الإسلام محمدي الوجود ...

 
 

الصفحة (23)

ويزعم بأنّه من جماعة وحزب يزيد .

فلولا الإمام الحسين (عليه السّلام) لكانت سنة يزيد بن معاوية حجّة ، وكلمّا جاء خليفة أضاف إلى الإسلام مجموعة من البدع في العقيدة والممارسة ، فيصل الإسلام إلى الأجيال اللاحقة وهو لا يمتّ للإسلام الحقيقي بصلة أصلاً .

وهذا ما حدث للأديان السماوية الأُخرى وللمسيحية بشكل خاص ، فلقد دخل مجموعة من اليهود في دين المسيح ظاهراً فحملوا رايته وتعصّبوا له ، إلى أن وصلت زمام الأمور بيدهم فانحرفوا بالمسيحية عن دين المسيح .

وهذا الخطر هو الذي يُخاف منه على الإسلام ، ولكن ببركة الحسين (عليه السّلام) وثورته وشهادته رفع هذا الخطر عن الإسلام ، وأوجد خندقاً بين التشريع والحجّية وبين الخلفاء وأئمّة الضلال ، وأيقظ المسلمين من سباتهم وعرّفهم أنّ كلّ مَنْ أُطلق عليه لقب ( الخليفة ) ، أو ( أمير المؤمنين ) لا يمكن أن تكون سُنّته وسيرته حجّة ومصدراً للتشريع ، إلاّ إذا كان هذا الخليفة منصوصاً عليه من قبل الله والرسول (صلّى الله عليه وآله) .

ولو أنّ المسلمين وسّعوا مصادر المعرفة الإسلامية بحيث تشمل كلّ مَنْ جاء من الخلفاء والمتسلّطين لكان ـ كما أشرنا ـ كلّ خليفة يأتي ببدعة جديدة ويمحي سُنّة عريقة ، فيصلنا الإسلام


الصفحة (24)

اليوم وهو لا يشكّل أكثر من 2% بالمئة ممّا عليه الإسلام في عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله) وما عليه الصحابة آنذاك .

فما أعظم بركة الحسين (عليه السّلام) على هذه الأُمّة ، ولا غرابة في ذلك ؛ فإنّه كما في الحديث المستفيض : (( حسين منّي وأنا من حسين ، أحبّ الله مَنْ أحبّ حسيناً ، حسين سبط من الأسباط )) .

ولذلك تواترت الأحاديث عن طريق أهل السُنّة والجماعة بكاء الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) على الحسين قبل مقتله ، وتكرار إهداء تربته إلى الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) من قبل عدّة من الملائكة ، فكان (صلّى الله عليه وآله) يأخذ تلك التربة ويُقلّبها ويُقبّلها وعيناه تفيضان من الدموع(1) .

خلود الإسلام بالقرآن

ولعلك تقول : حُفظُ الإسلام بحفظ القران ، فمادام القرآن موجوداً فالإسلام موجود .

نقول : الكل يستدلّ بالقرآن الكريم ، فما من فرقة من الفرق إلاّ وهي تستدلّ على عقائدها وممارساتها من القرآن الكريم ؛

ـــــــــــــــــــ
(1) راجع مسند أحمد 1 / 85 ، 242 ، 4 / 265 ، 6 / 468 ، سنن الترمذي ، المستدرك 3 / 176 ، 4 / 19 ، 398 المعجم الكبير / 2811 ، مجمع الزوائد 9 / 194 ، ومصادر عدّة كثيرة ذكرنا بعضها في ( الشعائر الحسينة سُنّة أم بدعة ) فراجع .

الصفحة (25)

الجبري(1) يستدلّ على عقيدته في الجبر من القرآن الكريم ، والمفوّض يستدلّ على تفويضه من القرآن الكريم ، وقس على ذلك بقيّة الفرق .

ويكفى في ذلك أنّ المسلمين اختلفوا في أوضح آية في القرآن الكريم وهي أية الوضوء : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) بين قائل بالمسح في الأرجل وقائل بالغسل ، فإذا حصل الخلاف في مثل هذه الآية الواضحة الدلالة فالاختلاف في بقيّة الآيات أسهل وأوضح ، بل الكفرة والملحدين أيضاً يستدلّون على بطلان الإسلام من القرآن الكريم .

ومثال آخر آية الطلاق فقد قال تعالى : الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ..... فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ... ) ، فمع أنّ الآية في غاية الصراحة والوضوح نجد جمهور المسلمين خالفوا كتاب الله وتركوه وراء ظهورهم واتّبعوا اجتهاد الخليفة عمر بن الخطاب .

فإذا قال الرجل لزوجته أنت طالق طالق طالق في مجلس واحد ، اعتبرها جماعة كثيرة من

ـــــــــــــــــــــــ

(1) وهو القائل بأنّ الإنسان مجبر على فعله .


الصفحة (26)

فقهاء المسلمين(1) هذا الطلاق ثلاثياً تقليداً للخليفة عمر بن الخطاب مع أنّه مخالف لصريح ونص القرآن الكريم .

فإذا كانت هذه الآية الواضحة الدلالة مُعرض عنها فكيف ببقيّة الآيات التي لها ظهورات متعدّدة ؟!

فالقرآن حمّال ذو وجوه ، والكلّ يمكنه بمغالطته وأفكاره الخاطئة من أن يفسّر القرآن وفق أفكاره ومعتقداته وممارساته الخاصة ؛ ومن هنا تبرز أهمية وجود مَنْ يفسّر القرآن كما هو ، وليس هو إلاّ الإمام المعصوم الذي هو عدل القرآن .

ولذا في حديث الثقلين قرن الرسول بين الكتاب والعترة ، وأنّ الابتعاد عن الضلال رهن التمسّك بهما معاً لا بأحدهما دون الآخر(2) فقال (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب

ـــــــــــــــــــــ
(1) نعم ، رجعت مشيخة الأزهر في هذه الأعصار إلى كتاب الله وسُنّة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) والاقتداء بأهل البيت ، وتركوا سُنّة الخليفة عمر بن الخطاب ، فجعلوا الطلقات الثلاث بصيغة واحدة طلقة واحدة .
(2) وحديث الثقلين من الأحاديث التي وصلت إلى مرتبة الاستفاضة ، بل إلى مرتبة التواتر لكثرة الأسانيد والطرق الواردة فيه .
قال الفاضل القطيفي : وقد ذكر الالباني هذا الحديث ضمن أحاديث سلسلته الصحيحة ، وخرج بعض طرقه وأسانيده الصحيحة والحسنة ، وذكر بعض شواهده وحسنها ، ووصف من ضعف هذا الحديث بأنه حديث عهد بصناعة الحديث ، وأنه قصر تقصيرا فاحشا في تحقيق الكلام عليه ، وأنه فاته كثير من الطرق والأسانيد التي هي بذاتها صحيحة أو حسنة ، فضلاً عن الشواهد
===

الصفحة (27)

الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ؛ فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض )) .

فَهْمُ الكتاب

وعليه فكون الكتاب وسُنّة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) موضع اتّفاق بين المسلمين في كونهما عمدة مصادر التشريع ، لا يقتضي ويستلزم عدم الضلال والانحراف ؛ إذ الكتاب والسُنّة شيء وعوامل فهم الكتاب والسُنّة شيء آخر .

فلو توسّعنا في مصادر المعرفة بحيث يشمل كلّ مَنْ أُطلق عليه ( أمير المؤمنين ) لكان فهمه للكتاب والسُنّة هو المُحكّم والمُتّبع ، أو محاولة التأويل والتوجيه بين بدعته المستحدثة والآيات القرآنية المخالفة لها صراحة ، أو تجميد الآيات وتعطيلها واتّباع ما أحدثه الخليفة .

الإسلام والإيمان

يُقسّم القرآن الكريم أفراد هذه الأُمّة إلى قسمين :

الأوّل : مسلم

ـــــــــــــــــــــــــــ
===
والمتابعات ، وأنّه لم يلتفت إلى أقوال المصححين للحديث من العلماء ؛ إذ اقتصر في تخريجه على بعض المصادر المطبوعة المتداولة دون غيرها ، فوقع في هذا الخطأ في تضعيف الحديث الصحيح ، راجع سلسلة الأحاديث الصحيحة 4 / 355 ح 1761 ، عنه مسائل خلافية / 98 .

الصفحة (28)

الثاني : مؤمن

والشاهد عليه قوله تعالى : ( قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً )(1) ، فإطاعة الله ورسوله شرط لتحقق الإيمان ودخوله في قلب المرء ، وإلى هذا الشرط إشار تعالى بقوله أيضاً : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ )(2) ، فمحبّة الله تستلزم اتّباع الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، أو مَنْ أمر الرسول (صلّى الله عليه وآله) بطاعته والاقتداء به .

فالحبّ بمصطلح القرآن يقتضي ويستلزم الاتّباع والموالاة ، فهو عمل جوانحي مرتبط بقلب الإنسان ، وجوارحي معاً .

وقد أكّدت بعض الآيات على ضرورة التسليم القلبي المطلق لأوامر ونواهي الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً )(3) ، فعلاوة على طاعة الرسول وانقياد جوارح وكيان الإنسان الظاهري لأوامره ونواهيه (صلّى الله عليه وآله) لا بدّ من الإذعان والتسليم القلبي لكلّ ما يصدر عنه حتى

ــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الحجرات / 14 .
(2) سورة آل عمران / 31 .
(3) سورة النساء / 65 .

الصفحة (29)

وإن كان ـ بنظر المسلم ـ ضرراً على الذّات .

فالتسليم القلبي بكلّ ما حكم وجاء به الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) هو الإيمان ، والتسليم القولي وتلفّظ الشهادتين هو الإسلام ، وفرق كبير بين الإيمان والإسلام ؛ فقد يكون الإنسان مسلماً وليس هو بمؤمن ولا عكس .

ولاية علي شرط الإيمان

والخلاف بين المؤمنين وغيرهم ليس في كونهم مسلمين أو ليسوا بمسلمين ؛ مَنْ تشهّد الشهادتين وصلّى وصام وزكّى وحجّ فهو مسلم ، وإنّما الخلاف في تحقّق الإيمان وعدمه ، حبّ علي (عليه السّلام) ركن الإيمان ، ومتابعة علي (عليه السّلام) وأهل بيته محقّقة للإيمان ، والإيمان درجة والإسلام درجة أُخرى .

فالإيمان مقيّد بإطاعة الرسول إطاعة مطلقة في أوامره ونواهيه وأحكامه .

فمَنْ عصاه في قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( أيّها الناس ، ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ )) .

قالوا : بلى .

قال : (( فمَنْ كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللّهمّ والِ مَنْ والاه ، وعادِ مَنْ عاداه )) .

فهو مسلم إن حافظ على الشهادتين ، وخارج عن الإيمان ؛ لعدم متابعته للرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في علي (عليه السّلام) ، وستأتي تتمّة فانتظر .

الردّة عن الإيمان

وكما أنّه هناك ردّة عن الإسلام هناك أيضاً ردّة عن الإيمان ،


الصفحة (30)

فكثير من الصحابة كما هو ظاهر قوله تعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ )(1) ، حافظوا على التشهّد بالشهادتين لكن اعترتهم ردّة في الإيمان ، وهذا ما استفاضت به الروايات كما في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما .

فعن أبي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : (( بينما أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال : هلمّ ، فقلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقري ، ثمّ إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال : هلمّ ، قلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنّهم بعدك ارتدّوا على أدبارهم القهقري ، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم ))(2) .

ــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 144 .
(2) صحيح البخاري 8 / 150 ، قال في لسان العرب 11 / 710 وفي حديث الحوض : (( فلا يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم )) . الهمل : ضوال الإبل ، واحدها هامل أي الناجي منهم قليل في قلّة النعم الضالة .
قلت صدق الله تعالى إذ قال : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) والشاكرون في التاريخ قليل ( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور ) .

الصفحة (31)

وعن أبي وائل قال : قال عبد الله : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( أنا فرطكم على الحوض ، ليُرفعنّ إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا دوني ، فأقول : أي ربّ ، أصحابي ! يقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك ))(1) .

وعنه عن أبي حازم قال : سمعت سهل بن سعد يقول : سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( أنا فرطكم على الحوض ، مَنْ ورده شرب منه ، ومَنْ شرب منه لم يظمأ بعده أبداً ، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثمّ يُحال بيني وبينهم )) .

قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدّثهم هذا ، فقال : هكذا سمعت سهلاً ؟ فقلت : نعم . قال : وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه ، قال : (( إنّهم منّي ، فيُقال : إنّك لا تدري ما بدلّوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً لمَنْ بدّل بعدي ))(2) .

وعن أنس عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : (( ليردَنّ عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني ، فأقول ، أصحابي ، فيقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك ))(3) .

ــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 9 / 58 كتاب الفتن ب 1 ، 8 / 148 كتاب الرقاق ، ب الحوض .
(2) صحيح البخاري 9 / 58 .
(3) صحيح البخاري 8 / 149 ، صحيح مسلم 4 / 1800 ، مسند أحمد 3 / 281 ، 5 / 48 و 50 .

الصفحة (32)

وعن ابن عباس عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ في حديث ـ قال : (( ألا وإنّه يُجاء برجال من أُمّتي ، فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيُقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ))(1) .

فالأحاديث ناصّة على أنّ هؤلاء المحدثين في الدين هم من صحابة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، ودعوى أنّهم مَنْ ارتدّ بعده (صلّى الله عليه وآله) وحاربهم أبو بكر في غاية البُعد والغرابة ، وقراءة الأحاديث كافية في وهن هذه الدعوة ، وعبارة (( ارتدّوا على أدبارهم القهقري )) يشمل الارتداد عن الإسلام وعن الإيمان ، إلاّ أنّ عبارة (( لا تدري ما أحدثوا بعدك )) ظاهرة في أنّهم كانوا باقين على الإسلام ؛ إذ المرتد لا يمكنه أن يُحدث في الدين شيئاً والله العالم .

ومنه تعرف أنّ قول الباقر محمد بن علي (عليهما السّلام) : (( كان الناس أهل ردّة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) إلاّ ثلاثة )) . فقلت : ومَنْ الثلاثة ؟ فقال : (( المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي

ـــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 6 / 69 كتاب التفسير سورة المائدة 6 / 122 سورة الأنبياء 8 / 136 كتاب الرقاق ، صحيح مسلم 4 / 2195 كتاب الجنة ، سنن الترمذي 5 / 321 ، ثمّ قال : هذا حديث حسن صحيح ، صحيح سنن النسائي ـ للألباني 3 / 499 ، مسند أحمد 1 / 235 ، 253 .

الصفحة (33)

رحمة الله وبركاته عليهم ، ثمّ عرف الناس بعد يسير ))(1) . هو ارتداد عن الإيمان لا ارتداد عن الإسلام ، فافهم وتنبّه ولا تغفل .

ويشهد لذلك أيضاً قوله (عليه السّلام) ـ في حديث آخر ـ : (( ارتد الناس إلاّ ثلاثة نفر ، سلمان وأبو ذر والمقداد )) . قال : قلت : فعمار ؟ قال : (( جاض جيضة(2) ثمّ رجع )) . ثمّ قال (عليه السّلام) : (( إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد ، فأمّا سلمان فإنّه عرض في قلبه عارض أنّ عند أمير المؤمنين اسم الله الأعظم لو تكلّم به لأخذتهم الأرض وهو هكذا فلبب ووجئت عنقه حتى تركت كالسلقة ، فمرّ به أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال له : يا أبا عبد الله هذا من ذاك فبايع ، فبايع ، وأمّا أبو ذر فأمره أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالسكوت ولم يكن يأخذه في الله لومة لائم ، فأبى إلاّ أن يتكلّم فمرّ به عثمان فأمر به ، ثمّ أناب الناس بعد فكان أوّل مَنْ أناب أبو ساسان الأنصاري وأبو عمرة وشتيرة ، وكانوا سبعة فلم يكن يعرف حق أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلاّ هؤلاء السبعة ))(3) .

فالحديث صريح في أنّ الردّة ليس عن الإسلام وإنّما عن معرفة

ــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي : الروضة .
(2) جاض عنه يجيض ، أي عدل وحاد .
(3) رجال الكشي / 11 .

الصفحة (34)

حق أمير المؤمنين ، الذي لا يحبه إلاّ مؤمن ، ولا يبغضه إلاّ منافق كما في الحديث المستفيض(1) ، وليس الحبّ إلاّ المتابعة المطلقة ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ ) .

وغالبية المسلمين بغضوا مَنْ يحبّ علياً وأحبّوا مَنْ يبغضه حتى قال ابن حجر العسقلاني : وقد كنت استشكل توثيقهم(2) الناصبي(3) غالباً ، وتوهينهم الشيعة مطلقاً ، ولاسيّما أنّ علياً ورد في حقّه : لا يحبّه إلاّ مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق ، ثمّ ظهر لي في الجواب عن ذلك أنّ البغض ههنا مقيّد بسبب وهو كونه نصر النبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ لأنّ من الطبع البشري بغض مَنْ وقعت منه إساءة في حقّ المبغض والحبّ بالعكس ، وذلك ما يرجع إلى أمور الدنيا غالباً ، والخبر في حبّ علي وبغضه ليس على العموم ، فقد أحبّه مَنْ أفرط فيه حتى ادّعى أنّه نبي ، أو إله تعالى الله عن إفكهم .

قال : وأكثر مَنْ يوصف بالنصب يكون مشهوراً بصدق اللهجة

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) روى مسلم في صحيح عن علي (عليه السّلام) : (( إنّه عهد من النبي الأُمّي أنّه لا يحبّني إلاّ مؤمن ، ولا يبغضني إلاّ منافق )) .
(2) أي أهل الجرح والتعديل .
(3) وهو المبغض لعلي بن أبي طالب (عليه السّلام) ولأهل بيته ، وهم على درجات بعضهم يقتصر على البغض ، والبعض الآخر يترقّى فيلعن ويسبّ علياً (عليه السّلام) ، وأكثر مَنْ قال في حقّه الرجاليون أنّه صُلب في السنة ؛ كان ممّن يلعن ويتبرأ من علي ظاهراً شاهراً فراجع .

الصفحة (35)

والتمسّك بأمور الديانة ، بخلاف مَنْ يوصف بالرفض فإنّ غالبهم كاذب ولا يتورّع في الأخبار(1) ، والأصل فيه : أنّ الناصبة اعتقدوا أنّ علياً (رضي الله عنه) قتل عثمان ، أو أعان عليه ؛ فكان بغضهم له ديانة بزعمهم ، ثمّ انضاف إلى ذلك أنّ منهم مَنْ قُتلت أقاربه في حروب علي .

قلت : لو كان الأمر كما قال ابن حجر نصرة للنواصب والخوارج ، لكان الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) يلقى الكلام على عواهنه ، ويكون كلامه هذا بلا فائدة ، مع أنّ ذلك من أروع ما قاله الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في حق علي (عليه السّلام) .

قال ابن عقيل : إنّ بغض علي (عليه السّلام) لا يصدر من مؤمن أبداً ؛ لأنّه ملازم للنفاق ، وحبّه لا يتمّ من منافق أبداً ، لأنّه ملازم للإيمان ، فتقييد الشيخ ـ ابن حجر ـ بغض علي الدال على الناف بأنّه

ــــــــــــــــــــــــ
(1) فكلّ مَنْ لم يسب علياً (عليه السّلام) هو من أهل الكذب ، ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة مصدع المعرقب : قلت : إنّما قيل له المعرقب ؛ لأنّ الحجّاج ، أو بشر بن مروان عرض عليه سبّ علي فأبى فقطع عرقوبه . قال ابن المديني : قلت لسفيان : في أيّ شيء عرقب ؟ قال : في التشيّع .
قلت : فالامتناع عن سبّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) تشيّع وابتعاد عن الديانة ، وسبّه (عليه السّلام) تصلّب في السُنّة وتدين ، فالسني الصلب هو الذي يسبّ علياً (عليه السّلام) ؛ ولذلك ذكر في حق كثير ممّن يلعن علياً (عليه السّلام) ظاهراً شاهراً بأنّه صلب في السُنّة .

الصفحة (36)

الذي يكون سببه نصرة للنبي (صلّى الله عليه وآله) خطأ وغفلة ظاهرة ؛ لأنّه يلزم منه إلغاء كلام المعصوم بتخصيصه علياً بهذا ؛ لأنّ البغض لأجل نصرة النبي (صلّى الله عليه وآله) كفر بواح ؛ سواء كان المبغض بسبّه علياً (عليه السّلام) أو غيره ، مسلماً كان أو كافراً ، أو حيواناً أو جماداً ، ألا ترى لو أنّ مكلّفاً أبغض المطعم بن عدي ، أو أبا البختري ـ اللذين ماتا على الشرك ـ لأجل سعيهما في نقض الصحيفة القاطعة ، ووصلهما بذلك رحم النبي (صلّى الله عليه وآله) ورحم بني هاشم ، ألا يكون ذلك المبغض كافراً لبغضه الكافر من هذه الجهة ؟

قال : ولو أنّ آخراً أبغض كلباً من أجل حراسته للنبي (صلّى الله عليه وآله) ، أو حماراً من أجل حمله إيّاه ، أو غاراً من أجل ستره له عن المشركين لكان كافراً بذلك اتفاقاً ، فما هي إذاً فائدة تخصيص علي (عليه السّلام) بالذكر فيما يعمّ المسلم والكافر والحيوان والجماد ؟ فتقييد الشيخ إلغاءً وإهداراً لكلام المعصوم وإبطالاً له .

قال : والحق إن شاء الله تعالى أنّ حبّ علي (عليه السّلام) مطلقاً علامة لرسوخ الإيمان في قلب المحبّ ، وبغضه علامة وجود النفاق فيه خصوصية فيه ، كما هي في أخيه النبي (صلوات الله وسلامه عليهما وعلى آلهما ) .


الصفحة (37)

ويؤيّد هذا قوله تعالى : ( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) ، وقول النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( علي منّي وأنا من علي )) وما يشابه هذا ، وقد جاء الصحيح عن علي (عليه السّلام) قوله : (( لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ، ولو صببت الدنيا بجملتها في حجر المنافق على أن يحبّني ما أحبّني ؛ وذلك أنّه قضى فانقضى على لسان النبي الأُمّي أنّه لا يبغضك مؤمن ولا يحبّك منافق ))(1) .

فمن قوله (صلّى الله عليه وآله) (( لا يبغضك مؤمن ولا يحبّك منافق ))(2) يعرف أنّ اتّباع علي (عليه السّلام) محقّق للإيمان ، واتّباعه (عليه السّلام) يرفع المسلم من درجة الإسلام إلى درجة الإيمان ؛ إذ الحبّ ليس إلاّ المتابعة المطلقة للمحبّ ( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ

ــــــــــــــــــــــــــ
(1) العتب الجميل / 41 ، ثمّ بعد ذلك فند قول ابن حجر بأنّ الخوارج والنصاب من أهل الصدق والأمانة ، كيف يكونوا كذلك وقد وصفهم الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بأنّهم يمرقون من الدين ، وأنّهم كلاب أهل النار ؟!
(2) مسند الإمام أحمد 6 / 292 عن أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة (رضي الله عنها) ، وبلفظ آخر (( أنّه عهد من النبي الأُمّي ... لا يحبّني إلاّ مؤمن ، ولا يبغضني إلاّ منافق )) ، رواه أحمد بسنده عن علي (عليه السّلام) 1 / 84 ، 85 ، ورواه مسلم وابن ماجة والترمذي والنسائي في الخصائص ، والحاكم في معرفة علوم الحديث ، وأبو نعيم الأصفهاني بعدّة أسانيد في حلية الأولياء 4 / 185 ، والبيهقي في السنن ، والخطيب البغدادي بعدّة أسانيد في تاريخه 2 / 255 ، 8 / 417 ، 14 / 426 ، والطحاوي في مشكل الآثار 1 / 48 عن عمران بن الحصين ، مجمع الزوائد 9 / 33 ، والحديث مروي عن عدّة من الصحابة وواصل إلى مرتبة الاستفاضة .

الصفحة (38)

فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ ) .

الرضى والشجرة

ورضى الله عن الصحابة يوم الشجرة إنّما كان بشرط عدم التبديل والانحراف والإحداث ، وقد قيّد الله هذا الرضى بعدم نكث تلك المبايعة بقوله : ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً )(1) ، فالذي يبدّل ويغيّر ما عاهد عليه الرسول (صلّى الله عليه وآله) يُقال له كما قال له الرسول (صلّى الله عليه وآله) سحقاً سحقاً .

فعن مالك بن أنس قال : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال لشهداء أُحد : (( هؤلاء أشهد عليهم )) .

فقال أبو بكر الصديق : ألسنا يا رسول الله إخوانهم ، أسلمنا كما أسلموا ، وجاهدنا كما جاهدوا ؟

فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( بلى ، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي )) .

فبكى أبو بكر ثمّ بكى ، ثمّ قال : أإنّا لكائنون بعدك؟(2)

أصحابي كالنجوم

وأمّا رواية ( أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم ) فهو

ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة الفتح / 10 .
(2) الموطأ / 236 كتاب الجهاد ، باب الشهداء في سبيل الله ح 995 .

الصفحة (39)

حديث ضعّفه وحكم بوضعه عدّة من المحدّثين والمحقّقين ، فقد ضعّف سنده ابن حجر العسقلاني والبزار(1) والبيهقي ، وأحمد بن حنبل ، وأخيراً الألباني(2) وغيرهم .

وقال ابن حزم : فقد ظهر أنّ هذه الرواية لا تثبت أصلاً ، بل لاشك أنّها مكذوبة ؛ لأنّ الله تعالى يقول في صفة نبيّه (صلّى الله عليه وآله) : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) ، فإذا كان كلامه (عليه الصلاة والسّلام) في الشريعة حقّاً كلّه وواجباً فهو من الله تعالى بلا شك ، وما كان من الله تعالى فلا يختلف فيه ، لقوله تعالى : ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) ، وقد نهى تعالى عن التفرقة والاختلاف بقوله : ( وَلاَ تَنَازَعُوا ) ، فمن المحال أن يأمر رسوله باتّباع كلّ قائل من الصحابة (رضي الله عنهم) ، وفيهم مَنْ حلّل الشيء وغيره يحرّمه ، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالاً اقتداءً بسمرة بن جندب ، ولكان أكل البرد للصائم حلالاً اقتداءً بأبي طلحة ، وحراماً اقتداءً بغيره منهم ، ولكان ترك الغسل من الإكسال واجباً اقتداءً بعلي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب ، وحراماً

ـــــــــــــــــــــ
(1) تلخيص الحبير 4 / 190 ، قال بعد أن ضعّف سند هذه الرواية : قال البزار : هذا الكلام لم يصح عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وقال ابن حزم : هذا خبر مكذوب موضوع باطل .
(2) سلسلة الأحاديث الضعيفة 1 / 79 قال : قال أحمد : لا يصح هذا الحديث كما في المنتخب ـ لابن قدامة 10 / 199 ح 2.

الصفحة (40)

اقتداءً بعائشة وابن عمر ، وكلّ هذا مروي عندنا بالأسانيد الصحيحة .... فكيف يجوز تقليد قوم يخطئون ويصيبون ؟!(1)

ثمّ قال : فصح أنّ الاختلاف لا يجب أن يُراعى أصلاً ، وقد غلط قوم فقالوا : الاختلاف رحمة ، واحتجّوا بما روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم .

قال : وهذا الحديث باطل مكذوب من توليد أهل الفسق لوجوه ضرورية :

احدها : أنّه لم يصح من طريق النقل .

والثاني : أنّه (صلّى الله عليه وآله) لم يجز أن يأمر بما نهى عنه وهو (عليه السّلام) قد أخبر أنّ أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسّره ، وكذّب عمر في تأويل تأوّله في الهجرة ، وكذّب أسيد بن حضير في فتيا أفتى بها في العدّة ... فمن المحال الممتنع الذي لا يجوز البتة أن يكون (عليه السّلام) يأمر باتّباع ما قد أخبر أنّه خطأ ، فيكون حينئذ أمر بالخطأ ، تعالى الله عن ذلك وحاشا له (صلّى الله عليه وآله) من هذه الصفة ، وهو (عليه الصلاة والسّلام) قد أخبر أنّهم يخطئون فلا يجوز أن يأمرنا باتّباع مَنْ يُخطئ(2) .

ـــــــــــــــــــــــ
(1) الإحكام في أصول الأحكام 6 / 244 .
(2) سلسلة الأحاديث الضعيفة ـ للألباني 1 / 83 نقلاً عن ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام 5 / 62 .

الصفحة (41)

وقال الغزالي : فإنّ مَنْ يجوّز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجّة في قوله ، فكيف يحتجّ بقولهم مع جواز الخطأ ، وكيف تدّعى عصمتهم من غير حجّة متواترة ، وكيف يتصوّر عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف ، وكيف يختلف المعصومان ؟ وكيف وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة ، فلم ينكر أبو بكر وعمر على مَنْ خالفهم بالاجتهاد ؟!(1)

رزيّة الخميس مصيبة الإسلام

وأوّل انشقاق وفتنة عظيمة أدّت إلى الضلال والانحراف هي رزيّة الخميس ، فالرزيّة كلّ الرزيّة ـ كما قال حبر الأُمّة وترجمان القرآن ـ رزيّة الخميس ، فكلّ انحراف وكلّ ضلال مبدأه يوم الخميس ظرف تلك الرزيّة .

فقد أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس قال : لمّا اشتدّ بالنبي (صلّى الله عليه وآله) وجعه قال : (( ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ))(2) .

قال عمر : إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) غلبه الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا .

فاختلفوا وكثر اللغط ، قال : (( قوموا عنّي ، ولا ينبغي عندي التنازع )) .

فخرج ابن عباس يقول : إنّ الرزيّة

ـــــــــــــــــــــــ
(1) المستصفى في علم الأصول 1 / 135 .
(2) فكتابة هذا الكتاب أمن من الضلال والانحراف ، فالمنع عنه إحياء للضلال والانحراف ، والرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) لا يلقي الكلام على عواهنه ( إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) ، ( وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ) .

الصفحة (42)

كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبين كتابه(1) .

وأخرج أيضاً بسند آخر عن ابن عباس قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ! اشتدّ برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وجعه ، فقال : (( ائتوني اكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً )) .

فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : ما شأنه ؟! استفهموه ، فذهبوا لا يردّون عليه .

فقال : (( دعوني ، فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه )) .

وأوصاهم بثلاث : (( اخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم )) وسكت عن الثالثة ، أو قال : نسيتها(2) .

وأخرج مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : يوم الخميس ، وما يوم الخميس ! ثمّ جعل تسيل دموعه حتى رأيت

ــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري 1 / 38 كتاب العلم ، باب كتابة العلم رقم 39 .
(2) صحيح البخاري 6 / 11 كتاب المغازي باب مرض النبي (صلّى الله عليه وآله) ووفاته .
وأخرج بسند ثالث عنه (رضي الله عنه) قال : لمّا حُضِرَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( هلمّ اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده )) .
فقال عمر : إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله .
فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم مَنْ يقول : قرّبوا يكتب لكم النبي (صلّى الله عليه وآله) ، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( كتاباً لن تضلّوا بعده )) ، ومنهم مَنْ يقول ما قال عمر ، فلمّا أكثروا اللغط عند النبي (صلّى الله عليه وآله) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( قوموا )) . صحيح البخاري 7 / 155 كتاب الطب ، باب قول المريض قوموا عنّي رقم 17 .

الصفحة (43)

على خدّيه كأنّها نظام اللؤلؤ ، قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( ائتوني بالكتف والدواة ، أو اللوح والدواة ، اكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً )) .

فقالوا : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يهجر(1) .

والملاحظ أنّ الذي بدأ بقوله : هجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو الخليفة عمر بن الخطاب ؛ إذ القوم انقسموا إلى قسمين منهم مَنْ يقول : قرّبوا له الدواة ، وقسم آخر يقول : هجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فالمحدّثون ـ أمناء هذه الأُمّة ـ إذا ذكروا عمر حرّفوا العبارة ؛ وسواء كانت العبارة التي صدرت من عمر هي ( إنّ النبي غلب عليه الوجع ) ، أو ( هجر الرجل ) فالمعنى واحد ؛ إذ الإنسان إذا غلب عليه الوجع يهجر ، فلا يكون قيمة لكلامه .

نعم ، وقْع لفظة ( غلب عليه الوجع ) أهون بكثير من ( هجر ) ، فهو من قبيل قولنا في المجنون بأنّه مصاب بمرض عقلي ، فالنتيجة واحدة ولكن وقْع اللفظ على القلب أهون .

قال ابن الجوزي : إنّما خاف عمر أن يكون ما يكتبه في حال غلبة المرض ، فيجد بذلك المنافقون سبيلاً إلى الطعن في ذلك المكتوب(2) .

ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم 3 / 1257 ، كتاب الوصية باب ترك الوصية لمَنْ ليس له شيء يوصي فيه . قلت : إيراد هذا الحديث في هذا الباب معناه أنّ الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ليس عنده شيء يوصي به ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، وحسبنا الله ونِعْمَ الوكيل .
(2) فتح الباري 1 / 169 .

الصفحة (44)

وهذا غير صحيح ؛ إذ قوله (صلّى الله عليه وآله) (( لن تضلّوا )) تنصّ على أنّ ذلك الكتاب سبب للأمن عليهم من الضلال ، فكيف يكون سبباً للفتنة بقدح المنافقين ؟!

فهو (صلّى الله عليه وآله) لا يُقاس به أحد حتى يُقال بأنّ نظر عمر بن الخطاب صحيح ، ونظره (صلّى الله عليه وآله) فيه شائبة الإشكال ، كما هو عليه جُلّ مَنْ حاول أن يفسّر ، ويشرح هذا الحديث من أهل السُنّة والجماعة صوناً لعمر بن الخطاب .

وإذا كان هناك ملجأ للمنافقين في الطعن في هذا الكتاب ، فالذي فتح لهم باب الطعن هو عمر بن الخطاب ، فلو أنّ الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) كتب هذا الكتاب بعد أن سمع هذه الكلمة من عمر والجماعة الموافقة له ، لطعن المنافقون فيه بعد وفاته (صلّى الله عليه وآله) ، ولما ميّز المسلمون المنافق العادي من المنافق المحترف والمسلم العادي ، فلو أنّ عمر بن الخطاب لم يتفوّه بهذه الكلمة لكان كلّ مَنْ يتعرض لذلك الكتاب بالغمز والتشهير فقد حكم على نفسه بالنفاق والخروج عن الإسلام ، ومن ثَم ّيعرفه المسلمون ويتجنّبونه .

مضافاً إلى أنّ المصحّح لخلافة عمر هو وصية أبي بكر ؛ إذ أنّه في أواخر لحظات حياته أمر عثمان بأن يكتب : أمّا بعد ، ثمّ أُغشي عليه ، فكتب عثمان من نفسه : أمّا بعد ، فقد استخلفت


الصفحة (45)

عليكم عمر بن الخطاب ، فلمّا أفاق أبو بكر ، قال : اقرأ ، فقرأ عليه ، فقال : أراك خفت أن يختلف الناس ، قال : نعم ، وأمضاها أبو بكر(1) .

فأبو بكر أمضى ما كتبه عثمان وهو في حال الاحتضار والغشيان ، ولم يقولوا هجر أو غلب عليه الوجع ، وكان يحقّ له أن يوصي وأن يخاف على اختلاف الأُمّة ، أمّا نبي الرحمة فيواجه بهذه الكلمة القبيحة من قبل عمر بن الخطاب وجماعة من المسلمين !(2) ، وحاله لم يكن كحال أبي بكر ؛ إذ الفترة بين موته (صلّى الله عليه وآله) وبين هذا الحدث خمسة أيام .

قال النووي : أمّا كلام عمر (رضي الله عنه) فقد اتّفق العلماء المتكلّمون في شرح الحديث على أنّه من دلائل فقه عمر وفضائله

ــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 / 53 ، تاريخ ابن الأثير 2 / 207 ، ومصادر عدّة .
(2) هذا مع أنّ الله قال في حق رسوله (صلّى الله عليه وآله) : ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) ، فتحقق الإيمان رهين بالتسليم المطلق للنبي الخاتم (صلّى الله عليه وآله) ، والإسلام إظهار الشهادتين ( قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) ، فعلامة الإيمان إطاعة الله والرسول كما هو صريح ذيل الآية ، فممانعة بعض الصحابة لهذا الكتاب لا مسوغ له ، وخلاف وجوب الطاعة له (صلّى الله عليه وآله) ( مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) .

الصفحة (46)

ودقيق نظره ؛ لأنّه خشي أن يكتب (صلّى الله عليه وآله) أموراً ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة عليها ؛ لأنّها منصوصة ، ولا مجال للاجتهاد فيها ، فقال عمر : حسبنا كتاب الله ...(1) .

قلت : الله ورسوله أعرف من عمر ومن غيره بعواقب الأمور ، وأشفق من عمر ومن أبي بكر بهذه الأُمّة ، وهو الموصوف في الكتاب الكريم ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) .

وقد قطع الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بأنّ هذا الكتاب أماناً من الضلال ، فالشفقة والرحمة تقتضي كتابة هذا الكتاب ، فالحيلولة بين كتابة هذا الكتاب هو الذي أدّى إلى الضلال والانحراف .

وقال عدّة من أهل السُنّة والجماعة : أنّ قوله (صلّى الله عليه وآله) ( ائتوني ) ليس للوجوب ، وإنّما هو من باب الإرشاد للإصلح(2) .

هذا كلام في غاية الضعف والسفاهة لأمور :

1 ـ إنّ السعي إلى ما يوجب العصمة من الضلال والانحراف لا يمكن أن يكون من باب الإرشاد لما هو أصلح ومن مستحبّات الأعمال ، بل هو من الأمور الواجبة .

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم بشرح النووي 11 / 90 .
(2) إرشاد الساري 1 / 207 ، فتح الباري 1 / 169 نقلاً عن القرطبي .

الصفحة (47)

2 ـ مضافاً إلى أنّ استياء النبي (صلّى الله عليه وآله) من قولهم ومنعهم لذلك الكتاب كاشف على أنّهم قد ارتكبوا أمراً عظيماً ، لا أنّهم خالفوا أمراً إرشادياً مستحبّاً .

3 ـ إنّ أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) لهم بإحضار الدواة لكتابة الكتاب كان عند الاحتضار ، والمحتضر يكون عادة مشغولاً بنفسه وبما يعظم خطره ويعظم شأنه عنده ، ولاسيما مع العلم بالمشقّة التي ستحصل له (صلّى الله عليه وآله) من كتابة الكتاب ، فالمقام مقام الأوامر الإلزامية المهمّة ، لا مقام الأوامر الإرشادية .

4 ـ إنّ عدّ ابن عباس (رحمه الله) الحيلولة بين النبي (صلّى الله عليه وآله) وبين كتابة الكتاب رزيّة عظيمة عبر عنها بـ ( الرزيّة كلّ الرزيّة ) ، وإنّ بكاءه بعد انقضاء الحادثة ومضيّ السنين العديدة عليها حتى صارت دموعه تنحدر على خدّيه كاللؤلؤ ، دليلاً على أنّ مخالفة أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) كان فعلاً محرّماً فظيعاً ، وإلاّ فمن المستبعد أن يعتبر ابن عباس مخالفة الأوامر الإرشادية رزيّة عظيمة يبكي لأجلها(1) .

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع دليل المتحيّرين ـ للعلاّمة الفاضل الشيخ علي آل محسن القطيفي / 65 ، وراجع ما ألقيناه تحت عنوان ( رزيّة الخميس ) .

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى