حياة علي الأكبر (عليه السّلام)
محمّد علي عابدين
حياة علي الأكبر (عليه السّلام)
ـ (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ
عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(القرآن
الكريم) .
ـ (( ... أشبه النّاس خَلقاً ومنطقاً
وخُلقاً برسولك , وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى وجهه ))
. الإمام الحسين (عليه السّلام)
.
ـ ( ... لا ... إنّ أولى النّاس بهذا الأمر ـ ويقصد الخلافة ـ هو عليّ بن الحسين بن
علي بن أبي طالب ؛ جدّه رسول الله ، وفيه شجاعة بني هاشم ، وسخاء بني أُميّة ! وزهو ثقيف )
. معاوية بن أبي سفيان أثناء اعتراف ذاتي .
مقدّمة
عليّ هذا علمُ من الأعلام ، وعظيم من عظماء الشبيبة الهاشميّة الذين جسّدوا إرادة
الإسلام ، وواحد من كواكب كربلاء ، كوكب سطع في اُفق الطفِّ فوق بطحاء كربلاء , مجاهد
عنيد لمبادئ يؤمن بها وقضاياً يتبنّاها .
لقد أنجبت عائلة محمّد بن عبد الله حاملِ رسالة السّماء , قائدِ حركة الانعتاق
، رافعِ مشعل النور (صلّى الله عليه وآله) ، أنجبت نخبةً ممّن شكلوا امتداداً لخطّهِ
النبوي ونهجه المحمّدي الخلاّق ، نماذجَ من الشبان الصارمين الحديين الرافضين ، رجالاً
من أخطر من شهدتهم عهود الملوك وأدوار الحاكمين وحقب التاريخ . وليس أدل على ذلك ممّا شهدته الحقبة التاريخيّة الحسينيّة , ليس أدل على ذلك ممّا شهدته
مكّة والمدينة فميدان كربلاء .
لم تفتح كربلاء مسرحها أو أبواب ميدانها لتسمح بالدخول من أجل استعراضٍ بطولي
ومباريات مجد عسكرية طارئة أو مؤقتة , إنّ كربلاء لقاء على مستوى العقيدة ، وصراع على
صعيد الفكر ، ومباريات قوامها المبادئ .
كربلاء الحسين ترجمة أمينة النقل من نظرية الإسلام إلى عمل الإسلام وفعالياته
في حيز التطبيق ، ترجمة أمينة لروح الأصالة في المواقف الرافضة ، وترجمة حيوية لروح
الحرية ، وبالتالي فهي ترجمة عملية واضحة الرؤية للرسوخ الإيماني والرقي العقائدي .
فتحت كربلاء أبوابها لتسليط الأضواء على حقيقة هويات رجال من الأُمة
وليسوا منها , هوية الاُمويّة ومن ختم بخاتم معاوية , كذلكم ولتسلط الضوء على حقيقة هويات
رجال من شباب وكهول وشيوخ حالفوا الحق ومارسوه , وأبوا إلاّ الختام جنبه والموت عليه
دون أن ينسوه أو يتركوه .
إنّه وبغض الطرف عن الأحداث الدمويّة والاشتباكات المسلحة العسكرية والنهايات
المؤلمة ، فإنّ النتيجة هي غير ما تمخّض عنه الصراع من قتل وثكل وسبي وانتهاك
الحرمات ... النتيجة هي الإجلاء الكامل والبيان التام لمبدأ خطير من مبادئ
الإسلام ، مبدأ مطموس لا تنهض به كلمة اللسان وخطب بيان الإنسان .
مبدأ لا يبقى
خالداً عبر الزمان بكل مكان ، هو أُم المبادئ وسنامها ، وكل المبادئ باقية وهو
قوامها ، وإلاّ فكلها ضعيفة لغيابه وبعده ٍ، إنه مبدأ الجهاد الذي لا تنهض به غير
النهضة التي أضحت قضية ، وأي قضية حيث قد خطّت بحبر من دماء أجساد زكية !
ما برحت ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) في خلود أيامها ومجد ذكراها مليئة
بالأصالة ، معبرة عن العزِّ والكرامة والحرية ، متمتعة بالجلال والهيبة ؛ لأنها نقية
خالية من الشوائب , كاملة الصفاء ، نزيهة الدوافع ، قدسية النيّة ؛ ولأنها ثرية غنية
بالعطاء ، تؤتي اُكلها كل حين بإذن ربّها , ولكن مَن يأخذ منها يا ترى ، أم من ينتهل
ويغترف ؟! من ذا الذي يحسن أخذ بعض جودها وسخاء يدها المعطاءة ؟ !
وإن تجلّت الثورة الحسينيّة بما تجسّد فيها من اعتبارات رساليّة جمة وجليلة
, ذات
خطر على المنحرفين , فإنها قد أبرزت لنا نجوماً وضّاءة ما زالت ساطعة لامعة , وستبقى
رهينة الخلود قيد المجد ما بقي للتاريخ حبر يسطّره ، وما بقي في الأُمة رجل يترجمه
عملاً ...
نجوماً مشعّة في سماء الفكر ، وكواكب متألّقة تمثّلت بتلك الشبيبة العملاقة
, وهذا واحد منها , إنه علي الأكبر بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السّلام) .
عُرف بالأكبر , وهو الكبير في كل امتيازاته ؛ في عزمه وعلمه وجهاده ، الكبير في
نسبه ومصرعه ، في كل أوصافهِ وصفائهِ .
ولم تكن كلمة (الأكبر) لتزيد منه أو لترفعه
أو لتكبر مقامه , كلاّ بل هي تمييز له من حيث السن عن أخيه الإمام العظيم علي
زين العابدين (عليه السّلام) الأصغر منه سناً . فعلي ليكن أصغر أو أوسط أو أكبر ، إنّه واحد لا
يتغيّر ، إنّه عليٌّ في علاه ، عليٌّ في علمه وهداه ، عليٌّ في إيمانه وتقواه ، عليُّ
عند الناس وفي السماء عند الله .
نرجو أن يحالفنا التوفيق للكتابة عن هذا العَلم نجل الحسين
, حفيد أمير المؤمنين
علي ، سليل النبي ، وحفيد الزهراء الطاهرة سيدة نساء العالمين (صلوات الله عليهم
أجمعين) .
نبتهل للرحمان بأن لا يحرمنا عطاء هذا البيان , إنه ولي التوفيق والإحسان .
محمّد علي عابدين
ـ مدينة الكوفة المقدّسة
محرم الحرام 1398 هـ
القسم الأوّل
علي الأكبر في شخصيّته الفذّة
في ذروة المجد
الهاشميّون
رفض الإسلام أية مفاضلة اُممية أو قبلية ، وأية مبادرة
حتّى للتصنيفات الفردية
بمعزل عن المعيار الذي قدّره القرآن , والمقياس الذي أعلنه كركيزة لا نحيد عنها عند
المفاضلة والتصنيف ، إنه مقياس الإيمان ، ركيزة التقوى .
ولو أنّ مشروعاً منصفاً للتفاضل اُقيم وعلى مستوى النسب بين فروع العجم وقبائل
العرب لما فاز به غير الهاشميِّين ؛ إذ لم يكن اعتباطاً أو جزافاً خروج صفوة العرب
وأعيان الأُمة الإسلاميّة وأعلامها منهم ، وعلى رأسهم يقف زعيم هاشم وعميد العروبة ،
سيد الأُمة والإنسانيّة محمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
اختاره الله تبارك وتعالى من الشجرة الهاشميّة بالذات
؛ لأنها أقوى عوداً وأعمق
جذوراً , وأكرم شرفاً وأمعن أصالة . وما كانت إرادة السماء لتفرّط بعملها وبعثة نبيها
من موقع عادٍ ونسب بسيط قليل الشأن بمضمونه وطهارته ، أو بشرفه عند الناس وسمعته
وعلو منزلته ، حتّى إذا ما أعلن النبي دعوته مثلاً للقبائل والبشر قابلوه بمؤاخذات على
أصالته نسباً ؛ حيث أصله الرديء ، أو سيرته , حيث وصمات ماضيه .
ما كان الله سبحانه ليزيل باطلاً ويقيم محله حقّاً بصرح قويٍّ يتوخّى اعتبارات
المستقبل ، وذلك بأيدي ضعيفة قليلة القيمة ، بل كان حتماً ترشيح الأيدي النزيهة
القوية الكفوءة قبل تقرير النتيجة , ترشيح العائلة العاملة بجميع أعضائها وضمان
كونها ذات موقع جليل قبل تقدير الثمرة المصطفاة .
ويؤكد هذا ـ بما لاشك فيه ـ تكرار المعنى ، وارداً في جملة من أحاديث الرسول
(صلّى الله عليه وآله) بشأن اختيار الله لهاشم ثمّ عبد المطلب ، ثمّ عبد الله ، ثمّ هو
شخصه الشريف , حيث رشح بلا منافس كصفيٍّ ومصطفى ، ثمّ علي أمير المؤمنين وكل أهل بيت
النبوة (عليهم السّلام) وفق عملية أمينة للاصطفاء , والأحاديث كثيرة(1)
.
ولقد انحدر علي الأكبر (عليه السّلام) من أعلى تلك الشجرة ، من فوق شموخها الأشم
كواحدٍ ممّن خضع للترشيح الإلهي والانتخابات وفق إرادة ليس لها معارض ، إنّه جاء
إلينا عضواً نزيهاً عاملاً ضمن مجموعة حزب الله وجند الرحمان من خلال مروره
(بالاصطفاء) حسبما يصطلح القرآن الكريم .
ولا مراء فيما تلعبه الوراثة من دور فعّال في تكوين
الشخصيّة فضلاً عمّا يلعبه
البيت بتربوياته السليمة السامية من أدوار في البناء الشخصي ، حتّى ليتجلّى كلّ من
معالم الوراثة ومعالم التربية على شخصيته في سيرته من خلال نشاطاته وفعالياته الرساليّة ، وهذا ما لاحظه الشاعر في علي الأكبر
: جمع الصفاتِ الغرَّ وهي تراثُه ...
في بأسِ (حمزةَ) في شجاعة (حيدرٍ)
بإبا (الحسينِ) وفي مهابة (أحمدِ)
وتراه فـي خُلـقٍ وطـيبِ خلائـقٍ
وبليـغِ نطـقٍ كالنبـيِّ (محمّـدِ)
ـــــــــــــــــــ
(1) انظر مثلاً ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى
ـ لمحب الدين الطبري ، وغيره
كثير .
والده
عند التحدّث عن أي شخصيّة مهما كانت لا بدّ من الرجوع للحديث عن
اُسرته ، لا سيما
والده ووالدته ؛ فثمة صلة هامة ورابطة خطيرة بين الحديثين للوقوف على الحقائق
, ولإماطة اللثام عن واقع الشخصيّة المعنية ؛ نظراً للدور الأبوي الفعّال في الشخص ،
بدءاً من كونه نطفة ، ومروراً بمراحل التكوين حتّى الولادة فالتربية والتهذيب .
مَن ذا الذي يجهل والد سيدنا علي الأكبر ؟ كلنا يعرفه ، وكلنا يجهله
؛ نعرفه بالاسم
وببعض الاُمور ، ونجهل حقيقته الكاملة .
إنّ الإمام سبط الرسول الحسين بن علي (صلوات الله عليهم) ليس أباً فحسب ، وليس
بمستوى الاُبوة فقط ، إنّه فوق ذلك المستوى بما يمثّله من إشراف على الأُمة بكلِّ أبنائها
وبناتها ، وبما يتبنّاه من قضايا أبناء الأُمة ودينهم الإسلامي الحنيف في بعده
المستقبلي .
هذا الأب العظيم من شأنه ـ دونما جدال ـ أن ينجب ابناً بمثابة أُمة من الناس ، أن
ينجب من يكون نوراً ونبراساً ، وقائداً وقدوة ؛ وعليه فلا نستكثر على ذلك الإمام إنجاب القادة ورجال العقيدة وهو الإمام الذي
تمكّن من أن يصون شعوب الإسلام ، ويحفظ الأُمة العملاقة مع دينها ومبادئها الخلاّقة .
ولا نريد هنا أن نتكلم عن أبي عبد الله الحسين (عليه السّلام)
؛ فهذه الصفحات خاصة
بولده ونجله فقط ، كما أنّ الحديث عن الإمام (عليه السّلام) لا يُعدّ محاولة هيّنة ويسيرة بناءً على
أنه ليس شخصاً عادياً يصح عنه الكلام كيفما اتفق الكلام ، وإنما هو شخص امتزجت فيه
المبادئ فجسّدها عملاً على أرض الواقع ، إنّه صاحب رسالة وسيّد قضية , رسالة ممتدة من
رسالة جدّه الرسول الأعظم ، وقضية تبرعمت من شجرة قضية جده النبي الأكرم (صلّى الله
عليه وآله) .
وبعد , فإنما نتجنب الخوض في الحديث عن الإمام سيد الشهداء فلسعة مهمته
الرساليّة
التي يلزمنا التحدث فيها وعنها ، ولبعد وظيفته الإلهية ورحابة طرحه لقضيته , وأخيراً فلأنه حقق عملياً ـ وعلى المدى البعيد ـ للأُمة ما لم تستطع كل الأًمة
تحقيق بعضه .
***
ذلك هو الوالد والأب والمربّي الصارم القويّ ، معلم الأُمة الذي أنجب للانعتاق
والتحرير طاقات نورٍ متمثلةٍ بالشخصيات المضيئة التي اخترقت أستار الظلام عبر عصور
الظلم والاضطهاد , ووسط تفاقم الأوضاع .
أخذ الإمام الحسين (عليه السّلام) عن جدِّهِ (مدينة العلم) ثروة من العلم والحكمة ، وثروة من
السمات البالغة في السمو ... أخذ الإمام الحسين عن أبيه (باب مدينة العلم) وافر
العلوم والامتيازات ، أبوه أمير المؤمنين عليّ الذي ارتشف من نفس منهل النبي (صلّى
الله عليه وعليهم أجمعين) , وراح الحسين (عليه السّلام) بدوره يوزّع ما عنده دون أن ينقص مخزونه أو
ينضب ويفيض بما لديه على أولاده الأطهار والتابعين له بإحسان ,
( وكلّ إناء بالذي فيه
ينضحُ ) .
كان حسينٌ رحيماً ورحمة للمؤمنين ، فكان علي الأكبر يشاطر والده في هذه الخصوصية الرحمانيّة .
كان حسينٌ قاسياً وقسوة على الكافرين والمنحرفين ، فكان علي الأكبر حليف والدهِ
صارماً لا يلين .
كان حسينٌ ثائراً وثورة يأبى الضيم , عزيز النفس ، وكان نجله مثله ولا يختلف عنه
؛ شديد التمسك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , حريصاً جداً على الجهاد المصيري
.
وكان الإمام الحسين حسيناً بجميع حسنيّات الإسلام ، وكان نجله علي الأكبر عليّاً
رفيع المقام ، يحذو حذو أبيه ، حذو الحقائق بعضها وراء بعض . ولو أن رجالاً وشباباً
عاشوا مع الحسين(عليه السّلام) بعض الوقت وبعض العمر لما انفكّوا عن تأثيره الرسالي
الخطير ، فكيف يكون تأثّر نجله به إذاً ؟!
وكيف ستكون طبيعة الأثر والآثار وهو فلذة
كبده ، المنحدر من شامخ صلبه الطاهر ؟! (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ)
.
والدته السيدة ليلى الثقفيّة
أمّا والدته فهي السيدة ليلى الثقفية ، وهي عربيّة الأصل كما يوحي نسبها إلى بني ثقيف ذات الشهرة والصيت الذائع في الطائف وكلِّ البقاع العربيّة
.
السيدة ليلى هذه نالت من الإيمان والحظوة لدى الله سبحانه وتعالى بحيث وُفقّت لأن
تكون مع نساء أهل بيت النبوة ، تعيش أجواء التقى والإيمان ، وتعيش آلام آل الرسول
(صلوات الله عليهم) وآمالهم ، وتشاطر الطاهرات أفراحهن وأتراحهن .
وقد ظفرت بتوفيق كبير آخر ؛ حيث أضحت
وعاءً لأشبه الناس طرّاً برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ فهي امرأة رشيدة ،
جليلة القدر ، سامية المنزلة ، عالية المكانة ، رفيعة الشرف في الأوساط الاجتماعيّة
.
كيف لا وهي زوجة سبط سيد المرسلين وسيد شباب أهل الجنّة أبي عبد الله الحسين (عليه
السّلام) ؟!
ونرى أنّ من الضروري التحدّث عن أبيها عروة بن مسعود الثقفي كما سيأتي بعد أسطر .
أمّا والدة ليلى فهي ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب بن
اُميّة ، أي أنّ أبا سفيان يعد
جدّاً لليلى ، بيد أنّ شوائب اُميّة لم تمسّ من ليلى أو تؤثر فيها بقدر تأثير العنصر
العربي الثقفي فيها .
ونسبتها هذهِ لبني أُميّة كانت مسوّغاً للجيش الاُموي بكربلاء كيما يستميل علي الأكبر إلى جبهته باُسلوب مضحك هزيل
, وبمحاولة فاشلة ، وسنقف عليها في
القسم الثاني من هذه الدراسة المتواضعة .
أبو مرة عروة بن مسعود الثقفي
من المعروف تاريخيّاً أنّ الرسول الأعظم (صلّى الله
عليه وآله) قد بذل كثيراً
وحرص على الصدع برسالته الخلاّقة ، وكانت الطائف هي أحد المراكز التي قصدها (صلّى
الله عليه وآله) ، ومن المعروف جيداً مبلغ المعاناة من جرّاء جهل أهل الطائف
لهذا الداعية المحرر ؛ فقد عاد النبي (صلّى الله عليه وآله) من الطائف وهو متعب ومخضب بالدم , فلم يستجب لدعوته أحد قط سوى رجل واحد تبع أثره ولحق به ، لا يعرف غيره
.
ثمّ إنّه
اتّصل به فأسلم وحسن إسلامه , ذلك هو قطب ثقيف , والد السيدة ليلى التي لا يعرف ما
إذا كانت مولودة أو غير مولودة في تلك الفترة .
إنه عروة بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب
بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف ، واسمه قيس بن منبّه بن بكر بن هوزان بن عكرمة بن
حصفة بن قيس عيلان الثقفي . أبو مسعود ، وقيل : أبو يعفور , شهد صلح الحديبية , وكني
بأبي مرة(1) .
فعروة بن مسعود الثقفي زعيم من زعماء العرب ، وسيد ممّن ساد قومه فأحسن السيادة ،
وهو رابع أربعة من العرب سادوا قومهم كما ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قول حول عروة والثلاثة الآخرون ، وهو قوله :
(( أربعة سادة في الإسلام ؛ بشر بن هلال العبدي
, وعدي بن حاتم , وسراقة بن مالك
المدلجي ، وعروة بن مسعود الثقفي ))(2) .
وعلى هذا فإنّ مركز عروة في المجتمع العربي مركز رفيع مرموق ، وذلك قبل أن يُسلم
ويعلن إسلامه , بحيث بلغت منزلته عند العرب مبلغاً متزايداً حتّى بالغوا به فتطرّفوا
إذ عظّموه تعظيماً على حساب محمّد ذي الخلق العظيم ، وعظّموه ليجعلوا منه شخصيّة تضاهي
النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله) .
وهذا ما نص عليه القرآن الكريم في موقف معروف ؛ إذ حكى عنهم ما قاله
أحدهم ـ الوليد بن المغيرة ـ على سبيل المقارنة الفاشلة : (قَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ
عَظِيمٍ)(3) .
والمقصود من القريتين هو مكّة والطائف ، أمّا المقصود من العظيمين فيهما فهو
القائل نفسه الوليد بن المغيرة بمكة , ويعني بالثاني عروة الثقفي بالطائف كما عن
قتادة , وورد في الإصابة والاستيعاب ذلك .
أجل كان عروة شخصيّة مرموقة ، لكنه أبى أن يزعم العظمة كغيره مثل ابن المغيرة
وأمثاله . وكان شجاعاً وجريئاً بحيث أنه صمم على أن يدعو قومه للإسلام حالما يعود
إلى الطائف , وهكذا كان . فبعدما أسلم على يد الرسول (صلّى الله عليه وآله) الذي تبع أثره من الطائف وأدركه
قبل دخول المدينة ، وبعد أن تمكّن الإسلام والإيمان من قلبه ، استأذن النبي (صلّى
الله عليه وآله) كي يرجع لهداية قومه .
وسأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يرجع إلى قومه بالإسلام ، فقال
: يا
رسول الله ، أنا أحبُّ إليهم من أبصارهم . وكان فيهم محبباً مطاعاً ، فخرج يدعو قومه إلى
الإسلام , فأظهر دينه رجاء ألا يخالفوه
ــــــــــــــــ
(1) انظر الاستيعاب في معرفة الأصحاب ـ لابن عبد البر ، ق 3
ج 3 / 1066 ـ 1067
, طبعة مصر .
(2) انظر نَفَس المهموم ـ للشيخ القمي .
(3) سورة الزخرف / 31 .
لمنزلته فيهم ، فلما أشرف على قومه(1) وقد دعاهم
إلى دينه , رموه بالنبل من كلِّ وجه فأصابه سهم فقتله .
ومن إيمانه ورضاه وقناعته بواجب الصدع بالرسالة مع تحمل دفع الثمن باهظاً أنه
أجاب بجواب واضح اليقين حينما سألوه : ما ترى في دمك ؟
قال : كرامة
أكرمني الله بها ، وشهادة ساقها الله إليّ ، فليس فيّ إلاّ ما في الشهداء الذين
قتلوا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل أن يرتحل عنكم(2) .
هذا وكان من حسن الهيئة كالمسيح عيسى ,( وكان عروة يُشبَّه
بالمسيح (عليه السّلام) في صورته )(3) .
وكان من حسن العاقبة والمصير كما نسب
للنبي (صلّى الله عليه وآله) قوله : (( إنّ مثله في قومه مثل صاحب يس من قومه(4)
؛
دعا قومه إلى الله فقتلوه ))(5) .
فضلاً عن ذلك قال النبي (صلّى الله عليه وآله) : (( رأيت عيسى بن مريم ، فإذا أقرب مَن رأيت به
شبهاً عروة بن مسعود ))(6) .
يتجلّى من ذلك أنّ هذا الصحابي الجليل كان أثيراً عند النبي
(صلّى الله عليه وآله) ، وله في نفسه موقع ومكانة . هذا وإنّ التاريخ لم يورد عنه ما يسيء إليه أو
يتهمه ؛ فهو رجل نزيه السمعة , صاحب مكانة , وسامي الرفعة , كما أنه شخصيّة عظيمة
قياساً لشخصيات القبائل الأُخرى , والله مطلق العظمة .
أسلم في السنة التاسعة من الهجرة بُعيد رجوع النبي
(صلّى الله عليه وآله) من رحلته الرساليّة إلى الطائف , وقُتل عروة الثقفي أثناء إعلانه دينه ودعوته ، وكان
يتأهّب لأداء فريضة الصلاة كما جاء في (نَفَس المهموم) .
أمّا كلمات الرسول (صلّى الله عليه وآله) التي وردت بصدد عروة فهي لعمرك من
أروع أوسمة التقدير التي منحها الرسول القائد إلى جنده الدعاة الصامدين الصابرين
, أوسمة الشرف المذخور والفخر الخالد في الدنيا والآخرة . وأهم وسام بعد إعلان أنه
شبيه النبي عيسى (عليه السّلام) هو أنه نظير النبي ياسين في قومه .
ولا نعتقد أنّ الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) يشبّه بياسين لمجرد أنه
دعا قومه فقتلوه كياسين (عليه السّلام) , وإنما لأنّه رجل دعوة على بينة من دينه
, ورجل إيمان وتقى , وإخلاص ويقين ، ولأنه بلغ من شرف الإيمان ما منحه شرف الشهادة ،
ثمّ شرف الإشادة به على لسان الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) .
ذلك هو والد السيدة ليلى ، المجاهد الشهيد عروة بن مسعود الثقفي
(رضوان الله عليه) .
وقد ترك في نفس ابنته ليلى آثار الهدى والإيمان والاستقامة على الدين الحنيف
.
وفي أي سن كانت الفتاة ليلى فإنها ولا شك قد أحسّت بفقد والدها الحبيب ، وكلّما نضجت
وكبرت شعرت بأنّ أباها مضى ضحية
ـــــــــــــــــــ
(1) ويلفظ : فلما أشرف عليه قومه . راجع الاستيعاب .
(2) الاستيعاب ، والإصابة 3 / 112 ـ 113 المطبوع على هامش الاستيعاب .
(3) المصدران نفساهما .
(4) المصدران نفساهما .
(5) نَفَس المهموم ـ للقمي .
(6) المصدر نفسه .
قضية سماوية مقدسة ، حتّى بلغت اليقين بأنه صُرع وقُتل لا كمن صرع وقتل من العرب
وأشراف القبائل ، لقد راح والدها شهيداً وقرباناً لله من أجل رسالته ، وليس قتيلاً
أثناء صراع قبلي رخيص ؛ وعليه فقد كانت أول نكبة أصابت قلبها هي هذه الحادثة الشديدة الوقع على الفتيات
اللواتي يصعب عليهنّ الاستغناء عن حنان الاُبوة [وظل] الوالد المؤمن الشجاع .
ثمّ توالت
عليها النكبات بعد أن أضحت ليلى أحد أعضاء هيئة نساء البيت المحمدي الكريم ؛ إذ
راحت تعيش أجواء بيت النبوة والرسالة صاحب القوة والأصالة ، في مواصلة الصدع
بمقررات القرآن ومبادئ الإسلام حتّى ختمت ليلى حياتها وهي صابرة صامدة محتسبة
, قد تحمّلت
ألوان الأسى والألم , وقدّمت لرسالة الإسلام ما أنجبت من صالحين وطاهرين .
أي أنّ استشهاد والدها ليس مجرد أول نكبة ، بل أول درس على ضرورة الصمود ووجوب
الصبر لمواصلة العمل من قبل المؤمن والمؤمنة ، البنت والزوجة ، وأول تجربة للسيدة
ليلى على تحمل شدة وطأة نتائج الدعوة , ودفع ثمن العمل لدين الله سبحانه وتعالى .
أجل تلك هي ليلى الثقفية والدة علي الأكبر التي لم تستمد قيمتها من
اُمّها , ولم
تستمد كرامتها ومنزلتها حتّى من أبيها ، وإنما استمدت رقيّها من تقواها وانتمائها ,
ثمّ انتسابها للأسرة المحمدية المقدسة ، ولارتباطها الوشيج بشخص الإمام العظيم أبي عبد
الله الحسين (عليه السّلام) , وكفاها بذلك فخراً حين تفتخر . |