العباس بن علي عليهما السلام

 
 

الصفحة (184)

يوم عاشوراء

وليس مثل يوم العاشر من المحرّم في مآسيه وكآبته وكوارثه ، فلم تبقَ محنة من محن الدنيا ، ولا فاجعة من فواجع الدهر إلاّ جرت على ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فلا يوم مثل ذلك اليوم الخالد في دنيا الأحزان .

دعاء الإمام (عليه السّلام)

وخرج أبو الأحرار من خبائه فرأى البيداء قد مُلئت خيلاً ورجالاً ، وقد شهر اُولئك البغاة اللئام سيوفهم لإراقة دمه ، ودماء الصفوة البررة من أهل بيته وأصحابه ؛ لينالوا الأجر الزهيد من الإرهابي المجرم ابن مرجانة .

ودعا الإمام (عليه السّلام) بمصحف فنشره على رأسه ، ورفع يديه بالدعاء إلى الله قائلاً : (( اللّهمّ أنت ثقتي في كلّ كرب ، ورجائي في كلّ شدة ، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة . كم من همّ يضعف فيه الفؤاد ، وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدوّ ، أنزلته بك وشكوته إليك ؛ رغبة منّي إليك عمّن سواك ، ففرّجته وكشفته وكفيته ،


الصفحة (185)

فأنت وليّ كلّ نعمة ، وصاحب كلّ حسنة ، ومنتهى كلّ رغبة ))(1) .

لقد أناب الإمام إلى الله وأخلص له ، فهو وليّه ، والملجأ الذي يلجأ إليه في كلّ نائبة نزلت به .

خطبة الإمام (عليه السّلام)

ورأى الإمام (عليه السّلام) أن يقيم الحجّة البالغة على اُولئك الوحوش قبل أن يقدموا على اقتراف الجريمة ، فدعا براحلته فركبها واتّجه نحوهم ، فخطب فيهم خطابه التاريخي الحافل بالمواعظ والحجج ، فقد نادى بصوت عال يسمعه جلّهم : (( أيّها الناس ، اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما هو حقّ لكم عليّ ، وحتّى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم ، فإن قبلتم عذري وصدّقتم قولي وأعطيتموني النصف ، كنتم بذلك أسعد ، ولم يكن لكم عليَّ سبيل ، وإن لم تقبلوا منّي العذر ، ولم تعطوا النصف من أنفسكم ، فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة ، ثمّ امضوا إليَّ ولا تُنظرون , إنّ وليي الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين )) .

وحمل الأثير هذه الكلمات إلى السيدات من عقائل النبوّة ، ومخدّرات الرسالة فتصارخن بالبكاء ، فبعث إليهنّ أخاه العباس وابنه عليّاً ، وقال لهما : (( سكّتاهنّ ، فلعمري ليكثر بكاؤهنّ )) .

ولمّا سكتن استرسل في خطابه

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 14 .

الصفحة (186)

فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعلى الملائكة والأنبياء ، وقال في ذلك ما لا يحصى ذكره ، ولم يسمع لا قبله ، ولا بعده أبلغ منه في منطقه(1) .

وكان مما قاله : (( أيّها الناس ، إنّ الله تعالى خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال ، متصرّفة بأهلها حالاً بعد حال ، فالمغرور مَنْ غرّته ، والشقيّ مَنْ فتنته ، فلا تغرنّكم هذه الدنيا ؛ فإنّها تقطع رجاء مَنْ ركن إليها ، وتخيب طمع مَنْ طمع فيها .

وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم ، وأعرض بوجهه الكريم عنكم ، وأحلّ بكم نقمته ، فنعم الربّ ربّنا ، وبئس العبيد أنتم ! أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ إنّكم زحفتم إلى ذرّيته وعترته تريدون قتلهم ، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم ، فتبّاً لكم ولما تريدون ! إنّا لله وإنّا إليه راجعون , هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبُعداً للقوم الظالمين )) .

لقد وعظ الإمام (عليه السّلام) أعداءه بهذه الكلمات التي تمثّل هدي الأنبياء ومحنتهم في أممهم ، لقد حذّرهم من فتنة الدنيا وغرورها ، وأهاب بهم من التورّط في قتل عترة نبيّهم وذريّته ، وإنّهم بذلك يستوجبون العذاب الأليم ، والسخط الدائم .

ثمّ استرسل الإمام الممتحن في خطابه فقال : (( أيّها الناس ، انسبوني مَنْ أنا ، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها ، وانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيّكم ، وابن وصيّه وابن عمّه ، وأوّل المؤمنين بالله ، والمصدّق

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 242 .

الصفحة (187)

لرسوله بما جاء من عند ربّه ؟ أوَ ليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبي ؟ أوَ ليس جعفر الطيّار عمّي ؟ أوَ لم يبلغكم قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لي ولأخي : هذان سيّدا شباب أهل الجنّة ؟

فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ ، والله ما تعمّدت الكذب منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله ، ويضرّ به مَنْ اختلقه ، وإن كذّبتموني فإنّ فيكم مَنْ إذا سألتموه أخبركم ؛ سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبا سعيد الخدري ، وسهل بن سعد الساعدي ، وزيد بن أرقم ، وأنس بن مالك يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لي ولأخي ، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟ )) .

وكان خليقاً بهذا الخطاب المشرق أن يرجع لهم حوازب عقولهم ، ويردّهم عن طغيانهم ؛ فقد وضع الإمام النقاط على الحروف ، ودعاهم إلى التأمّل ولو قليلاً ليمعنوا في شأنه . أليس هو حفيد نبيّهم وابن وصيه , وهو سيّد شباب أهل الجنة كما أعلن ذلك جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؟ وفي ذلك حصانة له من سفك دمه وانتهاك حرمته . ولكن الجيش الأموي لم يعِ هذا المنطق ، فقد خلد إلى الجريمة ، واسودّت ضمائرهم ، وحيل بينهم وبين ذكر الله .

وتصدّى لجواب الإمام شمر بن ذي الجوشن وهو من الممسوخين فقال له : هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول .

وحقاً إنّه لم يعِ ما يقول الإمام ، فقد ران على قلبه الباطل ، وغرق في الإثم ، وقد أجابه حبيب بن مظاهر وهو من أعلام الهدى والصلاح ، فقال له : والله , إنّي لأراك تعبد الله على سبعين حرفاً ، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول ، قد طبع الله على قلبك .


الصفحة (188)

والتفت الإمام إلى قطعات الجيش فخاطبهم : (( فإن كنتم في شكّ من هذا القول ، أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيكم ؟! فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري فيكم ولا في غيركم . ويحكم ! أتطلبونني بقتيل منكم قتلته ، أو مال لكم استهلكته ، أو بقصاص جراحة ؟! )) .

وغدوا حيارى لا يملكون جواباً لردّه ، ثمّ التفت الإمام (عليه السّلام) إلى قادة الجيش الذين دعوه بالقدوم إلى مصرهم فقال لهم : (( يا شبث بن ربعي ، ويا حجّار بن أبجر ، ويا قيس بن الأشعث ، ويا زيد بن الحرث ، ألم تكتبوا إليَّ أن قد أينعت الثمار ، وأخضر الجناب ، وإنّما تقدم على جند لك مجنّدة ؟ )) .

وأنكر اُولئك الخونة كتبهم ، وما عاهدوا عليه الله من نصرهم للإمام ، فقالوا له : لم نفعل ذلك . وبُهر الإمام من ذلك , وراح يقول : (( سبحان الله ! بلى والله لقد فعلتم )) . وأعرض الإمام (عليه السّلام) عنهم ، ووجّه خطابه إلى جميع قطعات الجيش قائلاً : (( أيّها الناس ، إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض )) .

وتصدّى لجوابه قيس بن الأشعث وهو من رؤوس المنافقين ، وقد خلع كلّ شرف وحياء , فقال له : أوَ لا تنزل على حكم بني عمّك ؟ فإنّهم لن يروك إلاّ ما تحبّ ، ولن يصل إليك منهم مكروه .


الصفحة (189)

فردّ عليه الإمام قائلاً : (( أنت أخو أخيك ، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل ؟ لا والله لا اُعطيهم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أفرّ فرار العبيد . عباد الله , إنّي عذت بربّي وربّكم أن ترجمون ، أعوذ بربّي وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب ))(1) .

ومثّلت هذه الكلمات عزّة الأحرار وشرف الأباة ، ولم تنفذ إلى قلوب اُولئك الجفاة الذين غرقوا في الجهل والآثام .

وتكلّم أصحاب الإمام (عليه السّلام) مع معسكر ابن زياد ، وأقاموا عليهم الحجّة ، وذكّروهم بجور الاُمويِّين ، وما أنزلوه بهم من الجور والاستبداد ، ولم تُجدِ معهم النصائح شيئاً ، وراحوا يفخرون بنصرتهم لابن مرجانة وقتالهم لريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .

خطاب آخر للإمام الحسين (عليه السّلام)

وانبرى سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مرّة أخرى إلى إسداء النصيحة إلى الجيش الأموي ؛ مخافة أن يدّعي أحد منهم أنّه غير عارف بالأمر ، فانطلق (عليه السّلام) نحوهم وقد نشر كتاب الله العظيم على رأسه ، واعتمّ بعمامة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وتقلّد لامة حربه ، وكان على هيبة تحكي هيبة الأنبياء والأوصياء ، فقد علت أسارير النور على وجهه الكريم ، فقال : (( تَبّاً لَكُم أَيَّتُهَا الجَماعَةُ وَتَرْحاً ! حينَ اسْتَصْرَخْتُمُونا والِهينَ فَأَصْرَخْناكُمْ مُوجِفينَ(2) سَلَلْتُمْ عَلَيْنا سَيْفاً لَنا في أيمانِكُمْ ، وَحَشَشْتُمْ(3)

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 43 .
(2) موجفين : أي مسرعين إليكم .
(3) حششتم : أي أوقدتم النار .

الصفحة (190)

عَلَيْنا ناراً اقْتَدَحْناها عَلى عَدُوِّنا وَعَدُوِّكُمْ ، فَأَصْبَحْتُمْ أُلَباً(1) لأعْدائِكُمْ عَلى أَوْلِيائِكُمْ بِغَيْرِ عَدْلٍ أَفْشَوْهُ فيكُمُ ، وَلا أَمَلٍ أَصْبَحَ لَكُمْ فيهِمْ .

مَهْلاً ـ لكُمُ الْوَيْلاتُ ـ تَرَكْتُمُونا وَالسَّيْفُ مِشيَمٌ(2) ، وَالْجَأْشُ طامِنُ ، وَالرَّأْي لَمّا يَسْتَحْصِفُ ، وَلكِنْ أَسْرَعْتُم إِلَيْها كَطَيْرَةِ الدَّبا(3) ، وَتَداعَيْتُمْ إِلَيْها كَتَهافَتِ الفَراشِ(4) . فَسُحْقاً لَكُمْ يا عَبيدَ الأُمةِ ، وَشِذّاذَ الأََحْزابِ ، وَنَبَذَةَ الْكِتابِ ، ومُحَرِّفي الْكَلِمَ ، وَعَصَبَةَ الآَثامِ ، وَنَفَثَةَ الشَّيْطانِ ، وَمُطْفِىََ السُّنَنِ ! أَهؤلاءِ تَعْضُدُونَ ، وَعَنّا تَتَخاذَلُونَ ؟! أَجَلْ وَاللهِ ، غَدْرٌ فيكُمُ قَديمٌ وَشَجَتْ إِلَيْهِ أُصُولُكُمْ(5) ، وَتَأَزَّرَتْ عَلَيْهِ فُرُوعُكُمْ(6) ، فَكُنْتُمْ أَخْبَثَ شَجَرٍ ؛ شَجاً لِلنّاظِرِ ، وَأُكْلَةٌ لِلْغاصِبِ .

أَلا وَإِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الَّدعِي قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ ؛ بَيْنَ السِّلَّةِ(7) وَالذِّلَةِ ، وَهَيْهاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ ، يَأْبَى اللهُ لَنا ذلِكَ وَرَسُولُهُ وَالْمُوَْمِنُونَ ، وَحُجُورٌ طابَتْ وَطَهُرَتْ ، وَأُنُوفٌ حِمِيَّةٌ وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ ، مِنْ أَنْ تُؤثِرَ طاعَةَ اللِّئامِ عَلى مَصارِعِ الْكِرامِ .

ـــــــــــــــــــــ
(1) أي قوّة لأعدائكم ، وذلك باجتماعهم .
(2) مشيم : أي السيف في غمده لا يُسل .
(3) الدَّبا (بفتح الدال ، وتخفيف الباء) : الجراد قبل أن يطير .
(4) الفراش : جمع فراشة ، وهي صغار البق تتهافت في النار لضعف بصرها .
(5) وشجت : أي التفت عليه أصولكم .
(6) تأزّرت : أي نبتت عليه فروعكم .
(7) السِّلة (بكسر السين) : استلال السيوف .

الصفحة (191)

أَلا وَإِنّي زاحِفٌ بِهذِهِ الأُسْرَةِ مَعَ قِلَّةِ الْعَدَدِ ، وَخَذْلَةِ النّاصِرِ )) .

ثمّ أَوْصَلَ كَلامَهُ (عليه السّلام) بِأَبْياتِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكِ الْمُرادي :

فَـإِنْ  نَـهْزِمْ فَهَزّامُونَ قِدْماً       وَإِنْ  نُـغْلَبْ فَـغَيْرُ مُغَلِّبينا
وَمـا إِنْ طِبُّنا جُبْنٌ وَلكِنْ        مَـنـايانا وَدَوْلَـة آخَرينا
إِذا مَا الْمَوْتُ رَفَّعَ عَنْ أُناسٍ        كَـلاكِـلَـهُ أَناخَ بِآخِرينا
فَأَفْنى ذلِكُمْ سَرَواتِ قَوْمي        كَـما أَفْنى الْقُرُون الأَوَّلينا
فَـلَوْ خَلُدَ الْمُلُوكُ إِذاً خُلِدْنا        وَلَـوْ بَقِيَ الْكِرامُ إِذاً بَقينا
فَـقُلْ لِـلشّامِتينَ بِنا أَفيقُوا        سَيَلْقىَ  الشّامِتُونَ كَما لَقينا

ثمّ قالَ : (( أَيْمُ وَاللهِ , لا تَلْبَثُونَ بَعْدَها إِلاّ كَرَيْثِ ما يُرْكَبُ الْفَرَسُ حتّى يَدُورَ بِكُمْ دَوْرَ الرَّحى ، وَتَقْلَقَ بِكُمْ قَلَقَ الْمِحْوَرِ ؛ عَهْدٌ عَهْدَهُ إِلَيَّ أَبي عَنْ جَدّي ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ، ثمّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةٌ ، ثمّ اقُضوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونَ . إِنّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبّي وَرَبِّكُمْ ، ما مِنْ دابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتها ، إِنَّ رَبّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ .

اللّهُمَّ احْبِسْ عَنْهُمْ قَطَرَ السَّماءِ ، وَابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنينَ كَسِنَيْ يُوسُفَ ، وَسَلِّطْ عَلَيْهِمْ غُلامَ ثَقيفٍ يَسُومُهُمْ كَأْساً مُصْبَرَةً ؛ فَإِنَّهُمْ كَذَّبُونا وَخَذَلُونا ، وَأَنْتَ رَبُّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا ، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا ، وَإِلَيْكَ الْمَصيرُ )) .

ومثل هذا الخطاب الثوري صلابة الإمام ، وقوّة عزيمته ، وشدّة بأسه ، فقد استهان باُولئك الأقزام الذين هبّوا إليه يستنجدون به ويستغيثون ؛ لينقذهم من جور الاُمويِّين وظلمهم ، فلمّا أقبل إليهم انقلبوا عليه رأساً على


الصفحة (192)

عقب ، فسلّوا عليه سيوفهم ، وشهروا عليه رماحهم تقرّباً للطغاة والظالمين لهم ، والمستبدّين بشؤونهم ، في حين أنّه لم يبدو من اُولئك الحكّام أيّة بارقة من العدل فيهم .

كما أعلن الإمام (عليه السّلام) عن رفضه الكامل لدعوة ابن مرجانة من الاستسلام له ، فقد أراد له الذلّ والهوان ، وهيهات أن يرضخ لذلك وهو سبط الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، والممثّل الأعلى للكرامة الإنسانية ، فقد صمّم على الحرب بأسرته التي مثّلت البطولات ؛ ليحفظ بذلك كرامته وكرامة الأمّة .

وقد أخبرهم الإمام (عليه السّلام) عن مصيرهم بعد قتلهم له أنّهم لا ينعمون بالحياة ، وأنّ الله يسلّط عليهم مَنْ يسقيهم كأساً مصبّرة ، ويجرّعهم الغصص ، ويُنزل بهم العذاب الأليم ، وقد تحقّق ذلك ؛ فلم يمض قليل من الوقت بعد اقترافهم لقتل الإمام حتّى ثار عليهم البطل العظيم ، والثائر المجاهد ، ناصر الإسلام الزعيم الكبير المختار بن يوسف الثقفي ، فقد ملأ قلوبهم رعباً وفزعاً ، ونكّل بهم تنكيلاً فظيعاً ، وأخذت شرطته تلاحقهم في كلّ مكان ، فمَنْ ظفرت به قتلته أشرّ قتلة ، ولم يفلت منهم إلاّ القليل .

وقد وجم جيش ابن سعد بعد هذا الخطاب التاريخي الخالد ، وودّ الكثيرون منهم أن تسيخ بهم الأرض .

استجابة الحرّ

واستيقظ ضمير الحرّ ، وتابت نفسه إلى الحقّ بعد ما سمع خطاب الإمام ، وجعل يتأمّل ، ويفكّر في تلك اللحظات الحاسمة من حياته ، فهل يلتحق بالحسين ويحفظ بذلك آخرته ، وينقذ نفسه من عذاب الله وسخطه , أو أنّه يبقى على منصبه كقائد فرقة في الجيش الأموي ، وينعم بصلات ابن مرجانة ؟

واختار الحرّ نداء ضميره الحيّ ، وتغلّب على هواه ؛


الصفحة (193)

فصمم على الالتحاق بالإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقبل أن يتوجّه إليه أسرع نحو ابن سعد القائد العام للقوات المسلّحة ، فقال له : أمقاتل هذا الرجل ؟

ولم يلتفت ابن سعد إلى انقلاب الحرّ , فقد أسرع قائلاً بلا تردّد : أي والله قتالاً أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح الأيدي . لقد أعلن ذلك أمام قادة الفرق ؛ ليظهر إخلاصه لابن مرجانة ، فقال له الحرّ : أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرضها عليكم رضاً .

واندفع ابن سعد قائلاً : لو كان الأمر لي لفعلت ، ولكن أميرك أبى ذلك .

ولمّا أيقن الحرّ أنّ القوم مصمّمون على حرب الإمام (عليه السّلام) عزم على الالتحاق بمعسكر الإمام ، وقد سرت الرعدة بأوصاله ، فأنكر عليه ذلك زميله المهاجر بن أوس ، فقال له : والله إنّ أمرك لمريب ، والله ما رأيت منك في موقف قطّ مثل ما أراه الآن ، ولو قيل لي : مَنْ أشجع أهل الكوفة ؟ لما عدوتك .

وأعرب له الحرّ عمّا صمّم عليه قائلاً : إنّي والله اُخيّر نفسي بين الجنّة والنار ، ولا اختار على الجنّة شيئاً ولو قُطّعت واُحرقت . وألوى بعنان فرسه نحو الإمام (ع)(1) , وكان مطرقاً برأسه إلى الأرض حياءً وندماً على ما صدر منه تجاه الإمام ، ولمّا دنا منه رفع صوته ودموعه تتبلور

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 244 .

الصفحة (194)

على خدّيه قائلاً : اللّهمّ إليك أُنيب ، فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيّك . يا أبا عبد الله , إنّي تائب ، فهل لي من توبة ؟

ونزل عن فرسه ، وأقبل يتضرّع ويتوسّل إلى الإمام ليمنحه التوبة قائلاً : جعلني الله فداك يابن رسول الله ! أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع ، وجعجعت بك في هذا المكان ، ووالله الذي لا إله إلاّ هو ، ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبداً ، ولا يبلغون منك هذه المنزلة أبداً ، فقلت في نفسي : لا أُبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ، ولا يرون أنّي خرجت من طاعتهم ، وأمّا هم فيقبلون بعض ما تدعوهم إليه . ووالله لو ظننت أنّهم لا يقبلون منك ما ركبتها منك . وإنّي قد جئتك تائباً ممّا كان منّي إلى ربّي ، مواسياً لك بنفسي حتّى أموت بين يديك ، أفترى لي توبة ؟

واستبشر به الإمام (عليه السّلام) ، ومنحه الرضا والعفو ، وقال له : (( نعم ، يتوب الله عليك ويغفر ))(1) .

وملأ الفرح قلب الحرّ حينما فاز برضا ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، واستأذنه أن ينصح أهل الكوفة لعلّ بعضهم أن يرجع إلى الحقّ ، ويتوب إلى الرشاد ، فأذن له الإمام في ذلك ، فانبرى الحرّ إليهم رافعاً صوته : يا أهل الكوفة ، لأمّكم الهبل(2) والعبر(3) ! أدعوتموه حتّى إذا أتاكم

ـــــــــــــــــــــ
(1) الكامل 2 / 288 .
(2) الهبل : الثكل .
(3) العبر : البكاء وجريان الدمع .

الصفحة (195)

أسلمتموه ، وزعمتم أنّكم قاتلوا أنفسكم دونه ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه ! أمسكتم بنفسه وأحطتم به ، ومنعتموه من التوجّه إلى بلاد الله العريضة حتّى يأمن ويأمن أهل بيته ، فأصبح كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً ، ولا يدفع عنها ضرّاً !

ومنعتموه ومَنْ معه عن ماء الفرات الجاري ، يشربه اليهودي والنصراني والمجوسي ، ويتمرّغ فيه خنازير السواد وكلابه ، وها هو وأهله قد صرعهم العطش ، بئسما خلفتم محمّداً (صلّى الله عليه وآله) في ذريّته ! لا سقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عمّا أنتم عليه(1) .

وودّ الكثير منهم أن تسيخ بهم الأرض ، فهم على يقين بضلالة حربهم , إلاّ إنّهم استجابوا لرغباتهم النفسية في حبّ البقاء ، وتوقّح بعضهم فرموا الحرّ بالنبل ، وكان ذلك ما يملكونه من حجّة في الميدان .

* * *

ـــــــــــــــــــــ
(1) الكامل 3 / 229 .

الصفحة (196)


الصفحة (197)

الحرب


الصفحة (198)


الصفحة (199)

وارتبك ابن سعد حينما علم أنّ الحرّ قد التحق بمعسكر الإمام ، وهو من كبار قادة الفرق في جيشه ، وخاف أن يلتحق غيره بالإمام ، فزحف الباغي الأثيم نحو معسكر الإمام ، وأخذ سهماً كأنّه كان نابتاً في قلبه ، فأطلقه صوب الإمام ، وهو يصيح : اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل مَنْ رمى الحسين .

واتّخذ بذلك وسيلة لفتح باب الحرب ، وطلب من الجيش أن يشهدوا له عند سيّده ابن مرجانة أنّه أوّل مَنْ رمى ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ ليكون أميره على ثقة من إخلاصه ووفائه للأمويين ، وأن ينفي عنه كلّ شبهة من أنّه غير جادّ في حربه للحسين (عليه السّلام) .

وتتابعت السهام كأنّها المطر على أصحاب الإمام ، فلم يبقَ أحد منهم إلاّ أصابه سهم منها ، والتفت الإمام إلى أصحابه ، فأذن لهم في الحرب قائلاً : (( قوموا يا كرام ، فهذه رسل القوم إليكم )) .

وتقدّمت طلائع الشرف والمجد من أصحاب الإمام إلى ساحة الحرب ؛ لتحامي عن دين الله ، وتذبّ عن ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهم على يقين لا يخامرهم أدنى شكّ أنّهم على الحقّ ، وأنّ الجيش الأموي على ضلال ، قد سخط الله عليه ، وأحلّ به نقمته .

لقد تقابل اثنان وثلاثون فارساً ، وأربعون راجلاً من أصحاب الإمام (عليه السّلام) مع عشرات الآلاف من الجيش الأموي ، وكانت تلك القلّة المؤمنة


الصفحة (200)

كفوءاً لتلك الكثرة التي تملك أضخم العتاد والسلاح ، فقد أبدت تلك القلّة من صنوف البسالة والشجاعة ما يبهر العقول ويحيّر الألباب .

الحملة الأُولى

وشنّت قوّات ابن سعد هجوماً عامّاً واسع النطاق على أصحاب الإمام (عليه السّلام) ، وخاضوا معهم معركة ضارية ، وقد اشترك فيها المعسكر الأموي بكامل قطعاته ، وقد انبرى إليهم أصحاب الإمام (عليه السّلام) بعزم وإخلاص لم يشهد له نظير في جميع الحروب التي جرت في الأرض ؛ فقد كانوا يخترقون جيش ابن سعد بقلوب أقوى من الصخر ، وقد أنزلوا بهم خسائر فادحة في الأرواح والمعدّات , وقد استشهد نصف أصحاب الإمام (عليه السّلام) في هذه الحملة(1) .

المبارزة بين المعسكرين

ولمّا سقطت الصفوة الطاهرة من أصحاب الإمام (عليه السّلام) صرعى على أرض الشهادة والكرامة ، هبّ مَنْ بقي منهم إلى المبارزة ، وقد ذعر المعسكر بأسره من بطولاتهم النادرة ، فكانوا يستقبلون الموت بسرور بالغ ، وقد ضجّ الجيش من الخسائر الفادحة التي مُني بها ، وقد بادر عمرو بن الحجّاج الزبيدي وهو من الأعضاء البارزين في قيادة جيش ابن سعد ، فهتف في الجيش ينهاهم عن المبارزة قائلاً : يا حمقى ! أتدرون مَنْ تقاتلون ؟! تقاتلون نقاوة فرسان أهل المصر ،

ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 203 .

الصفحة (201)

وقوماً مستميتين ، فلا يبرز لهم منكم أحد إلاّ قتلوه . والله لو لم ترموهم إلاّ بالحجارة لقتلتموهم(1) .

وحكت هذه الكلمات ما اتّصف به السادة أصحاب الإمام الحسين (عليه السّلام) من الصفات البارزة ، فهم فرسان أهل المصر ، وذلك بما يملكونه من الشجاعة ، وقوّة الإرادة ، وإنّهم أهل البصائر ؛ فلم يندفعوا إلى نصرة الإمام (عليه السّلام) إلاّ على بصيرة من أمرهم ، وليسوا كخصومهم الذين تردّوا في الغواية ، وماجو في الباطل والضلال ، كما إنّهم قوم مستميتون ولا أمل لهم في الحياة .

لقد توفّرت في أصحاب الإمام (عليه السّلام) جميع النزعات الخيّرة ، والصفات الكريمة ؛ من الإيمان والوعي ، والشجاعة وشرف النفس . ويقول المؤرخّون : إنّ ابن سعد استصوب رأي ابن الحجّاج فأوعز إلى قوّاته بترك المبارزة معهم(2) ، وشنّ عمرو بن الحجّاج هجوماً عامّاً على مَنْ تبقّى من أصحاب الإمام ، والتحموا معهم التحاماً رهيباً ، واشتدّ القتال كأشدّ ما يكون القتال عنفاً(3) .

وقد استنجد عروة بن قيس بابن سعد ليمدّه بالرماة والرجال قائلاً : ألا ترى ما تلقى خيلي هذا اليوم من هذه العدّة اليسيرة ؟! ابعث إليهم الرجال والرماة . وطلب ابن سعد من المنافق شبث بن ربعي القيام بنجدته فأبى ، وقال : سبحان الله ! شيخ مضر وأهل المصر عامّة تبعثه في الرماة , لم تجد لهذا غيري ؟!

ـــــــــــــــــــــ
(1 و2) أنساب الأشراف 3 / 192 .
(3) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 211 .

الصفحة (202)

ولمّا سمع ذلك ابن سعد منه دعا الحصين بن نمير فبعث معه المجفَّفة وخمسمئة من الرماة ، فسدّدوا لأصحاب الحسين (عليه السّلام) السهام فأصابوا خيولهم فعقروها ، فصاروا كأنّهم رجالة ، ولم تزدهم هذه الخسارة إلاّ استبسالاً في القتال ، واستهانة بالموت ، فثبتوا كالجبال الشامخات ، ولم يتراجعوا خطوة واحدة ، وقد قاتل معهم الحرّ بن يزيد الرياحي راجلاً ، واستمرّ القتال كأعنف وأشدّ ما يكون ضراوة . وقد وصفه المؤرّخون بأنّه أشدّ قتال حدث في التاريخ ، وقد استمرّ حتّى انتصف النهار(1) .

أداء فريضة الصلاة

وانتصف النهار ، وحان ميقات صلاة الظهر ، فوقف المؤمن المجاهد أبو ثمامة الصائدي فجعل يقلّب وجهه في السماء كأنّه ينتظر أعزّ شيء عنده ، وهي أداء صلاة الظهر ، فلمّا رأى الشمس قد زالت التفت إلى الإمام قائلاً : نفسي لنفسك الفداء ! أرى هؤلاء قد اقتربوا منك ، والله لا تُقتل حتّى أُقتل دونك ، وأحبّ أن ألقى ربّي وقد صلّيت هذه الصلاة التي قد دنا وقتها .

لقد كان الموت منه كقاب قوسين أو أدنى ، وهو لم يغفل عن ذكر ربّه ، ولا عن أداء فرائضه ، وجميع أصحاب الإمام (عليه السّلام) كانوا على هذا السمت إيماناً بالله ، وإخلاصاً في أداء فرائضه .

ورفع الإمام (عليه السّلام) رأسه فجعل يتأمّل في الوقت فرأى أن قد حلّ وقت أداء الفريضة ، فقال له :

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 291 .

الصفحة (203)

(( ذكرت الصلاة ، جعلك الله من المصلّين الذاكرين . نعم هذا أوّل وقتها )) .

وأمر الإمام (عليه السّلام) أصحابه أن يطلبوا من معسكر ابن زياد أن يكفّوا عنهم القتال ليصلّوا لربّهم ، فسألوهم ذلك فانبرى الرجس الخبيث الحصين بن نمير قائلاً : إنّها لا تقبل . فقال لهُ حبيب بن مظاهر بسخرية : زعمت أن لا تقبل الصلاة من آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتقبل منك يا حمار !

وحمل عليه الحصين فسارع إليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشبّت به الفرس فسقط عنها ، وبادر إليه أصحابه فاستنقذوه(1) .

واستجاب أعداء الله ـ مكيدة ـ لطلب الإمام (عليه السّلام) فسمحوا له أن يؤدّي فريضة الصلاة ، وانبرى الإمام للصلاة ، وتقدّم أمامه سعيد بن عبد الله الحنفي يقيه بنفسه السهام والرماح ، واغتنم أعداء الله انشغال الإمام وأصحابه بالصلاة فراحوا يرشقونهم بسهامهم ، وكان سعيد الحنفي يبادر نحو السهام فيتقيها بصدره ونحره ، ووقف ثابتاً كالجبل لم تزحزحه السهام ولا الرماح والحجارة التي اتّخذته هدفاً لها .

ولم يكن يفرغ الإمام (عليه السّلام) من صلاته حتّى اُثخن سعيد بالجراح فهوى إلى الأرض يتخبّط بدمه ، وهو يقول : اللّهمّ العنهم لعن عاد وثمود ، وأبلغ نبيّك منّي السلام ، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح ، فإنّي أردت بذلك ثوابك ونصرة ذريّة نبيّك .

والتفت إلى الإمام (عليه السّلام) قائلاً له بصدق وإخلاص : أوفيت يابن رسول الله ؟

ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 291 .

الصفحة (204)

فأجابه الإمام (عليه السّلام) شاكراً له : (( نعم ، أنت أمامي في الجنّة )) .

ومُلئت نفسه فرحاً حينما سمع قول الإمام ، ثمّ فاضت نفسه العظيمة إلى بارئها ، فقد أصيب بثلاثة عشر سهماً عدا الضرب والطعن(1) ، وكان هذا منتهى ما وصل إليه الوفاء والإيمان ، والولاء للحقّ .

مصرع بقيّة الأنصار

وتسابقت البقيّة الباقية من أصحاب الإمام من شيوخ وشباب ، وأطفال إلى ساحات المعركة ، وقد أبلوا بلاءً حسناً يُقصر عنه كلّ وصف وإطراء ، وقد جاهدوا جهاداً لم يعرف التاريخ له نظيراً في جميع عمليات الحروب التي جرت في الأرض ؛ فقد قابلوا على قلّة عددهم الجيوش المكثّفة ، وأنزلوا بها أفدح الخسائر ، ولم تضعف لأي رجل منهم عزيمة ، ولم تلن لهم قناة ، وقد خضّبوا جميعاً بالدماء ، وهم يشعرون الغبطة ، ويشعرون بالفخار .

وقد وقف الإمام العظيم على مصارعهم ، فكان يتأمّل بوجهه الوديع فيهم ، فيراهم مضمّخين بدم الشهادة ، فكان يقول : (( قتلة كقتلة النبيّين وآل النبيّين ))(2) .

لقد سمت أرواحهم الطاهرة إلى الرفيق الأعلى ، وقد حازوا الفخر الذي لا فخر مثله ، فقد سجّلوا شرفاً لهذه الأمّة لا يساويه شرف ، وأعطوا للإنسانية أفضل ما قُدّم لها من عطاء على امتداد التاريخ .

ـــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ للمقرّم / 297 .
(2) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 239 .

الصفحة (205)

وعلى أيّ حال ، فقد شارك أبو الفضل العبّاس (عليه السّلام) الأنصار الممجّدين في جهادهم ، وخاض معهم غمار الحرب ، وكانوا يستمدّون منه البسالة ، وقوّة الإرادة ، والعزم على التضحية ، وقد أنقذ بعضهم حينما وقع عليه التفاف من بعض قطعات الجيش الأموي .

مصارع آل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)

وبعد ما سقطت الصفوة الطيّبة من أصحاب الإمام (عليه السّلام) صرعى وهي معطرة بدم الشهادة والكرامة ، هبّت أبناء الأسرة النبوية كالأسود الضارية للدفاع عن ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، والذبّ عن عقائل النبوّة ، ومخدّرات الرسالة .

وأوّل مَنْ تقدّم إلى البراز منهم شبيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خلقاً وخُلقاً عليّ الأكبر (عليه السّلام) ، فقد آثر الموت ، وسخر من الحياة في سبيل كرامته ، ولا يخضع لحكم الدعيّ ابن الدعيّ .

ولمّا رآه الإمام أخذ يطيل النظر إليه ، وقد ذابت نفسه أسىً وحسرات ، وأشرف على الاحتضار ، فرفع شيبته الكريمة نحو السماء ، وراح يقول بحرارة وألم ممض : (( اللّهمّ اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس برسولك محمّد (صلّى الله عليه وآله) ؛ خلقاً وخُلُقاً ومنطقاً ، وكنّا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيّك نظرنا إليه . اللّهمّ امنعهم بركات الأرض ، وفرقهم تفريقاً ، ومزّقهم تمزيقاً ، واجعلهم طرائق قدداً ، ولا ترضي الولاة عنهم أبداً ؛ فإنّهم دعونا لينصرونا ثمّ عدّوا علينا يقاتلوننا )) .

لقد تجسّدت صفات الرسول الأعظم النفسية والخلقية بحفيده عليّ الأكبر (عليه السّلام) ، وأعِظم بهذه الثروة التي ملكها سليل هاشم وفخر عدنان ، وقد تقطّع قلب الإمام (عليه السّلام) على ولده ، فصاح بابن سعد :


الصفحة (206)

(( ما لك ! قطع الله رحمك ، ولا بارك لك في أمرك ، وسلّط عليك مَنْ يذبحك بعدي على فراشك كما قطعت رحمي ، ولم تحفظ قرابتي من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) . ثمّ تلا قوله تعالى : (( إِنّ اللّهَ اصْطَفَى‏ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(1) )) .

وشيّع الإمام (عليه السّلام) فلذة كبده وهو غارق بالأسى والحسرات ، وخلفه عقائل النبوّة وقد علا منهنّ الصراخ والعويل على شبيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي ستتناهب شلوه السيوف والرماح ، وبرز الفتى مزهواً إلى حومة الحرب ، لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب ، وهو يحمل هيبة جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وشجاعة جدّه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وبأس حمزة عمّ أبيه ، وإباء الحسين (عليه السّلام) .

وتوسّط حراب الأعداء ، وهو يرتجز بفخر وعزّة قائلاً :

أنـا  عليُّ بنُ الحسين بنِ علي      نحنُ  وربّ البيتِ أولى بالنبي

تاللهِ لا يحكمُ فينا ابنُ الدعي(2)

أجل يابن الحسين , فخر هذه الأمّة ورائد نهضتها وكرامتها أنت وأبوك أحقّ بالنبي (صلّى الله عليه وآله) ، وأولى بمركزه ومقامه من هؤلاء الأدعياء الذين حوّلوا حياة المسلمين إلى جحيم لا يُطاق .

وأعلن عليّ بن الحسين (عليه السّلام) في رجزه عن عزمه الجبّار وإرادته الصلبة ، وأنّه يؤثر الموت على الذلّ ، والخنوع للدعي ابن الدعيّ ، وقد ورث هذه الظاهرة من أبيه سيّد الاُباة في الأرض .

والتحم فخر هاشم مع أعداء الله ، وقد ملأ قلوبهم رعباً وفزعاً ، وقد أبدى من الشجاعة والبسالة ما يقصر

ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 33 .
(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 293 .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث