الوثائق الرسمية لثورة الإمام الحسين (ع)

 
 

الصفحة (1)

 

الوثائق الرسميّة لثورة الإمام الحسين (عليه السّلام)


 المؤلّف

 

السيد عبد الكريم الحسيني القزويني

 

 


الصفحة (2)

 

 


الصفحة (3)

 

الوثائق الرسميّة لثورة الإمام الحسين (عليه السّلام)

 


الصفحة (4)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هوية الكتاب

اسم الكتاب : الوثائق الرسميّة لثورة الإمام الحسين (عليه السّلام)

المؤلّف : السيد عبد الكريم الحسيني القزويني

الناشر : دار الغدير

الكمية : 5000

شابك : 8 ـ 3 ـ 8485 ـ 964

جميع الحقوق محفوظة للمؤلّف


الصفحة (5)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ


(وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْء مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْص مِنَ الاَْمْوالِ وَالاَْنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إليه راجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِم ْوَرَحْمَة ٌوَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)
 

سورة البقرة / 154 ـ 157


الصفحة (6)

 

 


الصفحة (7)

الإهداء

إليك يا أبا عبد الله ..
أهديك يا مولاي الطبعة السادسة من كتابي هذا ؛ لأنّك أوّل الثائرين من أجل الإسلام ورسالته ، وتطبيق حكومته ، ونشر معالمه ، وإلى جميع الشهداء الذين ثاروا من أجل هدفك ، وخُطى هديك وشهادتك في كلّ زمان ومكان ، ولاسيما شهداء الحوزة العلمية من مراجع العلم وطلابه ، وأبنائنا المؤمنين الذين قُتلوا ظلماً وعدواناً ، وعلى رأسهم المرجع الشهيد السيد محمّد باقر الصدر .
مولاي ... راجياً بذلك شفاعة جدّك وأبيك , وأمّك وأخيك , وشفاعتك وشفاعة بنيك الأئمّة الطاهرين لي ولزوجتي العلوية الشهيدة ، ولوالديّ اللذين علّماني مودّتكم والسير على نهجكم أهل البيت الذي فرضه الله بقرآنه : ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) .
وطابت شفاه مَنْ قال :

لا  عـذبَ اللهُ أمّـي إنّـها شربتْ      حـبّ  الـوصي وغـذتنيه باللبنِ
وكـان لـي والـدٌ يهوى أبا حسنٍ      فصرتُ من ذي وذا أهوى أبا حسنِ

سيدي أبا الشهداء .. إنّا بحبّكم غُذّينا ، وبطينتكم عُجّنا ، وعلى دربكم مشينا ، وبنهجكم سرنا , فامنُن علينا بحفظ أوطاننا ، ومرجعنا الصامد الصابر المجاهد ، حفيدك ونائبك الإمام السيد السيستاني ، واحرسه من عاديات الزمن الداخلية والخارجية ، واجعله سنداً للإسلام وذخراً للمسلمين , فتقبل يا سيدي من ولدك .

1 ذي الحجّة الحرام 1424


الصفحة (8)

 

 


الصفحة (9)

مقدّمة الطبعة الرابعة والسادسة

حمداً لك يا ربّ على ما أنعمت علينا بالإسلام ديناً ، وبمحمّد (صلّى الله عليه وآله) نبياً وهادياً ، وبآله أئمّة وسادة وقادة .

قارئي العزيز : الكتاب الذي بين يديك ( الوثائق الرسميّة لثورة الإمام الحسين ) ، فكرة سنحت لي في أيّام محرّم من سنة 1391 هـ ، وهي أيّام ذكرى استشهاده (عليه السّلام) ، فأحببت أن أكتب بحثاً عن أبيّ الضيم ، سبط الرسول الأعظم وريحانته ، وحبيب قلبه ، فعزمت على الأمر ـ بعد التوكّل على الله ـ وأخذت أبحث في بطون كتب التواريخ ، وأسجّل ما يتعلّق بثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وثيقة إثر وثيقة ، وبينما كنت أدوّن تلك الوثائق ، كانت دموعي تسبق قلمي حين يكتب حروف كلماتها ؛ لِما في ذلك من المصائب والمحن والآلام التي حلّت بالسبط الشهيد وعترته وأصحابه .
وفي ليلة من تلكم الليالي التي كنت مشغولاً بتسطير


الصفحة (10)

الوثائق , دبّ النعاس إلى جفوني فغلبني النوم ، إذ أرى نفسي في عالم الرؤيا وكأنّ الكتاب قد طُبع ، وأنا أهدي نسخة منه للإمام الحسين الشهيد (عليه السّلام) , في حين أنّ الكتاب لم يزل في مرحلة التأليف .
وحين أفقت من النوم انتابتني فرحة ممزوجة بالبكاء في نفس الوقت ؛ لما قد علمت أنّه قد يكون موضع قبول ورضا الله تعالى ورسوله والسبط العظيم ، فزادتني هذه الرؤيا عزماً على إكمال تأليفه وكتابة وثائقه ، ومن ثمّ طبعه فوراً في العراق في تلك السنة ، وهي الطبعة الأولى .
وبعد إكمال تأليفه ، حيث طبع الكتاب ولم يوزّع للمكتبات بعد ، أخذت نسخةً منه وذهبت بها إلى كربلاء المقدّسة لحرم ريحانة رسول الله ، مخاطباً إيّاه أن يتقبّل هذه الهدية ، وقد تمّ تسجيلها في مكتبة حرمه الشريف .
فكانت هذه الرؤيا السلوة والمحفّز لي على إكمال هذا الجهد المتواضع الذي قمت به ; لأنّه سيكون إن شاء الله شفيع لي في ذلك اليوم الذي ( لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم ) .
وقد طُبع الكتاب طبعات عديدة وهي :


الصفحة (11)

الطبعة الأولى : في العراق سنة 1391 هـ .
الطبعة الثانية : في بيروت سنة 1980 م .
الطبعة الثالثة : في مدينة قم المقدّسة سنة 1404 هـ .
الطبعة الرابعة : وهي التي بين يديك ، وتمتاز عن طبعاته السابقة بإضافة 14 وثيقة تتعلّق بثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) , ومخاطباته لمعاوية , مع زيادة تعليقات جديدة وطباعة أنيقة ، ثمّ أيضاً طُبعت الطبعة الخامسة والسادسة .
نسأل الله العلي القدير أن يسدّد خطانا ، وأن يثبّت أقدامنا على صراطه المستقيم ، وأقول : « ربّ واجعلني ممّن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري » .

عبد الكريم الحسيني القزويني


الصفحة (12)

 


الصفحة (13)

تقديم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمّد وآله الأئمّة الأطهار المجاهدين .

قارئي العزيز : بين يديك القسم الأوّل من هذا الكتاب الذي يضمّ بين دفتيه جميع الوثائق الرسميّة التي تتعلّق بثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) , من الكتب والخطب والبيانات التي ترتبط بهذه الثورة ؛ سواء كانت صادرة عن الحسين (عليه السّلام) ، أو أصحابه ، أو عن المسؤولين في الحكم آنذاك منذ أن أعلن ثورته في المدينة إلى يوم مصرعه في كربلاء .
وقد بذلت جهد إمكاني في ضبطها وتنظيمها مع المحافظة على الترتيب الزمني لهذه الرسائل والخطب والبيانات . وقد عشت بعض أيامي مواكباً لهذه الوثائق بين الكتب والمصادر التاريخية ; لأدقّق في حرفيتها ونصّها وزمنها ، وقد وفّقت إلى حدّ ما في ضبطها النصّي والزمني .


الصفحة (14)

وهي ـ بحسب اعتقادي ـ أوّل محاولة دراسية في بابها ، يستفيد منها الثائر ، والفدائي ، والكاتب ، والأديب ، والخطيب ، والناقد الاجتماعي ; لأنّها تعطي صوراً ونماذج عن الذهنية والعقلية التي عاشت وعاصرت فترة الثورة المقدّسة .

أخي القارئ : إنّ فكرة جمع هذه الوثائق ما هي إلاّ فكرة طارئة حدثت في أيام ذكرى ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) من شهر محرّم من هذه السنة ( 1391هـ ) ، حيث أحببت أن اُلمّ ببعض خطبه (عليه السّلام) ، فراجعت بعض المصادر ، وإذا أنا أمام ثروة كبيرة تتعلّق بالثورة الحسينيّة ، ففكّرت في جمعها ونشرها في كتاب مختصر لتستفيد الأمّة من تراثها ، ويطلّع الرأي العام عليها ، ونحقّق بذلك الأهداف التالية :
1 ـ اطلاع الأمّة على بعض معالم دينها وعقيدتها ; لِما في هذه الوثائق من الحقائق الدينية التي لا بدّ للأمّة من الاطّلاع


الصفحة (15)

عليها وفهمها .
2 ـ اطلاع الأمّة على التراث الأدبي واللغوي لرجالها الثائرين ، والذي يتجلّى في خطب الإمام الحسين (عليه السّلام) ورسائله بشكل خاص .
3 ـ التركيز على الوعي الحسيني في النفوس , وعياً كاملاً بخطوطه وأبعاده حتّى يكون واضحاً لدى الجميع ماذا أراد الحسين (عليه السّلام) من ثورته ؟ وما هي الغاية منها ؟
4 ـ الاستفادة من التضحيات والقرابين التي قدّمها أبو الشهداء ظهيرة يوم العاشر من محرّم في سبيل رسالته وعقيدته ; لنستمد من تضحياته جذوة تنير لنا الدرب في المحافظة على ديننا ، وتحرير بلادنا من رجس الصهيونية والاستكبار العالمي ، ولنصمد في وجه تياراتها وأفكارها كما صمد (عليه السّلام) هو والصفوة الطاهرة من أصحابه في وجه ذلك الزخم العسكري الهائل من أجل دينه ومقدّساته .
فأقدّم هدف أبي عبد الله (عليه السّلام) « من جديد إلى ضمائر فريق كبير من بني الإنسانية ; لعلّهم يقدّمون رسالته خطوة واحدة أو خطوات في سبيل اليقين والعمل الخالص لوجه الحقّ


الصفحة (16)

 والكمال »(1) .
وأخيراً : فإنّي حاولت أن أتبسط ، وابتعد عن مجال الخيال الأدبي ، والترف اللفظي في هذا الكتاب ; من أجل أن يقرأه ويفهمه الجميع ; ليكون موضعاً للعناية والدراسة .

وختاماً : وكلّي أمل يا سيدي ويا مولاي ، يا أبا الشهداء ، أن تكون هذه الوريقات موضع قبول عندك ; حتّى تكون شفيعاً لي ولوالدي عند جدّك رسول الله محمّد (صلّى الله عليه وآله) يوم القيامة ; حتّى ننضوي تحت لوائه ، يوم لا لواء إلاّ لواءه ( يَومَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم )(2) .

عبد الكريم الحسيني القزويني

ــــــــــــــــ
(1) أبو الشهداء ـ عباس العقّاد / 6 .
(2) سورة الشعراء / 89 .

الصفحة (17)

عرض وتمهيد

ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) هي من أهم الثورات التي شغلت فكر الإنسانية ، وأخذت مجالا كبيراً من التاريخ الإسلامي ; لأنّها حدث غير عادي ومهم جدّاً .
فكان لا بدّ للمؤرّخ مهما كانت ميوله ومعتقداته أن يشير إليها بإيجاز أو بإسهاب ; وذلك ـ طبعاً ـ من وجهة نظره الخاصة ، وحسب سعة اطلاعه الفكري وضيقه .
ولو نظرنا إلى جُلّ مَنْ أرّخ لثورة الحسين (عليه السّلام) لرأيناه يتصاغر أمام عظمتها وواقعيتها إلاّ نفراً يسيراً ممّن اُشبعت نفوسهم ببغض آل البيت (عليهم السلام) ، واستُميلت ضمائُرهم بالمال أو الجاه .
والذي عليه آراء الأمّة منذ ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) حتّى يومنا هذا , أنّها الثورة الحقيقية التي قدّمت للإسلام القرابين والضحايا من آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، فأعادت إليه هيبته المنهارة كرامته المفقودة ؛ وذلك بسبب تلاعب المتسلّطين آنذاك بمقدّساته وأحكامه .


الصفحة (18)

ثورة الإمام الحسين (ع) ومعطياتها

إنّ الزخم العطائي لثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) عطاء مستمر ودائم على مختلف العصور والدهور والأجيال ؛ فهي بمثابة المشعل الذي ينير الدرب للثائرين في سبيل رسالة الحقّ ، الرسالة الإسلاميّة الخالدة . وفي نفس الوقت تحرق الهياكل الوهمية المزيّفة التي بنت دعائهما على عروش وكراسي من الشمع ، سرعان ما تذوب بحرارة الثورة الحسينيّة المقدّسة .
وهذا العطاء الدائم المستمر للثورة ، طالما غذّى الغصون الإسلاميّة حتّى نمت وترعرعت ببركة ثورة أبي الشهداء الحسين الخالد (عليه السّلام) . فهي كانت ولا تزال وستكون نبراساً لكلّ إنسان معذّب ومضطهد على وجه هذه الأرض ، وهي الأمل المنشود لكلّ الناس الخيّرين ، الذين يدافعون عن حقّهم في العيش بسلام وأمان .
فهذه القرون تأتي وتذوب قرناً بعد قرن كما تذوب حبّة الملح في المحيط . وهذا الحسين اسمه باق في القلوب وفي الأفكار والضمائر ، فهو أكبر من القرون وأكبر من الزمن ; لأنّه عاش لله ، وجاهد في سبيله ، وقتل في رضوانه . فهو مع


الصفحة (19)

الله والله معه ، ومَنْ كان الله معه فهو باق . وإنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) قد تمخّضت وكشفت عن جانبين مهمّين هما :

1 ـ الجانب العاطفي للثورة
وهي الثورة الوحيدة في العالم التي لو تسنّى لكلّ فرد مهما كان معتقده وفكرته أن يقرأ مسرحيتها بكلّ أبعادها وتفاصيلها لما تمكّن من أن يملك دمعته وعبرته . وكما هو المعروف الآن في البلاد غير الإسلاميّة كالهند وبعض الدول في أفريقيا حيث يقرأ بعض أبنائها ملحمة واقعة الطفّ في كربلاء ، فإنّهم لا يملكون إلاّ أن يجهشوا بالبكاء ، وقد يؤدّي أحياناً إلى ضرب الصدور لا شعورياً ; لأنّها مأساة أليمة تتصدّع القلوب لهولها ومصابها .
وذلك كما وصفها المؤرخ الإنكليزي الشهير [جيبون] بقوله : « إنّ مأساة الحسين المروّعة ، بالرغم من تقادم عهدها ، وتباين موطنها ، لا بدّ أن تثير العطف والحنان في نفس أقل القرّاء إحساساً وأقساهم قلباً »
(1) .

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ العرب ـ السيد مير علي ـ ترجمة رياض رأفت / 74 ، طبع مصر ، سنة 1938 م .


الصفحة (20)

وأكثر من هذا ، إنّه قد روي إنّ الذين قاتلوا رجال الثورة لم يملكوا أنفسهم من البكاء ، فهذا ( عمر بن سعد ) قائد الجيش الأموي في كربلاء يبكي عندما نادته زينب بنت علي (عليها السلام) قائلة له : يابن سعد ، أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه ؟! فصرف وجهه عنها ودموعه تسيل على لحيته(1) .
وقيل أيضاً : إنّ الأعداء بعد قتل الحسين (عليه السّلام) هجموا على عياله يسلبونهم وهم يبكون ، فجاء رجل إلى فاطمة بنت الحسين وأراد سلبها وهو يبكي ، فقالت له : لماذا تسلبني إذن ؟! فقال لها : أخاف أن يأخذه غيري
(2) .
وكيف لا تكون كذلك وهي المأساة التي أدمت قلب الإنسانية ، وأقرحت جفونها تألّماً وتأثّراً ; لأنّ فيها قُتل الشيخ الطاعن في السنّ الذي جاوز السبعين ، وقُتل فيها الكهل ، وهم الغالبية من أصحاب الحسين ، وفيها الفتي الذي جاوز الحلم أو لمّا من بني هاشم وأقمارهم وفتيان أصحابهم ، وفيها الطفل الرضيع والمرأة العجوز , وفيها التمثيل بأجساد الشهداء ، ورضّها بحوافر الخيل ، وقطع

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر الكامل في التاريخ ـ ابن الأثير 3 / 295 ، تاريخ الطبري 4 / 245 .

(2) سير أعلام النبلاء ـ الذهبي 3 / 204 .


الصفحة (21)

رؤوسها ، وحرمان النساء والأطفال من الماء ، ونهب الخيام وحرقها ، وسَوْق بنات رسول الله سبايا من بلد إلى بلد ، يتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد . . . وإلى ما هنالك من المآسي والآلام التي حلّت بشهداء هذه الثورة ؟!

2 ـ الجانب العقائدي للثورة
إذا أردنا دراسة هذا الجانب فلم نعرف أنّ ثورة في التاريخ عُرفت بعقائديتها بهذا اللون من الاعتقاد والتفاني من أجله كثورة الحسين (عليه السّلام) . والإنسان لا يمكن له أن يعرف المستوى العقائدي لثورة من الثورات إلاّ أن يدرس النصوص والوثائق لقادة هذه الثورات وأنصارها .
وثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) بلغت في عقائديتها الذروة العليا في الوعي والعمق لدى قائدها وأتباعه وأنصاره ؛ فهي لم تختلف وعياً في جميع أدوراها منذ أن اُعلنت حتّى آخر نفس من حياة رجالها ، على مختلف المستويات الثقافية والإدراكية لرجالها .
فهذا الشيخ الكبير يحمل نفس الوعي للثورة الحسينيّة الذي يحمله الكهل والفتى ، وحتى الذي لم يبلغ الحلم يحمل


الصفحة (22)

نفس الروح لدى رجالها وأبطالها .
فلو تصفّحنا الوثائق الأولى لقائد هذه الثورة الحسين (عليه السّلام) ، لرأيناها تحمل نفس روح الوثائق التي قالها الحسين (عليه السّلام) في آخر حياته , فهي :
أ ـ الثورة على حكم يزيد بن معاوية
ب ـ إقامة الشريعة الإسلاميّة وتطبيقها مقام المخالفات التي أشاعها الحاكم آنذاك .

فثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) هدفت في قيامها هذين الخطّين ؛ تغيير الجهاز الحاكم ، وتطبيق الشريعة الإسلاميّة .

أ ـ تغيير الجهاز الحاكم
فالإمام الحسين (عليه السّلام) لم يقصد من ثورته على الحكم تغيير يزيد بالذات ; لأنّه هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي ، فتكون ثورته ثورة قبلية كما يصوّرها البعض ، ويعتقد بأنّ الخصومة بين الهاشميين والاُمويِّين كانت مستمرة منذ قرون قبل الإسلام وبعده ؛ ولهذا خرج الحسين (عليه السّلام) على يزيد بل الإمام الحسين (عليه السّلام) علّل ثورته على حكم يزيد في بعض خطبه وبياناته .
ويتّضح ذلك جليّاً ممّا جاء في الوثيقة التي خطبها


الصفحة (23)

الحسين (عليه السّلام) أمام أوّل كتيبة للجيش الأموي : (( أيّها الناس ، إنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : مَنْ رأى سلطاناً جائراً ، مستحلاً لحرام الله ، ناكثاً لعهده ، مخالفاً لسنة رسوله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يغيّر ما عليه بفعل ولا قول ، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله ))(1) .
حيث علّل (عليه السّلام) خروجه على سلطان يزيد ; لأنّه سلطان جائر ، يحكم الناس بالإثم والعدوان ، وذلك مخالف للشريعة الإسلاميّة ، ولسنّة النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) ؛ فلهذا خرج عليه .
صحيح أنّ هناك بعض الوثائق تصرّح باسم يزيد ، كما في وثيقة رقم ( 12 ) الوثيقة التي قالها لمّا طلب منه والي يزيد على المدينة مبايعة يزيد ، فأجابه (عليه السّلام) : (( أيّها الأمير ، إنّا أهل بيت النبوّة إلى قوله : ويزيد رجل فاسق ، شارب للخمر ، قاتل النفس المحترمة ، معلن للفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ))
(2) .
فهكذا نجد الإمام (عليه السّلام) يعلّل ثورته على يزيد ; لأنّه رجل فاسق ، شارب للخمر ، قاتل النفس المحترمة ، معلن للفسق .

ـــــــــــــــ
(1) انظر الوثيقة رقم 58 من هذا الكتاب .
(2) انظر الوثيقة رقم 12 من هذا الكتاب .

الصفحة (24)

وهذه الصفات لا تتّفق مع شروط الخلافة ؛ فلهذا أعلن الحسين (عليه السّلام) ثورته على حكمه ، فثورته ليست ثورة قبلية ولا عنصرية ، كما يتوهّم البعض .

ب ـ تطبيق الشريعة الإسلاميّة
وهذا هو من أهم أهداف الحسين (عليه السّلام) من ثورته على الحكم ، حيث عرض نفسه وأهل بيته وأصحابه للقتل والسلب والنهب من أجل هذا الهدف المقدّس ؛ فالحسين لم تكن غايته الرئيسية من خروجه تَسلُّم زمام الحكم فحسب ، بل إنّما هو يعتبر الاستيلاء على الحكم وسيلة لتطبيق أحكام الشريعة لا غاية بذاتها .
ولا أيضاً بدافع العامل الاقتصادي كما يذهب إليه البعض من أنّها نتيجة لظروف اقتصادية معينة دفعت بالحسين إلى ثورته , وليس أيضاً بصحيح ما يقوله البعض من أنّها نتيجة مرحلة زمنية اقتضتها التطوّرات التاريخية آنذاك ، بل الدافع الرئيس الوحيد للإمام الحسين (عليه السّلام) هو تطبيق الشريعة الإسلاميّة والمحافظة عليها وإن أدّى ذلك إلى سفك دمه .
ويسند قولنا هذا ما جاء في بعض نصوص خطبه


الصفحة (25)

ورسائله مثل :
1 ـ (( ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمان ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام الله ، وحرموا حلاله ))(1) .
2 ـ (( وقد بعثت إليكم بهذا الكتاب ، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ؛ فإنّ السنّة قد اُميتت ، والبدعة قد اُحييت ))(2) .
3 ـ (( ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به ، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه ؟ ))(3) .
4 ـ (( وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي (صلّى الله عليه وآله) ؛ اُريد أن آمر بالمعروف ، وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدّي وأبي ))(4) .
فإنّ هذه المقتطفات من خطب ورسائل الإمام الحسين (عليه السّلام) لهي نصوص صريحة واضحة ، لا شبهة ولا غموض فيها ; لبيان غرضه وهدفه (عليه السّلام) .

ــــــــــــــــ

(1) انظر الوثيقة رقم 58 من هذا الكتاب .

(2) انظر الوثيقة رقم 24 من هذا الكتاب .

(3) انظر الوثيقة رقم 63 من هذا الكتاب .

(4) انظر الوثيقة رقم 17 من هذا الكتاب .


الصفحة (26)

فإنّها جميعاً تدل على أنّ الحكم القائم آنذاك كان يعمل بكل قواه على تقويض الشريعة الإسلاميّة من جذورها بإشاعة المنكر والباطل ، ومخالفة الكتاب والسنة , (( فإنّ السنّة قد اُميتت ، والبدعة قد اُحييت )) .
والحسين (عليه السّلام) لم يخرج لغيّر مقاومة المنكر والباطل ، وإحياء السنّة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولم يطلب الحكم والمنصب قط ; لأنّه من أهل بيت النبوة الذين لم يأتوا للملك إلاّ أن يقوّموا المعوّج ، ويدعوا إلى الحق ، ويدفعوا الباطل .
فهذا جدّه رسول الله محمّد (صلّى الله عليه وآله) في بداية دعوته ، عَرضت عليه رجالات قريش الملك والسيادة والمال على أن يترك دعوته وقول الحقّ ، فأبى (صلّى الله عليه وآله) وقال لعمّه أبي طالب( رض ) : (( يا عمّاه ، لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ))(1) .
وهذا أبوه علي بن أبي طالب (عليه السّلام) القائل : (( اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ، ولكن لنردّ المعالم من دينك ، ونظهر

ــــــــــــــــــــــ

(1) انظر تاريخ الكامل ـ ابن الأثير 2 / 43 .


الصفحة (27)

الإصلاح في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادك ، وتُقام المعطلة من حدودك ))(1) .
وقد عرضت عليه الخلافة في قضية الشورى بشروط فأبى (عليه السّلام) ; لئلاّ يخالف الشروط التي لا يرتضيها . في حين أنّ الخلافة الإسلاميّة في وقتها كانت الدنيا بأسرها ، وخصوصاً بعد أن انهارت دولة الروم والفرس . فعلي (عليه السّلام) أبى أن يقبلها مع أهمّيتها في مقابل أن لا يخالف شرطاً ، فرفض الدنيا بأسرها في رفضه إياها إزاء عدم مخالفة شرط واحد .
وهذا أيضاً سفير الحسين (عليه السّلام) مسلم بن عقيل ، بعثه (عليه السّلام) إلى الكوفة لأخذ البيعة من أهلها ، وجاء عبيد الله بن زياد ودخل الكوفة ، فذهب مسلم إلى دار هاني بن عروة ، وكان في داره شريك بن الأعور مريضاً ، فأراد ابن زياد عيادة شريك في دار هاني ، فاتفق شريك مع مسلم أن يقتل عبيد الله عندما يأتي لعيادته ، والإشارة بينهما رفع شريك عمامته .
ثمّ جاء ابن زياد ودخل على شريك ومسلم مختبئ في

ــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة ـ محمد عبده 2 / 19 .


الصفحة (28)

الخزانة ، فأخذ شريك يرفع عمامته مراراً فلم يخرج مسلم ، وقال : اسقنيها ولو كان فيها حتفي . فقال ابن زياد : إنّه يخلط في علّته . ثمّ خرج من دار هاني , فخرج مسلم ، وقال له شريك : ما منعك منه ؟! فقال مسلم : تذكّرت حديث علي (عليه السّلام) ، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ الإيمان قيد الفتك ، فلا يفتك مؤمن ))(1) .
فلو كان مسلم يريد الإمارة والملك لخرج وفتك بابن زياد وأراح الأمّة من شرّه ، ولكنّه يخشى على إيمانه وعقيدته ; لأنّ الإيمان قيد الفتك ، والمؤمن لا يفتك .
وهكذا لو أردنا أن نستعرض أهل البيت (عليهم السلام) ، لرأيناهم لا ينشدون ملكاً ولا سلطاناً بالذات ، وإنّما غايتهم من الحكم هي تطبيق أحكام الشريعة الإسلاميّة وتركيز دعائمها ؛ فلهذا نرى الإمام الحسين (عليه السّلام) يقول : (( وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي (صلّى الله عليه وآله) ؛ اُريد أن آمر بالمعروف ، وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدّي وأبي ))(2) .
فهذه هي سيرة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وسيرة أبيه علي بن أبي طالب (عليه السّلام) .

ـــــــــــــــ

(1) مقتل الحسين ـ عبد الرزاق المقرّم / 246 ، الكامل ـ ابن الأثير 3 / 270 .

(2) انظر الوثيقة رقم 17 من هذا الكتاب .


الصفحة (29)

الإسلام والخلافة

اهتم الإسلام بالخلافة اهتماماً كبيراً ; لأنّ عليها يقوم بنيانه ويبني مجتمعه ، وإنّها القاعدة الأساسية لحفظ شريعته ، وصيانة مجتمعه من الانهيار والتشتت والتفرّق ، وبدونها لا تقوم للإسلام قائمة , « فهي ضرورة من ضروريات الحياة الإسلاميّة لا يمكن الاستغناء عنها ؛ فبها يُقام ما اعوجّ من نظام الدين ، وبها تتحقّق العدالة الكبرى التي ينشدها الله في الأرض »(1) .
فلهذا نرى أنّ الرسول الأعظم قرنها ببداية التشريع الإسلامي ، وبدء نزول الوحي ، حيث أمر (صلّى الله عليه وآله) بإبلاغ دعوته أهله وعشيرته كما جاء في تاريخ الكامل لابن الأثير ، حين نزلت هذه الآية : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ )(2) , فجمع النبي عشيرته على وليمة ، وخطب خطبته المشهورة : (( إنّ الرائد لا يكذب أهله ، والله الذي لا إله إلاّ هو إنّي

ـــــــــــــــ
(1) نظام الحكم ـ باقر القرشي / 212 .
(2) سورة الشعراء / 214 .

الصفحة (30)

رسول الله إليكم خاصّة ، وإلى الناس عامّة , إلى أن قال : يا بني عبد المطلب ، إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به ، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ ))(1) .
فأحجم القوم عن الجواب إلاّ علي بن أبي طالب (عليه السّلام) , فقام وقال : (( أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه )) . فأخذ (صلّى الله عليه وآله) برقبة الإمام علي وقال : (( هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا ))(2) .
ولأهميتها أيضاً أمر الله العباد بإطاعة مَنْ تسلّم قيادتها إذا كان كامل الأهلية ، حيث قال تعالى : ( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ )(3) . فجعل الله طاعة الخليفة الذي يتقلّد زمام أمرها من طاعته وطاعة رسوله .
وقد أوجبها الفقهاء على اختلاف مذاهبهم شيعة وسنّة ، ولا نستطيع أن نستعرض هنا الآراء بشكل مفصّل في هذه الوريقات ، وإنّما نلمح إليها برأي واحد لكلّ من المذهبين .

ـــــــــــــــ
(1) انظر تفصيل ذلك في تاريخ الكامل ـ ابن الأثير 2 / 42 .
(2) المصدر نفسه .
(3) سورة النساء / 59 .

الصفحة (31)

الخلافة في رأي الشيعة

فالذي عليه إجماع الشيعة ، أنّ الخلافة أو الإمامة هي منصب إلهي بنصّ من الرسول (صلّى الله عليه وآله) وبوحي من الله . يقول الإمام محمّد حسين كاشف الغطاء : « نحن الشيعة نعتقد أنّ الإمامة منصب إلهي كالنبوّة ، فكما أنّ الله سبحانه وتعالى يختار مَنْ يشاء من عباده للنبوّة والرسالة ، ويؤيّده بالمعجزة التي هي كالنصّ من الله عليه ، فكذلك يختار للإمامة مَنْ يشاء ، ويأمر نبيّه بالنصّ عليه ، وأن ينصّبه إماماً للناس من بعده ; للقيام بالوظائف التي كان على النبي أن يقوم بها ، سوى أنّ الإمام لا يوحى إليه كالنبي ، وإنّما يتلقى الأحكام من النبي »(1) .

الخلافة في نظر أهل السنّة

والذي عليه إجماع المذاهب السنّية ، من أنّها ضرورة من ضروريات الدين إلاّ مَنْ شذّ منها ، فيقول الماوردي : « الإمامة موضوعة لخلافة النبوّة في حراسة الدين وسياسة الدنيا ، وعقدها ممّن يقوم بها واجب بالإجماع »(2) .

ــــــــــــــــ
(1) أصل الشيعة ـ الإمام محمد حسين كاشف الغطاء / 75 .
(2) الأحكام السلطانية / 3 ، راجع نظام الحكم ـ باقر القرشي / 213 .

الصفحة (32)

أهلية الخلافة

بعد أن عرفنا أهمية الخلافة في الإسلام ، بقي الآن أن نعرف هل هناك شروط فيمَنْ يتقلّد زمامها وأمرها حتّى نرى أنّ يزيد بن معاوية كان أهلاً لها أم لا ؟ فالمذاهب الإسلاميّة على اختلاف آرائها وأفكارها تشترط في الخليفة شروطاً معينة لا مجال هنا لذكرها جميعاً ، ولكنّها قد اتفقت على شرطين أساسيين ؛ الإيمان والعدالة .

الخليفة ورأي الشيعة

تعتبر الشيعة في الخليفة أن يكون منصوصاً عليه من الله تعالى عن طريق النبي (صلّى الله عليه وآله) كما ذكرنا ، وأنّها تشترط في الخليفة شروطاً بالإضافة إلى إيمانه وعصمته « أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال ؛ من شجاعة وكرم ، وعفّة وصدق وعدل ، ومن تدبير عقل وحكمة وخلق »(1) .
وإنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أوصى لعلي بن أبي طالب بالخلافة في عودته من حجّة الوداع في مكان يُقال له : ( غدير خم ) ، ولهم أدلّة على ذلك في كتبهم .

ـــــــــــــــ
(1) عقائد الإماميّة ـ الشيخ محمد رضا المظفر / 66 .

الصفحة (33)

فعلى هذا ، فالشيعة لا ترى ليزيد ولا لأبيه معاوية أيّ حقّ بالخلافة ، بالإضافة إلى عدم توفّره على أهليتها ؛ لفسقه وفجوره ، وعدم إيمانه كما سنذكره .

الخليفة في رأي أهل السنة

أمّا أهل السنّة فالذي عليه الرأي العام منهم ، أنّ الخليفة يجب أن تتوفّر فيه العدالة . يقول ابن حزم الأندلسي : « اتّفق جميع أهل السنّة ، وجميع المرجئة ، وجميع الشيعة ، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة ، وأنّ الأمّة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يُقيم فيها أحكام الله ، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي جاء بها رسول الله »(1) .
واشترطوا في الخليفة أيضاً : البلوغ ، والعقل ، والذكورة ، والإسلام ، والعلم بفرائض الدين ، والتقوى ، وعدم الضعف والسفاهة .

ثمّ يقول ابن حزم شارحاً معنى ما تقدّم :
1 ـ على الخليفة أن يكون عالماً بما يخصّه من أمور الدين ؛ من العبادات والسياسة والأحكام .

ــــــــــــــ
(1) الملل والأهواء 4 / 87 .

الصفحة (34)

2 ـ أن يكون مؤدياً للفرائض كلّها ، لا يخلّ بشيء منها .
3 ـ أن يجتنب جميع الكبائر سرّاً وجهراً .
4 ـ أن يتستر بالصغائر ، إن كانت تصدر منه(1) .

يزيد وأهلية الخلافة

هذه هي أهم الصفات التي يجب أن يتحلّى بها الخليفة الإسلامي ، فأين ( يزيد ) منها ؟ وهل فيه من هذه الصفات التي ذُكرت وقد أجمع معاصروه ومَن بعدهم على خلوّه منها ، وأنّه ليست له هذه الأهلية ; لأنّه متّصف بجميع الصفات القبيحة ، كشرب الخمر ، ولعب القمار ، وضرب الملاهي ، واللعب بالكلاب الهراش ، وإلى ما هنالك من صفات منافية ؟

فلنستمع إلى ما يذكره المؤرّخون عنه :
1 ـ هذا ابن قتيبة ينقل ردّ الحسين على معاوية عندما جاء إلى المدينة المنوّرة لأخذ البيعة لابنه يزيد من بعده من رجالات المدينة , فبعد أن خطب فيهم وأثنى على ولده يزيد ، قام إليه الحسين (عليه السّلام) وأجابه بعد كلام طويل قائلاً لمعاوية : (( كأنّك تصف محجوباً ، أو تنعت غائباً ، أو تخبر عمّا

ـــــــــــــــ
(1) نظام الحكم ـ باقر القرشي / 220 .

الصفحة (35)

كان ممّا احتويته بعلم خاصّ ، وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه ، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه ؛ من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش ، والحمام السبق لأترابهن ، والقيان ذوات المعازف ، وضرب الملاهي ، تجده باصراً , ودع عنك ما تحاول ، فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه ))(1) .
2 ـ ذكر الطبري أنّ عثمان بن محمّد بن أبي سفيان ، والي يزيد على المدينة آنذاك ، بعث بجماعة من أهل المدينة إلى يزيد وفيهم عبد الله بن حنظلة والمنذر بن الزبير وآخرون من أشراف المدينة , فقدموا على يزيد ، فأكرمهم وأحسن إليهم ، وأعظم جوائزهم ، ثمّ رجعوا إلى المدينة وهم على رأي واحد ، فقالوا : « إنّا قدمنا من عند رجل ليس له دين ، يشرب الخمر ، ويعزف بالطنابير ، ويضرب عنده القيان ، ويلعب بالكلاب ، ويسامر الحراب والفتيان ، وإنّا نشهدكم أنّا قد خلعناه . فتابعهم الناس »(2) .

ــــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة ـ ابن قتيبة 1 / 186 .
(2) تاريخ الطبري 4 / 368 .

الصفحة (36)

3 ـ ويقول الشوكاني في ردّه على بعض وعّاظ السلاطين : « لقد أفرط بعض أهل العلم فحكموا بأنّ الحسين السبط (رضي الله عنه وأرضاه) باغٍ على الخمير السكير ، الهاتك لحرمة الشريعة المطهّرة ، يزيد بن معاوية (لعنهما الله) . فيا للعجب من مقالات تقشعرّ منها الجلود ! »(1) .
هذا بعض ما قيل في يزيد بن معاوية , بل ذهب بعض العلماء إلى كفره والتشكيك في إيمانه ، وجواز لعنه , « وقد جزم بكفره وصرّح بلعنه جماعة من العلماء ، منهم القاضي أبو يعلى ، والحافظ ابن الجوزي ، والتفتازاني ، والسيوطي »
(2) .
وقال التفتازاني : « الحقّ إنّ رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره به ، وإهانته أهل بيت النبي ممّا تواتر معناه وإن كان تفاصيله آحاد ، فنحن لا نتوقّف في شأنه بل في إيمانه ، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه »
(3) .
وقد بلغت الوقاحة والاستهتار بيزيد إلى درجة لا

ـــــــــــــــ
(1) نيل الأوطار 7 / 147 .
(2) مقتل الحسين ـ عبد الرزاق المقرّم / 10 .
(3) شرح العقائد النسفية / 181 ، طبع الاستانة .

الصفحة (37)

يتصوّرها إنسان ، وذلك أنّ معاوية أرسله إلى الحجّ في حياته ، فلمّا بلغ يزيد المدينة المنوّرة جلس على مائدة الخمر ، فاستأذن عليه ابن عباس فأذن له , وكان مكفوف البصر ، فقيل له : إنّ ابن عباس إن وجد ريح الشراب عرفه . فحجبه عنه(1) .

إلى ما هنالك من عشرات أقوال الصحابة والتابعين والعلماء في يزيد بن معاوية ، ولو توسّعنا لاحتجنا إلى مجلّدات .
وبعد هذا العرض ، فهل يجد إنسان ما في يزيد أهلية الخلافة ؟ اللّهمّ إلاّ بعض الحاقدين من أعوان السلطان ، وتجّار المادة الذين لا يخلو زمان ومكان منهم .
إنّ جميع ما تقدّم هو نزر يسير ممّا فعله يزيد بن معاوية ، وما ارتكبه الحكم الأموي من هتك حرمة الإسلام ، والتعدّي على الشريعة المقدّسة ، وتقويض أركانها ، ومن ثمّ الإجهاض عليها من جذورها(2) .
فلم تجد منقذاً ولا مخلّصاً لها إلاّ الحسين (عليه السّلام) ابن بنت

ــــــــــــــ
(1) الكامل ـ ابن الأثير 3 / 417 .
(2) انظر تفصيل الجرائم الاُمويّة في كتابنا (الوثائق الرسميّة لنتائج ثورة الحسين (عليه السّلام) القسم الثاني) , لم يطبع حتّى الآن .

الصفحة (38)

صاحب الرسالة ، فقام (عليه السّلام) مغيثاً لها بثورته المقدّسة ، في اليوم العاشر من محرّم سنة 61 هجرية ، وأنقذها من الحكم الأموي الجائر قائلاً : (( فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة ، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً )) .
وقد أبدع في تصوير هذا الموقف الشاعر ، حينما يرثي الحسين (عليه السّلام) في قصيدة طويلة تضمّ عشرات الأبيات , منها :

يـومٌ  بحاميةِ الإسلامِ قد نهضتْ      بـهِ  حـميّةُ ديـنِ اللهِ إذ تُـركا
رأى  بـأنّ سـبيلَ الـغي متّبعٌ      والـرشدُ لـم تـدرِ قومٌ أيه سلكا
والـناسُ عـادت إليهم جاهليتُهم      كـأنّ مَـنْ شرّعَ الإسلامَ قد أفكا
وقـد تـحكّمَ بـالإيمانِ طـاغيةٌ      يُـمسي ويُصبحُ بالفحشاءِ مُنهمكا
لم أدرِ أينَ رجالُ المسلمينَ مضوا      وكـيفَ  صـارَ يزيدٌ بينهم ملكا
الـعاصرُ الخمرِ من لؤمٍ بعنصره      ومـن خساسةِ طبعٍ يعصرُ الودكا
أم  كـيفَ يسلمُ من شركٍ ووالده      مـا نزّهت حملهُ هندٌ عن الشركا
لئن  جرت لفظةُ التوحيدِ في فمِه      فـسيفهُ  بـسوى التوحيدِ ما فتكا
قـد أصبحَ الدينُ منهُ شاكياً سقماً      ومـا  إلى أحدٍ غير الحسينِ شكا
فما رأى السبطُ للدينِ الحنيفِ شفاً      إلاّ  إذا دمـهُ فـي نـصرهِ سُفكا
ومـا  سـمعنا عليلاً لا علاجَ له      إلاّ بـنـفسِ مـداويهِ إذا هـلكا
بـقتلهِ فـاحَ للإسلامِ طيبُ هدىً      فـكلّما  ذكـرتهُ الـمسلمونَ ذكا(1)

ــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر ديوان سحر بابل وسجع البلابل ـ السيد جعفر الحلّي / 350 .

الصفحة (39)

هل انتصر الحسين ؟ ولمَنْ النصر؟

الإمام الحسين (عليه السّلام) إنسان عقائدي ، وصاحب مبدأ ، وحامل رسالة ، والإنسان الذي يتّصف بهذه الصفة هو إنسان فدائي لعقيدته ومبدئه ورسالته ، ويكون لديه الاستعداد الكامل للتضحية والبذل والفداء ؛ فهو لا يفكّر في البقاء والحياة إلاّ إذا كانت الحياة تكسب نصراً لعقيدته ورسالته ، وإذا كان الموت والفداء يحقّقان النصر للمعتقد وللهدف المنشود ، فالموت لديه أفضل من الحياة ، التي لا تقدّم نصراً للعقيدة والرسالة .
وهذا المفهوم تجسّد في الحسين (عليه السّلام) والحسين تجسّد فيه ، فهو سبط الرسول الأكرم محمّد (صلّى الله عليه وآله) الذي عرض عليه المشركون الدنيا بأبعادها ، قائلين لأبي طالب عمّه وناصره ، ومؤمن قريش : قل لابن أخيك : إن كان يريد مالاً أعطيناه مالاً لم يكن لأحد من قريش ، وإن كان يريد ملكاً توّجناه على العرب . . . إلخ .
فجاء إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فأخبره بمقالة القوم ، فاستعبر النبيّ قائلاً : (( يا عمّاه ، لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك فيه


الصفحة (40)

ما تركته ))(1) .
وهذا أبوه علي بن أبي طالب (عليه السّلام) الفدائي الأوّل للإسلام ، ولنبيّه محمد (صلّى الله عليه وآله) في كلّ الحروب والمواطن , وهذا عمّه حمزة سيد الشهداء ، وهذا أيضاً عمّه جعفر الطيار (رضوان الله عليهما) ، نصروا الإسلام بكلّ ما يملكون , فالموت في مفهوم هؤلاء الأبرار الشهداء حياة إذا نصروا المبدأ والعقيدة ، والحياة ممات إذا كانت بلا هدف ولا عقيدة .
فالحسين (عليه السّلام) ينطلق من مفهوم جدّه وأبيه وأعمامه الخيّرين ، فرأى لا بدّ أن يمزّق الخناق الذي فرضه يزيد على الإسلام ، ويغذّي شجرة الشريعة التي كادت أن تنضب وتجفّ في ظل الحكم الأموي وإن كان ذلك يسبب له إزهاق الأرواح ، وقتل الأنفس ، وجريان الدماء على وجه الأرض لترتوي الغصون الذابلة للشجرة الإسلاميّة من هذه الدماء الزكية ؛ دم الحسين وأهل بيته وأنصاره .
ولأنّه أيضاً جهاد في سبيل الله ونصرة دينه ، فاستجاب أبو الفداء الحسين لذلك ، ووقف في صبيحة عاشوراء يقدّم فتيانه من آله وأنصاره ضحية بعد ضحية ، وقرباناً بعد قربان , قائلاً :

ـــــــــــــ
(1) انظر تاريخ الكامل ـ ابن الأثير 2 / 43 .

الصفحة (41)

(( اللّهمّ إن كان هذا يرضيك فخذ حتّى ترضى )) ؛ ولأنّه يرى أنّ النصر لا يتمّ إلاّ بهذه القرابين وبهذه الضحايا . وأخيراً نرى الإمام الحسين (عليه السّلام) انتصر على عدوّه بعد استشهاده من ناحيتين :

الناحية الاُولى
إنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) كانت العامل الرئيسي الذي لعب دوراً هامّاً في كشف أباطيل الحكّام المنحرفين عن الخطّ الإسلامي السليم ، وانتزاع السلطة التشريعية من أيديهم بعد أن كان الخليفة يحكم ويشرّع كما يحبّ ويرغب وفق ميوله وأهوائه ، فيحرّم ما أحلّه الله ورسوله ، ويحلّل ما حرّم الله ورسوله .
فالإمام الحسين (عليه السّلام) استطاع بثورته الخالدة أن ينتزع تلكم السلطة من يد الخليفة المنحرف بأفكاره وسلوكه آنذاك ، وأفهم الرأي العام الإسلامي بأنّ الخليفة ليس له حقّ في تشريع أيّ حكم ، وإنّما التشريع منحصر في الكتاب والسنّة وما يؤدي إليهما ، كما قال تعالى : ( وَما كانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ


الصفحة (42)

 أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً )(1) .
ولولا ثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) لرأينا كثيراً من الأحكام الإسلاميّة قد غُيرت وبُدلت كما هو الحال في المسيحيّة وتحريف ديانتها .
ولكن الله تعالى حيث قد ضمن حفظ التشريع الإسلامي من الانحراف والضياع بقوله تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ )
(2) ؛ ولهذا ثار الحسين ليضع حدّاً للتلاعب بأحكام الشريعة الإسلاميّة الغرّاء من قبل المستهترين والحاقدين ، وبهذا انتصر الإمام الحسين (عليه السّلام) بثورته المباركة .

الناحية الثانية
إنّه قد يتبادر لذهن القارئ كيف انتصر الإمام الحسين مع أنّه قُتل ؟

والجواب قد يكون غريباً وغير مألوف لذهن السائل ; لأنّه على خلاف المفهوم المادي للنصر ، ولكن نقول : هناك معركة بين إرادتين :

ـــــــــــــــ
(1) سورة الأحزاب / 36 .
(2) سورة الحجر / 9 .

الصفحة (43)

1 ـ الإرادة الحسينيّة : وهي التي لم تملك إلاّ اليسير من العدّة والعدد ، مع الالتزام الكامل بالوسائل التي أباحها الإسلام .

2 ـ الإرادة الاُمويّة : وهي التي تتمتّع بالملك والسيطرة والمال ، والكثرة في العدد والعدّة ، مع إباحة جميع وسائل الإغراء والتمويه والتضليل ; لأنّها تبرّر وسائلها بغايتها ، والغاية تبرّر الوسيلة .
واصطدمت الإرادتان في مواقف عديدة فلم تُفلح الإرادة الاُمويّة بنجاح ، واستعملت كلّ طاقاتها وإمكانيّاتها لكي تُثني الإرادة الحسينيّة عن المُضي والاستمرار في هدفها وغايتها ، ولكنّها مُنيت بالفشل والخسران والهزيمة , وبقيت الإرادة الحسينيّة صامدة أمام تحدّيات الإرادة الاُمويّة ، ولكنّ الإرادة الاُمويّة جاءت لتجبر هزيمتها وخسارتها ، فاستعملت سلاحها وقوتها بكلّ حقد وضعة ووحشية ؛ فقتلت الرجال ومثّلت بهم حقداً وتشفيّاً .
ومع هذا كلّه بقيت إرادة الحسين (عليه السّلام) وشهدائه حيّة صامدة تهزأ بالعرش الأموي وجبروته ، وتُضعضع أركانه بين حين


الصفحة (44)

وآخر حتّى قضت على معنويته ووجوده وإرادته .
وهكذا كان النصر والفتح للحسين كما تنبّأ هو (عليه السّلام) في كتابه إلى بني هاشم قائلاً : (( أمّا بعد ، فإنّه مَنْ لحق بي منكم استشهد ، ومَنْ تخلّف لم يبلغ مبلغ الفتح , والسّلام ))
(1) .
وقال تعالى : ( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ )
(2) .
وأخيراً يا سيدي يا أبا عبد الله ، سلام الله عليك يوم ولدت ، ويوم استُشهدت من أجل الحقّ ، ويوم تُبعث حياً ، وسلام الله على المستشهدين بين يديك من أهلك وأصحابك .

ــــــــــــــ
(1) انظر الوثيقة رقم 18 من هذا الكتاب .
(2) سورة البقرة / 154 .

الصفحة (45)

 

رسائل وكتب متبادلة بين معاوية والإمام الحسين (عليه السّلام)

 

 


الصفحة (46)

 


الصفحة (47)

1 ـ جواسيس الاُمويِّين على الإمام الحسين (عليه السّلام)
الإمام الحسين (عليه السّلام) له شخصية جذّابة ، ومقام شامخ في وجدان الأمّة الإسلاميّة ؛ ولهذا كانت الشخصيات والوفود في العالم الإسلامي تفد عليه ، وتنهل من فيض علمه ; لأنّه سبط الرسول وريحانته ، ووريث علمه ، ممّا أوجب حقد السلطة الاُمويّة عليه ، والخوف منه ومن نشاطه ؛ ولهذا رُفعت التقارير السرية من قبل عيون وجواسيس معاوية في المدينة المنوّرة حول الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى معاوية في الشام .

تقرير مروان بن الحكم إلى معاوية
ومن جملة العيون والجواسيس التي عيّنها معاوية لمراقبة الإمام الحسين (عليه السّلام) هو مروان بن الحكم ، وكان عامل معاوية على المدينة فكتب إليه هذا التقرير : أمّا بعد ، فإنّ عمرو بن عثمان ذكر أنّ رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي ، وذكر أنّه لا يأمن وثوبه ، وقد بحثت عن ذلك فبلغني أنّه لا يريد الخلافة


الصفحة (48)

يومه هذا ، ولست آمن أن يكون هذا أيضاً لمَنْ بعده ، فاكتب إليّ برأيك في هذا والسلام(1) .

جواب معاوية لمروان
فلمّا وصل هذا التقرير لمعاوية كتب إليه ما يلي : أمّا بعد ، فقد بلغني كتابك ، وفهمت ما ذكرت فيه من أمر الحسين ، فإياك أن تتعرّض للحسين في شيء ، واترك حسيناً ما تركك ، فإنّا لا نريد أن نتعرّض له في شيء ما وفى ببيعتنا ، ولم ينازعنا سلطاننا ، فاكمن عنه ما لم يبد لك صفحته ، والسّلام(2) .

2 ـ رسالة معاوية إلى الإمام الحسين (ع)
ثمّ إنّ معاوية كتب رسالة إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) يحذره فيها من الخروج عن طاعته ، وهذه نصها : أمّا بعد ، فقد انتهت إليّ أمور عنك ، إن كانت حقّاً فقد أظنّك تركتها رغبة فدعها ، ولعمر الله إنّ مَنْ أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء ، وإن كان الذي بلغني عنّك باطلاً ، فإنّك أعزل

ـــــــــــــ
(1) انظر ناسخ التواريخ م6 ج1 / 254 .
(2) المصدر نفسه .

الصفحة (49)

الناس لذلك وعظ نفسك ، فاذكر وبعهد الله أوف ، فإنّك متى ما تنكرني أنكرك ، ومتى ما تكدني أكدك ، فاتق شقّ عصا هذه الأمّة ، وأن يوردهم الله على يديك في فتنة ، فقد عرفت الناس وبلوتهم ، فانظر لنفسك ولدينك ولأمّة محمّد ، ولا يستخفنّك السفهاء الذين لا يعلمون(1) .

3 ـ جواب الإمام الحسين (ع) لمعاوية
ولمّا وصل كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) ، أجابه الإمام بجواب لاذع ، يكشف فيه أعمال معاوية المنافية للإسلام وتعاليمه ، وإليك نصّه : (( أمّا بعد ، فقد بلغني كتابك تذكر أنّه قد بلغك عنّي اُمور أنت لي عنها راغب ، وأنا بغيرها عندك جدير ، فإنّ الحسنات لا يهدي لها ، ولا يسدّد إليها إلاّ الله .
وأمّا ما ذكرت أنّه انتهى إليك عنّي , فإنّه إنّما رقاه إليك الملاّقون المشّاؤون بالنميم ، وما أريد لك حرباً ، ولا عليك خلافاً ، وأيم الله إنّي لخائف لله في ترك ذلك ، وما أظنّ الله راضياً بترك ذلك ، ولا عاذراً بدون الإعذار فيه إليك ، وفي اُولئك

ـــــــــــــــــ
(1) المصدر نفسه / 255 .

الصفحة (50)

القاسطين الملحدين حزب الظلمة ، وأولياء الشياطين .
ألستَ القاتل حجراً أخا كندة ، والمصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع ، وَلا يَخافُونَ في الله لَوْمَةَ لائِم ، ثمّ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلّظة ، والمواثيق المؤكّدة ، ولا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ، ولا بإحنة تجدها في نفسك ؟
أولستَ قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه ، واصفرّ لونه ، بعدما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل ، ثمّ قتلته جرأةً على ربّك ، واستخفافاً بذلك العهد ؟

أولستَ المدّعي زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد ثقيف ، فزعمت أنّه ابن أبيك ، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : « الولد للفراش وللعاهر الحجر » , فتركت سنّة رسول الله تعمّداً ، وتبعت هواك بغير هدى من الله ، ثمّ سلّطته على العراقين يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم ، ويسمل أعينهم ، ويصلبهم على جذوع النخل ، كأنّك لست من هذه الاُأمّة ، وليسوا منك ؟
أولستَ صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سميّة


الصفحة (51)

أنّهم كانوا على دين علي صلوات الله عليه ، فكتبت إليه أن اقتل كلّ مَنْ كان على دين علي ، فقتلهم ومثّل بهم بأمرك ، ودين علي (عليه السّلام) واللهِ الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك ، وبه جلستَ مجلسك الذي جلستَ ، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين ؟
وقلت فيما قلت : « انظر لنفسك ولدينك ولأمّة محمّد ، واتّقِ شقّ عصا هذه الأمّة ، وأن تردهم إلى فتنة » ، وإنّي لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمّة من ولايتك عليها ، ولا أعلم نظراً لنفسي ولديني ولأمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) علينا أفضل من أن أجاهدك ، فإن فعلتُ فإنّه قربة إلى الله ، وإن تركتُه فإنّي استغفر الله لذنبي ، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري .

وقلت فيما قلت : « إنّي إن أنكرتك تنكرني ، وإن أكدك تكدني » ، فكدني ما بدا لك ؛ فإنّي أرجو أن لا يضرّني كيدك فيّ ، وأن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك ؛ لأنّك قد ركبت جهلك ، وتحرّصت على نقض عهدك . ولعمري ما وفيتَ بشرط ، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان , والعهود والمواثيق ، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقُتلوا ، ولم تفعل ذلك بهم إلاّ لذكرهم فضلنا ،


الصفحة (52)

وتعظيمهم حقّنا ، فقتلتهم مخافة أمر لعلّك لو لم تقتلهم متّ قبل أن يفعلوا ، أو ماتوا قبل أن يدركوا .
فابشر يا معاوية بالقصاص ، واستيقن بالحساب ، واعلم أنّ لله تعالى كتاباً
( لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها )(1) ، وليس الله بناس لأخذك بالظنّة ، وقتلك أولياءه على التهمة ، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة ، وأخذك الناس ببيعة ابنك غلام حَدَث ، يشرب الخمر ، ويلعب بالكلاب ، لا أعلمك إلاّ وقد خسرت نفسك ، وبترت دينك ، وغششت رعيتك ، وأخزيت أمانتك ، وسمعت مقالة السفيه الجاهل ، وأخفت الورع التقي لأجلهم ، والسلام ))(2) .

4 ـ رسالة معاوية الثانية للإمام الحسين (عليه السّلام)
جواسيس معاوية وعيونه يرفعون التقارير إلى معاوية حول الإمام الحسين (عليه السّلام) , واتصالات الناس به واجتماعه معهم ، ممّا يزيد في غيظ معاوية وحقده على الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فبعث للإمام بهذه الرسالة : إنّ مَنْ أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء ، وقد

ـــــــــــــــ
(1) سورة الكهف / 49 .
(2) انظر ناسخ التواريخ م ج1 / 257 ـ 258 .

الصفحة (53)

اُنبئت أنّ قوماً من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق ، وأهل العراق مَن قد جربت ؛ قد أفسدوا على أبيك وأخيك ، فاتق الله واذكر الميثاق ؛ فإنّك متى تكدني أكدك ، وإنّي لأظنّ أنّ في رأسك فروة ، فوددت أنّي أدركتها فافغرها لك .

5 ـ الإمام الحسين (ع) يردّ على معاوية
فلمّا وصل كتاب معاوية الثاني إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) فتأثّر منه ، وكتب إليه رادّاً عليه بقوله : (( أتاني كتابك ، وأنا بغير الذي بلغك عنّي جدير ، والحسنات لا يهدي لها إلاّ الله ، وما أردت لك محاربة ولا عليك خلافاً ، وما أظنّ أنّ لي عند الله عذراً في ترك جهادك ، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمّة .

ثمّ إنّك ولّيت عليهم ابنك وهو غلام يشرب الشراب ، ويلهو بالكلاب ، فخنت أمانتك ، وأخربت رعيتك ، ولم تؤدّ نصيحة ربّك ، فكيف تولّي على أمّة محمّد مَن يشرب المسكر وشارب المسكر من الفاسقين ، وشارب المسكر من الأشرار ؟ وليس شارب المسكر بأمين على درهم فكيف على الأمّة ؟ فعن قليل ترد على عملك حين تطوى صحائف الاستغفار ))(1) .

ـــــــــــــ
(1) تاريخ ابن عساكر ـ ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) / 197 ، دعائم الإسلام 2 / 132 , 468 ، موسوعة كلمات الحسين (عليه السّلام) / 258 ، تحقيق منظمة الإعلام الإسلامي .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى