(سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)
لو استحضرنا قصة يوسف ومعاناة يعقوب (عليهما السّلام) لنقابلها بقصة علي الأكبر
ومعاناة الحسين (عليهما السّلام) فليس من باب المفاضلة والتفاضل أو المقارنة ، وإنّما
من باب الحرص على التنبيه وإلفات النظر ؛ حيث لا تشابه بين القصّتين إلاّ من حيث طبيعة
المردود وأثر المفقود .
فيعقوب النبي (عليه السّلام) لم يبتلِ بما ابتلى به الحسين الوصي
(عليه السّلام) ، وليس له مشكلة سوى أنه فقد
ابنه ولم يستيقن قتله ، فعانى ما عاناه حتّى ابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم ، وكاد أن
يكون حرضاً أو من الهالكين . فليس عنده مشكلة قياساً لما عند الحسين (عليه السّلام) بكربلاء وهو
يشهد ريحانته قتيلاً مقطّعاً إرباً إرباً , فيفقده نهائياً وبمحضره . وليس ليعقوب
وولده يوسف قضية بقدر ما للحسين ونجله (عليهم السّلام جميعاً) من قضية ذات أبعاد مستقبلية .
ترى هل لنا أن ندرك الثمن الذي قدّمه الإمام الحسين (صلوات الله عليه) من أجلنا
نحن , من أجل أن نحيا تحت ظل ديننا العملاق ؟ أم هل لنا أن نتفهّم حقيقة مهمّة الحسين
(عليه السّلام) بحيث دفع بكلِّ سخاء , وجاد بكلِّ كرم بأعزِّ ما لديه من أجل حياة حرّة لاُمّته
الكريمة ؟
صحيح أن مقتل ولده قد هدّ من قواه وأحنى ظهره , هو أرزاه فكانت فاجعة رغم أنها
متوقعة غير مفاجئة ، لكن ذلك ما كان ليغيّر من موقفه الواحد ، بل ما كان ليؤثّر سلبياً
على قضيته أدنى تأثير ؛ لا تردد , لا تراجع أو تبديل ، إنها مسألة حدّيّة ، وقضية رفض
مبدئيّة ليس للفواجع أي طارئ عليها ، كيف والاستشهاد إنما هو من باب سموّ التفاني
وكمال التضحية !
فالإمام الحسين (عليه السّلام) تملكه قضيته الإلهية الرساليّة ، تملك عليه جميع مشاعره وعواطفه
وجوارحه ؛ ولهذا يجود لنا , لمستقبلنا المرجو ، لبقائنا المأمول , بولده علي الأكبر
, بل
بكل ولده وإخوته , وأبناء عمومته وأصحابه الأحرار ؛ فالإسلام أثمن حتّى من نفسه هو
بالذات , فمتى نستيقظ ممّا نحن فيه من سبات ؟! فهل لنا أن نقف لنتبصّر طريقنا إلى تبنّي
قضايانا بنكران ذواتنا ، أم هل لآبائنا استعداد بأن يجودوا اليوم بنا ؟ سنجود إن شاء
الله بأنفسنا وبكل ما لدينا وحتى بآبائنا .
لم يرد الإمام (عليه السّلام) أن نبقى نعيش النزاع ، أرادنا اُمّة ترنو إلى العز
, تأبى الضيم ، تسعى
للتحرر والسعادة والهناء . علينا إذاً أن نقف على سرِّ دوام وجودنا ، نتفكّر , نتأمّل حول سرِّ فداء الحسين
(عليه السّلام) ، نربط
بين الثورة المجيدة للإسلام وبين البقاء المتّصل للمسلمين .
أجل ما إن استشهد علي حتّى حمله الشباب الهاشمي ، ثمّ عادوا إلى حيث استشهد
ليستشهدوا بعد جهاد باسل , وخلال عطش قاتل ؛ لأنهم لم يقاتلوا لكي يبقوا , وإنّما لكي
نبقى , لا لكي يبقوا هم , وإنما لكي نبقى نحن ، وهذا ما كان في روع كلِّ الشهداء ودونما
استثناء , وهو ما كان يحمله في طيّات قلبه ذلك المجاهد الكريم علي الأكبر , فسلام عليه
يوم ولد , ويوم استشهد , ويوم يبعث حياً ...
سلام عليه وعلى عصبة الأنصار الذين سبقوه , وثلةِ الهاشميِّين الذين لحقوه
, وسلام على
من ختم قائمة الشهداء قائدهم السبط العظيم , اُولئك الذين خلدوا بالفكر , بالقضية
, بالمهام القدسيّة , وبمراقدهم المشرّفة التي تهوى إليها القلوب والأفئدة ,
(فِي بُيُوتٍ
أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)(1)
,
(سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)(2)
,
(تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي
الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(3) . صدق الله العلي العظيم
ـــــــــــ
(1) سورة النور / 36 .
(2) سورة الرعد / 24 .
(3) سورة القصص / 83 .
نهاية المطاف
(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُوْلِي الأَلْبَابِ)(1)
فنحن إذاً ـ والحال هذه ـ إن لم نعتبر ونسترشد ونستنر منهم ، من خطوات رجالهم
ونسائهم أهل البيت ، نكن قد ظلمنا أنفسنا , ولم نظلم عدونا , بل أسعدناه فقرّت عينه بنا .
مشكلتنا الاُم أننا لم نتوفّق إلى أن نتمثّل آل رسول الله (صلّى
الله عليه وآله) , أهل بيت التحرير ، كما لم
نستلهم معاني القرآن بآياته التي قد طالما نلوكها بألسنتنا . ولقد أكد القرآن
المجيد حقيقة , (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ
وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ
فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ
وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ
بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(2) .
ومع هذا التأكيد بأن الله اشترى , وأنه تعهد بالشراء والعطاء
نلمس أن هناك من لا يريد أن يبيع , ولربما كان هذا ممّن يدّعي الدين والإيمان ! لا يريد أن يبيع رغم أنه ممّن يتلو آيات الشراء الإلهي
, ويرتّل آيات القرآن , ويقرأ
أو يتسمع لآيات البطولة في كربلاء وغير كربلاء . إنه ليفصل بين الآيات النظرية في
المصحف الكريم وبين الآيات العمليّة في الساحة الكربلائيّة . لا يريد أن يبيع ، ولا أفهم كيف يحب المرء منا أن يربح وهو يتمنّع من المبيع
؟!
الحق على أصحاب الأقلام والمنابر والمساجد الذين لم يتجشّموا عناء الحديث عن سبيل
سلوك السوق التجاريّة الرابحة ليعلّموا الناس كيف يربحون ؛ وذلك بأن يدلّوهم على كيفية
الممارسات التجاريّة الناجحة الرابحة . فلا بدّ لكي يبيع الناس , ويبيع المسلم والمسلمة
ما عندهما أن نعلّمهما التجارة الرابحة في السوق الإسلاميّة الواسعة الرحبة , وإلاّ
غشّهم وخدعهم بعضُ السماسرة .
وإلى أن نلتقي ببحث حول التجارة نرجو أن نوفق بحول
الله وبإذنه , (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم
مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن
كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)(3)
. (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ
اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(4)
.
ـــــــــــــ
(1) سورة يوسف / 111 .
(2) سورة التوبة / 111 .
(3) سورة الصف / 10 ـ 11 .
(4) سورة يوسف / 108 .
والحمد لله ربّ العالمين
والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين |