الإمـام الحسيـن(عليه السّلام)

 
 

الصفحة (51)

جبرئيل فلا ترضعيه حتّى أجيء إليكِ ولو أقمت شهراً )) .

قالت : (( أفعل ذلك )) .

وخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في بعض وجوهه ، فولدت فاطمة الحسين (عليه السّلام) , فما أرضعته حتّى جاء رسول الله , فقال لها : (( ماذا صنعت ؟ )) .

قالت : (( ما أرضعته )) .

فأخذه فجعل لسانه في فمه , فجعل الحسين يمصّ حتّى قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) : (( إيهاً حسين ! إيهاً حسين ! )) . ثمّ قال : (( أبى الله إلاّ ما يريد ، هي فيك وفي ولدك ))(1) , يعني الإمامة .

9 ـ إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان جالساً فأقبل الحسن والحسين (عليهما السّلام) ، فلمّا رآهما النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قام لهما واستبطأ بلوغهما إليه ، فاستقبلهما وحملهما على كتفيه ، وقال : (( نعم المطيّ مطيّكما ، ونعم الراكبان أنتما ، وأبوكما خير منكما ))(2) .

كنيته وألقابه

أمّا كنيته فهي : أبو عبد الله .

وأمّا ألقابه فهي : الرشيد ، والوفي ، والطيّب ، والسيّد ، والزكيّ ، والمبارك ، والتابع لمرضاة الله ، والدليل على ذات الله ، والسبط . وأشهرها رتبةً ما لقّبه به جدّه (صلّى الله عليه وآله) في قوله عنه وعن أخيه : (( إنّهما سيّدا شباب أهل الجّنة )) .

وكذلك السبط ؛ لقوله (صلّى الله عليه وآله) : (( حسين سبط من الأسباط ))(3) .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 43 / 254 ، وراجع المناقب 3 / 50 .
(2) بحار الأنوار 43 / 285 ـ 286 ، راجع ذخائر العقبى / 130 .
(3) أعيان الشيعة 1 / 579 .

الصفحة (52)

الفصل الثاني :

 مراحل حياة الإمام الحسين (عليه السّلام)

تنقسم حياة كلّ إمام من الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) إلى قسمين متميّزين :

الأوّل : من الولادة إلى حين استلامه لمقاليد الإمامة والولاية المناطة إليه من الله ، والمنصوص عليها على لسان رسوله والأئمّة (عليهم السّلام) أنفسهم .

والثاني : يبدأ من يوم تصدّيه لإدارة اُمور المسلمين والمؤمنين إلى يوم استشهاده .

وقد يشتمل كلّ قسم على عدّة مراحل حسب طبيعة الظروف والأحداث التي تميّز كلّ مرحلة .

ونحن ندرس الفترة الاُولى بجميع مراحلها وأهمّ أحداثها ـ وهي فترة الولادة حتّى الإمامة ـ في الفصل الثالث من الباب الثاني ، بينما ندرس الفترة الثانية بمراحلها المختلفة بشكل تفصيلي في الباب الثالث .

وينبغي أن نعرف أنّ الفترة الاُولى من حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) كانت ذات أربع مراحل هي :

1 ـ حياته في عهد جدّه (صلّى الله عليه وآله) ، وهي من السّنة (4) إلى (10) هجرية .

2 ـ حياته في عهد الخلفاء الثلاثة ، وهي من السّنة (11) إلى (35) هجرية .


الصفحة (53)

3 ـ حياته في عهد الدولة العلوية المباركة ، أي منذ البيعة مع أبيه إلى يوم استشهاده (صلوات الله عليه) ، وهي من السّنة (35) إلى (40) هجرية .

4 ـ حياته في عهد أخيه الحسن المجتبى (عليه السّلام) وهي عشر سنوات تقريباً ، أي من أواخر شهر رمضان سنة (40) هجرية إلى بداية أو نهاية صفر سنة (50) هجرية حيث استشهد الحسن (عليه السّلام) ، وتصدّى هو للأمر من بعده .

وأمّا الفترة الثانية من حياته وهي التي تبدأ بعد استشهاد أخيه (عليه السّلام) وتنتهي باستشهاده بأرض الطفّ يوم عاشوراء سنة ( 61 ) هجرية ، فهي ذات مرحلتين متميّزتين :

1 ـ المرحلة الاُولى : مدّة حياته خلال حكم معاوية ، حيث بقي (صلوات الله عليه) ملتزماً بالهدنة التي عُقدت مع معاوية بالرغم من تخلّف معاوية عن كلّ الشّروط التي اشتُرطت عليه من قبل الإمام الحسن (عليه السّلام) ، وقد جسّد تمرّده على كلّ شروط الصلح بإيعاز السمّ الفاتك إلى الإمام الحسن (عليه السّلام) ؛ ليتخلّص من رقيب مناهض ، ويزيل الموانع عن ترشيح ولده الفاسق يزيد .

2 ـ المرحلة الثانية : وتبدأ بفرض معاوية ابنه يزيد حاكماً متحكّماً في رقاب المسلمين بعد موت أبيه ، وسعيه لأخذ البيعة من الحسين (عليه السّلام) للقضاء على المعارضة التي كان قد عرف جذورها أيام أبيه .

ومن هنا تبدأ نهضته التي كانت بركاناً تحت الرماد ، فانفجرت بانفجار الفسق والفجور وظهورهما على مسرح القيادة وجهاز الحكم ، فبدأ حركته من المدينة إلى مكّة ثمّ إلى العراق ، وتوّج صبره وجهاده بدمائه الطاهرة ودماء أهل بيته وأصحابه الأصفياء التي قدّمها في سبيل الله تعالى .


الصفحة (54)

الفصل الثالث :

 الإمام الحسين (عليه السّلام) من الولادة إلى الإمامة

الإمام الحسين (عليه السّلام) في عهد الرّسول (صلّى الله عليه وآله)

في حياة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والرسالة الإسلاميّة مساحة واسعة لبيت عليّ وفاطمة وأبنائهما (عليهم السّلام) ، ومعاني ودلالات عميقة ؛ حيث إنّه البيت الذي سيحتضن الرسالة ، ويتحمّل عبء الخلافة ، ومسؤولية صيانة الدين والاُمّة .

وكان لا بدّ لهذا البيت أن ينال القسط الأوفى ، والحظّ الأوفر من فيض حبّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ورعايته واُبوّته ، فلم يدّخر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وسعاً أن يروّي شجرته المباركة في بيت عليّ (عليه السّلام) ، ويتعهّدها صباح مساء مُبيّناً أنّ مصير الاُمّة مرهون بسلامة هذا البيت وطاعة أهله ، كما يتجلّى ذلك في قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ علياً راية الهدى بعدي ، وإمام أوليائي , ونور مَنْ أطاعني ))(1) .

وحين أشرقت الدنيا بولادة الحسين (عليه السّلام) ; أخذ مكانته السّامية في قلب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وموضعه الرفيع في حياة الرسالة .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) حلية الأولياء 1 / 67 ، ونظم درر السّمطين / 114 ، وتاريخ ابن عساكر 2 / 189 ح 680   ، ومقتل الخوارزمي 1 / 43 ، وجامع الجوامع ـ للسيوطي 6 / 396 ، ومنتخب الكنز 6 / 953 ح2539 ، والفصول المهمّة ـ لابن الصباغ / 107 ، وتاريخ الخلفاء ـ للسيوطي / 173 ، ومجمع الزوائد 9 / 135 ، وكنز العمّال 5 / 153 ، وصحيح الترمذي 5 / 328 ح3874 ، واُسد الغابة 2 / 12 .

الصفحة (55)

وبعين الخبير البصير ، والمعصوم المسدّد من السّماء وجد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في الوليد الجديد وريثاً للرسالة بعد حين ، ثائراً في الاُمّة بعد زيغ وسكون ، مُصلحاً في الدين بعد انحراف واندثار ، مُحيياً للسنّة بعد تضييع وإنكار ، فراح النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يهيّئه ويعدّه لحمل الرسالة الكبرى مستعيناً في ذلك بعواطفه وساعات يومه ، وبهديه وعلّمه ; إذ عمّا قليل سيضطلع بمهام الإمامة في الرسالة الخاتمة بأمر الله تعالى .

فها هو (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( الحسن والحسين ابناي , مَنْ أحبّهما أحبّني ، ومَنْ أحبّني أحبّه الله ، ومَنْ أحبّه الله أدخله الجّنة ، ومَنْ أبغضهما أبغضني ، ومَنْ أبغضني أبغضه الله ، ومَنْ أبغضه الله أدخله النّار ))(1) .

وهل الحبّ إلاّ مقدّمة الطاعة وقبول الولاية ! بل هما بعينهما في المآل .

لقد كان النبي (صلّى الله عليه وآله) يتألّم لبكائه ، ويتفقّده في يقظته ونومه ، يوصي اُمّه الطاهرة فاطمة (صلوات الله عليها) أن تغمر ولده المبارك بكلّ مشاعر الحنان والرفق(2) .

حتّى إذا درج الحسين (عليه السّلام) صبيّاً يتحرّك شرع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يُلفت نظر النّاس إليه ، ويهيّئ الأجواء لأن تقبل الاُمّة وصاية ابن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عليها ، فكم تأنّى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في سجوده والحسين يعلو ظهره (صلّى الله عليه وآله) ؛ ليظهر للاُمّة حبّه له ، وكذا مكانته ، وكم سارع النبيّ يقطع خطبته ليلقف ابنه القادم نحوه متعثّراً فيرفعه معه على منبره(3) ؟ كلّ ذلك ليدلّ على منزلته ودوره الخطير في مستقبل الاُمّة .

وحين قدم وفد نصارى نجران يحاجج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في دعوته إلى

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الحاكم 3 / 166 ، وتأريخ ابن عساكر / ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وإعلام الورى 1 / 432 .
(2) مجمع الزوائد 9 / 201 ، وسير أعلام النبلاء 3 / 191 ، وذخائر العقبى / 143 .
(3) مسند أحمد 5 / 354 ، وإعلام الورى 1 / 433 ، وكنز العمال 7 / 168 ، وصحيح الترمذي 5 / 616 ح3774 .

الصفحة (56)

الإسلام وعقيدة التوحيد الخالص ، وامتنع عن قبولها رغم وضوح الحق أمر الله تعالى بالمباهلة ؛ فخرج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إليهم ومعه خير أهل الأرض تقوىً وصلاحاً ، وأعزّهم على الله مكانةً ومنزلةً ؛ عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السّلام) ، ليباهل بهم أهل الكفر والشرك وانحراف المعتقد ، ومُدَلّلاً بذلك ـ في نفس الوقت ـ على أنّهم أهل بيت النبوّة ، وبهم تقوم الرسالة الإسلاميّة ، فعطاؤهم من أجل العقيدة لا ينضب(1) .

وما كان من النصارى إذ رأوا وجوهاً مشرقة ، وطافحة بنور التوحيد والعصمة إلاّ أن تراجعوا عن المباهلة ، وقبلوا بأن يعطوا الجزية عنيد وهم صاغرون .

لقد كانت هذه الفترة القصيرة التي عاشها الحسين (عليه السّلام) مع جدّه (صلّى الله عليه وآله) من أهمّ الفترات وأروعها في تأريخ الإسلام كلّه ، فقد وطّد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) فيها أركان دولته المباركة ، وأقامها على أساس العلم والإيمان ، وهزم جيوش الشرك ، وهدم قواعد الإلحاد ، وأخذت الانتصارات الرائعة تترى على الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه الأوفياء ؛ حيث أخذ النّاس يدخلون في دين الله أفواجاً .

وفي غمرة هذه الانتصارات فوجئت الاُمّة بالمصاب الجلل حين توفّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فخيّم الأسى العميق على المسلمين وبخاصة على أهل بيته (عليهم السّلام) الذين أضنتهم المأساة ، ولسعتهم حرارة المصيبة بغياب شخص النبيّ (صلّى الله عليه وآله) .

ـــــــــــــــــــــــ
(1) مسند أحمد 1 / 185 ، وصحيح مسلم ، كتاب الفضائل باب فضائل علي 2 / 360 ، وصحيح الترمذي 4 / 293 ح5 208 ، والمستدرك على الصحيحين 3 / 150 .

الصفحة (57)

ميراث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لسبطيه (عليهما السّلام)

ولمّا علمت سيّدة نساء العالمين أنّ لقاء أبيها بربّه (عزّ وجلّ) قريب أتت بابنيها الحسن والحسين (عليهما السّلام) فقالت : (( يا رسول الله ، هذان ابناك فورّثهما شيئاً )) .

فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( أمّا الحسن فإنّ له هيبتي وسؤددي ، وأمّا الحسين فإنّ له شجاعتي وجودي ))(1) .

وصيّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بالسّبطين (عليهما السّلام)

ووصّى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الإمام عليّاً برعاية سبطيه ، وكان ذلك قبل موته بثلاثة أيام ، فقد قال له : (( سلام الله عليك أبا الريحانتين ، اُوصيك بريحانتيَّ من الدنيا ، فعن قليل ينهدّ ركناك ، والله خليفتي عليك )) .

فلمّا قبض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال عليّ (عليه السّلام) : (( هذا أحد ركنيَّ الذي قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) . فلمّا ماتت فاطمة (عليها السّلام) قال عليّ : (( هذا الركن الثاني الذي قال لي رسول الله ))(2) .

لوعة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على الحسين (عليه السّلام)

حضر الإمام الحسين (عليه السّلام) عند جدّه الرّسول (صلّى الله عليه وآله) حينما كان يعاني آلام المرض ويقترب من لحظات الاحتضار ، فلمّا رآه ضمّه إلى صدره وجعل يقول : (( ما لي وليزيد ! لا بارك الله فيه )) . ثمّ غشي عليه طويلاً ، فلمّا أفاق أخذ يوسع الحسين تقبيلاً وعيناه تفيضان بالدموع ، وهو يقول : (( أما إنّ لي ولقاتلك موقفاً بين يدي الله (عزّ وجلّ) ))(3) .

وفي اللحظات الأخيرة من عمره الشريف (صلّى الله عليه وآله) ألقى السّبطان (عليهما السّلام) بأنفسهما عليه وهما يذرفان الدموع والنبيّ (صلّى الله عليه وآله) يوسعهما تقبيلاً ، فأراد أبوهما أمير المؤمنين (عليه السّلام) أن ينحّيهما عنه فأبى (صلّى الله عليه وآله) وقال له : (( دعهما يتزوّدا

ــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 43 / 263 ، ومناقب آل أبي طالب 2 / 465 ، ونظم درر السّمطين / 212 .
(2) بحار الأنوار 43 / 262 .
(3) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) ـ باقر شريف القرشي 1 / 218   ، نقلاً عن مثير الأحزان .

 الصفحة (58)

منّي وأتزوّد منهما , فستصيبهما بعدي إثرة ))(1) .

ثمّ التفت (صلّى الله عليه وآله) إلى عوّاده فقال لهم : (( قد خلّفت فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فالمضيّع لكتاب الله كالمضيّع لسنّتي ، والمضيّع لسنّتي كالمضيّع لعترتي ، إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ))(2) .

ــــــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين ـ للخوارزمي 1 / 114 .
(2) المصدر السابق .

الصفحة (59)

الإمام الحسين (عليه السّلام) في عهد الخلفاء

الحسين (عليه السّلام) في عهد أبي بكر

لقد كان أهل البيت (عليهم السّلام) بما فيهم الحسن والحسين (عليهما السّلام) مفجوعين بوفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ، وألم المأساة يهيمن على قلوبهم وهم مشغولون بجهاز أعظم نبيّ عرفه التاريخ الإنساني ، إذ توجّهت إليهم صدمةٌ اُخرى ضاعفت آلامهم ، وبدّدت آمالهم التي غرسها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في نفوسهم ونفوس الاُمّة .

إنها صدمة مصادرة الخلافة وتنحية الإمام علي (عليه السّلام) عن مسرح القيادة ، ومصادرة المنصب الذي نصّبه فيه الرّسول (صلّى الله عليه وآله) بأمر الله تعالى .

وكانت هذه الصدمة العنيفة بداية لمُسلسل القلق والاضطهاد الذي فرضه الخطّ الحاكم بعد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) على أهل بيت الرّسول (صلّى الله عليه وآله) ; لتحقيق العزل التام ، والإبعاد الكامل لهم عن موقع القيادة بعد الرّسول (صلّى الله عليه وآله) .

لوعة شهادة الزهراء (عليها السّلام)

كان لوفاة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وقع مؤلم في روح الإمام الحسين الطاهرة ، وهو لم يكن بعد قد أنهى ربيعه الثامن .

وما هي إلاّ مدّة قصيرة وإذا بالحسين (عليه السّلام) يُفجع باستشهاد اُمّه فاطمة بنت رسول الله بتلك الصورة المأساوية ، بعد أن ظلّت تعاني من الظلم والقهر ، وألم اغتصاب حقّها طوال الأيام التي عاشتها بعد أبيها (صلّى الله عليه وآله) ، فكانت تنعكس معاناتها في روحه اللطيفة ; إذ كان كلّما نظر إلى اُمّه بعد وفاة أبيها شاهدها باكيةً ، محزونة القلب ، منكسرة الخاطر .

وقد روي : أنّها (سلام الله عليها) ما زالت بعد أبيها معصّبة الرأس ، ناحلة


الصفحة (60)

الجسم ، منهدّة الركن ، باكية العين ، محترقة القلب ، يغشى عليها ساعة بعد ساعة ، وتقول لولديها : (( أين أبوكما الذي كان يكرمكما ويحملكما مرّةً بعد مرّة ؟ أين أبوكما الذي كان أشدّ النّاس شفقةً عليكما ، فلا يدعكما تمشيان على الأرض ؟ ولا أراه يفتح هذا الباب أبداً ، ولا يحملكما على عاتقه كما لم يزل يفعل بكما ))(1) .

وروي أن الزهراء (عليها السّلام) بعد وفاة أبيها (صلّى الله عليه وآله) كانت تصطحب الحسنين معها إلى البقيع , حيث تظلّ تبكي إلى المساء ، فيأتي أمير المؤمنين (عليه السّلام) فيعود بهم إلى البيت .

ونقل الرواة عن أسماء بنت عميس قصّة استشهادها مفصّلاً ، وقد جاء فيها أنّ الحسن والحسين (عليهما السّلام) دخلا البيت بُعَيد وفاة اُمّهما , فقالا : (( يا أسماء , ما يُنيم اُمّنا في هذه الساعة ؟! )) .

قالت : يا ابني رسول الله ، ليست اُمّكما نائمة ، بل فارقت روحها الدنيا .

فوقع عليها الحسن يقبّلها مرةً ويقول : (( يا اُمّاه ، كلّميني قبل أن تفارق روحي بدني )) .

قالت : وأقبل الحسين يقبّل رجلها ويقول : (( يا اُمّاه ، أنا ابنك الحسين , كلّميني قبل أن يتصدّع قلبي فأموت )) .

قالت لهما أسماء : يا ابني رسول الله , انطلقا إلى أبيكما علي فأخبراه بموت اُمّكما .

فخرجا حتّى إذا كانا قرب المسجد رفعا أصواتهما بالبكاء ، فابتدرهما جميع الصحابة ، فقالوا : ما يبكيكما يا ابني رسول الله ؟ لا أبكى الله أعينكما(2) .

وجاء في نصّ آخر : أنّه بعد أن فرغ أمير المؤمنين (عليه السّلام) من تغسيل الزهراء (عليها السّلام) نادى : (( يا اُمّ كلثوم , يا زينب , يا سكينة(3) , يا فضّة , يا حسن , يا حسين , هلمّوا تزوّدوا من اُمّكم ، فهذا الفراق ، واللقاء الجّنة )) .

فأقبل الحسن والحسين (عليهما السّلام) وهما

ــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 43 / 181 .
(2) المصدر السابق / 186 .
(3) لم نجد في جلِّ مصادر التاريخ مَن يذكر أنّ للزهراء (عليها السّلام) بنتاً اسمها سكينة كي تدخل في مجموع مَن ناداهم الإمام (عليه السّلام) , وأمّا بالنسبة إلى فضة الخادمة فيمكن حمل كلام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لها على المجاز , أي أنها بمثابة البنت للزهراء (عليها السّلام) ، أو من باب إطلاق الكلِّ وإرادة الجزء . (موقع معهد الإمامين الحسنَين)
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى