الفصل الثالث
شخصيته , واعتراف معاوية
أشواق أهل المدينة المنورة
دخل الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) يثرب التي نارت به وتنوّرت بوجوده
, فأضحت تدعى (المدينة المنوّرة) .
وعاش الرسول (صلّى الله عليه وآله) معهم حتّى ألفوه ، وما أن رحل عنهم منتقلاً إلى الرفيق الأعلى حتّى اتّخذوا من سبطيه الحسنين
(عليهما السّلام) عوضاً عن صورته وأخلاقه الخلاّقة ؛ فهم ينظرون إلى الحسن
والحسين (عليهما السّلام) فيتذكّرون بهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذلك المنقذ العملاق ، سيد المُحرّرين من شتى أشكال العبوديات .
وبعد أن ولد علي الأكبر وتسلّق السنوات ، فشبَّ فتىً هاشميّاً محمّديّاً
, وظهرت عليه مجمل
خصائص النبي (صلّى الله عليه وآله) حتّى راحوا يتشوقون إليه ؛ ليستمدوا من ملامحه
وشمائله , ومعانيه وجماله ذكرى الرسول (صلّى الله عليه وآله) وذكرياتهم الماضية مع رسولهم الهادي ؛ فعلي الأكبر يعكس لهم الصورة الحيوية لسيّد البشرية الراحل
؛ فهو صورة طبق الأصل
كما تبدو لناظريهم , وبرؤية واضحة ليست غامضة .
وقد روي أنهم إذا اشتاقوا للنظر [إلى] رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) طفقوا إلى عليّ الأكبر يزورونه ويتزوّدون من طلعته
البهية ، بحيث أنّ هذا الانعكاس الحيوي للصورة النبوية المقدّسة أقرّها والده الحسين
(عليه السّلام) , وهو إذا اشتاق لجدّه (صلّى الله عليه وآله) تطلع إلى ولده .
على أنّ عواطف أهل المدينة وأشواقهم لنبيهم وأهل بيته كانت تقابل بالتجاوب طبعاً ،
فلم يضن عليهم عليُّ الأكبر بلقاء أو مجالسة في المدينة وأحيائها , أو داخل المسجد
النبوي الشريف , أو في بيته الخاص ؛ إذ روي أن الإمام الحسين (عليه السّلام) أفرد له
بيتاً مستقلاً خاصاً به ، فأخذ يستقبل المحبّين , معرباً عن خاصية الكرم ، ومترجماً
عملياً موقفه من الضيافة .
فمن الناس مَن يفد عليه للتحدّث إليه والتعلم بين يديه ، ومن
الناس من يزوره نوالاً لجوده وعطاء يده الكريمة ، فضلاً عمّا يهدفون إليه من التزوّد
من ذكريات الماضي المجيد ويوميات الرسالة والرسول الذي تتجلّى معالمه على سليله علي
(عليه السّلام) .
كان يؤم داره اُناس من جميع الطبقات والمستويات لا سيما الفقراء . كانت داره عبارة
عن منتدىً ثقافي للوفود ، ومنتجع للكرم والجود .
أمّا الشعراء فلم تفتهم الفرصة لدخول بيت كرمهِ من باب جوده وعلو شرفه حتّى وصفه
أحدهم فقال عنه :
لـم تـرَ عيـنٌ
نظـرت مثلَهُ
من محتفٍ يمشي ومن ناعلِ
يغلـي بنـيّ اللحـمِ حتّى إذا
أنضـجَ لـم يغـلُ على الآكلِ
كـان إذا شــبّت لـه نـارُهُ
أوقـدها بالشـرف القـابـلِ
كيـما يـراها بائـسٌ مرمـلٌ
أو فـردُ حـيٍّ ليـس بالآهلِ
أعني ابنَ ليلى ذا السّدى والندى أعني ابنَ بنت الحسب الفاضلِ
لا يـؤثر الـدنيا
علـى ديـنه ولا يبيـع الحـقَّ بالباطلِ(1)
تلك القطعة الأدبيّة والمقطوعة الشعريّة تعتبر وثيقة على حقيقة فتح بابه لكل
الطبقات والهيئات والفئات .
والذي نستشفه من تلك الأبيات هو أنّ الشاعر قد شاهد علياً (عليه
السّلام) وكان له معاصراً ،
إنه رآه عياناً بمشيته ومظهره حسبما يوحي البيت الأول . أمّا البيت الثاني
فيفيد بأنه كان حريصاً على السخاء والبذل ، بحيث أنه يعلن عن موقع الجود ؛ وذلك بإيقاد
النار فوق المكان العالي المرتفع كعادة الكرام المحسنين ، تلك النار التي تدلل على
البيت والمضيف . وقد كان الغرباء والفقراء المعسرون يتطلعون دوماً إلى الأماكن التي
تتصاعد منها ألسنة النيران ؛ كيما ترشدهم إلى صاحب الضيافة ، وسيد الكرم حسبما عبّر
البيت الثالث والرابع .
ثمَّ يمجّد السيدة ليلى ذات الشرف والحسب الفاضل ليختم ببيت هو في غاية الأهمية
؛
إذ يؤكد عقائدية هذهِ الشخصيّة وصرامتها وحدّيتها , بحيث لا قيمة للحياة ولا فائدة من
التعامل بالباطل ، بل لا معنى للحياة بحضور الباطل .
إنّه لا يؤثر الدنيا ، كما لا
يستعيض عن الحق والحقيقة بالأثمان القليلة الرخيصة ؛ لأنه ليس من عشاق الحياة الدنيا ،
إنه صاحب قضية , فهو صاحب موقف لا يغيره ؛ لأنه رائد من رواد الحق , ذلك هو البيت
الأخير , وهو أيضاً بيت القصيد .
كان أهل المدينة يرتادون منزله الرحب الواسع بما فيه وبما يحويه
, فالبائس بحاجة
ماسة إلى من يطعمه ، وإنّ مَن ليس له أهل أو لا يملك قوت يومه بحاجة ملحّة إلى تلك
النار التي تعلو لتدعو الجائع , ولتعلن مدى كرم من أوقدها وأشعلها ... هكذا كان نظير جدّه
(صلّى الله عليه وآله) في الخَلق والخُلق والمنطق .
ولا أكتمكم سراً لو قلت بحقيقة
: إنّ أهل المدينة ينطلقون في أشواقهم لرؤيا النبي (صلّى الله عليه وآله) بلقاء علي من باب العواطف والذكرى
فحسب ، لا من باب تجديد عهد بالنبي (صلّى الله عليه وآله) , أو تأكيد ولاء لعلي
(عليه السّلام) ؛ بدلالة موقفهم من الثورة
الحسينيّة المتمثل بالإحجام والتهرّب وعدم الإسهام ، إلاّ من عصم ربك من المؤمنين حقاً
, (وَقَلِيلٌ
مَا هُمْ) , المؤمنون فقط لا غيرهم
, (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ
بِمُؤْمِنِينَ)(1) .
ذلك هو الذي كانت المدينة عامرة به وبأبيه العظيم ، كانت عامرة بوجوده وجوده ،
بكيانه وكرمه ، بسموه وسخائه الذي كان موطن حب للمسلمين ، والذي عاش وهو محطّ أشواق
الناس لنبيهم .
ــــــــــــــــ
(1) سورة يوسف / 103 .
اعتراف معاوية
ممّا سبق يتّضح جلياً ما لعليّ من شخصيّة ذات مؤهلات وكفاءات عالية رفيعة ... وهو ما
لم يدركه المحبون والمؤمنون والذين يشتاقون لرؤيته وزيارته فقط ، بل يدركه أيضاً
اُولئك الكارهون والمعادون ؛ وعليه فقد كان علي الأكبر مثار إعجاب الأعداء فضلاً عن
الأصدقاء والتابعين بإحسان .
إعجاب يجبرهم عليه شخصه ؛ إذ يفرض نفسه فرضاً بما يتمتّع به من مواصفات كبرى ، بحيث
شهدوا له رغماً عنهم , واعترفوا به وهو غني عنهم ، ومدحوه وهم له ولاُسرته كارهون
, ولرسالته وأهدافه مبغضون ، هكذا هم الأعداء ، فما ظنك بما ينبغي أن يقوله الأصدقاء ؟!
والعدو يندر أن يتكلّم ويقول الحقيقة ، ولكنه يأتي بها مشوّهة نسبياً ، وفي حالات
ونوبات نفسيّة معينة ، وخلال شكّه بنفسه وفقدانه الثقة بشخصه ؛ ولهذا قال معاوية ـ وغيره كثيرون
ـ في الإمام عليّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) وعموم أهل البيت النبوي ما قال وصرح
بعظمة علي أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ولا يسعنا هنا أن نذكر ذلك .
والآن نذكر الرواية التالية عن أبي الفرج الأصفهاني التي سجّلها في معرض حديثه عن
علي الأكبر , فقال : وإيّاه عنى معاوية في الخبر الذي حدّثني به محمّد بن محمّد بن سليمان
, قال : حدّثنا
يوسف بن موسى القطان ، قال : حدّثنا جرير ، عن مغيرة قال : قال معاوية : مَن أحقّ الناس بهذا
الأمر ؟ (أي الخلافة)(2) .
فأجابه جلساؤه فوراً بأنه هو , هو أحق بهذا الأمر وبالخلافة .
لم تكن الجلسة جلسة
مداعبة أو لهو , وبالضبط لم يكن السؤال لمجرد التفكّه كما قد يتوهم الساذج ، ولم
يطرحه معاوية على سبيل الفكاهة , وقد تتجلى جدّية السؤال من خلال نفي معاوية نفسه
للجواب الفوري الذي حصل عليه .
ـ مَن أحق الناس بهذا الأمر ؟ قالوا : أنت ... قال : لا(3) .
وهم يعلمون أنّهم أكذب الناس طراً حينما أجابوه فوراً دونما تفكير
, ورفض معاوية
جوابهم الذي يعرفه ويعرفهم سلفاً . ولم يسكت معاوية ؛ إذ أردف بالجواب بعد نفيه ،
فيبدو أن في خلده شيء , وقد اختلج في صدره شيء فاعتملت فيه واستحوذت عليه ، لا سيما وأنّ
الحقيقة لا يمكن أن تخفى ، بل كل شيء عموماً خاضع للكشف , (( ما أضمر أحد شيئاً إلاّ ظهر
في فلتات لسانه ))(4) , وهكذا اعترف معاوية .
ـ ... لا ... إنّ أولى الناس بهذا الأمر علي بن الحسين بن علي ؛ جدّه
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وفيه شجاعة بني هاشم ، وسخاء بني اُميّة ! وزهو ثقيف(5) .
(وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا)(6)
.
لنقف كيما نعقّب , فنقول :
1 ـ إنّ كلام معاوية قاصر عن تحديد حقيقة مواصفات الخليفة المرجو ، وما ينبغي أن
يكون عليه من يجب أن يتولى الأمر . فثمة شروط للخلافة لم يذكرها معاوية وهي متوفّرة في علي الأكبر
, ترى هل نسيها أو
تناساها ؟ أم خشي الفضيحة لو ذكرها وهو خلو منها ؟!
فقد تجاهل الاعتبارات الكبرى
والشرائط العظمى للخليفة وولي الأمر ، ذاكراً ثلاث صفات سنعلق عليها .
2 ـ وتجنب معاوية إبراز خصوصيات الهاشميِّين ومؤهلاتهم الجليلة ، فلم يذكر سوى ما
هو مشهور عنهم وهي الشجاعة (وفيه شجاعة بني هاشم) , وكأن ليس لبني هاشم غير الشجاعة !
وكأن هذه الصفة ركيزة يعول عليها الخليفة !
3 ـ ثمّ إنّ عليّ الأكبر وعموم أهل البيت يتنزهون عن الزهو
حتّى يصفه
معاوية بأنّ له زهو ثقيف .
4 ـ وحاول بكلامه جر مواصفات علي إلى الاُمويّة ، وأراد فرض العنصر الاُموي في سلوك
عليّ الأكبر ؛ لأن جدته لاُمّه من بني اُميّة ، فقال عنه : وفيه (سخاء بني
اُميّة) .
والحق
أنّ سبب ربط السخاء بالاُمويّة يرجع إلى شهرة عليّ الأكبر بالجود والكرم والعطاء ،
وإلى تصنّع معاوية لتلبّس شخصه وحكمه ألبسة براقة ؛ فلطالما أخذ مواصفات ومميزات أهل
الحق والحقيقة ؛ كالحلم والعفو ، كالذكاء والدهاء ، كالعدل وحسن السيرة . لقد قام
معاوية باقتباسها له فتوشّح بها , واستعار أوسمتها دون معانيها , وأسماءها دون
مسمّياتها .
5 ـ وعلى كل حال فنحن نرى أنّ الزهو ليس ممّا يشترط توفرها عند الخليفة ، كما أنّ
السخاء ليس ضرورة أو من أوليات صفات الخليفة .
أما قوله (جدّه رسول الله) فهذا صحيح
, ولكنه لا يكفي مبرراً لتولّي الأمر حسبما علّمنا أهل البيت أبناء الرسول (صلّى
الله عليه وآله) وأحفاده
, فبعد النسب لآل الرسول يجب حضور الشرائط والكفاءات , فلماذا لم يذكر معاوية أهم تلك
الشرائط وأولويات صفات ولي الأمر ؟
6 ـ لماذا تجاهل معاوية والد علي وهو الإمام الحسين بن علي (عليه
السّلام) ؟ لا بدّ أنّ
تجاهله الإمام (عليه السّلام) لأنه في مقام الندِّ له , والواقف له بالمرصاد ، بحيث لو
تحرّك لحرب الاُمويّة بنفسه لكان هناك مستساغاً حتّى عند معاوية وجلسائه ، بينما ذكره
لعلي الأكبر أهون وأخف ؛ لأنّ علياً لا يخرج لحرب معاوية لوحده .
7 ـ وسواء كان أولى الناس هو علي الأكبر أو والده الإمام الحسين أو أهل البيت
(عليهم السّلام) ،
فما المبرر الذي يبقي معاوية على عرش الملك بصفة ولي الأمر وخليفة رسول الله ،
وأبناء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) محكومون مهددون ؟!
يبدو أنّ مجلسه يخلو من رجل صريح يسأله عن
سبب قعوده وعدم تسليمه الحكم لبني هاشم أو لعلي !
8 ـ وإنّما سجّلنا الرواية مع وقفة وتأمّل ، فليس [ذلك معناه]
أنّ الرواية تزيد إيماننا
بقضايانا ، كلاّ فنحن على إيمان راسخ بحقيقة الخلافة والإمامة ولمَن تجب . ولو أنّ
معاوية وأبناءه وأمثالهم قد كذبوا الحق وحاربوه , ومهما عملوا كما قد فعلوا لما
ارتبك القلب واضطرب الفؤاد أو ضعف الإيمان .
وليس كلام معاوية بمفرح مبهج لنا بقدر ما هو برهان ودليل وحجة ، هكذا نأخذه
, لا
كلام نفرح به ونتسلى به , أو ندهش ونعجب له , (والفضل ما شهدت به
الأعداءُ) .
ذلك هو علي الأكبر في شخصيّته الفذة العظيمة ، ذلك هو الشاب المبدئي صاحب المواقف
الجريئة والملامح المضيئة الذي أضحى ملء العين رضاً لله وعطاءً للاُمّة .
وأخيراً فقد أطلقنا لفظة ( اعتراف) ولم نقل : شهادة معاوية , فلأسباب موضوعية
,
منها :
1 ـ أننا لا نحتاج لشاهد على ما نقول ، ولا نحتاج لشهادة العدو .
2 ـ أنه اعتراف بمعنى الكلمة على :
أ ـ الشخصيّة الفذة لعلي .
ب ـ عدم جدارته
هو ـ معاوية ـ , وافتقاره للكفاءة في منصبه .
هذا الفهم وهذه الإفادة ليست مجرد شهادة
, وإنما اعتراف , (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ)(7)
.
ــــــــــــ
(1) مقاتل الطالبيِّين / 81 .
(2) مقاتل الطالبيِّين / 80 .
(3) المصدر نفسه .
(4) نهج البلاغة 4 / 569 , وهذه قاعدة يخضع لها محبُّ علي (عليه
السّلام) وعدوُّه
.
(5) مقاتل الطالبيِّين / 80 .
(6) سورة يوسف / 26 .
(7) سورة يوسف / 21 .
|