الصفحة
(207)
عنه الوصف .
ويقول المؤرّخون : إنّه ذكّرهم ببطولات جدّه الإمام أمير المؤمنين
(عليه السّلام) الذي هو أشجع إنسان خلقه الله ، فقد قتل فيما يقول المؤرّخون : مئة
وعشرين فارساً(1) سوى المجروحين ، وألحّ عليه العطش ، وأضرّ به الظمأ
، فقفل راجعاً
إلى أبيه يطلب منه جرعة من الماء ، ويودّعه الوداع الأخير .
واستقبله أبوه بأسى ،
فبادر عليّ قائلاً : يا أبة , العطش قد قتلني ، وثقل الحديد قد أجهدني ، فهل إلى شربة ماء من سبيل
أتقوّى بها على الأعداء ؟
والتاع الإمام (عليه السّلام) كأشدّ ما تكون اللوعة ألماً ومحنة ، فقال له بصوت خافت ، وعيناه
تفيضان دموعاً : (( واغوثاه ! ما أسرع الملتقى بجدّك فيسقيك بكأسه شربة لا تظمأ بعدها أبداً
)) . وأخذ لسانه فمصّه ليريه ظمأه فكان كشقّة مبرد من شدّة العطش ، ودفع إليه خاتمه ليضعه
في فيه(2) .
لقد كان هذا المنظر الرهيب من أقسى ما فُجع به ريحانة رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) ، لقد رأى فلذة كبده وهو في ريعان الشباب ، وغضارة العمر كالبدر في بهائه قد
استوعبت الجراحات جسمه الشريف ، وقد أشرف على الموت من شدّة العطش ، وهو لم يستطع
أن يسعفه بجرعة ماء .
يقول الحجّة الشيخ عبد الحسين صادق :
يشكو لخيرِ أبٍ ظماهُ وما اشتكى ظمأ الحشا إلاّ إلى الظامي الصدي كُـلّ حـشاشتهُ كصاليةِ الغضا ولـسـانـهُ ظـمـأ كشقّةِ مبردِ فـانـصـاعَ يؤثرهُ عليهِ بريقهِ لــو كـانَ ثـمةَ ريقةٍ لم يجمدِ
|
ـــــــــــــــــــــ
(1 و2) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ الخوارزمي 2 / 30 .
الصفحة
(208)
وقفل فخر هاشم إلى ساحة الحرب ، قد فتكت الجروح بجسمه الشريف ، وفتت العطش قلبه ، وهو
لم يحفل بما هو فيه من آلام لا تطاق ، وإنّما استوعبت مشاعره وعواطفه وحدة أبيه ، يراه
وقد أُحيط به من كلّ جانب ومكان ، وجميع قطعات الجيش متعطّشة إلى سفك دمه لتتقرب به
إلى ابن مرجانة .
وجعل عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) يرتجز أمام الأعداء :
الـحربُ قد بانت لها حقائقْ وظـهرت من بعدها مصادقْ واللهِ ربّ الـعرش لا نفارقْ جموعَكم أو تُغمد البوارقْ(1)
|
لقد تجلّت حقائق الحرب ، وبرزت معالمها وأهدافها بين الفريقين ، فالإمام الحسين إنّما
يُناضل من أجل رفع الغبن الاجتماعي ، وضمان حقوق المظلومين والمضطهدين ، وتوفير الحياة
الكريمة لهم ، والجيش الأموي إنّما يُقاتل من أجل استعباد الناس وجعل المجتمع
بستاناً للاُمويِّين ؛ يستغلون جهودهم ، ويرغمونهم على ما يكرهون .
وأعلن علي بن الحسين (عليهما السّلام) في
رجزه أنّه سيبقى يناضل عن الأهداف النبيلة والمبادئ العليا حتّى تُغمد البوارق . وجعل نجل الحسين
(عليه السّلام) يُقاتل أشدّ القتال وأعنفه حتّى قتل تمام المئتين(2)
، وقد ضج العسكر
من شدّة الخسائر الفادحة التي مُني بها .
فقال الرجس الخبيث مرّة بن منقذ العبدي : عليّ
آثام العرب إن لم أثكل أباه(3) . وأسرع الخبيث الدنس إلى شبيه رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) فطعنه بالرمح في ظهره ،
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 247 .
(2) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ الخوارزمي 2 / 31 .
(3) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ المقرّم / 316 .
الصفحة
(209)
وضربة ضربة غادرة بالسيف على رأسه ففلق هامته ، فاعتنق الفتى فرسه ظناً منه أنّه
سيرجعه إلى أبيه ؛ ليودّعه الوداع الأخير ، إلاّ إنّ الفرس حمله إلى معسكر الأعداء ،
فأحاطوا به من كلّ جانب ، فقطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً ؛ تشفّياً منه لما ألحقه بهم من
الخسائر الفادحة .
ورفع الفتى صوته : عليك منّي السلام أبا عبد الله ، هذا جدّي رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) قد سقاني
بكأسه شربة لا أظمأ بعدها ، وهو يقول : (( إنّ لك كأساً مذخورة
)) .
وحمل الأثير هذه الكلمات إلى أبيه فقطّعت قلبه ومزّقت أحشاءه ، ففزع إليه وهو خائر
القوى ، مهدّ الركن ، قد أشرف على الموت ، فوضع خدّه على خدّ ولده وهو جثة هامدة ،
قد قطّعت شلوه السيوف , فأخذ يذرف أحرّ الدموع ، وهو يقول بصوت خافت ، قد حمل شظايا قلبه
الممزّق : (( قتل الله قوماً قتلوك يابُني , ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول ! على
الدنيا بعدك العفا ))(1) .
وكان العباس (عليه السّلام) إلى جانب أخيه ، وقد ذاب قلبه ، وذهبت نفسه حزناً وأسى على ما
حلّ بهم من عظيم الكارثة وأليم المصاب ؛ لقد قُتل ابن أخيه الذي كان ملء فم الدنيا في
فضائله ومآثره ، فما أعظم رزيته وما أجلّ مصابه !
وهرعت الطاهرة حفيدة النبي (صلّى الله عليه وآله) زينب (عليها
السّلام) إلى جثمان ابن
أخيها فانكبت عليه تضمّخه بدموعها ، وهي صارخة معولة تندبه بأشجى ما تكون الندبة
قائلة :
ـــــــــــــــــــــ
(1) نسب قريش / 57 .
الصفحة
(210)
وا ابن أخاه ! وا ثمرة فؤاداه !
وأثّر منظرها الحزين في نفس الإمام (عليه السّلام) ، فجعل يعزيها بمصابها الأليم وهو بحالة المحتضر
، ويردّد بأسى : (( على الدنيا بعدك العفا يا ولدي )) .
لك الله يا أبا عبد الله على هذه الكوارث التي تميد بالصبر ، وتهتز من هولها الجبال
، لقد تجرّعتها في سبيل هذا الدين الذي عبثت به العصابة المجرمة من الاُمويِّين
وعملائهم .
مصارع آل عقيل
وهبّت الفتية الأماجد من آل عقيل إلى الجهاد لتفدي إمام المسلمين ، وريحانة رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) وهي ساخرة من الحياة ، ومستهينة بالموت ، وقد نظر الإمام
(عليه السّلام) إلى بسالتهم واندفاعهم بشوق إلى الذبّ عنه ، فقال :
(( اللّهمّ اقتل قاتل آل عقيل ، صبراً آل عقيل إنّ موعدكم الجنة ))(1) .
وقد ألحقوا بالعدو خسائر فادحة ، فقد قاتلوا كالأسود الضارية ، وعلوا بإرادتهم
وعزمهم الجبّار على جميع فصائل ذلك الجيش ، وقد استشهد منهم تسعة من أطائب الشباب ،
ومن مفاخر أبناء الأسرة النبويّة ، وفيهم يقول الشاعر :
عـينُ جودي بعبرةٍ وعويل واندبي إن ندبتِ آلَ الرسولِ
|
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 249 .
الصفحة
(211)
سـبعةٌ كـلُّهم لصلبِ عليٍّ قد أُصيبوا وتسعةٌ لعقيل(1)
|
وقد صعدت أرواحهم الطاهرة إلى الفردوس الأعلى حيث مقرّ النبيين والصديقين والصالحين
وحسن اُولئك رفيقاً .
مصارع أبناء الحسن (عليهم
السّلام)
وسارعت الفتية من أبناء الإمام الزكي أبي محمد (عليه السّلام) إلى نصرة عمّهم والذبّ عنه
، وقلوبهم تنزف دماً على ما حلّ به من عظيم الكوارث والخطوب . وكان من بينهم القاسم ،
وقد وصفه المؤرخون بأنّه كالقمر في جمال طلعته وبهائه ، وقد غذّاه عمّه بمواهبه ، وأفرغ
عليه أشعة من روحه حتّى صار من أمثلة الكمال والآداب .
وكان القاسم وبقية إخوانه يتطلّعون إلى محنة عمّهم ، ويودّون أن
يردّوا عنه عوادي الأعداء بدمائهم وأرواحهم ، وكان القاسم يقول : لا يُقتل عمّي
وأنا حي(2) . وانبرى القاسم يطلب الإذن من عمّه ليجاهد بين يديه ، فاعتنقه الإمام وعيناه تفيضان
دموعاً ، وأبى أن يأذن له , إلاّ إنّ الفتى ألحّ عليه وأخذ يُقبل يديه ورجليه ليسمح له
بالجهاد , فأذن له .
وانطلق رائد الفتوّة الإسلاميّة إلى ساحة الحرب ، ولم يضف على
جسده الشريف لامة حرب ؛ محتقراً لاُولئك الوحوش ، وقد التحم معهم يحصد رؤوسهم ،
ويجندل أبطالهم , كأنّ المنايا كانت طوع إرادته ، وبينما هو يُقاتل إذ انقطع شسع نعله
الذي هو أشرف من ذلك الجيش ، وأنف سليل النبوّة والإمامة أن تكون
ـــــــــــــــــــــ
(1) المعارف / 204 .
(2) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 255 .
الصفحة
(212)
إحدى رجليه بلا نعل ، فوقف يشدّه متحدّياً لهم . واغتنم هذه الفرصة كلب من كلاب ذلك
الجيش وهو عمرو بن سعد الأزدي فقال : والله لأشدنَّ عليه ، فأنكر عليه ذلك حميد بن
مسلم ، وقال له : سبحان الله ! وما تريد بذلك ، يكفيك هؤلاء القوم الذين ما يبقون على أحد منهم .
فلم يعن الخبيث به ، وشدّ عليه فضربه بالسيف على رأسه الشريف فهوى إلى الأرض كما
تهوي النجوم ؛ صريعاً يتخبّط بدمه القاني ، ونادى بأعلى صوته : يا عمّاه ! أدركني .
وكان الموت أهون على الإمام (عليه السّلام) من هذا النداء ، فقد تقطّع قلبه
، وفاضت نفسه أسى وحسرات ،
وسارع نحو ابن أخيه فعمد إلى قاتله فضربه بالسيف ، فاتقاها بساعده فقطعها من المرفق
، وطرحه أرضاً ، وحملت خيل أهل الكوفة لاستنقاذه إلاّ إنّ الأثيم هلك تحت حوافر الخيل
.
وانعطف الإمام (عليه السّلام) نحو ابن أخيه فجعل يوسعه تقبيلاً ، والفتى يفحص بيديه ورجليه كالطير
المذبوح ، وجعل الإمام يخاطبه بذوب روحه : (( بُعداً لقوم قتلوك
! ومَنْ خصمهم يوم القيامة فيك جدّك ! عزّ والله على عمّك أن تدعوه
فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا ينفعك ، صوت والله كثر واتره وقلَّ ناصره ))(1) .
وحمل الإمام (عليه السّلام) ابن أخيه بين ذراعيه وهو يفحص بيديه ورجليه(2)
حتّى فاضت نفسه الزكية
بين يديه ، وجاء به فألقاه بجوار ولده عليّ الأكبر
ـــــــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية 8 / 186 .
(2) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 256 .
الصفحة
(213)
وسائر القتلى الممجّدين من أهل بيته ، وأخذ يطيل النظر إليهم وقد تصدّع قلبه ، وأخذ
يدعو على السفكة المجرمين من أعدائه الذين استباحوا قتل ذرّيّة نبيّهم ، قائلاً :
(( اللّهمّ أحصهم عدداً ، ولا تغادر منهم أحداً ، ولا تغفر لهم أبداً
. صبراً يا بني
عمومتي ، صبراً يا أهل بيتي ، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً ))(1) .
وبرز من بعده عون بن عبد الله بن جعفر ، ومحمد بن عبد الله بن جعفر وأمّهما العقيلة
الطاهرة حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) زينب الكبرى (عليها السّلام) ، وقد نالا شرف
الشهادة مع حفيد النبي وريحانته ، ولم يبقَ بعد هؤلاء الصفوة من أهل البيت (عليهم
السّلام) إلاّ إخوة الإمام الحسين (عليه السّلام) وفي طليعتهم أخوه أبو الفضل العباس
(عليه السّلام) ، وكان إلى جانب أخيه كقوّة ضاربة يحميه من أيّ اعتداء عليه ، وقد شاركه في جميع
آلامه وأحزانه .
***
ـــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ الخوارزمي 2 / 28 .
الصفحة (214)
الصفحة (215)
على ضفاف العلقمي
الصفحة (216)
الصفحة (217)
وذاب قلب أبي الفضل أسىً وحزناً ، وودّ أنّ المنيّة قد اختطفته ، ولا يُشاهد تلك
الكوارث والخطوب التي تذهل كلّ كائن حيّ ، وتميد بالصبر ، ولا يقوى على تحملها أيّ
إنسان إلاّ أولي العزم من أنبياء الله الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان ، واصطفاهم
على عباده .
ومن بين تلك الكوارث المذهلة التي عاناها أبو الفضل (عليه السّلام) أنّه كان يستقبل في
كلّ لحظة شاباً ، أو غلاماً لم يراهق الحلم من أهل بيته قد مزّقت أشلاءهم سيوف
الاُمويِّين وحرابهم ، ويسمع صراخ بنات الرسالة ، وعقائل النبوّة ، وهنّ يلطمن وجوههن
، ويندبن بأشجى ما تكون الندبة ، اُولئك البدور الذين تضمّخوا بدم الشهادة دفاعاً عن
ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ومن بين المحن الشاقّة التي عاناها أبو
الفضل (عليه السّلام) أنّه يرى أخاه ، وشقيق روحه الإمام الحسين (عليه السّلام) قد أحاطت
به أوغاد أهل الكوفة ؛ لتتقرّب بقتله إلى سليل الأدعياء ابن مرجانة ، وقد زادته هذه
المحن إيماناً وتصميماً على مناجزة أعداء الله ، وبذله حياته فداءً لسبط رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) .
ونعرض بإيجاز إلى شهادته ، وما رافق ذلك من أحداث .
العباس مع إخوته (عليهم السّلام)
وانبرى بطل كربلاء إلى أشقّائه بعد شهادة الفتية من أهل البيت
(عليهم السّلام)
,
الصفحة (218)
فقال لهم : تقدّموا يا بني اُمّي حتّى أراكم نصحتم لله
ولرسوله ؛ فإنّه لا ولد لكم(1) .
لقد طلب من إخوانه الممجّدين أن يقدّموا نفوسهم قرابين لدين الله ، وأن ينصحوا في
جهادهم لله ورسوله ، ولم يلحظ في تضحيتهم أيّ اعتبار آخر من النسب وغيره .
والتفت
أبو الفضل إلى أخيه عبد الله فقال له : تقدّم يا أخي حتّى أراك قتيلاً
واحتسبك(2) .
واستجابت الفتية إلى نداء الحقّ , فهبّوا للدفاع عن سيّد العترة وإمام الهدى الحسين
(عليه السّلام) .
قول رخيص
ومن أهزل الأقوال وأبعدها عن الحقّ ما ذكره ابن الأثير إنّ العباس
(عليه السّلام)
قال لإخوته : تقدّموا حتّى أرثكم ؛ فإنّه لا ولد لكم(3) . لقد قالوا بذلك ليقلّلوا من أهمية هذا العملاق العظيم الذي هو من ذخائر الإسلام
، ومن مفاخر المسلمين . وهل من الممكن أن يفكّر فخر هاشم في الناحية المادية في تلك
الساعة الرهيبة التي كان الموت المحتّم منه كقاب قوسين أو أدنى ؟!
مضافاً إلى الكوارث
التي أحاطت به ، فهو يرى أخاه قد أحاطت به جيوش الاُمويِّين ، وهو يستغيث فلا يُغاث ،
ويسمع صراخ عقائل النبوّة ومخدرات الرسالة ؛ فقد كان همّه الوحيد الرحيل من
ـــــــــــــــــــــ
(1) الإرشاد / 269 .
(2) مقاتل الطالبيِّين / 82 .
(3) تاريخ ابن الأَثير 3 / 294 .
الصفحة (219)
الدنيا ، واللحوق بأهل بيته الذين حصدتهم سيوف الاُمويِّين .
وبالإضافة لهذا كلّه فإنّ
السيدة اُمّ البنين (عليها السّلام) اُمّ السادة الأماجد كانت حيّة فهي التي تحوز ميراث أبنائها
؛ لأنّها
من الطبقة الأولى ، ولو كان لأبنائها أموال فإنّ أباهم الإمام أمير المؤمنين (عليه
السّلام) قد
انتقل من هذه الدنيا ولم يخلّف صفراء ولا بيضاء ، فمن أين جاءت أبناءه الأموال ؟
ومن المحتمل قوياً أن يكون الوارد في كلام سيّدنا أبي الفضل (عليه
السّلام) حتّى أثأركم , أيّ أطلب بثأركم , فحرّف كلامه .
مصارع إخوة العبّاس
واستجاب السادة إخوة العباس (عليهم السّلام) إلى نداء أخيهم فهبّوا للجهاد ، ووطّنوا نفوسهم على
الموت دفاعاً عن أخيهم ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فقد برز عبد الله بن
أمير المؤمنين (عليه السّلام) والتحم مع جيوش الاُمويِّين ، وهو يرتجز :
شيخي علي ذو الفخارِ الأطولِ من هاشم الخيرِ الكريمِ المفضلِ هـذا حسينُ ابنُ النبيِّ المرسلِ عـنه نحامي بالحسامِ المصقلِ تـفديهِ نـفسي مـن أخٍ مبجّلِ يا ربّ فامنحني ثوابَ المنزلِ
|
لقد أعرب بهذا الرجز عن اعتزازه وافتخاره بأبيه الإمام أمير المؤمنين
(عليه السّلام)
باب مدينة علم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ووصيه ، كما اعتزّ بأخيه سيّد شباب أهل
الجنّة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقد أعلن أنّه إنّما يدافع عنه لأنّه ابن
النبيّ (صلّى الله عليه وآله) , ويلتمس بذلك أن يمنحه الله الدرجات الرفيعة .
ولم يزل الفتى يُقاتل أعنف القتال وأشدّه حتّى شدّ عليه رجس من أرجاس أهل الكوفة
، وهو
هاني بن ثبيت الحضرمي فقتله(1) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 262 .
الصفحة (220)
وبرز من بعده أخوه جعفر ، وكان له من العمر تسعة عشر سنة فجعل يُقاتل قتال الأبطال
فبرز إليه قاتل أخيه فقتله(1) .
وبرز من بعده أخوه عثمان وهو ابن إحدى وعشرين سنة فرماه خولي بسهم فأضعفه ، وشدّ
عليه رجس من بني دارم وأخذ رأسه ؛ ليتقرّب به إلى ابن الأمة الفاجرة عبيد الله بن
مرجانة(2) .
لقد سمت أرواحهم الطاهرة إلى الرفيق الأعلى ، وهي أنضر ما تكون تفانياً في مرضاة
الله ، وأشدّ ما تكون إيماناً بعدالة تضحيتهم التي هي من أنبل التضحيات في العالم .
ووقف أبو الفضل على أشقّائه الذين مزّقت أشلاءهم سيوف الأعداء فجعل يتأمّل في
وجوههم المشرقة بنور الإيمان ، وأخذ يتذكّر وفاءهم وسموّ آدابهم ، وأخذ يذرف
عليهم أحرّ الدموع ، وتمنّى أن تكون المنيّة قد وافته قبلهم ، واستعدّ بعد ذلك إلى
الشهادة والفوز برضوان الله .
مصرع أبي الفضل (عليه السّلام)
ولمّا رأى أبو الفضل (عليه السّلام) وحدة أخيه ، وقتل أصحابه ، وأهل بيته الذين باعوا
نفوسهم لله انبرى إليه يطلب الرخصة منه ليلاقي مصيره المشرق فلم يسمح له الإمام ،
وقال له بصوت حزين النبرات : (( أنت صاحب لوائي )) .
لقد كان الإمام (عليه السّلام) يشعر بالقوّة والحماية ما دام أبو الفضل ، فهو كقوّة ضاربة إلى جانبه
يذبّ عنه ، ويردّ عنه كيد المعتدين . وألحّ عليه أبو الفضل
ـــــــــــــــــــــ
(1) الإرشاد / 269 .
(2) مقاتل الطالبيِّين / 83 .
الصفحة (221)
قائلاً : لقد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين ، واُريد أن آخذ ثأري منهم
.
لقد ضاق صدره ، وسئم من الحياة حينما رأى النجوم المشرقة من إخوته ، وأبناء عمومته
صرعى مجزّرين على رمضاء كربلاء ، فتحرّق شوقاً للأخذ بثأرهم والالتحاق بهم .
وطلب الإمام منه أن يسعى لتحصيل الماء إلى الأطفال الذين صرعهم العطش
، فانبرى
الشهم النبيل نحو اُولئك الممسوخين الذين خلت قلوبهم من الرحمة والرأفة ، فجعل
يعظهم ويحذّرهم من عذاب الله ونقمته ، ووجّه خطابه بعد ذلك إلى ابن سعد : يابن سعد ، هذا الحسين
ابن بنت رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) ؛ قد قتلتم أصحابه وأهل
بيته ، وهؤلاء عياله وأولاده عطاشى فاسقوهم من الماء ، قد أحرق الظمأ قلوبهم ، وهو
مع ذلك يقول : (( دعوني أذهب إلى الروم أو الهند ، واُخلّي لكم الحجاز والعراق )) .
وساد صمت رهيب على قوّات ابن سعد ، ووجم الكثيرون ، وودّوا أنّ الأرض تسيخ بهم ،
فانبرى إليه الرجس الخبيث شمر بن ذي الجوشن فردّ عليه قائلاً : يابن أبي تراب ، لو كان وجه الأرض كلّه ماءً ، وهو تحت أيدينا لما سقيناكم منه
قطرة إلاّ أن تدخلوا في بيعة يزيد .
لقد بلغت الخسّة ولؤم العنصر وخبث السريرة بهذا الرجس إلى مستوى ما له من
قرار .
وقفل أبو الفضل راجعاً إلى أخيه فأخبره بعتوّ القوم وطغيانهم ، وسمع فخر
عدنان صراخ الأطفال ، وهم يستغيثون ،
الصفحة (222)
وينادون : العطش العطش !
ورآهم أبو الفضل قد ذبلت شفاهم ، وتغيّرت ألوانهم ، وأشرفوا على الهلاك من شدّة
العطش ، وفزع أبو الفضل ، وسرى الألم العاصف في محيّاه ، واندفع ببسالة لإغاثتهم
، فركب فرسه ، وأخذ معه القربة ، فاقتحم الفرات ، فانهزم الجيش من بين يديه ،
واستطاع أن يفكّ الحصار الذي فرض على الماء فاحتلّه ، وكان قلبه الشريف كصالية الغضا من شدّة العطش ، فاغترف من الماء غرفة ليشرب منه ، إلاّ
إنّه تذكّر عطش أخيه
ومَنْ معه من النساء والأطفال ، فرمى الماء من يده ، وامتنع أن يروي غليله ، وقال :
يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني وبـعده لا كـنتِ أن تكوني هـذا الـحسينُ واردُ المنونِ وتـشربينَ بـاردَ الـمعينِ
تاللهِ مـا هـذا فـعالُ ديـني
|
إنّ الإنسانية بكلّ إجلال واحترام لتحيّي هذه الروح العظيمة التي تألّقت في دنيا
الفضيلة والإسلام ، وهي تلقي على الأجيال أروع الدروس عن الكرامة الإنسانية .
إنّ هذا الإيثار الذي تجاوز حدود الزمان والمكان كان من أبرز الذاتيّات في خُلق
سيّدنا أبي الفضل ، فلم تمكّنه عواطفه المترعة بالولاء والحنان أن يشرب من الماء
قبله ، فأيّ إيثار أنبل أو أصدق من هذا الإيثار؟
واتّجه فخر هاشم مزهوّاً نحو
المخيم بعدما ملأ القربة ، وهي عنده أثمن من حياته ، والتحم مع أعداء الله وأنذال
البشرية التحاماً رهيباً ، فقد أحاطوا به من كلّ جانب ليمنعوه من إيصال الماء إلى عطاشى آل النبيّ
(صلّى الله عليه وآله) ،
الصفحة (223)
وأشاع فيهم القتل والدمار ، وهو يرتجز :
لا أرهـب الموتَ إذا الموت زقا حـتّى اُوارى في المصاليت لقى نفسي لسبط المصطفى الطهر وقا إنّـي أنـا الـعباس أغدو بالسقا
ولا أخـاف الـشرّ يـوم الملتقى
|
لقد أعلن بهذا الرجز عن شجاعته النادرة ، وإنّه لا يخشى الموت ، وإنّما يستقبله
بثغر باسم دفاعاً عن الحقّ ، وفداءً لأخيه سبط النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ، وإنّه
لفخور أن يغدو بالسقاء مملوءاً من الماء ليروي به عطاشى أهل البيت (عليهم السّلام) .
وانهزمت الجيوش من بين يديه يُطاردها الفزع والرعب ، فقد ذكّرهم ببطولات أبيه فاتح
خيبر ، ومحطّم فلول الشرك ، إلاّ إنّ وضراً خبيثاً من جبناء أهل الكوفة كمن له من
وراء نخلة ، ولم يستقبله بوجهه ، فضربه على يمينه ضربة غادرة فبراها .
لقد قطع تلك
اليد الكريمة التي كانت تفيض برّاً وكرماً على المحرومين والفقراء ، والتي طالما
دافع بها عن حقوق المظلومين والمضطهدين ، ولم يعن بها بطل كربلاء ، وراح يرتجز :
واللهِ إن قـطعتم يـميني إنّي اُحامي أبداً عن ديني وعـن إمامٍ صادقِ اليقينِ نجلِ النبيِّ الطاهرِ الأَمينِ
|
ودلّل بهذا الرجز على الأهداف العظيمة ، والمثل الكريمة التي يناضل من أجلها
، فهو إنّما يناضل دفاعاً عن الإسلام ، ودفاعاً عن إمام المسلمين وسيّد شباب أهل الجنّة .
ولم يبعد العباس قليلاً حتّى كمن له من وراء نخلة رجس من أرجاس البشرية
، وهو الحكيم
بن الطفيل الطائي فضربه على يساره فبراها ، وحمل القربة بأسنانه ـ حسبما تقول بعض
المصادر ـ وجعل يركض ليوصل الماء إلى عطاشى أهل البيت (عليهم السّلام) , وهو غير حافل
بما كان يعانيه من نزف
الصفحة (224)
الدماء وألم الجراح وشدّة العطش ، وكان ذلك حقّاً هو منتهى ما وصلت إليه
الإنسانية من الشرف والوفاء والرحمة .
وبينما هو يركض وهو بتلك الحالة إذ أصاب
القربة سهم غادر فأُريق ماؤها ، ووقف البطل حزيناً ، فقد كان إراقة الماء عنده أشدّ
عليه من قطع يديه ، وشدّ عليه رجس فعلاه بعمود من حديد على رأسه الشريف ففلق هامته
، وهوى إلى الأرض ، وهو يؤدّي تحيّته ، ووداعه الأخير إلى أخيه قائلاً : عليك منّي السلام أبا عبد الله
.
وحمل الأثير محنته إلى أخيه فمزّقت قلبه ، ومزّقت أحشاءه ، وانطلق نحو نهر العلقمي
حيث هوى إلى جنبه أبو الفضل ، واقتحم جيوش الأعداء ، فوقف على جثمان أخيه فألقى
بنفسه عليه ، وجعل يضمّخه بدموع عينيه ، وهو يلفظ شظايا قلبه الذي مزّقته الكوارث
، قائلاً : (( الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي ، وشمت بي عدوّي
)) .
وجعل إمام الهدى (عليه السّلام) يطيل النظر إلى جثمان أخيه ، وقد انهارت قواه ، وانهدّ ركنه
، وتبددت
جميع آماله ، وودّ أنّ الموت قد وافاه قبله ، وقد وصف السيّد جعفر الحلّي حالته
بقوله :
فمشى لمصرعهِ الحسينُ وطرفُهُ بــيـن الـخـيامِ وبينه متقسّمُ ألـفـاه مـحجوبَ الجمالِ كأنّه بــدرٌ بـمنحطمِ الوشيجِ ملثّمُ فـأكـبَّ مـنحنياً عليه ودمعُهُ صـبـغَ البسيطَ كأنّما هو عندمُ قـد رامَ يـلثمهُ فلم يرَ موضعاً لـم يـدمهِ عضُّ السلاحِ فيلثمُ نـادى وقد ملأ البواديَ صيحةً صـمُّ الـصـخورِ لهولها تتألّمُ أاُخـيَّ يـهنيكَ النعيمُ ولم أخلْ تـرضى بأن أُرزى وأنتَ منعّمُ أاُخـي مَـنْ يحمي بناتَ محمّدٍ إذ صرنَ يسترحمنَ مَنْ لا يرحمُ
|
الصفحة (225)
مـا خلتُ بعدكَ أن تشلَّ سواعدي وتـكفَّ بـاصرتي وظهري يُقصمُ لـسـواك يـلـطمُ بالأكفِّ وهذه بـيضُ الظُّبا لك في جبيني تلطمُ ما بينَ مصرعك الفضيعِ ومصرعي إلاّ كـمـا أدعـوكَ قـبـلُ وتنعمُ هــذا حـسامُكَ مَنْ يذلّ بهِ العدا ولـــواكَ هـذا مَـنْ بـهِ يتقدّمُ هـوّنـتَ يابن أبي مصارعَ فتيتي والـجرحُ يُـسكنهُ الذي هو آلـمُ
|
وهو وصف دقيق للحالة الراهنة التي حلّت بسيّد الشهداء بعد فقده لأخيه
.
ووصف شاعر
آخر وهو الحاج محمد رضا الأزري وضع الإمام (عليه السّلام) بقوله :
وهـوى عـلـيـهِ ما هنالك قائلاً الـيـومُ بانَ عن اليمينِ حسامُها الـيومُ سـارَ عن الكتائبِ كبشها الـيـومُ بـانَ عن الهداةِ إمامُها الـيـومُ آلَ إلـى الـتفرّقِ جمعنا الـيـومُ حـلَّ عن البنودِ نظامُها الـيـومُ نـامت أعينٌ بكَ لم تنم وتـسـهّدت اُخـرى فعزَّ منامُها أشقيقَ روحي هل تراكَ علمتَ أن غـودرتَ وانـثالت عليكَ لئامُها قد خلتُ أُطبقت السماءُ على الثرى أو دُكـدكـت فوقَ الربى أعلامُها لـكن أهـانَ الخطبَ عندي إنّني بـكَ لاحـقٌ أمراً قضى علاّمُها
|
ومهما قال الشعراء والكتّاب فإنّهم لا يستطيعون أن يصفون ما ألمّ بالإمام
(عليه السّلام) من فادح
الحزن وعظيم المصاب . ووصفه أرباب المقاتل بأنّه قام من أخيه وهو لا يتمكّن أن ينقل قدميه
، وقد بان عليه الانكسار ، وهو الصبور ، واتّجه صوب المخيّم ، وهو يكفكف دموعه ،
فاستقبلته سكينة قائلة : أين عمّي أبو الفضل ؟
فغرق بالبكاء ، وأخبرها بنبرات متقطّعة من شدّة البكاء بشهادته ،
الصفحة (226)
وذعرت سكينة وعلا صراخها ، ولمّا سمعت بطلة كربلاء حفيدة الرسول
(صلّى الله عليه وآله) بشهادة أخيها الذي ما ترك لوناً من ألوان البرّ والمعروف إلاّ قدّمه لها
, أخذت تعاني آلام الاحتضار ، ووضعت يدها على قلبها المذاب ، وهي تصيح : وا أخاه ! وا عبّاساه
! وا ضيعتنا بعدك !
يا لهول الفاجعة ! يا لهول الكارثة ! لقد ضجّت البقعة من كثرة الصراخ والبكاء ، وأخذت عقائل
النبوّة يلطمن الوجوه وقد أيقنّ بالضياع بعده ، وشاركهنّ الثاكل الحزين أبو الشهداء
في محنتهنّ ومصابهنّ ، وقد علا صوته قائلاً : وا ضيعتنا بعدك يا أبا الفضل !
لقد شعر أبو عبد الله (عليه السّلام) بالضيعة والغربة بعد فقده لأخيه الذي ليس مثله أخ
في برّه ووفائه ومواساته ، فكانت فاجعته به من أقسى ما مُني به من المصائب
والكوارث .
وداعاً يا قمر بني هاشم .
وداعاً يا فجر كلّ ليل .
وداعاً يا رمز المواساة والوفاء .
سلام عليك يوم ولدت ، ويوم استشهدت ، ويوم تُبعث حيّاً .
والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على
محمّد وآله الطاهرين |