العباس بن علي عليهما السلام

 
 

الصفحة (97)

واحدة عن ذكر الله ، وقراءة كتابه ، وقد حفّ به أبناؤه وهم يذرفون أحرّ الدموع قد مزّق المصاب قلوبهم ، وقد استقبل القبلة حامداً لله حتّى ارتفعت روحه العظيمة إلى بارئها تحفّها ملائكة الرحمان ، وأرواح الأنبياء والأوصياء ، وقد ازدهرت به جنان الخلد .

لقد توفّي عملاق الفكر الإنساني ، ورائد العدالة الاجتماعية في الأرض . لقد عاش هذا الإمام العظيم غريباً في مجتمع لم يعرف مكانته ، ولم يعِ قيمه وأهدافه التي كان منها أن ينفي البؤس والشقاء من الأرض ، وينفي الحاجة والحرمان عن بني الإنسان ، فيوزّع عليهم خيرات الله ، فثارت في وجهه العصابة المجرمة من الرأسمالية القرشية ، وأوغاد الاُمويِّين الذين اتّخذوا مال الله دولاً ، وعباد الله خولاً ، وقد صمد الإمام في وجوههم ، ولم ينثنِ عن عزمه الجبّار حتّى استشهد مناضلاً عن قيمه وأهدافه .

تجهيزه

وانبرى الإمام الحسن (عليه السّلام) ، ومعه السادة الكرام من إخوانه ، ومن بينهم أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) إلى تجهيز الجثمان العظيم ، فغسّلوا الجسد الطاهر ، ثمّ أدرجوه في أكفانه ، وهم يذرفون أحرّ الدموع ، وبعد ذلك حملوه إلى مقرّه الأخير ، فدفنوه في مرقده المطّهر في النجف الأشرف ، وقد أعزّه الله ورفع من شأنه فجعله كعبةً للوافدين ، ولم يحظ مرقد من مراقد أولياء الله كما حظي مرقده الشريف ؛ فقد اُحيط بهالة من التعظيم والتقديس عند كافة المسلمين .

لقد شاهد سيّدنا أبو الفضل العباس (عليه السّلام) خلافة أبيه ، وما رافقها من الأحداث الجسام ، وما قاساه أبوه من المصاعب والمشاكل في سبيل تطبيق


الصفحة (98)

العدالة الاجتماعية على واقع الحياة العامّة بين المسلمين ، وقد تنكّرت له وحاربته القوى الباغية على الإسلام ، والحاقدة على الإصلاح الاجتماعي .

لقد وعى العبّاس الأهداف المشرقة التي كان ينشدها أبوه فآمن بها ، وجاهد في سبيلها ، وقد انطلق مع أخيه سيّد الشهداء إلى ساحات الشرف والجهاد من أجل أن يعيدا للمسلمين سيرة أبيهما الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ومنهجه المشرق في عالم السياسة والحكم .

خلافة الإمام الحسن (عليه السّلام)

وتسلّم الإمام الحسن (عليه السّلام) قيادة الدولة الإسلاميّة بعد وفاة أبيه ، وكانت الأوضاع الاجتماعية والسياسية كلّها في غير صالحه ؛ فالأكثرية الساحقة من الرؤساء والقادة العسكريين كانت اتّجاهاتهم وميولهم سرّاً وعلانية مع معاوية ، فقد غزاهم بذهبه ، واسترقّهم بأمواله .

كما انتشرت بين كتائب جيشه فكرة الخوارج التي كانت سوسة تنخر في معسكره ، وتعلن عدم شرعية خلافته ، وخلافة أبيه من قبل ، ومن ثمّ كان إقبال الجماهير على مبايعته فاتراً جدّاً ، وكذلك لم تندفع القوّات المسلّحة بحماس إلى بيعته ، وإنّما كانت مرغمة على ذلك ، الأمر الذي أوجب تريّب الإمام الحسن منهم ، ويرى المراقبون للأوضاع السياسية في جيش الإمام أنّه قد ماج في الفتنة وارتطم في الشقاء ، وأنّ خطره على الإمام كان أعظم من خطر معاوية ، وأنّه لا يصلح بأيّ حال من الأحوال لأن يخوض الإمام به أيّ ميدان من ميادين الحرب .

وعلى أيّ حال ، فإنّ الإمام قد تسلّم قيادة الدولة ، وقد مُنيت بالانحلال والضعف ، وشيوع الفتن والاضطراب فيها ، وإنّ من العسير جدّاً السيطرة


الصفحة (99)

على الأوضاع الاجتماعية ، وإخضاع البلاد إلى عسكره ، اللّهمّ إلاّ بسلوك أمرين :

الأوّل : إشاعة الأحكام العرفيّة في البلاد ، ومصادرة الحريّات العامّة ، ونشر الخوف والإرهاب ، وأخذ الناس بالظنّة والتهمة ، وهذا ما يسلكه عشّاق الملك والسلطان حينما يمنون بمثل هذه الأزمات في شعوبهم . أمّا أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) فإنّهم لا يرون مشروعية هذه السياسة ، وإن أدّت إلى الانتصار ، ويرون ضرورة توفير الحياة الحرّة الكريمة للشعب ، وإقصاء الوسائل الملتوية عنه .

الثاني : تقديم الطبقة الرأسمالية وذوي النفوذ على فئات الشعب ، ومنحهم الأموال والامتيازات الخاصّة والوظائف المهمّة ، ولو فعل ذلك الإمام الحسن (عليه السّلام) لاستقرّت له الأمور ، وما مُني جيشه بالتمرّد والانحلال ، إلاّ إنّه ابتعد عن ذلك ابتعاداً مطلقاً ؛ لأنّه لا تبيحه شريعة الله .

لقد كان منهج الإمام الحسن (عليه السّلام) في سياسته واضحاً لا لبس فيه ولا غموض ، وهو التمسّك بالحقّ ، وعدم السلوك في المنعطفات ، واجتناب الطرق الملتوية وإن أدّت إلى الظفر والنصر .

إعلان معاوية للحرب

وبادر معاوية إلى إعلان الحرب على سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ لأنّه على علم بما مُني به جيش الإمام (عليه السّلام) من الانحلال والخيانة ؛ فأغلب قادة الفرق وضبّاط الجيش وسائر المراتب قد رشاهم معاوية بذهبه وأمواله ، ومنّاهم بالوظائف العالية . كما كاتب بعضهم بأن يزوّجه بإحدى بناته ، فقد استعمل


الصفحة (100)

الرشوة معهم على نطاق واسع ، وقد استجابوا له ، وضمنوا له تسليم الإمام (عليه السّلام) أسيراً متى شاء وأراد ، أو اغتياله . وقد حفّزته هذه العوامل لاستعجال الحرب وحسم الموقف من صالحه .

وزحف معاوية بجيوشه المتماسكة والمطيعة صوب العراق ، ولمّا علم الإمام الحسن بذلك جمع قوّاته المسلّحة ، وأعلمهم بالأمر ، ودعاهم إلى الجهاد ، وردّ العدوان فوجموا ، وساد عليهم الذعر والخوف فلم يجبه أحد منهم ، فقد آثروا العافية ، وسئموا من الحرب .

ولمّا رأى تخاذلهم الزعيم الكبير عَديّ بن حاتم تميّز غيظاً وغضباً ، واندفع بحماس بالغ نحوهم فجعل يؤنّبهم على هذا التخاذل ، وأعلن استجابته المطلقة لدعوة الإمام ، ودعم موقفه كلّ من الزعيم الشريف قيس بن سعد بن عبادة ، ومعقل بن قيس الرياحي ، وزياد بن صعصعة التميمي ، فأخذوا يلومونهم على هذا الموقف الذي ليس فيه شرف ولا إنصاف ، ويبعثونهم إلى ساحات الجهاد .

وخرج الإمام الحسن (عليه السّلام) من فوره لمقابلة معاوية ، وسار معه أخلاط من الناس حتّى انتهى إلى النخيلة فاستقام فيها حتّى التحمت به فصائل من جيشه المتخاذل ، ثمّ ارتحل حتّى انتهى إلى دير عبد الرحمن فأقام به ثلاثة أيام ، ثمّ واصل سيره لا يلوي على شيء .

في المدائن

وانتهى الإمام ومعه بعض الفرق من جيشه إلى المدائن فأقام بها ، وقد أحاطت به المصاعب والأزمات ، فقد عانى من جيشه الممزّق والخائن ألواناً شاقّة وعسيرة من المحن والمشاكل ، وابتلي بما لم يبتل به أحد من


الصفحة (101)

قادة المسلمين وخلفائهم ، وكان من بين ما امتُحن به :

1 ـ خيانة القائد العام

وكان من أقسى ما ابتُلي به الإمام في تلك المرحلة الحسّاسة خيانة ابن عمّه عبيد الله بن العبّاس القائد العام لقوّاته المسلّحة ، فقد أرشاه معاوية بما يُقارب المليون درهم ، فولّى الخائن الجبان منهزماً تحت جنح الليل البهيم يصحب معه العار والخزي فالتحق بمعسكر معاوية .

ولمّا علم الجيش بذلك اضطرب اضطراباً هائلاً ، وماج في الفتنة والشقاء ، ودبّت روح الخيانة في جميع قطعات الجيش ، كما خان جماعة من ذوي الرتب العليا في الجيش فالتحقوا بمعسكر معاوية بعد أن أرشاهم بأمواله .

إنّ خيانة عبيد الله من أقسى الضربات التي حلّت بجيش الإمام (عليه السّلام) ؛ فقد فتحت أبواب الخيانة على مصراعيها لذوي الضمائر القلقة لبيع ضمائرهم على معاوية ، كما أدّت إلى انهيار معنويات جيش الإمام (عليه السّلام) ، وفي نفس الوقت كانت من أقسى الصدمات التي واجهها الإمام في تلك الفترة العصيبة ؛ فقد ألقت له الأضواء على نفوس أغلب قادة جيشه ، وأنّهم مجموعة من الخونة الذين لا يملكون أيّ رصيد ديني أو وطني .

2 ـ محاولات لاغتيال الإمام (عليه السّلام)

ولم تقتصر محنة الإمام وبلواه من جيشه إلى هذا الحدّ ، وإنّما امتدّت إلى ما هو أعظم من ذلك ، فقد قام عملاء الاُمويِّين وبهائم الخوارج بعدّة عمليات لاغتيال الإمام ، وقد فشلت جميعها ، وهي :


الصفحة (102)

أ ـ رُمي الإمام بسهم وهو في أثناء الصلاة ، ولم يؤثّر فيه شيئاً .

ب ـ طعنه بخنجر في أثناء الصلاة .

ج ـ طعنه في فخذه .

وضاقت الدنيا على ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وطافت به المحن والأزمات ، وأيقن أنّه لا محالة ؛ إمّا أن يُغتال ويُضاع دمه هدراً ، أو يُلقى عليه القبض ويُبعث أسيراً إلى معاوية . وأجال النظر في هذه الأمور فأفزعته إلى حدّ بعيد .

3 ـ الحكم عليه بالكفر

وتمادى الخونة والعملاء في جيش الإمام (عليه السّلام) في الجريمة والشرّ ، فقد قابلوا الإمام بكلمات كانت أشدّ عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح ، فقد أقبل عليه الجرّاح بن سنان يشتدّ كأنّه الكلب ، وهو رافع عقيرته قائلاً : لقد أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل .

ولم ينبر أحد من جيش الإمام إلى معاقبة هذا الأثيم ، لقد انحرف هؤلاء الخونة عن الحقّ ، ومالوا عن الطريق القويم ، فقد حكموا على ابن بنت نبيّهم وابن وصيّه بالكفر والمروق من الدين ، فأيّ ضلال مثل هذا الضلال ؟!

4 ـ نهب أمتعة الإمام (عليه السّلام)

وعمد أُولئك الأجلاف إلى نهب أمتعة الإمام فنزعوا منه بساطاً كان جالساً عليه ، وسلبوا منه رداءه ، ولم تكن هناك أيّة حماية للإمام من جيشه ، فقد جرت هذه العملية بمرأى ومسمع منهم .


الصفحة (103)

هذه بعض الأحداث المروّعة التي عاناها الإمام (عليه السّلام) في المدائن ، وهي تلزمه بالصلح والتخلّي عن ذلك المجتمع المصاب بأخلاقه وعقيدته .

ضرورة الصلح

أمّا صلح الإمام الحسن (عليه السّلام) مع معاوية فقد كان ضرورياً حسب الأعراف السياسية ، كما كان واجباً شرعياً مسؤول عن تنفيذه أمام الله والأمّة ؛ فإنّه لو فتح باب الحرب بجيشه المنهزم نفسيّاً لتغلّب عليه معاوية بأوّل حملة ، ولما أمكنه أن يحقّق أيّ نصر ، وفي تلك الحالة لا يخلو أمره من إحدى حالتين : إمّا القتل ، أو الأسر .

فإن قُتل فلا تستفيد منه القضية الإسلاميّة ؛ لأنّ معاوية بما يملك من دبلوماسية مبطّنة بالخداع والمكر والنفاق سوف يلقي التبعة على الإمام في قتله ، ويبرّئ نفسه من أيّة مسؤولية . وأمّا إذا لم يُقتل الإمام ، وحُمل إلى معاوية أسيراً ، فإنّه من دون شكّ سوف يعفو عنه ، وبذلك يسجّل له يداً بيضاء على الأسرة النبوية ، ويمحو عنه وعن أسرته وصمة الطليق التي وصمهم بها النبي (صلّى الله عليه وآله) .

وعلى أيّ حال ، فإنّ الإمام الحسن (عليه السّلام) قد اضطّر إلى الصلح وأُرغم عليه ، ولم تكن هناك أيّة مندوحة للعدول عنه ، وقد جرى الصلح حسب شروط ذكرناها بالتفصيل مع تحليلها في كتابنا (حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) ) .

وممّا لا شكّ فيه حسب المقاييس العلمية والسياسية إنّ الإمام أبا محمد (عليه السّلام) قد انتصر في هذا الصلح ؛ فقد أبرز حقيقة معاوية الجاهلية ، وقد ظهرت خفايا نفسه ، وما يكنّه من حقد وعداء للإسلام وللمسلمين ؛ فإنّه حينما استتبّ له الأمر عمد بشكل سافر إلى محاربة الإسلام والانتقام من أعلامه , أمثال الصحابي العظيم حجر بن عدي , وأخلد بجرائمه للمسلمين المصاعب


الصفحة (104)

والكوارث ، وألقاهم في شرّ عظيم ، وسوف نتحدّث عن ذلك في البحوث الآتية .

وبعدما انتهى الإمام أبو محمد (عليه السّلام) من الصلح غادر الكوفة التي غدرت به وبأبيه لتستقبل جور معاوية وظلمه ، وكان معه أهل بيته وإخوته ، ومن بينهم أخوه وعضده أبو الفضل العبّاس ، وأخذوا يجدّون السير لا يلوون على شيء حتّى انتهوا إلى يثرب .

وقد استقبلتهم بحفاوة بالغة البقيّة الباقية من الصحابة وأبنائهم ، واستقرّ الإمام في يثرب ، وقد التفّ حوله الفقهاء والعلماء فأخذ يغذّيهم بعلومه ومعارفه ، ويغدق على البؤساء والمحرومين من فيض جوده وكرمه . وقد استعادت يثرب بوجوده ما فقدته من القيادة الروحية للمسلمين حينما غادرها وصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

وعلى أيّ حال ، فقد شاهد أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) ما جرى على أخيه الزكيّ أبي محمد (عليه السّلام) من المحن الشاقّة والعسيرة ، ورأى غدر أهل الكوفة وخيانتهم له ، ونكثهم لبيعتهم له ، وقد عرّفته هذه الأوضاع السياسية والاجتماعية حقيقة المجتمع ، وإنّ الغالبية الساحقة منه ينسابون وراء مصالحهم وليس للقيم الدينية أيّ أثر في نفوسهم .

وبهذا نطوي الحديث عن بعض الأحدث المروعة التي شاهدها أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) .

* * *


الصفحة (105)

كابوس رهيب


الصفحة (106)


الصفحة (107)

وتسلّم معاوية قيادة الدولة الإسلاميّة بعد صلحه مع الإمام الحسن (عليه السّلام) ، وقد تحقّقت آماله الشريرة في القضاء على الدولة العلوية التي هي دولة المحرومين والمضطهدين ، والتي كانت امتداداً ذاتيّاً لحكومة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، وتجسيداً حيّاً لأهدافه ، ومتطلّباته الرامية لرفع مستوى الإنسان وتطوير حياته .

وقد انهارت هذه القيم حينما سقطت الدولة الإسلاميّة صريعة بيده ، فقد تبدّلت المبادئ والقيم والأخلاق التي ينشدها الإسلام إلى عكسها ، وخرج العالم الإسلامي من عالم الدعة والرخاء والاستقرار إلى كابوس مرعب تحفّه المحن والكوارث ، وتخيّم عليه العبودية والذلّ . لقد تنكّر معاوية لجميع القيم والأعراف ، وساس المسلمين سياسة لم يألفوها من قبل ، ويرى المراقبون لسياسته أنّ انتصاره إنّما هو انتصاراً للوثنية بجميع مساوئها .

يقول السيّد مير علي الهندي : ومع ارتقاء معاوية الخلافة في الشام عاد حكم الثوليغارشية الوثنية السابقة ، فاحتلّ موقع ديمقراطية الإسلام ، وانتعشت الوثنية بكلّ ما يرافقها من خلاعات وكأنّها بُعثت من جديد ، كما وجدت الرذيلة والتبذل الخلقي لنفسها متّسعاً في كلّ مكان ارتادته رايات حكّام الاُمويِّين من قادة جند


الصفحة (108)

الشام ...(1) .

لقد تعرّض المسلمون في ذلك العهد الأسود إلى أزمات شاقّة وعسيرة ، وامتحنوا كأشدّ ما يكون الامتحان ، ونعرض ـ بإيجاز ـ إلى بعض ما عانوه من الكوارث .

إبادة القوى الواعية

وعمد ابن هند إلى إبادة القوى الواعية في الإسلام ، وتصفيتها جسدياً فقد ساق كوكبة منهم إلى ساحات الإعدام ، وفيما يلي بعضهم :

1 ـ حجر بن عديّ

حجر بن عدي الكندي , علم من أعلام الإسلام ، وبطل من أبطال الجهاد ، ومن أبرز طلائع المجد والفخر للأمّة العربية والإسلامية ، ومن النماذج المشرقة الذين تخرّجوا من مدرسة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ووعوا قيمه وأهدافه .

وقد وهب هذا العملاق العظيم حياته لله فثار في وجه الإرهابي المجرم زياد بن أبيه حينما أعلن رسميّاً سبّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) مفجّر الفكر والنور في دنيا الإسلام ، والمؤسس الثاني في بناء العقيدة الإسلاميّة بعد ابن عمّه وسيّده الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) .

لقد استحلّ الطاغية المجرم زياد دم المجاهد الكبير حجر بن عديّ حينما جابهه بالإنكار على سبّه للإمام ، فألقى عليه القبض ، وبعثه مخفوراً مع كوكبة من أعلام المجاهدين في الإسلام إلى أخيه في الجريمة معاوية بن

ـــــــــــــــــــــ
(1) روح الإسلام / 296 .

الصفحة (109)

هند ، فصدرت الأوامر منه بإعدامهم في (مرج عذراء) ، ونفّذ الجلاّدون فيهم حكم الإعدام ، فخرّت جثثهم الزواكي على الأرض وهي معطّرة بدم الشهادة والكرامة ، تضيء للناس معالم الطريق نحو حياة حرّة كريمة لا سيادة فيها للظالمين والمستبدّين .

2 ـ عمرو بن الحمق

ومن شهداء الإسلام الخالدين عمرو بن الحمق الخزاعي الصحابي الجليل ، كان أثيراً عند النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، وقد دعا له بأن يمتّعه الله بشبابه ، فاستجاب الله دعاءه ، فقد أخذ عمرو بعنق الثمانين عاماً ولم ترَ في كريمته شعرة بيضاء(1) .

وقد وعى عمرو القيم الإسلاميّة ، وآمن بها إيماناً عميقاً ، وجاهد في سبيلها كأعظم ما يكون الجهاد ، ولمّا ولي الجلاّد زياد بن أبيه على الكوفة من قبل أخيه اللاشرعي معاوية ، أوعز إلى مباحثه وجلاوزته بملاحقة عمرو ومطاردته ؛ لأنّه من أعلام شيعة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) .

وفرّ عمرو مع زميله رفاعة بن شداد إلى الموصل ، وقبل أن ينتهيا إليها كمنا في جبل ليستجمّا فيه ، فشعرت بهما الشرطة المقيمة هناك فارتابت منهما ، فألقت القبض على عمرو وفرّ صاحبه ، وجاءت الشرطة بعمرو مخفوراً إلى عبد الرحمن الثقفي حاكم الموصل ، فرفع أمره إلى معاوية ، فأمر بطعنه تسع طعنات بمشاقص(2) فبادرت الجلاوزة إلى طعنه ، فمات في الطعنة الأُولى ، واحتزّوا رأسه ، فأمر أن يُطاف به في دمشق ، وهو أوّل رأس طيف به في الإسلام ، ثمّ

ـــــــــــــــــــــ
(1) الإصابة 2 / 526 .
(2) المشاقص : جمع مفرده مشقص ، النصل العريض ، أو سهم فيه نصل عريض .

الصفحة (110)

أمر به ابن هند أن يحمل إلى زوجته السيّدة آمنة بنت شريد وكانت في سجنه ، فلم تشعر إلاّ ورأس زوجها في حجرها فذعرت وكادت أن تموت ، ثمّ حملت إلى معاوية ، وجرت بينها وبينه محاورة شديدة دلّت على مسخ معاوية وتجرّده من جميع القيم الإنسانية ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في كتابنا (حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) ) .

3 ـ رشيد الهجري

رشيد الهجري , علم من أعلام الإسلام ، وقطب من أقطاب الإيمان ، وقد أخلص كأشدّ ما يكون الإخلاص إلى وصيّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وقد اعتقلته جلاوزة ابن زياد وجاءت به مخفوراً إليه ، فلمّا مثل عنده صاح به الباغي الأثيم : ما قال لك خليلك ـ يعني الإمام عليّاً ـ إنّا فاعلون بك ؟

فأجابه بصدق وإيمان غير حافل به : تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني .

فأراد الخبيث الدنس أن يكذّب الإمام (عليه السّلام) , فقال : أما والله لأكذبنّ حديثه ؛ خلّوا سبيله .

فخلّت الجلاوزة سبيله ، لكنّه لم يلبث إلاّ قليلاً حتّى ندم على ذلك فأمر بإحضاره ، فلمّا مثل عنده صاح به : لا نجد شيئاً أصلح ممّا قال صاحبك , إنّك لا تزال تبغي لنا سوءاً إن بقيت ، اقطعوا يديه ورجليه .

وبادرت الجلاوزة فقطعت يديه ورجليه ، ولم يحفل هذا العملاق العظيم بما كان يعانيه من الآلام ، وراح يذكر مساوئَ بني أميّة وجورهم ,


الصفحة (111)

ويحفّز الجماهير على الثورة عليهم . وأسرعت الجلاوزة إلى زياد فأخبروه بالأمر , فأمرهم بقطع لسانه ، فقطع وتوفي في الحال .

هذا المجاهد العظيم(1) الذي نافح عن عقيدته وولائه لأهل البيت (عليهم السّلام) حتّى النفس الأخير من حياته .

هؤلاء بعض أعلام الإسلام الذين صفّاهم ابن هند جسديّاً ؛ لأنّهم كانوا ينشرون القيم الإسلاميّة ، ويذيعون بين الناس فضائل أهل البيت (عليهم السّلام) الذين هم مصدر الوعي والفكر في الإسلام .

مناهضة أهل البيت (عليهم السّلام)

ولمّا استتبّ الأمر إلى معاوية سخّر جميع أجهزة دولته ، ووسائل إعلامه لمناهضة أهل البيت (عليهم السّلام) الذين هم وديعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أمّته ، والعصب الحسّاس في هذه الأمّة .

وقد استخدم هذا الذئب الجاهلي أخطر الوسائل في مناهضتهم ، ومن بين ما قام به :

1 ـ افتعال الأخبار ضدّهم

وأقام معاوية شبكة من عملائه لوضع الأخبار وافتعالها على لسان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) للحطّ من شأن أهل بيته ، والتقليل من أهمّيتهم ، وقد عمد الوضّاعون لافتعال الأخبار تارة في فضل الصحابة ؛ لجعلهم قبال العترة الطاهرة .

وقد عدّ الإمام الأعظم محمد الباقر (عليه السّلام) أكثر من مئة حديث افتعلت لهذا الغرض ، كما افتعلوا طائفة من الأخبار في ذمّ أهل البيت (عليهم السّلام) ، كما وضعوا أحاديث أخرى في مدح الاُمويِّين ، وخلق الفضائل

ـــــــــــــــــــــ
(1) سفينة البحار 1 / 522 .

الصفحة (112)

لهم ، وهم الذين ناجزوا الإسلام في جميع مراحل تأريخهم .

ولم تقتصر الشبكة التخريبية على ذلك ، وإنّما عمدت لافتعال الأخبار فيما يتعلّق بأحكام الشريعة الإسلاميّة . ومن المؤسف جدّاً أنّها دوّنت في الصحاح والسنن ، وجعلت جزءاً من الشريعة الإسلاميّة ، ولم يلتفت المؤلّفون إلى وضعها ، وقد تصدّى بعض المحقّقين إلى تأليف بعض الكتب ، ذكروا فيها بعض الأخبار الموضوعة .

فقد ألّف المحقّق السيوطي كتابه الشهير (اللآلي المصنوعة في الأخبار الموضوعة) ذكر فيه طائفة كبيرة من تلك الموضوعات ، وقد سجّل المحقق الأميني في (الغدير) أرقاماً لبعض الأخبار الموضوعة بلغت زهاء نصف مليون حديث .

وعلى أيّ حال ، فإنّ من أعظم ما مُني به الإسلام من الكوارث هي الأخبار الموضوعة التي شوّهت الواقع المشرق للإسلام ، وألقت المسلمين في شرّ عظيم ، فقد حجبتهم عن أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) وما أُثر عنهم من الأخبار الصحيحة التي هي من ذخائر الإسلام .

2 ـ سبّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام)

وأعلن معاوية رسمياً سبّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وأوعز إلى ولاته وعمّاله أن يذيعوا ذلك بين المسلمين ، واعتبره عنصراً أساسياً في بناء دولته ، وإقامة حكومته ، وأخذ الأذناب والعملاء ، ووعّاظ السلاطين يصعّدون سبّ الإمام وينتقصونه لا في نواديهم الخاصّة والعامّة فحسب ، وإنّما في خطب صلاة الجمعة ، وسائر المناسبات الدينية ، معتقدين أنّ ذلك ممّا يوجب القضاء على شخصية الإمام ، واندثار ذكره .

وقد خابت ظنونهم ، وتبّت أيديهم ، فقد عادت اللعنات عليهم وعلى مَنْ ولاّهم ومكّنهم من


الصفحة (113)

رقاب المسلمين ، فقد برز الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) على مسرح التأريخ البشري كألمع قائد إنساني أسّس معالم العدالة الاجتماعية ، وأقام أركان الحقّ في الأرض .

لقد عاد الإمام في جميع الأعراف الدولية والسياسية أعظم حاكم ظهر في الشرق ، وأوّل حاكم قد تبنّى حقوق المظلومين والمضطهدين ، وأعلن حقوق الإنسان . وأمّا خصومه الحقراء فهم أقزام البشرية ، وأشرار خلق الله ، فقد جنوا على الإنسانية جناية لا تعدلها أية جناية ، فقد حجبوا هذا العملاق العظيم أن يقوم بدوره في بناء الحضارة الإنسانية ، وتطوير الحياة العامّة في جميع مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .

3 ـ استخدام معاهد التعليم

واستخدم معاوية معاهد التعليم وأجهزة الكتاتيب لتغذية النشء ببغض أهل البيت (عليهم السّلام) الذين هم المركز الحسّاس في الإسلام ، وغذّت هذه الأجهزة الناشئة المسلمة ببغض عترة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وذريته ، ولم يكن ذلك إلاّ إجراءً مؤقّتاً .

فقد عكس الله إرادته ، وخيّب آماله ، فها هو الإمام أمير المؤمنين ملء فم الدنيا ، قد استوعب ذكره المعطّر جميع لغات الأرض ، وهو أنشودة الأحرار في كلّ زمان ومكان ، والكوكب اللامع في سماء الشرق يهتدي بضوئه المصلحون ، ويسير على منهجه المتّقون ، وها هو معاوية وبنو أميّة قد صاروا جرثومة الفساد في الأرض ، ولا يذكرون إلاّ مع الخسران وسوء المصير .

لقد هزم معاوية في الميدان السياسي والاجتماعي ، وأبرزت مخطّطاته السياسية المناهضة لأهل البيت (عليهم السّلام) واقعه النفسي الملّوث بالجرائم والآثام


الصفحة (114)

واستبان للجميع أنّه أحطّ حاكم ظهر في الشرق العربي والإسلامي .

إشاعة الظلم

وأشاع معاوية الظلم والجور في جميع أنحاء العالم الإسلامي ؛ فقد سلّط على المسلمين ولاة إرهابيين ، قد نُزعت الرحمة من قلوبهم ، فأسرفوا باقتراف الجرائم والإساءة إلى الناس .

وكان من أشدّهم قسوة وأكثرهم جرماً الإرهابي زياد بن أبيه ؛ فقد صبّ على العراق وابلاً من العذاب الأليم ، فكان يسوق المتّهمين إلى ساحات الموت والإعدام من دون إجراء أيّ تحقيق معهم ؛ فقد كان يحكم بالظنّة والتهمة كما أعلن ذلك في بعض خطبه ، ولم يتحرّج من سفك الدماء بغير حقّ ، ولم يتأثّم في نشر الرعب والخوف بين الناس ، فكان كأخيه اللاشرعي معاوية قد انتهك جميع حرمات الله .

لقد عجّت البلاد الإسلاميّة من الظلم والجور حتّى قال القائل : إن نجا سعد فقد هلك سعيد . وكان من أشدّ الناس بلاءً وأعظمهم محنة شيعة أهل البيت (عليهم السّلام) ؛ فقد أمعنت السلطة في ظلمهم والاعتداء عليهم ، فزجّت الكثير منهم في ظلمات السجون وزنزانات التعذيب ، وسملت منهم الأعين ، وأذاقتهم جميع صنوف التعذيب ، لا لذنب اقترفوه وإنّما لولائهم لأهل البيت (عليهم السّلام) .

وقد شاهد أبو الفضل (عليه السّلام) الصور المفجعة من الاضطهاد والتنكيل التي حلّت بشيعة أهل البيت (عليهم السّلام) ، ممّا زاده ذلك إيماناً بضرورة الجهاد ، والقيام بثورة ضدّ السلطة الاُمويّة لإنقاذ الأمّة من محنتها ، وإعادة الحياة الإسلاميّة بين المسلمين .


الصفحة (115)

منح الخلافة ليزيد

واقترف معاوية أخطر جريمة في الإسلام فقد منح الخلافة الإسلاميّة إلى ولده يزيد الذي كان ـ فيما أجمع عليه المؤرّخون ـ مجرداً من جميع القيم الإنسانية ، وغارقاً في الآثام والجرائم ، وكان جاهلياً بما تحمل هذه الكلمة من معنى .

فلم يؤمن بالله ولا باليوم الآخر كما أعلن ذلك فيما أثر عنه من شعر ، فقد قال حينما أشرفت سبايا آل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على دمشق :

نعبَ الغرابُ فقلتُ صح أو لا تصحْ      فـلقد  قـضيتُ مـن النبيِّ ديوني

نعم ، لقد استوفى ديون الاُمويِّين من ابن فاتح مكّة ، فقد قتل أبناءه وسبى ذراريه ، وقال مرّة أُخرى :

لستُ من خندفَ إن لم انتقمْ      من  بني أحمدَ ما كانَ فعلْ

هذا هو يزيد في إلحاده ومروقه من الدين ، وقد سلّطه معاوية على رقاب المسلمين فأمعن في إعادة الحياة الجاهلية ، وإزالة الإسلام فكراً وعقيدة من الصعيد الاجتماعي ، كما أخلد للمسلمين المحن والكوارث ، وذلك بإبادته لعترة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، وسبيه لذراريه .

اغتيال الشخصيات الإسلاميّة

وأقدم معاوية على اغتيال الشخصيّات الإسلاميّة التي لها مكانة مرموقة في العالم الإسلامي ، والتي تحظى باحترام بالغ في نفوس المسلمين ، حتّى لا يزاحم أحد منهم ولده يزيد ، ولا تتّجه إليهم الأنظار .


الصفحة (116)

وفعلاً قام باغتيال هؤلاء ، وهم :

1 ـ سعد بن أبي وقاص

أمّا سعد بن أبي وقاص فهو فاتح العراق ، وأحد أعضاء الشورى الذين رشّحهم عمر إلى الخلافة الإسلاميّة ، وقد ثقل وجوده على معاوية فدسّ إليه سمّاً فقتله(1) .

2 ـ عبد الرحمن بن خالد

أمّا عبد الرحمن بن خالد فكان له رصيد شعبي في أوساط أهل الشام ، وقد استشارهم معاوية فيمَنْ يعقد له البيعة بعد وفاته فأشاروا عليه بعبد الرحمن ، فأسرّها معاوية في نفسه ، وأضمر له السوء ، ومرض عبد الرحمن فأوعز معاوية إلى طبيب يهودي أن يعالجه ، ويسقيه سمّاً ، فسقاه السمّ فمات على أثر ذلك(2) .

3 ـ عبد الرحمن بن أبي بكر

كان عبد الرحمن بن أبي بكر من أبرز العناصر المعارضة لمعاوية في أخذه البيعة ليزيد ، وقد أعلن معارضته له ، وأُشيع ذلك في يثرب ودمشق ، وقدّم له معاوية رشوة لينال رضاه ، وكانت مئة ألف درهم فأبى أن يقبلها ، وقال: لا أبيع ديني بدنياي ، وتعزو بعض المصادر أنّ معاوية دسّ له سمّاً فقتله(3) .

ـــــــــــــــــــــ
(1) مقاتل الطالبيِّين / 29 .
(2) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 216 .
(3) المصدر نفسه .

الصفحة (117)

4 ـ الإمام الحسن (عليه السّلام)

وأقضّ الإمام الحسن (عليه السّلام) مضجع ابن هند ، وراح يطيل التفكير للتخلّص منه ؛ لأنّه قد شرط عليه في بنود الصلح أن ترجع إليه الخلافة بعد هلاكه ، واستعرض معاوية حاشية الإمام وخاصّته ليشتري ضمائرهم بأمواله لاغتيال الإمام ، فلم يقع نظره على أحد سوى الخائنة جعدة بنت الأشعث زوجة الإمام ، فهي من أسرة لم تنجب شريفاً قطّ ، ولم يؤمن أيّ فرد منها بالقيم الإنسانية ، وأوعز معاوية إلى مروان بن الحكم عامله على يثرب فاتّصل بها ، وقدّم لها الأموال ، ومنّاها بزواج يزيد ، فاستجابت نفسها الخبيثة لاقتراف الجريمة ، فناولها سمّاً فاتكاً ، فأخذته ودسّته للإمام (عليه السّلام) وكان صائماً .

ولمّا وصل إلى جوفه تقطّعت أمعاؤه ، فالتفت إلى الخبيثة فقال لها : (( قتلتيني قتلك الله ! والله لا تصيبنّ منّي خلفاً ، لقد غرّك ـ يعني معاوية ـ وسخر منك ، يخزيك الله ويخزيه )) .

وأخذ سبط النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وريحانته يعاني آلاماً قاسية من شدّة السمّ ، فقد تفاعل مع أجزاء بدنه ، وقد ذبلت نضارته ، واصفّر لونه ، وكان يلهج بذكر الله وتلاوة كتابه حتّى ارتفعت روحه العظيمة إلى بارئها تحفّها ملائكة الرحمن وأرواح الأنبياء .

لقد وافاه الأجل المحتوم ، ونفسه العظيمة مترعة بالمصائب من ابن


الصفحة (118)

هند الذي جهد في ظلمه ، وصبّ عليه ألواناً قاسية من المحن والكوارث فسلب منه الخلافة ، وتتبع شيعة أبيه قتلاً وسجناً ، وأسمعه سبّه ، وسبّ أبيه ، وأخيراً سقاه السمّ فقطّع أحشاءه .

تجهيزه (عليه السّلام)

وقام سيّد الشهداء (صلّى الله عليه وآله) بتجهيز جثمان أخيه فغسّل جسده الطاهر ، وحمله المشيّعون ، وفي طليعتهم العلويون ، وهم يذرفون أحرّ الدموع على فقيدهم العظيم ، وجاؤوا به إلى المرقد النبوي ليواروه بجواره .

فتنة الاُمويِّين

ولمّا جيء بالجثمان المقدّس إلى قبر الرسول (صلّى الله عليه وآله) ليوارى إلى جنبه ثار الاُمويّون وعلى رأسهم الوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم ، فرفعوا أصواتهم أمام المشيّعين : أيدفن الحسن بجوار جدّه ويدفن عثمان بأقصى المدينة ! لا كان ذلك أبداً .

واشتدّوا كالكلاب نحو السيّدة عائشة ، وقد عرفوا انحرافها عن أهل البيت (عليهم السّلام) , فأثاروا حفيظتها قائلين : لئن دُفن الحسن بجوار جدّه ليذهبنّ فخر أبيك وصاحبه .

فوثبت وهي مغيظة محنقة تشقّ الجماهير ، وقد رفعت عقيرتها قائلة : لئن دُفن الحسن بجوار جدّه لتجز هذه ـ وأومأت إلى ناصيتها ـ , والتفتت إلى المشيّعين قائلة : لا تدخلوا بيتي مَنْ لا اُحبّ .

وقد أعربت بذلك عن كوامن حقدها على آل البيت (عليهم السّلام) .


الصفحة (119)

ويتساءل السائلون : من أين جاء لها البيت ؟ ألم يروِ أبوها عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضّة ؟ فبيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ـ حسب هذه الرواية ـ كبيت من بيوت الله لا يملكه أحد ، وإنّما هو لجميع المسلمين ، وعلى هذا فكيف سمحت لأبيها وصاحبه أن يدفنا فيه ؟ وإذا لم تعمل عائشة بهذه الرواية ، وإنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كبقيّة الأنبياء يرثه ذرّيته ، فالإمام الحسن (عليه السّلام) هو الذي يرثه ؛ لأنّه سبطه . أمّا أزواج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فلا يرثن من البيت ، وإنّما يرثن من البناء حسبما ذكر الفقهاء .

وعلى أيّ حال ، فقد تمادى الاُمويّون بالشرّ ، وظهرت خفايا نفوسهم المنطوية على الحقد والعداء لآل البيت (عليهم السّلام) ، فقد أوعزوا إلى عملائهم برمي جنازة الإمام (عليه السّلام) ، فرموها بقسيّهم وسهامهم ، وكادت الحرب أن تقع بين الهاشميين والاُمويِّين ، فقد أسرع أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) إلى مناجزة الاُمويِّين وتمزيقهم ، فمنعه أخوه الإمام الحسين (عليه السّلام) من القيام بأيّ عمل امتثالاً لوصيّة أخيه ، فقد أوصاه بأن لا يهراق في أمره ملء محجمة من دم .

وجيء بالجثمان الطاهر إلى بقيع الغرقد فواروه فيه ، وقد واروا معه الحلم والشرف والفضيلة ، وقد انطوت بذلك أروع صفحة مشرقة من صفحات النبوّة والإمامة .

لقد شاهد أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) الأحداث المروعة التي حلّت بأخيه الإمام أبي محمد (عليه السّلام) فزهّدته في الحياة ، وكرهت له العيش ، وحبّبت له الثورة والجهاد في سبيل الله .

معارضة الإمام الحسين (عليه السّلام) لمعاوية

ولمّا تمادى معاوية في سياسته الملتوية المناهضة لمصالح المسلمين


الصفحة (120)

والمعادية لأهدافهم ، قام أبو الأحرار الإمام الحسين (عليه السّلام) بالإنكار على معاوية ، وأخذ يعمل بشكل مكثّف إلى فضح معاوية ، ويدعو المسلمين إلى الانتفاضة والثورة على حكومته ، ونقلت أجهزة الأمن والمباحث في يثرب إلى معاوية هذه النشاطات السياسية المناهضة لحكومته ففزع من ذلك أشدّ الفزع ، ورفع إليه مذكّرة شديدة اللهجة يطلب فيها الكفّ عن معارضته ، وهدّده باتّخاذ الإجراءات القاسية ضدّه إن لم يستجب له .

فأجابه أبو الأحرار بجواب شديد اللهجة ، وضعه فيه على طاولة التشريح ، ونعى عليه سياسته الظالمة التي تفجّرت بكلّ ما خالف كتاب الله وسنّة نبيّه ، وندّد بما اقترفه من ظلم تجاه الأحرار والمصلحين ، أمثال : حجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي ، ورشيد الهجري ، وغيرهم من أعلام الفكر في الوطن الإسلامي .

إنّ جواب الإمام أبي الشهداء من ألمع الوثائق السياسية ، فقد وضع الإمام فيها النقاط على الحروف ، وعرض بصورة مفصّلة الأحداث الرهيبة التي جرت أيام حكومة معاوية ، كما حدّد فيها موقفه المتّسم بالثورة على حكومة معاوية(1) .

مؤتمر الإمام الحسين (عليه السّلام) في مكّة

وعقد الإمام أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) مؤتمراً سياسياً في مكّة المكرّمة حضره جمهور غفير من المهاجرين والأنصار والتابعين ممّن شهدوا موسم الحجّ ، فقام فيهم خطيباً ، وتحدّث ببليغ بيانه عمّا ألمّ بهم وبشيعتهم من ضروب المحن والبلاء في عهد الطاغية معاوية .

وقد روى سليم بن قيس

ـــــــــــــــــــــ
(1) نصّ الرسالة ذكرها ابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1 / 189 ، والكشي في رجاله .

الصفحة (121)

قطعة من خطابه جاء فيه بعد حمد الله والثناء عليه : (( أمّا بعد ، فإنّ هذا الطاغية ـ يعني معاوية ـ قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتهم وشهدتم ، وإنّي أريد أن أسألكم عن شيء ، فإن صدقت فصدّقوني ، وإن كذبت فكذّبوني . اسمعوا مقالتي واكتبوا قولي ، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم ، فمَنْ أمنتم من الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقنا ؛ فإنّي أتخوّف أن يدرس هذا الأمر ويغلب ، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون )) .

ويقول سُليم بن قيس : وما ترك الحسين (عليه السّلام) شيئاً ممّا أنزله الله فيهم من القرآن إلاّ تلاه وفسّره ، ولا شيئاً ممّا قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أبيه وأخيه وفي نفسه وأهل بيته (عليهم السّلام) إلاّ رواه ، وفي كلّ ذلك يقول أصحابه : اللّهمّ نعم قد سمعنا وشهدنا ، ويقول التابعي : اللّهمّ قد حدّثني به مَنْ أصدقه وأئتمنه من الصحابة . فقال (عليه السّلام) : (( أنشدكم الله إلاّ حدّثتم به مَنْ تثقّون به وبدينه ))(1) .

وكان هذا أوّل مؤتمر سياسي عرفه المسلمون في ذلك الوقت ، فقد شجب فيه الإمام سياسة معاوية الهادفة إلى حجب المسلمين عن أهل البيت (عليهم السّلام) وستر فضائلهم ، وقد دعا الإمام حضّار ذلك المؤتمر إلى إشاعة مآثرهم وإذاعة مناقبهم ، وما ورد في حقّهم من النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ؛ ليعرف المسلمون النوايا الشريرة التي يبيّتها معاوية ضدّ أهل البيت (عليهم السّلام) الذين هم العصب في جسم الأمّة الإسلاميّة .

هلاك معاوية

واستقبل معاوية الموت ، ونفسه قلقة ومضطربة ممّا اقترفه من

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 228 ـ 229 .

الصفحة (122)

الأحداث الجسام التي باعدت بينه وبين الله ، فكان يقول متبرّماً : ويلي من ابن الأدبر ! ـ يعني حجر بن عدي ـ إنّ يومي منه لطويل .

نعم ، إنّ يومه لطويل ، وإنّ حسابه لعسير أمام الله لا في حجر فقط ، وإنّما لدماء المسلمين التي سفكها بغير حقّ ؛ فقد قتل عشرات الآلاف من المسلمين ، وأشاع في بيوتهم الثّكل والحزن والحداد ، وهو الذي حارب دولة الإسلام ، وأقام الدولة الاُمويّة التي اتّخذت مال الله دولاً وعباد الله خولاً .

وهو الذي سلّط على المسلمين عصابة من أشرار خلق الله ، أمثال : زياد بن أبيه الذي أمعن في إذلال المسلمين وظلمهم بغير حقّ ، وهو الذي استخلف من بعده ولده يزيد صاحب الأحداث والموبقات في الإسلام ، وشبيه جدّه أبي سفيان في اتجاهاته وميوله المعادية لله ولرسوله .

وهو الذي دسّ السمّ إلى ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسبطه الإمام الزكي أبي محمد (عليه السّلام) ، وهو الذي أعلن سبّ أهل البيت (عليهم السّلام) على المنابر ، وجعل ذلك جزءاً من حياة المسلمين العقائدية إلى غير ذلك من الموبقات التي اقترفها ، والتي تجعل حسابه شاقّاً وعسيراً أمام الله .

وعلى أيّ حال ، فقد هلك معاوية فأهون به هالكاً ومفقوداً , فقد انكسر باب الجور ، وتضعضعت أركان الظلم كما أبّنه بذلك الزعيم العراقي الكبير يزيد بن مسعود النهشلي . أمّا خليفته وولي عهده يزيد فلم يكن حاضراً عند وفاته ، وإنّما كان مشغولاً برحلات الصيد ، وعربدات السكر ، ونغمة العيدان .

وبهذا ينتهي بنا الحديث عن حكومة معاوية التي هي أثقل كابوس مرّ على العالم الإسلامي في ذلك العصر ، وقد شاهد سيّدنا أبو الفضل العباس (عليه السّلام) المآسي الرهيبة التي دهمت المسلمين في ظلال هذا الحكم .


الصفحة (123)

مَعَ الثورة الحُسيْنيّة


الصفحة (124)


الصفحة (125)

ورافق أبو الفضل العباس (عليه السّلام) الثورة الإسلاميّة الكبرى التي فجّرها أخوه أبو الأحرار وسيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السّلام) ، تلك الثورة العملاقة التي كانت من أهمّ الثورات العالمية ، ومن أكثرها عطاءً لشعوب الأرض ، فقد غيّرت مجرى التاريخ ، وهزّت العالم بأسره ، وحرّرت الإنسان المسلم ، ودفعت القطعات الشعبية من المسلمين إلى التمرّد على الظلم ، ومناهضة الجور والطغيان .

وقد ساهم قمر بني هاشم وفخر عدنان في هذه الثورة المباركة مساهمة إيجابية وفعّالة ، وشارك أخاه الحسين في جميع فصولها ، وقد وعى جميع أهدافها وما تنشده من خير ورحمة للشعوب المحرومة والمضطهدة ، فآمن بها إيماناً مطلقاً .

لقد كان العبّاس أهمّ عضو بارز في هذه الثورة المشرقة ، وقد لازم أخاه ممتثلاً لأمره ، منفّذاً لرغباته ، شادّاً لعضده ، مؤمناً بقوله ، مصدقاً لمبادئه ، لم يفارقه في مسيرته الخالدة من يثرب إلى مكّة ، ثمّ إلى أرض الكرامة والشهادة ، ففي كلّ موقف من ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) كان العبّاس معه وشريكاً له .

ونتحدّث عن بعض الفصول التأريخيّة لهذه الثورة العظمى التي كان العباس العلم البارز فيها .


الصفحة (126)

رفض الإمام الحسين (عليه السّلام) لبيعة يزيد

وأعلن الإمام الحسين (عليه السّلام) رسميّاً رفضه الكامل لبيعة يزيد ، وذلك حينما استدعاه حاكم المدينة الوليد بن عقبة في غلس الليل ، وقد فهم الإمام ما أراد منه ، فاستدعى عضده وأخاه أبا الفضل العبّاس وسائر الفتية من أهل بيته ليقوموا بحمايته ، وأمرهم بالجلوس في خارج الدار فإذا سمعوا صوته قد علا فعليهم أن يقتحموا الدار لإنقاذه .

ودخل الإمام على الوليد فاستقبله بحفاوة وتكريم ، ثمّ نعى إليه هلاك معاوية ، وما أمره به يزيد من أخذ البيعة من أهل المدينة عامّة ومن الحسين خاصّة ، فاستمهله الإمام حتّى الصبح ليجتمع الناس ، وقد أراد أن يعلن أمامهم رفضه الكامل لبيعة يزيد ، ويدعوهم إلى التمرّد على حكومته ، وكان مروان بن الحكم الذي هو من رؤوس المنافقين ، ومن أعمدة الباطل حاضراً ، فاندفع لإشعال نار الفتنة ، فصاح بالوليد : لئن فارقك الساعة ، ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه ، أحبسه فإن بايع وإلاّ ضربت عنقه .

ووثب أبيّ الضيم في وجه مروان ، فقال محتقراً له : (( يابن الزرقاء ، أأنت تقتلني أم هو ؟ كذبت والله ولؤمت )) . ثمّ التفت أبو الأحرار إلى الوليد فأخبره عن عزمه وتصميمه في رفضه لبيعة يزيد قائلاً : (( أيّها الأمير ، إنّا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومحلّ الرحمة ، بنا فتح الله ، وبنا يختم ، ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، قاتل النفس المحرّمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع


الصفحة (127)

مثله ، ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة ))(1) .

لقد أعلن الإمام رفضه لبيعة يزيد في بيت الإمارة ورواق السلطة ، وهو غير حافل بالحكم القائم ، فقد وطّن نفسه على التضحية والفداء ؛ لينقذ المسلمين من حكم إرهابي عنيف يستهدف إذلالهم ، وإرغامهم على ما يكرهون .

لقد كان أبو الأحرار عالماً بفسق يزيد وفجوره ومروقه من الدين ، ولو أقرّ لحكومته لساق المسلمين إلى الذلّ والعبودية ، وعصف بالعقيدة الإسلاميّة في متاهات سحيقة من مجاهل هذه الحياة ، ولكنّه سلام الله عليه صمد في وجه الأعاصير هازئاً من الحياة ، ساخراً من الموت ، فبنى للمسلمين عزّاً شامخاً ، ومجداً رفيعاً ، ورفع كلمة الإسلام عالية في الأرض .

إلى مكّة المكرّمة

وصمّم أبو الأحرار على مغادرة يثرب ، والتوجّه إلى مكّة المكرّمة ؛ ليتّخذ منها مقرّاً لبثّ دعوته ، ونشر أهداف ثورته ، ويدعو المسلمين إلى الانتفاضة على الحكم الأموي الذي يمثّل الجاهلية بجميع أبعادها الشريرة .

وقبل أن يتوجّه إلى مكّة خفّ إلى قبر جدّه (صلّى الله عليه وآله) وهو حزين قد أحاطت به الأزمات فشكى إليه ما ألمّ به من المحن والبلوى ، ثمّ توجّه إلى قبر سيّدة النساء أمّه الزكيّة فألقى عليها نظرات الوداع الأخير ، وزار بعد ذلك قبر أخيه الزكيّ أبي محمد (عليه السّلام) ، ثمّ توجّه مع جميع أفراد عائلته إلى مكّة التي هي

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 255 .

الصفحة (128)

حرم الله ؛ ليعوذ ببيتها الحرام الذي فرض الله فيه الأمن لجميع عباده . وكان أخوه أبو الفضل إلى جانبه قد نشر رايته ترفرف على رأسه ، وقد تولّى جميع شؤونه وشؤون عائلته ، وقام خير قيام بما يحتاجون إليه .

وسلك أبو الأحرار في مسيره الطريق العام ، فأشار عليه بعض مَنْ كان معه بأن يحيد عنه ـ كما فعل ابن الزبير ـ مخافة أن يدركه الطلب من السلطة ، فأجابه بكلّ شجاعة وثقة في النفس : (( لا والله , ما فارقت هذا الطريق أو أنظر إلى أبيات مكة حتّى يقضي الله في ذلك ما يحبّ ويرضى )) .

وانتهى ركب الإمام إلى مكّة ليلة الجمعة لثلاث ليال مضين من شعبان ، وحطّ رحله في دار العبّاس بن عبد المطلب ، وقد احتفى به المكّيون خير احتفاء ، وجعلوا يختلفون إليه بكرة وعشية ، وهم يسألونه عن أحكام دينهم ، وأحاديث نبيّهم ، كما توافد لزيارته القادمون إلى بيت الله الحرام من الحجّاج والمعتمرين من سائر الآفاق ، ولم يترك الإمام (عليه السّلام) لحظة تمرّ من دون أن يبثّ الوعي الديني والسياسي في نفوس زائريه من المكيّين وغيرهم ، ويدعوهم إلى التمرّد على الحكم الأموي الذي عمد على إذلالهم وعبوديتهم .

فزع السلطة بمكّة

وفزعت السلطة المحلّية بمكة من قدوم الإمام إليها ، واتّخاذها مقرّاً لدعوته ، ومركزاً لإعلان ثورته ، وكان حاكم مكّة الطاغية عمرو بن سعيد الأشدق ، فقد رأى بنفسه تزاحم المسلمين على الإمام ، وسمع ما يقولونه إنّ الإمام أولى بالخلافة الإسلاميّة وأحقّ بها من آل أبي سفيان الذين لا

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث