|
الصفحة (191)
فشدَّ على النّاس وهو يقول :
أنا عليُّ بن الحسين بن علي نحن وبيت الله أولى بالنَّبي
تالله لا يحكم فينا ابنُ الدَّعي
|
ففعل ذلك مراراً وأهل الكوفة يتَّقون قتله ، فبصر به مرّة بن منقذ العبديّ فقال
: عليَّ إثم العرب إن مرَّ بي يفعل مثل ذلك إن لم أثكل أباه . فمرَّ يشدُّ على
النّاس كما مرَّ في الأوّل ، فاعترضه مرّة بن منقذ فطعنه فصُرع ، واحتوشه القومُ
فقطّعوه بأسيافهم ، فجاء الحسين (عليه السّلام) حتّى وقف عليه فقال :
(( قتل الله
قوماً قتلوك يا بُنيَّ ، ما أجرأَهم على الرّحمن وعلى انتهاك حرمة الرّسول !
))
. وانهملت عيناه بالدُّموع ، ثمّ قال : (( على الدُّنيا بعدك العفا
! )) .
وخرجت زينب أخت
الحسين مسرعةً تنادي : يا أُخيّاه وابن أُخيّاه ، وجاءت حتّى أكبّت عليه
، فأخذ
الحسينُ برأسها فردَّها إلى الفسطاط ، وأمر فتيانه فقال :
(( احملوا أخاكم )) . فحملوه حتّى وضعوه بين يدي الفسطاط الّذي كانوا يقاتلون أمامه .
ثمّ رمى رجلٌ من أصحاب عمر بن سعد يُقال له : عمرو بن صبيح عبد الله بن مسلم بن عقيل
(رحمه الله) بسهم ، فوضع عبد الله يده على جبهته يتّقيه ، فأصاب السّهم كفَّه ونفذ
إلى جبهته فسمّرها به فلم يستطع تحريكها ، ثمّ انتحى عليه آخر برمحه فطعنه في قلبه
فقتله .
وحمل عبد الله بن قُطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه)
فقتله .
وحمل عامر بن نهشل التّيميّ على محمّد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه)
فقتله .
وشدَّ عثمان بن خالد الهمدانيّ على عبد الرّحمن بن عقيل بن أبي طالب (رضي الله عنه)
فقتله .
قال حميد بن مسلم : فإنّا لكذلك إذ خرج علينا غلام كأنَّ وجهه شقَّة
الصفحة (192)
قمر ، في يده سيف وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع إحداهما ، فقال لي عمر بن
سعيد بن نفيل الأزديّ : والله لأشدَّنَّ عليه . فقلت : سبحان الله ! وما تريد بذلك ؟!
دعه يكفيكه هؤلاء القوم الّذين ما يبقون على أحد منهم . فقال : والله لأشدَّنَّ
عليه ، فشدَّ عليه فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسّيف ففلقه ، ووقع الغلام لوجهه فقال
: يا عمّاه ، فجلى(1) الحسين (عليه السّلام) كما يجلي الصقر
، ثمّ شدَّ شدّة ليث أُغضب ، فضرب عمر بن سعيد بن نفيل بالسّيف فاتّقاها بالسّاعد فأطنَّها من لدن المرفق ،
فصاح صيحة سمعها أهل العسكر ، ثمّ تنحّى عنه الحسين (عليه السّلام) ، وحملت خيل
الكوفة لتستنقذه فوطأته بأرجلها حتّى مات .
وانجلت الغبرة فرأيت الحسين (عليه السّلام) قائماً على رأس الغلام وهو يفحص برجله
، والحسين يقول : (( بُعداً لقوم قتلوك ، ومَنْ خصمهم يوم القيامة فيك جدُّك
)) . ثمّ قال : ((
عزَّ ـ والله ـ على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا ينفعك ، صوت ـ والله ـ
كثرَ واتروه ، وقلَّ ناصروه )) .
ثمّ حمله على صدره ، فكأنِّي أنظر إلى رجلي الغلام
تخطّان الأرض ، فجاء به حتّى ألقاه مع ابنه عليِّ بن الحسين والقتلى من أهل بيته ،
فسألت عنه فقيل لي : هو القاسم بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السّلام) .
ثمّ جلس الحسين (عليه السّلام) أمام الفسطاط , فاُتي بابنه عبد الله بن الحسين وهو طفل
فأجلسه في حجره ، فرماه رجل من بني أسد بسهم فذبحه ،
فتلقّى الحسين (عليه السّلام) دمه ، فلمّا ملأ كفَّه صبَّه في الأرض
ثمّ قال : (( ربّ إن تكن حبست عنّا النّصر من السّماء فاجعل ذلك لما هو خير ، وانتقم لنا من هؤلاء القوم الظّالمين
)) .
ثمّ حمله حتّى وضعه مع قتلى أهله .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) جلّى ببصره : إذا رمى به كما ينظر الصقر إلى الصيد . « الصحاح
ـ جلا ـ 6 : 2305 » .
الصفحة (193)
ورمى عبد الله بن عقبة الغنويّ أبا بكر بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم
السّلام) فقتله .
فلمّا رأى العبّاس بن عليّ (رحمة الله عليه) كثرة القتلى في أهله قال لإخوته من اُمِّه
, وهم عبد الله وجعفر وعثمان
: يا بني اُمِّي , تقدّموا حتّى أراكم قد نصحتم لله ولرسوله ...
فتقدّم عبد الله فقاتل قتالاً شديداً
، فاختلف هو
وهانئ بن ثبيت الحضرميّ ضربتين فقتله هانئ (لعنه الله) . وتقدّم بعده جعفر بن عليّ
(عليه السّلام) فقتله أيضاً هانئ . وتعمّد خوليُّ بن يزيد الأصبحيّ عثمان بن عليّ
(عليه السّلام) وقد قام مقام إخوته , فرماه بسهم فصرعه ، وشدَّ عليه رجل من بني دارم
فاحتزَّ رأسه .
وحملت الجماعة على الحسين (عليه السّلام) فغلبوه على عسكره ، واشتدَّ به العطش ،
فركب المسنّاة(1) يريد الفرات وبين يديه العبّاس أخوه ، فاعترضته خيل ابن سعد
, وفيهم رجل من بني دارم , فقال لهم : ويلكم ! حولوا بينه وبين
الفرات ولا تمكِّنوه من الماء .
فقال الحسين (عليه السّلام) :
((
اللّهمّ أظمئه )) .
فغضب الدّارميُّ ورماه بسهم فأثبته في حنكه ، فانتزع الحسين (عليه السّلام) السّهم وبسط يده تحت حنكه فامتلأت راحتاه بالدَّم ، فرمى به
ثمّ قال : (( اللّهمَّ إنِّي أشكو إليك ما يُفعل بابن بنت نبيِّك
)) . ثمّ رجع إلى مكانه
وقد اشتدَّ به العطش .
استشهاد الإمام الحسين (عليه السّلام)
لم يبقَ مع الإمام الحسين (عليه السّلام) سوى أخيه العباس الذي تقدّم إليه يطلب منه
الإذن في قتال القوم فبكى الحسين وعانقه ، ثمّ أذن له فكان يحمل على أهل الكوفة فينهزمون بين يديه كما تنهزم المعزى من الذئاب الضارية
_____________________
(1) المسناة : تراب عال يحجز بين النهر والأرض الزراعية . « تاج
العروس ـ سنى ـ 10 : 185 » .
الصفحة (194)
وضجّ أهل الكوفة من كثرة مَنْ قُتل منهم ، ولمّا قُتل قال الحسين (عليه السّلام) :
(( الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي ، وشمت بي عدوّي ))(1) .
وفي رواية اُخرى : إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) اتجه إلى نهر الفرات وبين يديه
أخوه العباس , فاعترضته خيل ابن سعد (لعنه الله) , وفيهم رجل من بني دارم , فقال لهم :
ويلكم ! حولوا بينه وبين الفرات ولا تمكّنُوهُ من الماء .
فقال الحسين (عليه السّلام) :
(( اللّهمّ أظمئه )) .
فغضب الدارمي ورماه بسهم فأثبته في حنكه , فانتزع الحسين (عليه السّلام)
السّهم ، وبسط يده تحت حنكه فامتلأت راحتاه من الدم , فرمى به ثمّ قال :
(( اللّهمّ إنّي أشكو
إليك ما يُفعل بابن بنت نبيّك )) .
ثمّ رجع إلى مكانه وقد اشتدّ به العطش
, وأحاط القوم
بالعبّاس (عليه السّلام) فاقتطعوه عنه ، فجعل يقاتلهم وحده حتّى قُتل (رحمة الله
عليه)(2) .
ونظر الحسين (عليه السّلام) إلى ما حوله ، ومدّ ببصره إلى أقصى الميدان فلم يرَ أحداً
من أصحابه وأهل بيته إلاّ وهو يسبح بدم الشهادة ، مقطّعَ الأوصال والأعضاء .
وهكذا بقي الإمام (عليه السّلام) وحده يحمل سيف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبين جنبيه قلب علي
(عليه السّلام)
، وبيده راية الحقّ البيضاء ، وعلى لسانه كلمة
التقوى .
الحسين (عليه السّلام) وحيداً في الميدان
حينما التفت أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام) يميناً وشمالاً ولم يرَ أحداً يذبّ
عن حرم رسول الله أخذ ينادي : (( هل من ذابٍّ يذبّ عنا ؟ )) فخرج الإمام زين العابدين
(عليه السّلام) من الفسطاط ، وكان مريضاً لا يقدر أن يحمل سيفه واُمّ كلثوم تنادي خلفه : يا بُني ارجع . فقال :
(( يا عمّتاه ، ذريني اُقاتل بين يدي ابن
ــــــــــــــــــــــــ
(1) سيرة الأئمّة الاثني عشر 2 / 77 ، بحار الأنوار 45 / 440 ، المنتخب ـ للطريحي
/ 431 .
(2) الإرشاد 2 / 109 .
الصفحة (195)
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) .
وإذا بالحسين (عليه السّلام) ينادي : (( يا اُمّ كلثوم ، خذيه لئلاّ تبقى الأرض خالية
من نسل آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) ))(1) .
ويقول المؤرخون : إنّه لمّا رجع الحسين (عليه السّلام) من المسنّاة إلى فسطاطه
تقدّم إليه شمر بن ذي الجوشن في جماعة من أصحابه فأحاطوا به , فأسرع منهم رجل يُقال له
: مالك
بن النسر الكندي فشتم الحسين (عليه السّلام) ، وضربه على رأسه بالسيف , وكان عليه
قلنسوة فقطعها حتّى وصل إلى رأسه فأدماه , فامتلأت القلنسوة دماً ، فقال له الحسين
(عليه السّلام) : (( لا أكلت بيمينك ولا شربت بها ، وحشرك الله مع القوم الظالمين
)) .
ثمّ ألقى القلنسوة ودعا بخرقة فشدَّ بها رأسَه ، واستدعى قلنْسوة اُخرى فلبسها واعتمّ
عليها ، ورجع عنه شمر بن ذي الجوشن ومَنْ كان معه إلى مواضعهم ، فمكث هنيئة ثمّ عاد
وعادوا إليه وأحاطوا به (2).
حمل الإمام الحسين (عليه السّلام) سيفه وراح يرفع صوته على عادة الحروب ونظامها في
البراز ، وراح ينازل فرسانهم ، ويواجه ضرباتهم ببسالة نادرة وشجاعة فذّة ، فما برز
إليه خصم إلاّ وركع تحت سيفه ركوع الذلّ والهزيمة .
قال حميد بن مسلم : فوالله , ما رأيت مكثوراً قطّ قد قُتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط
جأشاً ولا أمضى جناناً منه ! أَن كانت الرجّالة لتشدّ عليه فيشدَّ عليها بسيفه
فتنكشف عن شماله انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب(3) .
ولمّا عجزوا عن مقاتلته لجأوا إلى أساليب الجبناء ; فقد استدعى شمر الفرسان فصاروا
في ظهور الرجّالة ، وأمر الرماة أنْ يرموه , فرشقوه بالسّهام حتّى صار جسمُه كالقنفذ
فأحجم عنهم ، فوقفوا بإزائه ، وخرجت أُخته زينب
ــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 45 / 46 .
(2) الإرشاد 2 / 110 ، إعلام الورى 1 / 467 .
(3) الإرشاد 2 / 111 ، إعلام الورى 1 / 468 .
الصفحة (196)
إلى باب الفسطاط فنادت عمر بن سعد بن أبي وقاص : ويلك يا عمر ! أيُقتل أبو عبد الله
وأنت تنظر إليه ؟!
فلم يجبها عمر بشيء , فنادت : ويحكم ! أما فيكم مسلم ؟! فلم يجبها أحد
بشيء , ونادى شمر بن ذي الجوشن الفرسان والرجّالة فقال : ويحكم ! ما تنتظرون بالرجل ؟
ثكلتكم أُمهاتكم !
فحملوا عليه من كلّ جانب ؛
فضربه زُرعة بن شريك على كتفه اليسرى فقطعها ، وضربه آخر منهم على عاتقه فكبا منها
لوجهه ، وطعنه سنان بن أنس النخعي بالرمح فصرعه ، وبدر إليه خُولى بن يزيد الأصبحي
فنزل ليحتزّ رأسه فأرعد ، فقال له شمر : فتَّ الله في عضدك ، ما لك ترعد ؟!
ونزل شمر إليه فذبحه , ثمّ رفع رأسه إلى خولى بن يزيد فقال : احمله إلى الأمير عمر بن
سعد .
ثمّ أقبلوا على سلب الحسين (عليه السّلام) فأخذ قميصه إِسحاق بن حَيْوَة الحضرمي ،
وأخذ سراويله أبجر بن كعب ، وأخذ عمامته أخنس بن مرثد ، وأخذ سيفه رجل من بني دارم
،
وانتهبوا رحله وإبله وأثقاله وسلبوا نساءه(1) .
امتداد الحمرة في السّماء
ومادت الأرض ، واسودَّتْ آفاق الكون ، وامتدت حمرة رهيبة في السّماء كانت نذيراً من
الله لاُولئك السفّاكين المجرمين الذين انتهكوا جميع حُرُماتِ الله(2) .
وصبغ فرس الحسين (عليه السّلام) ناصيته بدم الإمام الشّهيد المظلوم ، وأقبل يركض
مذعوراً نحو خيام الحسين (عليه السّلام) ؛ ليعلم العيال بمقتله واستشهاده .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) الإرشاد 2 / 112 ، إعلام الورى 1 / 469 .
(2) راجع كشف الغمة 2 / 9 ، سير أعلام النبلاء 3 / 312 ، تاريخ الإسلام ـ للذهبي
/ 15 ، حوادث سنة 61 ، إعلام الورى 1 / 429 .
الصفحة (197)
وقد صوّرت زيارة الناحية المقدّسة هذا المشهد المأساوي كما يلي :
(( فلمّا نظرت النساء إلى الجواد مخزيّاً ، والسّرج عليه ملويّاً
؛ خرجن من الخدور ناشرات
الشعور ، على الخدود لاطمات ، وللوجوه سافرات ، وبالعويل داعيات ، وبعد العزّ مذَلَّلات
، وإلى مصرع الحسين مبادرات )) .
ونادت عقيلة بني هاشم زينب بنت عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) وهي ثكلى : وا
محمداه ! وا أبتاه ! وا علياه ! وا جعفراه ! وا حمزتاه ! هذا حسين بالعراء ، صريع بكربلاء
،
ليت السّماء أُطبقت على الأرض ! وليت الجبال تدكدكت على السّهل(1)
!
حرق الخيام وسلب حرائر النبوة
وعمد المجرمون اللئام إلى حرق خيام الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام)
غير حافلين بمَنْ في الخيام من بنات الرسالة وعقائل النبوّة . قال الإمام زين العابدين
(عليه السّلام) : (( والله ، ما نظرت إلى عمّاتي وأخواتي إلاّ وخنقتني العبرة
، وتذكّرت
فرارهن يوم الطفّ من خيمة إلى خيمة ، ومن خباء إلى خباء ، ومنادي القوم ينادي : أحرقوا
بيوت الظالمين ))(2) .
وعمد أراذل جيش الكوفة إلى سلب حرائر النبوّة وعقائل الرسالة ، فنهبوا ما عليهنّ من
حليّ وحلل ، كما نهبوا ما في الخيام من متاع .
الخيل تدوس الجثمان الطاهر
لقد بانت خِسّة الاُمويّين لكلّ ذي عينين ، وعبّرت عن مسخفي الوجدان الذي كانوا
يحملونه ، وماتت الإنسانيّة فتحوّلت الأجساد المتحركة إلى وحوش دنيئة لا تملك ذرّة من
رحمة ، ولا يزعها وازعٌ من بقيّة ضمير إنساني .
ـــــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين ـ للمقرم / 346 .
(2) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، نقلاً عن تاريخ المظفري / 238 .
الصفحة (198)
فحين حاصرت جيوش الضلالة أهل بيت النبوّة (عليهم السّلام) في عرصات كربلاء كتب
ابن زياد إلى عمر بن سعد كتاباً وهو يبيّن له ما يستهدفه من نتيجة للمعركة ، وما
تنطوي عليه نفسه الشّريرة من حقد دفين على الرسالة والرسول (صلّى الله عليه وآله) ،
وكلّ ما يمتّ إليهما بصلة أو قرابة ، وقد جاء فيه ما يلي :
أما بعد ، فإنّي لم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه ، ولا لتطاوله ، ولا لتمنّيه السّلامة
والبقاء ، ولا لتعقد له عندي شافعاً ، انظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا
فابعث بهم سلماً ، وإن أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم ؛ فإنّهم لذلك مستحقّون
،
فإن قُتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره ؛ فإنّه عاقّ مشاقّ ، قاطع ظلوم ، وليس في هذا أن
يضرّ بعد الموت شيئاً ، ولكن عليّ قول ، لو قد قتلته فعلت هذا به(1) .
على أنّ ابن زياد كان من أعمدة الحكم الاُموي . ولا نعلم أوامر صدرت من أحد أفراده
بحيث كانت ترعى حرمة أو تقديراً لمقام ابن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الذي لم
يكن خافياً على أحد من الاُمويّين .
وهكذا انبرى ابن سعد بعد مقتل ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ لينفّذ
أوامر سيّده الحاقد ابن زياد ، فنادى في أصحابه : مَنْ ينتدب للحسين فيوطئه فرسه ؟
فانتدب عشرة ، فداسوا جسد الحسين (عليه السّلام) بخيولهم حتّى رضّوا ظهره(2) .
عقيلة بني هاشم أمام الجثمان العظيم
ووقفت حفيدة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) وابنة أمير المؤمنين (عليه السّلام) العقيلة زينب (عليها
السّلام) على جثمان أخيها العظيم ، وهي تدعو قائلةً :
« اللّهمّ تقبّل
ــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 / 314 ، إعلام الورى 1 / 453 .
(2) إعلام الورى 1 / 470 ، مقتل الحسين ـ للخوارزمي 2 / 39 .
الصفحة (199)
هذا القربان »(1) .
إنَّ الإنسانيّة لتنحني إجلالاً وخضوعاً أمام هذا الإيمان الذي هو السرّ الوحيد في
خلود تضحية الحسين (عليه السّلام) وأصحابه (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين) .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين بن علي (عليه السّلام) 3 / 304 .
الصفحة (200)
الفصل الثالث
:
نتائج الثورة
الحسينيّة
انبعثت ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) من ضمير الاُمّة الحيّ ، ومن وحي
الرسالة الإسلاميّة المقدّسة ، ومن البيت الذي انطلقت منه الدعوة الإسلاميّة للبشرية
جمعاء ، البيت الذي حمى الرسالة والرسول ودافع عنهما حتّى استقام عمود الدين . وأحدثت
هذه الثورة المباركة في التأريخ الإنساني عاصفة تقوّض الذلّ والاستسلام ، وتدكّ عروش
الظالمين ، وأضحت مشعلاً ينير الدرب لكلّ المخلصين من أجل حياة حرّة كريمة في ظلّ طاعة
الله تعالى .
ولا يمكن لأحد أن يغفل عمّا تركته هذه الثورة من آثار في الأيام والسّنوات التي تلتها
، رغم كلّ التشويه والتشويش الذي يحاول أن يمنع من سطوع الحقيقة لناشدها . وبالإمكان أن
نلحظ بوضوح آثاراً كثيرة لهذه الثورة العظيمة عبر الأجيال وفي حياة الرسالة
الإسلاميّة ، بالرغم من أنّا لا نحيط علماً بجميعها طبعاً ، وأهم تلك الآثار هي :
1 ـ فضح الاُمويّين وتحطيم الإطار الديني المزيّف
بفعل ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) تكشّفت للناس حقيقة النزعة الاُموية
المتسلّطة على الحكم ، ونسفت تضحيات الثائرين كلّ الاُطر الدينية المزيّفة
|