كان يتحدّث بذلك أيّام العافية .

وفيما أحسب أنّ هذا الشعر ليس هو الذي ردّه إلى الثبات وعدم الهزيمة ؛ إذ ليست لابن هند أيّة عفّة أو حياء نفس ، ولا غير ذلك ممّا حوته هذه الأبيات ، وإنّما ردّه إلى الصبر هو ما دبّره من المكيدة والخديعة التي مزّقت الجيش العراقي ، وهو ما سنتحدّث عنه .

الخديعة الكبرى

وآن النصر المحتّم لجيش الإمام ، فقد أشرف على الفتح ، ولم يبقَ إلاّ مقدار حلبة شاة من الوقت حتّى يؤسر معاوية أو يُقتل كما أعلن ذلك قائد القوّات المسلحة في جيش الإمام الزعيم مالك الأشتر .

ومن المؤسف جدّاً إنّه في تلك اللحظات الحاسمة مُني الإمام بانقلاب عسكري في جيشه ، فقد رفع عسكر معاوية المصاحف على أطراف الرماح ، وهم ينادون بالدعوة إلى تحكيم القرآن ، وإنهاء الحرب حقناً لدماء المسلمين ، واستجابت قطعات من جيش الإمام لهذا النداء الذي يحمل التدمير الشامل لحكومة الإمام وأفول دولة القرآن .

يا للعجب ! لقد نادى جيش معاوية بالرجوع إلى تحكيم القرآن ، ومعاوية وأبوه هما في طليعة مَنْ حارب القرآن .

أصحيح أنّ ابن هند يؤمن بالقرآن ويحرص على دماء المسلمين


الصفحة (87)

وهو الذي أراق أنهاراً من دمائهم ؛ إرضاءً لجاهليته ، وانتقاماً من الإسلام ؟!

وكان أوّل مَنْ استجاب لهذا النداء المزيّف العميل الأموي الأشعث بن قيس ، فقد جاء يشتدّ كالكلب نحو الإمام ، وقد رفع صوته ليسمعه الجيش قائلاً : ما أرى الناس إلاّ قد رضوا وسرّهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن ، فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد .

وامتنع الإمام (عليه السّلام) من إجابة هذا العميل المنافق الذي طعن الإسلام في صميمه ، والتفّ حول الأشعث جماعة من الخونة فأحاطوا بالإمام (عليه السّلام) وهم ينادون : أجب الأشعث .

ولم يجد الإمام بُدّاً من إجابته ، فانطلق الخائن صوب معاوية ، فقال له : لأيّ شيء رفعتم هذه المصاحف ؟ فأجابه معاوية مخادعاً : لنرجع نحن وأنتم إلى أمر الله عزّ وجلّ في كتابه ؛ تبعثون منكم رجلاً ترضون به ، ونبعث منّا رجلاً ، ثمّ نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه ، ثم نتّبع ما اتفقا عليه .

ورفع الأشعث عقيرته قائلاً : هذا هو الحقّ .

وخرج الأشعث من معاوية وهو ينادي بضرورة إيقاف الحرب ، والرجوع إلى كتاب الله العظيم .

ومن المؤكّد إنّ هذه الحركة الانقلابية التي تزعّمها هذا المنافق العميل لم تكن وليدة رفع المصاحف ، وإنّما كانت قبل زمن ليس بالقليل ، فقد كانت هناك اتّصالات سريّة بين الأشعث وبين معاوية ووزيره والفكر المدبّر لخدعه وأباطيله عمرو بن العاص ، وممّا يدلّ


الصفحة (88)

على ذلك أنّه لم تكن هناك رقابة ولا مباحث في جيش الإمام على مَنْ يتّصل بمعسكر معاوية ؛ فقد كان الطريق مفتوحاً .

وجرت اتصالات مكثّفة بين معاوية والأشعث وغيره من قادة الجيش العراقي ، وقدّم لهم معاوية الرشوات ، ومنّاهم بالمراتب العالية ، وبالمزيد من الأموال إن استجابوا لدعوته .

وعلى أيّ حال ، فقد أُرغم الإمام (عليه السّلام) على قبول التحكيم ، فقد أحاطت به قطعات من جيشه ، وقد شهرت عليه السيوف والرماح ، وهي تنادي : لا حكم إلاّ لله ، واتّخذوا هذا النداء شعاراً لتمرّدهم ووقوفهم ضدّ الإمام ، وسرعان ما أصبحوا حركة ثورية ، ومصدر قلق مثير للفتن والاضطراب .

وعلى أيّ حال ، فقد جهد الإمام (عليه السّلام) بنفسه ورسله على إقناعهم ، وإرجاعهم إلى طريق الحقّ والصواب فلم يتمكّن ، ورأى أنّهم جادّون على مناجزته والإطاحة بحكومته ، فاستجاب لهم وأوعز إلى قائد قوّاته العسكرية الزعيم مالك الأشتر بالانسحاب عن ساحة الحرب ، وإيقاف العمليات العسكرية ، وكان قد أشرف على الفتح فلم يبقَ بينه وبين الاستيلاء على معاوية سوى مقدار حلبة شاة .

ورفض مالك الاستجابة ، وأصرّ على مزاولة الحرب ؛ إلاّ إنّه أخبر بأنّ الإمام في خطر ، وإنّ المتمرّدين قد أحاطوا به ، فاضطرّ إلى إيقاف الحرب ، وبذلك فقد تمّ ما أراده معاوية من الإطاحة بحكومة الإمام ، وكتب له في تلك اللحظات النصر على الإمام ، وقد انتصرت معه الوثنية القرشية كما يقول بعض الكتّاب والمحدّثين .

التحكيم

وتوالت المحن والأزمات على الإمام يتبع بعضها بعضاً ، وانكشفت خفايا هؤلاء العملاء المتمرّدين ، فقد أصرّوا على انتخاب أبي موسى


الصفحة (89)

الأشعري ليكون ممثلاً عن العراق ، والأشعري خبيث دنس كان حقوداً على الإمام ، ومن ألدّ أعدائه وخصومه ، وفي نفس الوقت لم يملك وعياً ولا فهماً للأحداث ، وكان بليداً ومنافقاً ، واتّخذه المنافقون والمتمردون في جيش الإمام جسراً فعبروا عليه لنيل مقاصدهم الخبيثة لعزل الإمام عن الحكم ، وتثبيت معاوية في مركزه .

ولم يستطع الإمام إيقاف هذا المدّ التآمري في جيشه ، فقد أصبح قادة جيشه يتلقّون الأوامر والتوجيهات من قبل معاوية ووزيره ابن العاص ، وصار الإمام بمعزل تامّ عن الحياة السياسية ، فقد أصبح يأمر جيشه فلا يُطيع ، ويدعوه فلا يستجيب له ، وصارت دفّة الحكم كلّها بيد معاوية .

لقد حكم الأشعري بعزل الإمام ، وحكم ابن العاص بإبقاء معاوية ، وبذلك فقد انتهت مهزلة التحكيم إلى عزل الإمام عن منصب الحكم وتقليده لمعاوية ، وانطوت بذلك أقدس حكومة إسلامية ظهرت في الشرق كان يرجى منها أن تقوم ببسط العدل السياسي والعدل الاجتماعي بين الناس ، فلم تدعها هذه الوحوش الكاسرة من ذئاب الاُمويِّين ، وسائر القبائل القرشية من تحقيق أهدافها ومثلها العليا .

لقد شاهد أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) وهو في دور الشباب فصول هذه المأساة الكبرى فكوت قلبه ، وهزّت عواطفه ، فقد جرّت لأهل بيته المصائب ، وأخلدت لهم المحن والخطوب .

ثورة الخوارج

ومن بين المحن الشاقة التي امتُحن بها الإمام امتحاناً عسيراً هي ثورة الخوارج ، فقد كان معظمهم من بهائم البشر ، فقد امتطاهم معاوية وجعلهم جسراً لنيل أطماعه وأهدافه من حيث لا يشعرون ، فهم الذين أرغموا الإمام (عليه السّلام)


الصفحة (90)

على قبول التحكيم وإيقاف عمليات الحرب ، وهم الذين أصرّوا على انتخاب المنافق أبي موسى الأشعري .

ولمّا عُقد التحكيم ، وأعلن أبو موسى عزل الإمام (عليه السّلام) عن منصبه ، وأعلن ابن العاص إقامة سيّده معاوية في مركزه , أسفوا على ما فرّطوا في أمر المجتمع الإسلامي ، واستبانت لهم المكيدة التي دبّرها ابن العاص في رفع المصاحف ، وعابوا على الإمام (عليه السّلام) وكفّروه لاستجابته لهم . وفي الحقيقة هم الذين يتحمّلون جميع المسؤوليات الناجمة عن ذلك .

ولمّا نزح جيش الإمام من صفّين إلى الكوفة لم يدخلوا معه إليها وإنما انحازوا إلى حروراء فنسبوا إليها ، وكان عددهم فيما يقول المؤرّخون اثني عشر ألفاً ، وأذن مؤذّنهم أنّ أمير القتال المنافق شبث بن ربعي الذي كان من قادة الجيش الذي حارب ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الإمام الحسين (عليه السّلام) ، كما نصبوا إماماً للصلاة عبد الله بن الكوّاء العسكري ، وجعلوا الأمر شورى بعد الفتح ، والبيعة لله عزّ وجلّ ، وجعلوا من أهمّ الأحكام التي يُقاتلون من أجلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجعلوا شعارهم لا حكم إلاّ لله ، ولكنّهم سرعان ما تنكّروا لهذا الشعار فجعلوا الحكم للسيف ، وذلك بما أراقوه من دماء الأبرياء ، وما نشروه من الذعر والخوف بين المسلمين .

وبعث الإمام إليهم بعض رسله يعدلهم عن فكرتهم ، ويرشدهم إلى طريق الحقّ والصواب ، فلم يجد ذلك معهم شيئاً ، فانطلق (عليه السّلام) بنفسه إليهم ، ومعه أعلام أصحابه ، فجعل يناظرهم ، ويقيم الأدلّة الوثيقة على فساد رأيهم ، وضلالة قصدهم ، فاستجاب له قوم ، وأبي قوم آخرون ، وجعل الأمر يمعن في الفساد بين الإمام وبينهم ، وأخذوا ينشرون الإرهاب ، وأعمال التخريب ، ويعيثون في الأرض فساداً ، وقد رحلوا عن الكوفة ،


الصفحة (91)

وعسكروا في النهروان ، واجتاز عليهم الصحابي الجليل عبدالله بن خباب بن الأرت ، وهو من أعلام أصحاب الإمام فدارت بينه وبينهم أحاديث ، فعمدوا إليه فقتلوه ، وقتلوا معه السيّدة زوجته ، ولم يقف شرّهم عند هذا الحدّ ، وإنّما أخذوا يذيعون الذعر والخوف بين المسلمين .

وبعث الإمام إليهم الحارث بن مرّة العبدي ليسألهم عمّا أحدثوه من الفساد ، فلمّا انتهى إليهم أجهزوا عليه وقتلوه ، ورأى الإمام بعد هذا أنّهم يشكّلون خطراً كبيراً على دولته ، وأنّهم مصدر فتنة وتخريب بين المسلمين ، وأنّ الواجب يقضي بحربهم فزحف إليهم بجيشه ، ودارت بينه وبينهم معركة رهيبة ، فقُتلوا عن آخرهم ولم يفلت منهم إلاّ تسعة(1) ، وانتهت بذلك حرب النهروان .

وقد شاهد أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) هذه الحرب ، ووقف على دوافعها التي كان منها كراهة هؤلاء القوم لعدل الإمام ، وتفانيه في إقامة الحقّ بين الناس .

ومن الجدير بالذكر : إنّ أبا الفضل العباس (عليه السّلام) لم يشترك في حرب النهروان ، ولا في حرب صفين ، فقد منعه الإمام كما منع بعض أبنائه ، وأعلام أصحابه من الدخول في الحرب ضنّاً بهم على الموت .

وممّا يدلّ على ذلك : إنّ الذين كتبوا عن واقعة صفين والنهروان لم يذكروا أيّ دور لسيّدنا العباس فيهما .

النتائج الفظيعة

وأعقبت حرب الجمل ، وحرب صفّين أسوأ الأحداث وأقساها

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 358 , الطبعة الثالثة .

الصفحة (92)

وأشقّها محنة على الإمام (عليه السّلام) ، ومن بينها :

1 ـ التمرّد الكامل في جيش الإمام ، فقد أصبحت جميع قطعاته غير مطيعة لأوامره . لقد شاعت الهزيمة النفسية في جيش الإمام ، وفقدت قطعاته الروح المعنوية ، وتخاذلت تخاذلاً مطلقاً أمام الأحداث التي مُني بها .

2 ـ وعمد معاوية بعد معركة صفين إلى تعزيز جيشه وتماسكه ، وقد بثّ فيه روح العزم والإخلاص ، وقد وثق بالنصر والفتح والتغلّب على جيش الإمام .

3 ـ وتعرّضت البلاد الإسلاميّة الخاضعة لحكم الإمام لحملات إرهابية عنيفة كانت تشنّها العصابات المجرمة التي يبعثها معاوية لإشاعة الخوف والذعر فيها ، وقد تعرّضت المناطق القريبة من عاصمة الإمام لهجمات الإرهابيين من كلاب معاوية ، والإمام لم يتمكّن من حمايتها وحفظ الأمن والاستقرار فيها ، فكان يدعو بحرارة جأشه للذبّ عن حياض الوطن ، وحمايته من الاعتداء فلم يستجب له أحد منهم .

4 ـ واحتلّت جيوش معاوية مصر احتلالاً عسكرياً ، وبذلك خرجت عن حكم الإمام ، وقد أُصيبت حكومة الإمام بنكسة كبيرة ، ولم تعد بعد هذه الأحداث إلاّ شكلاً خاوياً في ميدان الحكم .

مصرع الإمام (عليه السّلام)

وبقي الإمام الممتحن في أرباض الكوفة قد أحاطت به المحن والأزمات يتبع بعضها بعضاً ، يرى باطل معاوية قد استحكم وشرّه قد استفحل , وهو لا يتمكّن أن يقوم بأيّ عمل لتغيير الأوضاع الاجتماعية


الصفحة (93)

المتدهورة المنذرة بأفول دولة الحقّ ، وإقامة حكومة الظلم والجور .

لقد استوعبت المحن الشاقة التي أحاطت بالإمام نفسه الشريفة فراح يدعو الله ، ويتوسّل إليه بحرارة أن ينقله إلى جواره ، ويريحه من هذا العالم المليء بالفتن والأباطيل .

واستجاب الله دعاء الإمام فقد عقدت عصابة مجرمة من الخوارج مؤتمراً في مكّة ، وأخذوا يذكرون بمزيد من الأسى والحزن قتلاهم الذين حصدت رؤوسهم سيوف الحق في النهروان ، وعرضوا ما مُني به العالم الإسلامي من الفتن والانشقاق ، وألقوا تبعة ذلك حسب زعمهم على الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ومعاوية وعمرو بن العاص ، فقرّروا القيام باغتيالهم ، وعيّنوا لذلك وقتاً خاصّاً ، وضمن لهم ابن اليهودية عبد الرحمن بن ملجم اغتيال الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

ومن الجدير بالذكر : إنّ مؤتمرهم كان بمرأى ومسمع من السلطة المحلّية بمكّة ، وأكبر الظنّ أنّها كانت على اتصال معهم ، وأنّ القوى المنحرفة عن الإمام قد أمدّت ابن ملجم بالمال ليقوم باغتيال الإمام .

وعلى أيّ حال ، فقد قفل ابن ملجم راجعاً إلى الكوفة وهو يحمل شرّ أهل الأرض ، ويحمل الكوارث المدمّرة للمسلمين ، وفور وصوله إلى الكوفة اتصل بعميل الاُمويِّين المنافق الأشعث بن قيس وأخبره بمهمّته ، فشجّعه على اقتراف الجريمة ، وأبدى له تقديم جميع ألوان المساعدات لتنفيذها .

وفي ليلة التاسع عشر من رمضان شهر الله المبارك اتّجه زعيم الموحّدين وسيّد المتقين نحو مسجد الكوفة ليؤدّي صلاة الصبح ، فأقبل نحو الله ، فشرع في صلاته ، ولمّا رفع رأسه من السجود علاه ابن اليهودية بالسيف فشقّ رأسه الشريف الذي كان كنزاً من كنوز العلم والحكمة


الصفحة (94)

والإيمان ، والذي ما فكّر إلاّ بتوزيع خيرات الله على البؤساء والمحرومين ، وإشاعة الحقّ والعدل بين الناس . ولمّا أحسّ الإمام (عليه السّلام) بلذع السيف علت على شفتيه ابتسامة الرضا والظفر ، وراح يقول : (( فزت وربّ الكعبة )) .

لقد فزتَ يا إمام المصلحين ، فقد وهبت حياتك لله ، وجاهدت في سبيله جهاد المنيبين والمخلصين .

لقد فزت يا إمام المتّقين ؛ لأنّك في طيلة حياتك لم توارب ولم تخادع ولم تداهن ، ومضيت على بصيرة من أمرك مقتدياً بسيّد المرسلين ابن عمّك (صلّى الله عليه وعليك) ، فكان ذلك حقاً هو الفوز العظيم .

لقد فزت أيّها الإمام الحكيم ؛ لأنّك خبرت الدنيا ، وعرفتها دار فناء وزوال فطلّقتها ثلاثاً ، وأعرضت عن زينتها ومباهجها ، واتّجهت صوب الله فعملت كلّ ما يرضيه ، وما يقرّبك إليه زلفى .

وحُمل الإمام إلى منزله ، وقد فاضت عيون الناس بالدموع ، وتقطّعت النفوس ألماً وحزناً ، وكان الإمام هادئ النفس ، قرير العين ، قد تعلّق قلبه بالله ، وهام في مناجاته ، وقد سأله مرافقة الأنبياء والأوصياء ، وأخذ يُلقي نظراته على أولاده ، وخصّ ولده أبا الفضل بالعطف والحنان ، واستشفّ من وراء الغيب أنّه ممّن يرفع راية القرآن ، ويقوم بنصرة أخيه ريحانة رسول الله المنافح الأول عن رسالة الإسلام .

وصايا خالدة

ولمّا شعر الإمام العظيم بدنّو أجله المحتوم أخذ يوصي أولاده


الصفحة (95)

بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ، وأمرهم أن يجسّدوا الإسلام في سلوكهم واتّجاهاتهم ، وفيما يلي بعض بنود وصيّته :

أ ـ التحلّي بتقوى الله التي هي الأساس في بناء الشخصية الإسلاميّة على أساس متكامل من الوعي والازدهار .

ب ـ الالتزام بالحق قولاً وعملاً ، وبه تُصان الحقوق ، وتسود العدالة الاجتماعية بين الناس .

ج ـ مناجزة الظالم والوقوف في وجهه ، ومناصرة المظلوم ومساعدته ، وفي ذلك إقامة للعدل الذي هو من أهمّ الأهداف الأصيلة التي ينشدها الإسلام .

د ـ السعي في إصلاح ذات البين ، وإزالة البغضاء والكراهيّة بين المتخاصمين ، وهو من أفضل الأعمال وأهمّها في الإسلام ؛ لأنّ فيه إقامة لمجتمع متطوّر قائم على المحبّة والمودّة .

هـ ـ مراعاة الأيتام ، والقيام بصلتهم ، ورفع الحاجة عنهم ، وهذا من جملة بنود التكافل الإسلامي الذي هو من أبدع ما شرّعه الإسلام في نظامه الاقتصادي .

و ـ الإحسان إلى الجيران ، والإغداق عليهم بالبرّ والمعروف ؛ لأنّ فيه إشاعة للمحبّة بين المسلمين ، كما إنّه في نفس الوقت من أهمّ الوسائل في تماسك المجتمع الإسلامي ووحدته .

ز ـ العمل بما في القرآن الكريم من أحكام وسنن وآداب ؛ فإنّه خير ضمان لصيانة سلوك الإنسان المسلم ، وتهذيبه ورفع مستواه .

ح ـ إقامة الصلاة في أوقاتها ، وأدائها على أحسن وجه ؛ فإنّها عمود


الصفحة (96)

الدين ، ومعراج المؤمن ، وهي ترفع الإنسان إلى مستوى عظيم ، إذ تشرّفه بالاتصال بخالق الكون وواهب الحياة .

ط ـ إحياء المساجد بذكر الله من العبادة والعلم ، وتعتبر المساجد من أهمّ المراكز في إشاعة الآداب والفضائل بين المسلمين .

ي ـ الجهاد في سبيل الله بالأنفس والأموال ؛ لإقامة معالم الدين ، وإحياء السنّة ، وإماتة البدعة .

ك ـ إشاعة المحبّة والمودّة بين المسلمين ، وذلك بالتواصل والتوادد ، وترك التدابر والتقاطع ، وغير ذلك ممّا يؤدّي إلى فصم عرى الوحدة بينهم .

ل ـ إقامة الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ؛ لأنّه ممّا يؤدّي إلى إقامة مجتمع سليم تسوده العدالة ، أما ترك ذلك فإنّ له من المضاعفات السيّئة التي توجب ارتطام المجتمع بالفتن والبلاء ، كتولية الفسّاق والأشرار لشؤونه ، وعدم استجابة الدعاء من أفراده .

هذه بعض الوصايا الخالدة التي أدلى بها الإمام العظيم ، وهو على فراش الموت(1) .

إلى جنّة المأوى

وسرى السمّ في جميع أجزاء بدن الإمام (عليه السّلام) من جرّاء الضربة الغادرة التي عمّمه فيها ابن اليهودية عبد الرحمن بن ملجم ، وأخذ الموت يدنو إليه سريعاً سريعاً ، وقد استقبل إمام المتّقين الموت بثغر باسم ، ونفس آمنة مطمئنّة متعطّشة إلى لقاء الله ، راضية بقضائه وقدره ، وكان لا يفتر لحظة

ـــــــــــــــــــــ
(1) يلاحظ نهج البلاغة فقد حفل بهذه الوصايا القيّمة .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث