|
الصفحة (23)
ويزعم بأنّه من
جماعة وحزب يزيد .
فلولا الإمام
الحسين (عليه السّلام) لكانت سنة يزيد بن معاوية حجّة ، وكلمّا جاء خليفة أضاف إلى
الإسلام مجموعة من البدع في العقيدة والممارسة ، فيصل الإسلام إلى الأجيال اللاحقة
وهو لا يمتّ للإسلام الحقيقي بصلة أصلاً .
وهذا ما حدث
للأديان السماوية الأُخرى وللمسيحية بشكل خاص ، فلقد دخل مجموعة من اليهود في دين
المسيح ظاهراً فحملوا رايته وتعصّبوا له ، إلى أن وصلت زمام الأمور بيدهم فانحرفوا
بالمسيحية عن دين المسيح .
وهذا الخطر هو
الذي يُخاف منه على الإسلام ، ولكن ببركة الحسين (عليه السّلام) وثورته وشهادته رفع
هذا الخطر عن الإسلام ، وأوجد خندقاً بين التشريع والحجّية وبين الخلفاء وأئمّة
الضلال ، وأيقظ المسلمين من سباتهم وعرّفهم أنّ كلّ مَنْ أُطلق عليه لقب ( الخليفة
) ، أو ( أمير المؤمنين ) لا يمكن أن تكون سُنّته وسيرته حجّة ومصدراً للتشريع ،
إلاّ إذا كان هذا الخليفة منصوصاً عليه من قبل الله والرسول (صلّى الله عليه وآله)
.
ولو أنّ المسلمين
وسّعوا مصادر المعرفة الإسلامية بحيث تشمل كلّ مَنْ جاء من الخلفاء والمتسلّطين
لكان ـ كما أشرنا ـ كلّ خليفة يأتي ببدعة جديدة ويمحي سُنّة عريقة ، فيصلنا الإسلام
الصفحة (24)
اليوم وهو لا
يشكّل أكثر من 2% بالمئة ممّا عليه الإسلام في عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله)
وما عليه الصحابة آنذاك .
فما أعظم بركة
الحسين (عليه السّلام) على هذه الأُمّة ، ولا غرابة في ذلك ؛ فإنّه كما في الحديث
المستفيض : (( حسين منّي وأنا من حسين ، أحبّ الله مَنْ أحبّ
حسيناً ، حسين سبط من الأسباط )) .
ولذلك تواترت
الأحاديث عن طريق أهل السُنّة والجماعة بكاء الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)
على الحسين قبل مقتله ، وتكرار إهداء تربته إلى الرسول الأكرم (صلّى الله عليه
وآله) من قبل عدّة من الملائكة ، فكان (صلّى الله عليه وآله) يأخذ تلك التربة
ويُقلّبها ويُقبّلها وعيناه تفيضان من الدموع(1) .
خلود الإسلام بالقرآن
ولعلك تقول :
حُفظُ الإسلام بحفظ القران ، فمادام القرآن موجوداً فالإسلام موجود .
نقول : الكل
يستدلّ بالقرآن الكريم ، فما من فرقة من الفرق إلاّ وهي تستدلّ على عقائدها
وممارساتها من القرآن الكريم ؛
ـــــــــــــــــــ
(1) راجع مسند
أحمد 1 / 85 ، 242 ، 4 / 265 ، 6 / 468 ، سنن الترمذي ، المستدرك 3 / 176 ، 4 / 19
، 398 المعجم الكبير / 2811 ، مجمع الزوائد 9 / 194 ، ومصادر عدّة كثيرة ذكرنا
بعضها في ( الشعائر الحسينة سُنّة أم بدعة ) فراجع .
الصفحة (25)
الجبري(1)
يستدلّ على عقيدته في الجبر من القرآن الكريم ، والمفوّض يستدلّ على تفويضه من
القرآن الكريم ، وقس على ذلك بقيّة الفرق .
ويكفى في ذلك أنّ
المسلمين اختلفوا في أوضح آية في القرآن الكريم وهي أية الوضوء :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا
وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) بين قائل بالمسح في
الأرجل وقائل بالغسل ، فإذا حصل الخلاف في مثل هذه الآية الواضحة الدلالة فالاختلاف
في بقيّة الآيات أسهل وأوضح ، بل الكفرة والملحدين أيضاً يستدلّون على بطلان
الإسلام من القرآن الكريم .
ومثال آخر آية
الطلاق فقد قال تعالى :
الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ .....
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ
... ) ، فمع أنّ الآية في غاية الصراحة والوضوح نجد جمهور
المسلمين خالفوا كتاب الله وتركوه وراء ظهورهم واتّبعوا اجتهاد الخليفة عمر بن
الخطاب .
فإذا قال الرجل
لزوجته أنت طالق طالق طالق في مجلس واحد ، اعتبرها جماعة كثيرة من
ـــــــــــــــــــــــ
(1) وهو القائل
بأنّ الإنسان مجبر على فعله .
الصفحة (26)
فقهاء المسلمين(1)
هذا الطلاق ثلاثياً تقليداً للخليفة عمر بن الخطاب مع أنّه مخالف لصريح ونص القرآن
الكريم .
فإذا كانت هذه
الآية الواضحة الدلالة مُعرض عنها فكيف ببقيّة الآيات التي لها ظهورات متعدّدة ؟!
فالقرآن حمّال ذو
وجوه ، والكلّ يمكنه بمغالطته وأفكاره الخاطئة من أن يفسّر القرآن وفق أفكاره
ومعتقداته وممارساته الخاصة ؛ ومن هنا تبرز أهمية وجود مَنْ يفسّر القرآن كما هو ،
وليس هو إلاّ الإمام المعصوم الذي هو عدل القرآن .
ولذا في حديث
الثقلين قرن الرسول بين الكتاب والعترة ، وأنّ الابتعاد عن الضلال رهن التمسّك بهما
معاً لا بأحدهما دون الآخر(2) فقال (صلّى الله عليه
وآله) : (( إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب
ـــــــــــــــــــــ
(1) نعم ، رجعت
مشيخة الأزهر في هذه الأعصار إلى كتاب الله وسُنّة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه
وآله) والاقتداء بأهل البيت ، وتركوا سُنّة الخليفة عمر بن الخطاب ، فجعلوا الطلقات
الثلاث بصيغة واحدة طلقة واحدة .
(2) وحديث
الثقلين من الأحاديث التي وصلت إلى مرتبة الاستفاضة ، بل إلى مرتبة التواتر لكثرة
الأسانيد والطرق الواردة فيه .
قال الفاضل
القطيفي : وقد ذكر الالباني هذا الحديث ضمن أحاديث سلسلته الصحيحة ، وخرج بعض طرقه
وأسانيده الصحيحة والحسنة ، وذكر بعض شواهده وحسنها ، ووصف من ضعف هذا الحديث بأنه
حديث عهد بصناعة الحديث ، وأنه قصر تقصيرا فاحشا في تحقيق الكلام عليه ، وأنه فاته
كثير من الطرق والأسانيد التي هي بذاتها صحيحة أو حسنة ، فضلاً عن الشواهد
===
الصفحة (27)
الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ؛
فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض )) .
فَهْمُ الكتاب
وعليه فكون
الكتاب وسُنّة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) موضع اتّفاق بين المسلمين في
كونهما عمدة مصادر التشريع ، لا يقتضي ويستلزم عدم الضلال والانحراف ؛ إذ الكتاب
والسُنّة شيء وعوامل فهم الكتاب والسُنّة شيء آخر .
فلو توسّعنا في
مصادر المعرفة بحيث يشمل كلّ مَنْ أُطلق عليه ( أمير المؤمنين ) لكان فهمه للكتاب
والسُنّة هو المُحكّم والمُتّبع ، أو محاولة التأويل والتوجيه بين بدعته المستحدثة
والآيات القرآنية المخالفة لها صراحة ، أو تجميد الآيات وتعطيلها واتّباع ما أحدثه
الخليفة .
الإسلام والإيمان
يُقسّم القرآن
الكريم أفراد هذه الأُمّة إلى قسمين :
الأوّل : مسلم
ـــــــــــــــــــــــــــ
===
والمتابعات ، وأنّه لم يلتفت إلى أقوال المصححين للحديث من العلماء ؛ إذ اقتصر في
تخريجه على بعض المصادر المطبوعة المتداولة دون غيرها ، فوقع في هذا الخطأ في تضعيف
الحديث الصحيح ، راجع سلسلة الأحاديث الصحيحة 4 / 355 ح 1761 ، عنه مسائل خلافية /
98 .
الصفحة (28)
الثاني : مؤمن
والشاهد عليه
قوله تعالى :
( قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا
وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ
وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً )(1)
، فإطاعة الله ورسوله شرط لتحقق الإيمان ودخوله في قلب المرء ، وإلى هذا الشرط إشار
تعالى بقوله أيضاً :
( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ )(2)
، فمحبّة الله تستلزم اتّباع الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، أو مَنْ أمر
الرسول (صلّى الله عليه وآله) بطاعته والاقتداء به .
فالحبّ بمصطلح
القرآن يقتضي ويستلزم الاتّباع والموالاة ، فهو عمل جوانحي مرتبط بقلب الإنسان ،
وجوارحي معاً .
وقد أكّدت بعض
الآيات على ضرورة التسليم القلبي المطلق لأوامر ونواهي الرسول الأكرم (صلّى الله
عليه وآله)
( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا
تَسْلِيماً )(3) ، فعلاوة على
طاعة الرسول وانقياد جوارح وكيان الإنسان الظاهري لأوامره ونواهيه (صلّى الله عليه
وآله) لا بدّ من الإذعان والتسليم القلبي لكلّ ما يصدر عنه حتى
ــــــــــــــــــــــ
(1) سورة
الحجرات / 14 .
(2) سورة آل
عمران / 31 .
(3) سورة النساء
/ 65 .
الصفحة (29)
وإن كان ـ بنظر
المسلم ـ ضرراً على الذّات .
فالتسليم القلبي
بكلّ ما حكم وجاء به الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) هو الإيمان ، والتسليم
القولي وتلفّظ الشهادتين هو الإسلام ، وفرق كبير بين الإيمان والإسلام ؛ فقد يكون
الإنسان مسلماً وليس هو بمؤمن ولا عكس .
ولاية علي شرط الإيمان
والخلاف بين
المؤمنين وغيرهم ليس في كونهم مسلمين أو ليسوا بمسلمين ؛ مَنْ تشهّد الشهادتين
وصلّى وصام وزكّى وحجّ فهو مسلم ، وإنّما الخلاف في تحقّق الإيمان وعدمه ، حبّ علي
(عليه السّلام) ركن الإيمان ، ومتابعة علي (عليه السّلام) وأهل بيته محقّقة للإيمان
، والإيمان درجة والإسلام درجة أُخرى .
فالإيمان مقيّد
بإطاعة الرسول إطاعة مطلقة في أوامره ونواهيه وأحكامه .
فمَنْ عصاه في
قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( أيّها الناس ، ألست أولى
بكم من أنفسكم ؟ )) .
قالوا : بلى .
قال :
(( فمَنْ كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللّهمّ والِ مَنْ
والاه ، وعادِ مَنْ عاداه )) .
فهو مسلم إن حافظ
على الشهادتين ، وخارج عن الإيمان ؛ لعدم متابعته للرسول الأكرم (صلّى الله عليه
وآله) في علي (عليه السّلام) ، وستأتي تتمّة فانتظر .
الردّة عن الإيمان
وكما أنّه هناك
ردّة عن الإسلام هناك أيضاً ردّة عن الإيمان ،
الصفحة (30)
فكثير من الصحابة
كما هو ظاهر قوله تعالى :
( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن
مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى
عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ )(1)
، حافظوا على التشهّد بالشهادتين لكن اعترتهم ردّة في الإيمان ، وهذا ما استفاضت به
الروايات كما في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما .
فعن أبي هريرة عن
النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : (( بينما أنا قائم إذا
زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال : هلمّ ، فقلت : أين ؟ قال :
إلى النار والله ، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقري
، ثمّ إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال : هلمّ ، قلت : أين ؟
قال : إلى النار والله ، قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنّهم بعدك ارتدّوا على أدبارهم
القهقري ، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم ))(2)
.
ــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل
عمران / 144 .
(2) صحيح
البخاري 8 / 150 ، قال في لسان العرب 11 / 710 وفي حديث الحوض :
(( فلا يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم )) . الهمل :
ضوال الإبل ، واحدها هامل أي الناجي منهم قليل في قلّة النعم الضالة .
قلت صدق الله
تعالى إذ قال :
( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ
الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ
يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ
الشَّاكِرِينَ ) والشاكرون في التاريخ قليل
( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور )
.
الصفحة (31)
وعن أبي وائل قال
: قال عبد الله : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : ((
أنا فرطكم على الحوض ، ليُرفعنّ إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت لأناولهم اختلجوا
دوني ، فأقول : أي ربّ ، أصحابي ! يقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك ))(1)
.
وعنه عن أبي حازم
قال : سمعت سهل بن سعد يقول : سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول :
(( أنا فرطكم على الحوض ، مَنْ ورده شرب منه ، ومَنْ شرب منه
لم يظمأ بعده أبداً ، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثمّ يُحال بيني وبينهم ))
.
قال أبو حازم :
فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدّثهم هذا ، فقال : هكذا سمعت سهلاً ؟ فقلت :
نعم . قال : وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه ، قال :
(( إنّهم منّي ، فيُقال : إنّك لا تدري ما بدلّوا بعدك ،
فأقول : سحقاً سحقاً لمَنْ بدّل بعدي ))(2) .
وعن أنس عن النبي
(صلّى الله عليه وآله) قال : (( ليردَنّ عليّ ناس من أصحابي
الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني ، فأقول ، أصحابي ، فيقول : لا تدري ما أحدثوا
بعدك ))(3) .
ــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح
البخاري 9 / 58 كتاب الفتن ب 1 ، 8 / 148 كتاب الرقاق ، ب الحوض .
(2) صحيح
البخاري 9 / 58 .
(3) صحيح
البخاري 8 / 149 ، صحيح مسلم 4 / 1800 ، مسند أحمد 3 / 281 ، 5 / 48 و 50 .
الصفحة (32)
وعن ابن عباس عن
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ في حديث ـ قال : (( ألا
وإنّه يُجاء برجال من أُمّتي ، فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا ربّ أصحابي ،
فيُقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح :
وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ
أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ))(1)
.
فالأحاديث ناصّة
على أنّ هؤلاء المحدثين في الدين هم من صحابة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)
، ودعوى أنّهم مَنْ ارتدّ بعده (صلّى الله عليه وآله) وحاربهم أبو بكر في غاية
البُعد والغرابة ، وقراءة الأحاديث كافية في وهن هذه الدعوة ، وعبارة
(( ارتدّوا على أدبارهم القهقري )) يشمل الارتداد عن
الإسلام وعن الإيمان ، إلاّ أنّ عبارة (( لا تدري ما أحدثوا
بعدك )) ظاهرة في أنّهم كانوا باقين على الإسلام ؛ إذ المرتد لا يمكنه أن
يُحدث في الدين شيئاً والله العالم .
ومنه تعرف أنّ
قول الباقر محمد بن علي (عليهما السّلام) : (( كان الناس أهل ردّة بعد النبي (صلّى
الله عليه وآله) إلاّ ثلاثة )) . فقلت : ومَنْ الثلاثة ؟ فقال :
(( المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي
ـــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح
البخاري 6 / 69 كتاب التفسير سورة المائدة 6 / 122 سورة الأنبياء 8 / 136 كتاب
الرقاق ، صحيح مسلم 4 / 2195 كتاب الجنة ، سنن الترمذي 5 / 321 ، ثمّ قال : هذا
حديث حسن صحيح ، صحيح سنن النسائي ـ للألباني 3 / 499 ، مسند أحمد 1 / 235 ، 253 .
الصفحة (33)
رحمة الله وبركاته عليهم ، ثمّ عرف الناس بعد يسير ))(1)
. هو ارتداد عن الإيمان لا ارتداد عن الإسلام ، فافهم وتنبّه ولا تغفل .
ويشهد لذلك أيضاً
قوله (عليه السّلام) ـ في حديث آخر ـ : (( ارتد الناس إلاّ
ثلاثة نفر ، سلمان وأبو ذر والمقداد )) . قال : قلت : فعمار ؟ قال :
(( جاض جيضة(2)
ثمّ رجع )) . ثمّ قال (عليه السّلام) :
(( إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد ، فأمّا
سلمان فإنّه عرض في قلبه عارض أنّ عند أمير المؤمنين اسم الله الأعظم لو تكلّم به
لأخذتهم الأرض وهو هكذا فلبب ووجئت عنقه حتى تركت كالسلقة ، فمرّ به أمير المؤمنين
(عليه السّلام) فقال له : يا أبا عبد الله هذا من ذاك فبايع ، فبايع ، وأمّا أبو ذر
فأمره أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالسكوت ولم يكن يأخذه في الله لومة لائم ،
فأبى إلاّ أن يتكلّم فمرّ به عثمان فأمر به ، ثمّ أناب الناس بعد فكان أوّل مَنْ
أناب أبو ساسان الأنصاري وأبو عمرة وشتيرة ، وكانوا سبعة فلم يكن يعرف حق أمير
المؤمنين (عليه السّلام) إلاّ هؤلاء السبعة ))(3)
.
فالحديث صريح في
أنّ الردّة ليس عن الإسلام وإنّما عن معرفة
ــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي :
الروضة .
(2) جاض عنه
يجيض ، أي عدل وحاد .
(3) رجال الكشي
/ 11 .
الصفحة (34)
حق أمير المؤمنين
، الذي لا يحبه إلاّ مؤمن ، ولا يبغضه إلاّ منافق كما في الحديث المستفيض(1)
، وليس الحبّ إلاّ المتابعة المطلقة
( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ )
.
وغالبية المسلمين
بغضوا مَنْ يحبّ علياً وأحبّوا مَنْ يبغضه حتى قال ابن حجر العسقلاني : وقد كنت
استشكل توثيقهم(2) الناصبي(3)
غالباً ، وتوهينهم الشيعة مطلقاً ، ولاسيّما أنّ علياً ورد في حقّه : لا يحبّه إلاّ
مؤمن ولا يبغضه إلاّ منافق ، ثمّ ظهر لي في الجواب عن ذلك أنّ البغض ههنا مقيّد
بسبب وهو كونه نصر النبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ لأنّ من الطبع البشري بغض مَنْ
وقعت منه إساءة في حقّ المبغض والحبّ بالعكس ، وذلك ما يرجع إلى أمور الدنيا غالباً
، والخبر في حبّ علي وبغضه ليس على العموم ، فقد أحبّه مَنْ أفرط فيه حتى ادّعى
أنّه نبي ، أو إله تعالى الله عن إفكهم .
قال : وأكثر مَنْ
يوصف بالنصب يكون مشهوراً بصدق اللهجة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) روى مسلم في
صحيح عن علي (عليه السّلام) : (( إنّه عهد من النبي الأُمّي
أنّه لا يحبّني إلاّ مؤمن ، ولا يبغضني إلاّ منافق )) .
(2) أي أهل
الجرح والتعديل .
(3) وهو المبغض
لعلي بن أبي طالب (عليه السّلام) ولأهل بيته ، وهم على درجات بعضهم يقتصر على البغض
، والبعض الآخر يترقّى فيلعن ويسبّ علياً (عليه السّلام) ، وأكثر مَنْ قال في حقّه
الرجاليون أنّه صُلب في السنة ؛ كان ممّن يلعن ويتبرأ من علي ظاهراً شاهراً فراجع .
الصفحة (35)
والتمسّك بأمور
الديانة ، بخلاف مَنْ يوصف بالرفض فإنّ غالبهم كاذب ولا يتورّع في الأخبار(1)
، والأصل فيه : أنّ الناصبة اعتقدوا أنّ علياً (رضي الله عنه) قتل عثمان ، أو أعان
عليه ؛ فكان بغضهم له ديانة بزعمهم ، ثمّ انضاف إلى ذلك أنّ منهم مَنْ قُتلت أقاربه
في حروب علي .
قلت : لو كان
الأمر كما قال ابن حجر نصرة للنواصب والخوارج ، لكان الرسول الأكرم (صلّى الله عليه
وآله) يلقى الكلام على عواهنه ، ويكون كلامه هذا بلا فائدة ، مع أنّ ذلك من أروع ما
قاله الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في حق علي (عليه السّلام) .
قال ابن عقيل :
إنّ بغض علي (عليه السّلام) لا يصدر من مؤمن أبداً ؛ لأنّه ملازم للنفاق ، وحبّه لا
يتمّ من منافق أبداً ، لأنّه ملازم للإيمان ، فتقييد الشيخ ـ ابن حجر ـ بغض علي
الدال على الناف بأنّه
ــــــــــــــــــــــــ
(1) فكلّ مَنْ
لم يسب علياً (عليه السّلام) هو من أهل الكذب ، ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب في
ترجمة مصدع المعرقب : قلت : إنّما قيل له المعرقب ؛ لأنّ الحجّاج ، أو بشر بن مروان
عرض عليه سبّ علي فأبى فقطع عرقوبه . قال ابن المديني : قلت لسفيان : في أيّ شيء
عرقب ؟ قال : في التشيّع .
قلت : فالامتناع
عن سبّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) تشيّع وابتعاد عن الديانة ، وسبّه (عليه
السّلام) تصلّب في السُنّة وتدين ، فالسني الصلب هو الذي يسبّ علياً (عليه السّلام)
؛ ولذلك ذكر في حق كثير ممّن يلعن علياً (عليه السّلام) ظاهراً شاهراً بأنّه صلب في
السُنّة .
الصفحة (36)
الذي يكون سببه
نصرة للنبي (صلّى الله عليه وآله) خطأ وغفلة ظاهرة ؛ لأنّه يلزم منه إلغاء كلام
المعصوم بتخصيصه علياً بهذا ؛ لأنّ البغض لأجل نصرة النبي (صلّى الله عليه وآله)
كفر بواح ؛ سواء كان المبغض بسبّه علياً (عليه السّلام) أو غيره ، مسلماً كان أو
كافراً ، أو حيواناً أو جماداً ، ألا ترى لو أنّ مكلّفاً أبغض المطعم بن عدي ، أو
أبا البختري ـ اللذين ماتا على الشرك ـ لأجل سعيهما في نقض الصحيفة القاطعة ،
ووصلهما بذلك رحم النبي (صلّى الله عليه وآله) ورحم بني هاشم ، ألا يكون ذلك المبغض
كافراً لبغضه الكافر من هذه الجهة ؟
قال : ولو أنّ
آخراً أبغض كلباً من أجل حراسته للنبي (صلّى الله عليه وآله) ، أو حماراً من أجل
حمله إيّاه ، أو غاراً من أجل ستره له عن المشركين لكان كافراً بذلك اتفاقاً ، فما
هي إذاً فائدة تخصيص علي (عليه السّلام) بالذكر فيما يعمّ المسلم والكافر والحيوان
والجماد ؟ فتقييد الشيخ إلغاءً وإهداراً لكلام المعصوم وإبطالاً له .
قال : والحق إن
شاء الله تعالى أنّ حبّ علي (عليه السّلام) مطلقاً علامة لرسوخ الإيمان في قلب
المحبّ ، وبغضه علامة وجود النفاق فيه خصوصية فيه ، كما هي في أخيه النبي (صلوات
الله وسلامه عليهما وعلى آلهما ) .
الصفحة (37)
ويؤيّد هذا قوله
تعالى :
( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) ، وقول النبي (صلّى الله
عليه وآله) : (( علي منّي وأنا من علي )) وما يشابه
هذا ، وقد جاء الصحيح عن علي (عليه السّلام) قوله : (( لو
ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ، ولو صببت الدنيا بجملتها في
حجر المنافق على أن يحبّني ما أحبّني ؛ وذلك أنّه قضى فانقضى على لسان النبي
الأُمّي أنّه لا يبغضك مؤمن ولا يحبّك منافق ))(1)
.
فمن قوله (صلّى
الله عليه وآله) (( لا يبغضك مؤمن ولا يحبّك منافق ))(2)
يعرف أنّ اتّباع علي (عليه السّلام) محقّق للإيمان ، واتّباعه (عليه السّلام) يرفع
المسلم من درجة الإسلام إلى درجة الإيمان ؛ إذ الحبّ ليس إلاّ المتابعة المطلقة
للمحبّ
( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
ــــــــــــــــــــــــــ
(1) العتب
الجميل / 41 ، ثمّ بعد ذلك فند قول ابن حجر بأنّ الخوارج والنصاب من أهل الصدق
والأمانة ، كيف يكونوا كذلك وقد وصفهم الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بأنّهم
يمرقون من الدين ، وأنّهم كلاب أهل النار ؟!
(2) مسند الإمام
أحمد 6 / 292 عن أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة (رضي الله عنها) ، وبلفظ آخر
(( أنّه عهد من النبي الأُمّي ... لا يحبّني إلاّ مؤمن ، ولا
يبغضني إلاّ منافق )) ، رواه أحمد بسنده عن علي (عليه السّلام) 1 / 84 ، 85
، ورواه مسلم وابن ماجة والترمذي والنسائي في الخصائص ، والحاكم في معرفة علوم
الحديث ، وأبو نعيم الأصفهاني بعدّة أسانيد في حلية الأولياء 4 / 185 ، والبيهقي في
السنن ، والخطيب البغدادي بعدّة أسانيد في تاريخه 2 / 255 ، 8 / 417 ، 14 / 426 ،
والطحاوي في مشكل الآثار 1 / 48 عن عمران بن الحصين ، مجمع الزوائد 9 / 33 ،
والحديث مروي عن عدّة من الصحابة وواصل إلى مرتبة الاستفاضة .
الصفحة (38)
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ ) .
الرضى والشجرة
ورضى الله عن
الصحابة يوم الشجرة إنّما كان بشرط عدم التبديل والانحراف والإحداث ، وقد قيّد الله
هذا الرضى بعدم نكث تلك المبايعة بقوله :
( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ
فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ
أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً )(1)
، فالذي يبدّل ويغيّر ما عاهد عليه الرسول (صلّى الله عليه وآله) يُقال له كما قال
له الرسول (صلّى الله عليه وآله) سحقاً سحقاً .
فعن مالك بن أنس
قال : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال لشهداء أُحد :
(( هؤلاء أشهد عليهم )) .
فقال أبو بكر
الصديق : ألسنا يا رسول الله إخوانهم ، أسلمنا كما أسلموا ، وجاهدنا كما جاهدوا ؟
فقال رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) : (( بلى ، ولكن لا أدري ما تحدثون
بعدي )) .
فبكى أبو بكر ثمّ
بكى ، ثمّ قال : أإنّا لكائنون بعدك؟(2)
أصحابي كالنجوم
وأمّا رواية (
أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم ) فهو
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة الفتح
/ 10 .
(2) الموطأ /
236 كتاب الجهاد ، باب الشهداء في سبيل الله ح 995 .
الصفحة (39)
حديث ضعّفه وحكم
بوضعه عدّة من المحدّثين والمحقّقين ، فقد ضعّف سنده ابن حجر العسقلاني والبزار(1)
والبيهقي ، وأحمد بن حنبل ، وأخيراً الألباني(2)
وغيرهم .
وقال ابن حزم :
فقد ظهر أنّ هذه الرواية لا تثبت أصلاً ، بل لاشك أنّها مكذوبة ؛ لأنّ الله تعالى
يقول في صفة نبيّه (صلّى الله عليه وآله) :
( وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى *
إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) ، فإذا كان كلامه (عليه
الصلاة والسّلام) في الشريعة حقّاً كلّه وواجباً فهو من الله تعالى بلا شك ، وما
كان من الله تعالى فلا يختلف فيه ، لقوله تعالى :
( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً
) ، وقد نهى تعالى عن التفرقة والاختلاف بقوله :
( وَلاَ تَنَازَعُوا ) ، فمن المحال أن يأمر رسوله باتّباع
كلّ قائل من الصحابة (رضي الله عنهم) ، وفيهم مَنْ حلّل الشيء وغيره يحرّمه ، ولو
كان ذلك لكان بيع الخمر حلالاً اقتداءً بسمرة بن جندب ، ولكان أكل البرد للصائم
حلالاً اقتداءً بأبي طلحة ، وحراماً اقتداءً بغيره منهم ، ولكان ترك الغسل من
الإكسال واجباً اقتداءً بعلي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب ، وحراماً
ـــــــــــــــــــــ
(1) تلخيص
الحبير 4 / 190 ، قال بعد أن ضعّف سند هذه الرواية : قال البزار : هذا الكلام لم
يصح عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وقال ابن حزم : هذا خبر مكذوب موضوع باطل .
(2) سلسلة
الأحاديث الضعيفة 1 / 79 قال : قال أحمد : لا يصح هذا الحديث كما في المنتخب ـ لابن
قدامة 10 / 199 ح 2.
الصفحة (40)
اقتداءً بعائشة
وابن عمر ، وكلّ هذا مروي عندنا بالأسانيد الصحيحة .... فكيف يجوز تقليد قوم يخطئون
ويصيبون ؟!(1)
ثمّ قال : فصح
أنّ الاختلاف لا يجب أن يُراعى أصلاً ، وقد غلط قوم فقالوا : الاختلاف رحمة ،
واحتجّوا بما روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم
اهتديتم .
قال : وهذا
الحديث باطل مكذوب من توليد أهل الفسق لوجوه ضرورية :
احدها : أنّه لم
يصح من طريق النقل .
والثاني : أنّه
(صلّى الله عليه وآله) لم يجز أن يأمر بما نهى عنه وهو (عليه السّلام) قد أخبر أنّ
أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسّره ، وكذّب عمر في تأويل تأوّله في الهجرة ، وكذّب
أسيد بن حضير في فتيا أفتى بها في العدّة ... فمن المحال الممتنع الذي لا يجوز
البتة أن يكون (عليه السّلام) يأمر باتّباع ما قد أخبر أنّه خطأ ، فيكون حينئذ أمر
بالخطأ ، تعالى الله عن ذلك وحاشا له (صلّى الله عليه وآله) من هذه الصفة ، وهو
(عليه الصلاة والسّلام) قد أخبر أنّهم يخطئون فلا يجوز أن يأمرنا باتّباع مَنْ
يُخطئ(2) .
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الإحكام في
أصول الأحكام 6 / 244 .
(2) سلسلة
الأحاديث الضعيفة ـ للألباني 1 / 83 نقلاً عن ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام 5
/ 62 .
الصفحة (41)
وقال الغزالي :
فإنّ مَنْ يجوّز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجّة في قوله ، فكيف
يحتجّ بقولهم مع جواز الخطأ ، وكيف تدّعى عصمتهم من غير حجّة متواترة ، وكيف يتصوّر
عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف ، وكيف يختلف المعصومان ؟ وكيف وقد اتفقت الصحابة على
جواز مخالفة الصحابة ، فلم ينكر أبو بكر وعمر على مَنْ خالفهم بالاجتهاد ؟!(1)
رزيّة الخميس مصيبة الإسلام
وأوّل انشقاق
وفتنة عظيمة أدّت إلى الضلال والانحراف هي رزيّة الخميس ، فالرزيّة كلّ الرزيّة ـ
كما قال حبر الأُمّة وترجمان القرآن ـ رزيّة الخميس ، فكلّ انحراف وكلّ ضلال مبدأه
يوم الخميس ظرف تلك الرزيّة .
فقد أخرج البخاري
بسنده عن ابن عباس قال : لمّا اشتدّ بالنبي (صلّى الله عليه وآله) وجعه قال :
(( ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ))(2)
.
قال عمر : إنّ
النبي (صلّى الله عليه وآله) غلبه الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا .
فاختلفوا وكثر
اللغط ، قال : (( قوموا عنّي ، ولا ينبغي عندي التنازع ))
.
فخرج ابن عباس
يقول : إنّ الرزيّة
ـــــــــــــــــــــــ
(1) المستصفى في
علم الأصول 1 / 135 .
(2) فكتابة هذا
الكتاب أمن من الضلال والانحراف ، فالمنع عنه إحياء للضلال والانحراف ، والرسول
الأكرم (صلّى الله عليه وآله) لا يلقي الكلام على عواهنه
( إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى *
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) ،
( وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ) .
الصفحة (42)
كلّ الرزيّة ما
حال بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وبين كتابه(1)
.
وأخرج أيضاً بسند
آخر عن ابن عباس قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ! اشتدّ برسول الله (صلّى الله
عليه وآله) وجعه ، فقال : (( ائتوني اكتب لكم كتاباً لن
تضلّوا بعده أبداً )) .
فتنازعوا ولا
ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : ما شأنه ؟! استفهموه ، فذهبوا لا يردّون عليه .
فقال :
(( دعوني ، فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه )) .
وأوصاهم بثلاث :
(( اخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما
كنت أجيزهم )) وسكت عن الثالثة ، أو قال : نسيتها(2)
.
وأخرج مسلم عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : يوم الخميس ، وما يوم الخميس ! ثمّ جعل تسيل دموعه
حتى رأيت
ــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح
البخاري 1 / 38 كتاب العلم ، باب كتابة العلم رقم 39 .
(2) صحيح
البخاري 6 / 11 كتاب المغازي باب مرض النبي (صلّى الله عليه وآله) ووفاته .
وأخرج بسند ثالث
عنه (رضي الله عنه) قال : لمّا حُضِرَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفي البيت
رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال النبي (صلّى الله عليه وآله) :
(( هلمّ اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده )) .
فقال عمر : إنّ
النبي (صلّى الله عليه وآله) غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله .
فاختلف أهل
البيت فاختصموا ، منهم مَنْ يقول : قرّبوا يكتب لكم النبي (صلّى الله عليه وآله) ،
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( كتاباً لن تضلّوا
بعده )) ، ومنهم مَنْ يقول ما قال عمر ، فلمّا أكثروا اللغط عند النبي (صلّى
الله عليه وآله) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : ((
قوموا )) . صحيح البخاري 7 / 155 كتاب الطب ، باب قول المريض قوموا عنّي رقم
17 .
الصفحة (43)
على خدّيه كأنّها
نظام اللؤلؤ ، قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) :
(( ائتوني بالكتف والدواة ، أو اللوح والدواة ، اكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده
أبداً )) .
فقالوا : إنّ
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يهجر(1) .
والملاحظ أنّ
الذي بدأ بقوله : هجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هو الخليفة عمر بن الخطاب ؛
إذ القوم انقسموا إلى قسمين منهم مَنْ يقول : قرّبوا له الدواة ، وقسم آخر يقول :
هجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فالمحدّثون ـ أمناء هذه الأُمّة ـ إذا ذكروا
عمر حرّفوا العبارة ؛ وسواء كانت العبارة التي صدرت من عمر هي ( إنّ النبي غلب عليه
الوجع ) ، أو ( هجر الرجل ) فالمعنى واحد ؛ إذ الإنسان إذا غلب عليه الوجع يهجر ،
فلا يكون قيمة لكلامه .
نعم ، وقْع لفظة
( غلب عليه الوجع ) أهون بكثير من ( هجر ) ، فهو من قبيل قولنا في المجنون بأنّه
مصاب بمرض عقلي ، فالنتيجة واحدة ولكن وقْع اللفظ على القلب أهون .
قال ابن الجوزي :
إنّما خاف عمر أن يكون ما يكتبه في حال غلبة المرض ، فيجد بذلك المنافقون سبيلاً
إلى الطعن في ذلك المكتوب(2) .
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم 3
/ 1257 ، كتاب الوصية باب ترك الوصية لمَنْ ليس له شيء يوصي فيه . قلت : إيراد هذا
الحديث في هذا الباب معناه أنّ الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ليس عنده شيء
يوصي به ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، وحسبنا الله ونِعْمَ الوكيل .
(2) فتح الباري
1 / 169 .
الصفحة (44)
وهذا غير صحيح ؛
إذ قوله (صلّى الله عليه وآله) (( لن تضلّوا )) تنصّ
على أنّ ذلك الكتاب سبب للأمن عليهم من الضلال ، فكيف يكون سبباً للفتنة بقدح
المنافقين ؟!
فهو (صلّى الله
عليه وآله) لا يُقاس به أحد حتى يُقال بأنّ نظر عمر بن الخطاب صحيح ، ونظره (صلّى
الله عليه وآله) فيه شائبة الإشكال ، كما هو عليه جُلّ مَنْ حاول أن يفسّر ، ويشرح
هذا الحديث من أهل السُنّة والجماعة صوناً لعمر بن الخطاب .
وإذا كان هناك
ملجأ للمنافقين في الطعن في هذا الكتاب ، فالذي فتح لهم باب الطعن هو عمر بن الخطاب
، فلو أنّ الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) كتب هذا الكتاب بعد أن سمع هذه
الكلمة من عمر والجماعة الموافقة له ، لطعن المنافقون فيه بعد وفاته (صلّى الله
عليه وآله) ، ولما ميّز المسلمون المنافق العادي من المنافق المحترف والمسلم العادي
، فلو أنّ عمر بن الخطاب لم يتفوّه بهذه الكلمة لكان كلّ مَنْ يتعرض لذلك الكتاب
بالغمز والتشهير فقد حكم على نفسه بالنفاق والخروج عن الإسلام ، ومن ثَم ّيعرفه
المسلمون ويتجنّبونه .
مضافاً إلى أنّ
المصحّح لخلافة عمر هو وصية أبي بكر ؛ إذ أنّه في أواخر لحظات حياته أمر عثمان بأن
يكتب : أمّا بعد ، ثمّ أُغشي عليه ، فكتب عثمان من نفسه : أمّا بعد ، فقد استخلفت
الصفحة (45)
عليكم عمر بن
الخطاب ، فلمّا أفاق أبو بكر ، قال : اقرأ ، فقرأ عليه ، فقال : أراك خفت أن يختلف
الناس ، قال : نعم ، وأمضاها أبو بكر(1) .
فأبو بكر أمضى ما
كتبه عثمان وهو في حال الاحتضار والغشيان ، ولم يقولوا هجر أو غلب عليه الوجع ،
وكان يحقّ له أن يوصي وأن يخاف على اختلاف الأُمّة ، أمّا نبي الرحمة فيواجه بهذه
الكلمة القبيحة من قبل عمر بن الخطاب وجماعة من المسلمين !(2)
، وحاله لم يكن كحال أبي بكر ؛ إذ الفترة بين موته (صلّى الله عليه وآله) وبين هذا
الحدث خمسة أيام .
قال النووي :
أمّا كلام عمر (رضي الله عنه) فقد اتّفق العلماء المتكلّمون في شرح الحديث على أنّه
من دلائل فقه عمر وفضائله
ــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ
الطبري 4 / 53 ، تاريخ ابن الأثير 2 / 207 ، ومصادر عدّة .
(2) هذا مع أنّ
الله قال في حق رسوله (صلّى الله عليه وآله) :
( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا
شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً )
( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )
، فتحقق الإيمان رهين بالتسليم المطلق للنبي الخاتم (صلّى الله عليه وآله) ،
والإسلام إظهار الشهادتين
( قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ
قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ
تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) ، فعلامة الإيمان
إطاعة الله والرسول كما هو صريح ذيل الآية ، فممانعة بعض الصحابة لهذا الكتاب لا
مسوغ له ، وخلاف وجوب الطاعة له (صلّى الله عليه وآله)
( مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ )
.
الصفحة (46)
ودقيق نظره ؛
لأنّه خشي أن يكتب (صلّى الله عليه وآله) أموراً ربما عجزوا عنها واستحقوا العقوبة
عليها ؛ لأنّها منصوصة ، ولا مجال للاجتهاد فيها ، فقال عمر : حسبنا كتاب الله ...(1)
.
قلت : الله
ورسوله أعرف من عمر ومن غيره بعواقب الأمور ، وأشفق من عمر ومن أبي بكر بهذه
الأُمّة ، وهو الموصوف في الكتاب الكريم
( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) .
وقد قطع الرسول
الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بأنّ هذا الكتاب أماناً من الضلال ، فالشفقة والرحمة
تقتضي كتابة هذا الكتاب ، فالحيلولة بين كتابة هذا الكتاب هو الذي أدّى إلى الضلال
والانحراف .
وقال عدّة من أهل
السُنّة والجماعة : أنّ قوله (صلّى الله عليه وآله) ( ائتوني ) ليس للوجوب ، وإنّما
هو من باب الإرشاد للإصلح(2) .
هذا كلام في غاية
الضعف والسفاهة لأمور :
1 ـ إنّ السعي
إلى ما يوجب العصمة من الضلال والانحراف لا يمكن أن يكون من باب الإرشاد لما هو
أصلح ومن مستحبّات الأعمال ، بل هو من الأمور الواجبة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم
بشرح النووي 11 / 90 .
(2) إرشاد
الساري 1 / 207 ، فتح الباري 1 / 169 نقلاً عن القرطبي .
الصفحة (47)
2 ـ مضافاً إلى
أنّ استياء النبي (صلّى الله عليه وآله) من قولهم ومنعهم لذلك الكتاب كاشف على
أنّهم قد ارتكبوا أمراً عظيماً ، لا أنّهم خالفوا أمراً إرشادياً مستحبّاً .
3 ـ إنّ أمر
النبي (صلّى الله عليه وآله) لهم بإحضار الدواة لكتابة الكتاب كان عند الاحتضار ،
والمحتضر يكون عادة مشغولاً بنفسه وبما يعظم خطره ويعظم شأنه عنده ، ولاسيما مع
العلم بالمشقّة التي ستحصل له (صلّى الله عليه وآله) من كتابة الكتاب ، فالمقام
مقام الأوامر الإلزامية المهمّة ، لا مقام الأوامر الإرشادية .
4 ـ إنّ عدّ ابن
عباس (رحمه الله) الحيلولة بين النبي (صلّى الله عليه وآله) وبين كتابة الكتاب
رزيّة عظيمة عبر عنها بـ ( الرزيّة كلّ الرزيّة ) ، وإنّ بكاءه بعد انقضاء الحادثة
ومضيّ السنين العديدة عليها حتى صارت دموعه تنحدر على خدّيه كاللؤلؤ ، دليلاً على
أنّ مخالفة أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) كان فعلاً محرّماً فظيعاً ، وإلاّ فمن
المستبعد أن يعتبر ابن عباس مخالفة الأوامر الإرشادية رزيّة عظيمة يبكي لأجلها(1)
.
ــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع دليل المتحيّرين ـ للعلاّمة الفاضل الشيخ علي آل محسن القطيفي / 65 ،
وراجع ما ألقيناه تحت عنوان ( رزيّة الخميس ) . |