حياة علـى الأكبـر (عليه السّلام)

 
 

آثار المصرع

تناهى إلى مسامع الفاطميات خبرُ مصرع علي الأكبر , ووصول جثمانه الموزّع والمقطّع بالحراب والأسنّة ، فكان للحادث وقعه العميق على النساء المخدّرات ، وأي وقع أم أي عمق وهنّ ينظرن إلى شبيه جدهنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) محمولاً وقد فارقت روحه الطاهرة جسده الزكي ! هذا الذي كنّ يجدن أسعد ما هنّ فيه ساعات اللقاء به والتحدث إليه ، وإذا به قد آثر الصمت والرحيل إلى حيث لا عودة أو رجوع .

إنّه لَمصاب جليل على أُمّه ، أخواته ، عماته ، وأعظمهن مصاباً عمّته الكبرى عقيلة بني هاشم ، حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) الحوراء زينب (عليها السّلام) ؛ إذ التاعت ألماً , وازدادت أسىً وتفجّعاً ، وقيل : إنّها خرجت تندبه وتنادي باسمه .

فعن أبي جعفر الطبري ، عن شاهد عيان ـ حميد بن مسلم الأزدي ـ جاء هذا القول : وكأني انظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة ، تنادي يا : أُخيّاه ! ويابن أخاه ! قال : فسألت عنها ، فقيل لي : هذه زينب ابنة فاطمة ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)(1) .

زينب التي إذا خرجت هرعت خلفها النساء من داخل خدورهنّ وخيامهنّ ، وإذا قالت قلن معها ، وإذا سكتت سكتن , وإن عادت عُدن ؛ اقتداءً بها ، ومواساةً لها ، وهكذا بدأ رثاء المجاهد الكبير الشهيد العظيم .

ولمّا كان موكب النسوة يولّد موقفاً سلبياً ؛ لأنه سيُشمت الأعداء , ويسرهم ويبهجهم ، ولمّا كان الإمام الحسين (صلوات الله عليه) شديد الحرص على ألاّ يدخل السرور على الأعداء ، وألاّ يشمتوا بأهل الحق ، فقد رأى أن ترجع جميع النساء فوراً , ولكن من يستطيع إرجاعهنّ ، أو يقدر أن يسيطر على موقف العواطف المتدفقة ساعات الأسى العميق واللوعة الكبيرة ؟!

فمن الصعب أن يصغين لدعوة الرجوع من أحد سوى الإمام الحسين (عليه السّلام) الذي وجد في شقيقته الحوراء زينب أوّل من ينبغي أن تعود ؛ لأنّ الباقيات الصالحات سيتبعنها بالتأكيد . فأخذ الإمام (عليه السّلام) بيدها وأرجعها إلى الخيمة(2) .

ورجعن جميعهن إلى خيامهن كسرب طيور تؤوب إلى أوكارها ، رجعن كيلا يشمتن الأعداء ، فلم يظهر منهنّ صوت حزن عالياً , لا سيما ولهنّ فيما بعد أوقات طويلة للبكاء والنحيب ، يروّحن بها عن أنفسهن , وجراح صدورهن , وتصدعات قلوبهن ، وهو ما أشار إليه الإمام (عليه السّلام) ورجاهنّ الصبر : (( أن اسكتن ؛ فإنّ البكاء أمامكن )) .

أو كما كلّم ابنته وحبيبته السيدة سكينة فيما بعد ، فمما قال لها :

سيطولُ بعدي يا سكينة فاعلمي    منك البكاءُ إذا الحمام دهاني

أجل هكذا ، فنحن لا نطالب النساء مهما كان إيمانهن كبيراً ، وحتّى نسائنا اليوم أن لا يبكين ويندبن ويرثين ؛ فهو أمر لا مفرّ منه . وهل نريد منهنّ أن يتحملن الألم , ألم فقدنا ثمّ يسكتن ؟!

إننا نطالبهن بأن يقدّرن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن لا ينهين الإخوان والأبناء عن المعروف , ويثبطنهم عن العمل والسعي في سبيل الله ، كما نطالب من يبرّر قعوده عن الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله بثكل اُمّه وتدهور أحوال أهله أن يقلع عن هذه الشيطانيات , ولا يكون أسير الشيطنة , رهين ضيق الاُفق .

فلتبك النساء , ولتمت الاُم والاُمّهات ، وتلتاع الأخوات , كل ذلك مع سفك الدم والتضحية بالروح بعد كمال الفداء والتفاني من أجل مبادئ الإسلام الخلاّقة .

ــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 / 341 .
(2) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ للخوارزمي 2 / 31 وغيره .


رثاء الشعراء

كلاّ , إنّ رثاء روّاد الحقائق لا كرثاء الميت العادي الذي يعني رثاؤه ختم حياته ودوره , وإعطاءه اعتباره وكفى , ثمّ إهالة التراب وغلق قبره . إنّ رثاء روّاد الحقائق هو إثراء للقيم والمفاهيم ؛ ذلك لأنهم شهداء بكل ما للكلمة من معنى .

فعلي الأكبر إذ يترنّح أرضاً , وأضحى طريح رمال ربى الطفِّ يظلله فسطاط الشهداء إلى جانب الذين صُرّعوا ممّن قد سبقوا عليّاً ؛ إذ هو في مرقده المقدس كغيره , كأبيه لم يزل فكراً نيراً , ومثلاً شامخاً سامياً ، ومن شأن الفكر والقضية المبدئية أن لا تنالها يد السوء والردى إن نالت الجسم والجسد .

ومـحا  الردى يا قاتلَ الله  الردى      مـنه  هـلالَ دجـى وغرّة  فرقدِِ
يـا  نـجعةَ الحيِّين هاشم 
والندى      وحـمى الـذمارين العلا  والسؤددِ
فـلتذهب الـدنيا على الدنيا 
العفا      مـا  بـعد يومك من زمان  أرغدِ
كيف ارتقت هممُ الردى لك صعدةً      مـطرودة  الـكعبين لـم 
تـتأوّدِ
أفـديـه  مـن ريـحانةٍ 
ريّـانةٍ      جـفّت  بـحرِّ ظـما وحرّ مهنّدِ
بـكر الذبولُ على نضارة 
غصنِهِ      إنّ  الـذبول لآفـةِ الغصن  الندي
لـله بـدرٌ مـن مـراق نـجيعِه      مـزج الـحسام لـجينه 
بالعسجدِ
مـاءُ  الـصبا ودم الوريد 
تجاريا      فـيه ولاهـبُ قـلبه لـم  يخمدِ
لـم أنـسه مـتعمّماً بشبا 
الضّبا      بـين  الـكماة وبـالأسنّة  مرتدي
خـضبت  ولـكن من دمٍّ 
وفراته      فـاخضرّ ريـحان العذار  الأسودِ

هكذا يرثيه الشيخ العاملي , كما رثاه شيخ آخر بقوله :

يـا نفسُ ذوبي أسىً يا قلبُ مت  كمداً      يـا عـينُ سحّي دماً يا أدمعُ  انسكبي
هـذي  الـمصائبُ لا ما كان في قِدمٍ      لآل  يـعقوبَ مـن حزنٍ ومن 
كربِ
أنـى  يـضاهي ابـنَ طه أو 
يماثله      في  الحزن يعقوبُ في بدءٍ وفي عقبِ
إنْ  أحـدبت ظهره الأحزانُ أو 
ذهبتْ      عـيناه مـن مدمعٍ والرأس إن  يشبِ
فـإنّ يـوسفَ في الأحياء كان 
سوىً      إنّ  الـفراق دهـى أحـشاه  بالعطبِ
هـذا  ويـحضره مـن ولـده 
فـئةٌ      وإنــه  لـنبيٍّ كـان وابـنَ  نـبي
فكيف حال ابنِ بنت الوحي حين رأى      شـبيه أحـمدَ فـي خلق وفي 
خطبِ
مـوزّعاً  جـسمُه بـالبيض 
مـنفلقاً      بـضربهٍ رأسـه مـلقى على  الكثبِ
هـناك  نـادى على الدنيا العفا 
وغدا      يـكفكف  الـدمع إذ يـنهلّ  كالسحبِ

وللسيد إبراهيم الطباطبائي قصيدة منها :

فـاسـتقبلوه وقـطّـعوا  جـثمانه      إربــاً فـإرباً بـالسيوف  الـبتّرِ
يـلقى الـسيوف بطلق وجهٍ 
أزهرِ      كالبدر يشرق في العجاج الأكدرِ(1)
تـركت  سـيوفُ اُمـيّةٍ 
جـثمانَه      مـتوزّعاً  بـين الـقنا  الـمتكسّرِ
تـعدو الـجيادُ عليه وهي 
ضوابحٌ      عـقر الـهاتيك الـجياد  الـضمّرِ

إننا ننتقي مقاطع أدبيّة شعريّة قصيرة دون أن نطيل .

ولم يكن هؤلاء شعراء محترفون للشعر ، بل إنّ هذا ما جادت به قرائح علماء وأدباء شغفوا بحب أهل البيت (عليهم السّلام) ، واستغرقوا في تصوّر أنشطتهم ، والوقوف على أحداثهم وبطولاتهم ، وروائع مواقف ثباتهم المبدئي .

ولنتمثل بأبيات أبي تمام حول علي الأكبر (عليه السّلام) :

ألا  فـي سـبيلِ الله مـن عطلت له      فـجاجُ  سـبيل الله وانـثغر الـثغرُ
فـتىً  كـلّما فـاضت عـيونُ 
قبيلةٍ      دمـاً  ضحكتْ عنه الأحاديثُ  والذكرُ
فـتىً دهـره شـطران فـيما 
ينوبُه      فـفي  بـأسه شطرٌ وفي جوده  شطرُ
فتىً  مات بين الطعن والضرب 
ميتةً      تـقوم  مـقام النصر إن فاته  النصرُ
ومـا  مات حتّى مات مضربُ 
سيفِه      من الضرب واعتلّت عليه القنا السمرُ
غـداة  غـدا والـحمدُ نـسجُ 
ردائه      فـلم  يـنصرف إلاّ وأكـفانه  الأجرُ
تـردّى ثـيابَ الموت حمراً فما 
دجا      لـه الليل إلاّ وهي من سندسٍ  خضرُ

ـــــــــــــــ
(1) لأبي الحسن التهامي أبيات يرثي بها ولده , وهكذا يقول :

يـا كوكباً ما كان أقصرَ عمرَه      وكذاك عمرُ كواكبِ  الأسحارِ
وهـلال  أيامٍ مضى لم  يستدرْ      بـدراً  ولم يمهل لوقت  سرارِ
عَجِل الخسوف عليه قبل أوانِه      فـمحاه  قـبل مـظنّةِ الإبدارِ
فـكـأنّ قـلبي قبره وكـأنّه      فـي  طـيّه سرٌ من  الأسرارِ

فإذا كان يصف ولده بالكوكب والهلال فماذا عساه يصف علياً لو رآه ؟! وماذا عسى الشعراء أن يقولوا بعلي ؟! أو ما عسى أن يقول أبوه أبياتاً فيه ؟!
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى