|
الصفحة (54)
6 ـ الاجتماع الأوّل بين معاوية
والحسين (عليه السّلام) وعبد الله بن عباس في المدينة
المدينة المنوّرة تشهد اجتماعاً بين معاوية ، والإمام الحسين (عليه السّلام) وعبد الله
بن عباس ، حينما جاء معاوية إلى المدينة ; لأخذ البيعة لولده يزيد ، واجتمع مع
الإمام الحسين وابن عباس ، وذكر فضائل ولده ، وطلب منهما البيعة له ، فأراد ابن
عباس ردّه ، فأشار الإمام الحسين (عليه السّلام) إليه قائلاً :
(( على رسلك فأنا المراد ، ونصيبي
في التهمة أوفر )) .
فأمسك ابن عباس ، فقام الإمام الحسين رادّاً عليه ، وبعد أن حمد
الله وصلّى على رسوله قال : (( أمّا بعد يا معاوية ، فلن يؤدّي القائل وإن أطنب في صفة الرسول
(صلّى الله عليه وآله) من جميع جزءاً ، وقد فهمتُ ما لبستَ به الخلف بعد رسول الله من إيجاز الصفة ، والتنكّب عن استبلاغ البيعة ، وهيهات هيهات يا معاوية ! فضح الصبحُ فحمةَ الدُجى ،
وبهرت الشمس أنوار السُّرج ، ولقد فضلتَ حتّى أفرطتَ ، واستأثرتَ حتّى أجحفت ، ومنعتَ
حتّى بخلتَ ، وجِرتَ حتّى جاوزتَ ، ما بذلت لذي حقّ من أتمّ حقّه بنصيب حتّى أخذ
الصفحة (55)
الشيطان حظّه الأوفر ، ونصيبه الأكمل .
وفهمتُ ما ذكرته عن يزيد من اكتماله ، وسياسته لأمّة محمّد ، تريد أن توهم الناس في
يزيد كأنّك تصف محجوباً ، أو تنعت غائباً ، أو تُخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاصّ
، وقد دلّ يزيد من نفسه على مواقع رأيه ، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه
الكلاب المهارشة عند التحارش ، والحمام السبق لأترابهنّ ، والقينات ذوات المعازف ،
وضروب الملاهي تجده ناصراً ، ودع عنك ما تحاول ، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا
الخلق ، بأكثر ممّا أنت لاقيه .
فوالله ما برحت تقدر باطلاً في جور ، وحنقاً في ظلم حتّى ملأتَ الأسقية ، وما بينك
وبين الموت إلاّ غمضة ، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود ، ولات حين مناص !
ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر ، ومنعتنا عن آبائنا ، ولقد لعمر الله أورثنا الرسول
(صلّى الله عليه وآله) ولادةً ، وجئت لنا بها ما حججتم به القائم
عند موت الرسول ، فأذعن للحجّة بذلك ، وردّه الإيمان إلى النصف ، فركبتم الأعاليل ،
وفعلتم الأفاعيل ، وقلتم كان ويكون ، حتّى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك ، فهناك فاعتبروا
يا اُولي الأبصار .
وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وتأميره
الصفحة (56)
له ، وقد
كان ذلك ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول وبيعته له ، وما صار لعمرو يومئذ
حتّى أنف القوم إمرته ، وكرهوا تقديمه ، وعدّوا عليه أفعاله ، فقال (صلّى الله عليه
وآله) : لا جرم معشر المهاجرين ، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري .
فكيف يُحتج
بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الأحوال وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب ؟ أم كيف
صاحبت بصاحب تابع وحولك مَنْ لا يؤمن في صحبته ولا يعتمد في دينه وقرابته ؟
وتتخطّاهم إلى مسرف مفتون تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه ،
وتشقى بها في آخرتك ، إنّ هذا لهو الخسران المبين ، واستغفر الله لي ولكم ))(1) .
7 ـ الاجتماع الثاني بين معاوية والإمام الحسين
(عليه السّلام) في مكة
المكرّمة
أخذ معاوية يمهّد الجو لخلافة ولده يزيد ، وأخذ البيعة له عن طريق الإغراء والإكراه
، وجاء إلى مكّة المكرّمة لهذا الغرض ، واجتمع اجتماعاً خاصّاً مع الإمام الحسين
(عليه السّلام) ،
قائلاً له :
ـــــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة
1 / 186 ، أعيان الشيعة 1 / 583 ، الغدير 10 / 248 ، تأريخ اليعقوبي 2 / 228 .
الصفحة (57)
يا أبا عبد الله ، اعلم أنّي ما تركت بلداً إلاّ وقد بعثت إلى أهله فأخذت عليهم
البيعة ليزيد ، وإنّما أخّرت المدينة ; لأنّي قلت هم أصله وقومه وعشيرته ، ومَنْ لا
أخافهم عليه ، ثمّ إنّي بعثت إلى المدينة بعد ذلك فأبى بيعته مَنْ لا أعلم أحداً هو
أشدّ بها منهم ، ولو علمت أنّ لأمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) خير من ولدي يزيد لما
بعثت له .
فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( مهلا يا معاوية ! لا تقل هكذا
, أنا والله أحقّ بها منه ؛ فإنّ أبي خيرٌ من أبيه ، وجدّي خير من جدّه ، واُمّي خير من
اُمّه ، وأنا
خير منه )) .
فقال معاوية : أمّا ما ذكرت أنّ جدّك خير من جدّه فصدقت , رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) خير من أبي سفيان ؛ وأمّا ما ذكرت أنّ أمّك خير من اُمّه فصدقت ، فاطمة بنت
رسول الله خير من بنت بحدل ؛ وأمّا ما ذكرت أنّ أباك خير من أبيه ، فله سابقة وفضل
وقرابة من الرسول ليست لغيره من الناس , ولكن قارع أبوك أباه فقضى الله لأبيه
على أبيك ؛ وأمّا ما ذكرت أنّك خير منه ، فهو والله خير لأمّة محمّد (صلّى الله
عليه وآله) منك .
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( مَن خير لاُمّة محمّد ؟ يزيد الخمور والفجور ؟!
)) .
الصفحة (58)
فقال معاوية : مهلاً أبا عبد الله ! فإنّك لو ذُكرتَ عنده لما ذَكر منك إلاّ حسناً
.
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( إنْ علم منّي ما أعلمه منه أنا فليقل فيّ ما أقول
فيه )) .
فقال له معاوية مهدّداً : أبا عبد الله ، انصرف إلى أهلك راشداً ، واتق الله في نفسك
، واحذر أهل الشام أن يسمعوا منك ما قد سمعتُه ؛ فإنّهم أعداؤك وأعداء أبيك .
فانصرف الحسين (عليه السّلام) إلى منزله(1) .
8 ـ بين معاوية وواليه على المدينة سعيد بن العاص
عزل معاوية مروان بن الحكم من ولايته على المدينة المنوّرة واستبدل به سعيد بن
العاص ; لكي يحكم البيعة لولده يزيد ، وإجبار شخصيات أهل المدينة على ذلك .
وبعد أن استلم الولاية على المدينة ، كتب إلى معاوية هذه الرسالة : أمّا بعد ،
فإنّك أمرتني أن أدعو الناس لبيعة يزيد ابن أمير المؤمنين ، وأن أكتب إليك بمَنْ سارع
ممّن أبطأ ، وإنّي
ـــــــــــــــــــــ
(1) انظر مجمل ذلك في
كتاب الإمامة والسياسة 1 / 189 ، والغدير 10 / 250 ، ومجمع الزوائد 5 / 198 .
الصفحة (59)
أخبرك أن الناس عن ذلك بطاء ، لاسيما أهل البيت من بني هاشم
؛
فإنّه لم يجبني منهم أحد ، وبلغني عنهم ما أكره ، وأمّا الذي جاهر بعداوته وإبائه
لهذا الأمر فعبد الله بن الزبير ، ولست أقوى عليهم إلاّ بالخيل والرجال ، أو تقدم بنفسك فترى
رأيك في ذلك ، والسّلام(1) .
9 ـ معاوية يخدع ويمكر
اجتمع معاوية في مكة المكرّمة مع المعارضين لبيعة ولده يزيد
، وهم : الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الرحمان ابن أبي بكر ،
فهدّدهم وأنذرهم بالقتل ، وجعل على رأس كلّ واحد منهم رجلين من حرّاسه يحملان السيف ،
قائلاً : إن تكلّموا هؤلاء بكلمة أو تعقيباً على كلامه ، فاضربوا أعناقهم جميعاً ، ثمّ
قال معاوية للحسين والنفر المعارض معه :
فإنّي قد أحببت أن أتقدّم إليكم ؛ إنّه قد أعذر مَنْ أنذر ، إنّي كنت أخطب فيكم
فيقوم إليّ القائم منكم فيكذّبني على رؤوس الناس فأحتمل ذلك وأصفح ، وإنّي قائم
بمقالة ، فأقسم
ــــــــــــــــــــ
(1) الغدير 10 / 239 ،
موسوعة كلمات الإمام الحسين / 252 .
الصفحة (60)
بالله لئن ردّ عليّ أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة
غيرها حتّى يسبقها السيف إلى رأسه ، فلا يبقينّ رجل إلاّ على نفسه .
حرّاس معاوية يمتثلون أوامره
ثمّ تكلّم حرّاس معاوية بعد أن وضعوا أيديهم على سيوفهم ، قائلين له : يا
أمير المؤمنين ، ما هذا الذي تعظّمه من أمر هؤلاء الأربعة ؟ ائذن لنا أن نضرب
أعناقهم ؛ فإنّا لا نرضى أن يبايعوا سرّاً ، ولكن يبايعوا جهراً حتّى يسمع الناس
أجمعون .
فأجابهم معاوية قائلاً : سبحان الله ! ما أسرع الناس بالشرّ ، وما أحلى بقاءهم عندهم !
اتقوا الله يا أهل الشام ولا تسرعوا إلى الفتنة ؛ فإنّ القتل له مطالبة وقصاص .
معاوية يخطب أمام الناس مخادعاً
ثمّ إنّ معاوية قام ورقى المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : إنّ هؤلاء الرهط
سادة المسلمين وخيارهم ، لا يبتزّ أمر دونهم ، ولا يُقضى إلاّ عن مشورتهم ، وإنّهم قد
رضوا وبايعوا
الصفحة (61)
ليزيد ، فبايعوا على اسم الله . فبايع الناس ، وكانوا يتربّصون بيعة
هؤلاء النفر ، ثمّ ركب رواحله وانصرف إلى الشام .
وجاء أهل مكة إلى هؤلاء الأربعة وقالوا لهم : لماذا رضيتم وبايعتم ؟
فأجابهم الإمام الحسين (عليه السّلام) بقوله : (( لا والله ما بايعنا
, ولكنّ معاوية خدعنا وكادنا ببعض ما كادكم به
)) . ثمّ صعد
المنبر وتكلّم بكلام : (( وخشينا إن رددنا مقالته عليه أن تعود الفتنة جذعاً ، ولا
ندري إلى ما يؤول أمرنا ، فهذه قصّتنا معه ))(1) .
10 ـ الإمام الحسين
(عليه السّلام) يمهّد لثورته في أيام معاوية
في سنة 57 هجرية أعلن معاوية ولاية العهد لولده ، وأخذ البيعة له ، وأراد بهذا
الإعلان أن يمهّد لإمبراطورية اُمويّة لأسرته وعشيرته ، ممّا حدى بالمؤمنين الملتزمين
بخطّ الشريعة الإسلاميّة أن يعلنوا معارضتهم لهذا التعيين والتنصيب .
وفي طليعتهم
الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فأخذ يمهّد
ــــــــــــــــ
(1) الفتوح ـ ابن أعثم
4 / 348 ، موسوعة كلمات الإمام الحسين / 269 .
الصفحة (62)
الجو للمعارضة بمختلف الطرق السلمية
وغيرها ، فجاء إلى مكة ; لأداء فريضة العمرة والحجّ ، وعقد مؤتمراً عاماً في منى ،
وحضره ما يُقارب ألف نفر ، وكان هذا الجمع يمثّل كافة الطبقات من صحابة رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) ،
والتابعين ، ومن بني هاشم ، وشيعته ، ومواليه . فقام (عليه السّلام) خطيباً فيهم ، معلناً جرائم الحكم
الاُموي المغاير للكتاب والسنّة
، وفي نفس الوقت مبيناً فضائله وفضائل أهل البيت (عليهم السلام) ، وأحقيتهم بالحكم
والخلافة ، وإليك نصّه : (( أمّا بعد ، فإنّ هذا الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم
، ورأيتم وشهدتم
وبلغكم ، وإنّي أريد أن أسألكم عن أشياء ، فإن صدقت فصدّقوني ، وإن كذبت فكذّبوني ،
اسمعوا مقالتي ، واكتموا قولي ، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم مَنْ آمنتموه ووثقتم
به فادعوهم إلى ما تعلمون ؛ فإنّي أخاف أن يندرس هذا الحقّ ويذهب ، والله متم نوره
ولو كره الكافرون )) . قال سُليم : فكان فيما ناشدهم الحسين (عليه
السّلام) وذكّرهم
أنّ قال : (( اُنشدكم الله
أتعلمون أنّ علي بن أبي طالب كان أخا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين آخى بين
أصحابه ، فآخى بينه وبين نفسه وقال : أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة ؟
الصفحة (63)
قالوا : اللّهمّ نعم . قال : (( اُنشدكم الله هل تعلمون أنّ رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) اشترى موضع مسجده
ومنازله فابتناه ، ثمّ ابتنى فيه عشرة منازل تسعة له وجعل عاشرها في وسطها لأبي ، ثمّ
سدّ كلّ باب شارع إلى المسجد غير بابه ، فتكلّم في ذلك مَنْ تكلّم فقال (صلّى الله
عليه وآله) : ما أنا سددت أبوابكم وفتحت بابه ، ولكنّ الله أمرني بسدّ أبوابكم وفتح بابه
. ثمّ نهى الناس أن يناموا في المسجد غيره ، ومنزله في منزل رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) ، فولد لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وله فيه أولاد ؟ ))
.
قالوا : اللّهمّ نعم . قال : (( أفتعلمون أنّ عمر بن الخطّاب حرص على كوة قدر عينه يدعها من منزله إلى المسجد
فأبى عليه ، ثمّ خطب (صلّى الله عليه وآله) فقال : إنّ الله أمرني أن أبني مسجداً
طاهراً لا يسكنه غيري وغير أخي وابنيه ؟ )) .
قالوا : اللّهمّ نعم . قال : (( اُنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) نصّبه يوم غدير خم ،
فنادى له بالولاية وقال : ليبلّغ الشاهد الغائب ؟ )) .
قالوا : اللّهمّ نعم . قال : (( اُنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) قال له في غزوة تبوك :
أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، وأنت ولي كلّ
الصفحة (64)
مؤمن بعدي ؟
)) .
قالوا : اللّهمّ نعم . قال : (( اُنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) حين دعا النصارى من
أهل نجران إلى المباهلة ، لم يأت إلاّ به وبصاحبته وابنيه ؟ )) .
قالوا : اللّهمّ نعم . قال : (( اُنشدكم الله أتعلمون أنّه دفع إليه اللواء يوم خيبر ، ثمّ قال : لأدفعه إلى رجل
يحبّه الله ورسوله ، ويحبّ الله ورسوله ، كرّار غير فرّار ، يفتحها الله على يديه ؟
)) .
قالوا : اللّهمّ نعم . قال : (( أتعلمون أنّ رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) بعثه ببراءة ، وقال : لا يبلّغ
عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي ؟ )) .
قالوا : اللّهمّ نعم . قال : (( أتعلمون أنّ رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) لم تنزل به شدّة قط إلاّ قدّمه لها
؛ ثقة به ، وأنّه لم يدعه باسمه قطّ إلاّ أن يقول : يا أخي ، وادعو لي أخي ؟ )) .
قالوا :
اللّهمّ نعم . قال : (( أتعلمون أنّ رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) قضى بينه وبين جعفر وزيد ، فقال
له : يا علي أنت منّي وأنا منك ، وأنت وليّ كلّ مؤمن بعدي ؟ )) .
قالوا : اللّهمّ نعم . قال : (( أتعلمون أنّه كانت له من رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) كلّ يوم خلوة ، وكلّ
ليلة دخلة ، إذا سأله أعطاه ، وإذا سكت أبداه ؟ )) .
قالوا : اللّهمّ نعم .
الصفحة (65)
قال : (( أتعلمون أنّ رسول الله (صلّى
الله عليه وآله) فضّله على جعفر وحمزة ، حين قال
لفاطمة (عليها السلام) : زوجتك خير أهل بيتي ، أقدمهم سلماً ، وأعظمهم حلماً ،
وأكثرهم علما ؟ )) .
قالوا : اللّهمّ نعم . قال : (( أتعلمون أنّ رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) قال : أنا سيد ولد آدم ، وأخي علي
سيد العرب ، وفاطمة سيدة نساء أهل الجنّة ، وابناي الحسن والحسين سيدا شباب أهل
الجنة ؟ )) .
قالوا : اللّهمّ نعم . قال : (( أتعلمون أنّ رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) أمره بغسله ، وأخبره أن جبرئيل
يعينه عليه ؟ )) .
قالوا : اللّهمّ نعم . قال : (( أتعلمون أنّ رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) قال في آخر خطبة خطبها : إنّي تركت
فيكم الثقلين ؛ كتاب الله وأهل بيتي ، فتمسكوا بهما لن تضلوا ؟ )) .
قالوا : اللّهمّ نعم . فلم يدع شيئاً أنزله الله في علي بن أبي طالب
(عليه السّلام) خاصّة ، وفي أهل بيته
من القرآن وعلى لسان نبيه (صلّى الله عليه وآله) إلاّ ناشدهم فيه ، فيقول الصحابة :
اللّهمّ نعم ، قد سمعنا . ويقول التابعي : اللّهم قد حدّثنيه مَن أثق به فلان وفلان . ثمّ ناشدهم أنّهم قد سمعوه
(صلّى الله عليه وآله) يقول :
(( مَنْ زعم أنّه يحبّني ويبغض
علياً فقد كذب ، ليس يحبّني وهو يبغض
الصفحة (66)
علياً )) . فقال له قائل : يا رسول الله
, وكيف ذلك ؟
قال : (( لأنّه منّي وأنا منه ، مَنْ أحبّه فقد أحبني ، ومَن أحبّني فقد أحب الله ، ومَنْ
أبغضه فقد أبغضني ، ومَنْ أبغضني فقد أبغض الله )) . فقالوا : اللّهمّ نعم ، قد سمعنا .
وتفرقوا على ذلك(1) .
11 ـ بين يزيد بن معاوية وواليه على المدينة
فلمّا امتنع الحسين (عليه السّلام) عن مبايعة يزيد بن معاوية ، كتب واليه على المدينة الوليد بن
عتبة كتاباً جاء فيه : بسم الله الرحمن الرحيم . إلى عبد الله يزيد أمير المؤمنين
، من الوليد بن عتبة بن أبي سفيان . أما بعد ، فإنّ الحسين بن علي ليس يرى لك
خلافةً ولا بيعة فما رأيك في أمره ، والسلام .
فلمّا وصل الكتاب إلى يزيد بن معاوية ، أرسل إليه جوابه : أمّا بعد ، فإذا أتاك
كتابي هذا ، فعجّل عليّ بجوابه ، وبيّن لي في كتابك كلّ مَنْ في طاعتي ، أو خرج عنها
، ولكن مع الجواب رأس الحسين بن علي ، والسلام(2) .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر ناسخ
التواريخ م6 ج1 / 11 ـ 12 ، الغدير 1 / 198 ، وكتاب سليم بن قيس / 6 .
(2) ناسخ التواريخ م6
ج1 / 391 .
الصفحة (67)
الإمام الحسين
(عليه السّلام) يعلن
معارضته للحكم الاُموي
الصفحة (68)
الصفحة (69)
12 ـ إعلان الحسين (عليه السّلام) لثورته
وهو أوّل بيان للحسين (عليه السّلام) للثورة على يزيد بن معاوية ، وذلك عندما طلب
منه والي يزيد على المدينة ـ الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ـ مبايعة يزيد بالخلافة بعد
هلاك معاوية ، فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( أيّها الأمير ، إنّا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح
الله وبنا ختم . ويزيد رجل فاسق ، شارب للخمر ، قاتل النفس المحترمة ، معلن للفسق ،
ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة
والبيعة ))(1) .
13 ـ بين مروان ووالي يزيد
لمّا أبى الحسين (عليه السّلام) مبايعة يزيد ، قال مروان للوليد احبس حسيناً ، ولا
يخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه . فوثب الحسين (عليه السّلام) قائلاً :
(( يابن
الزرقاء ، أنت تقتلني أم هو ؟! كذبت والله وأثمت )) . ثمّ خرج (عليه
السّلام)
، فقال
مروان للوليد :
ـــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين ـ
محسن الأمين / 23 .
الصفحة (70)
عصيتني ! لا والله لا يمكنك من مثلها من نفسه أبداً .
فقال الوليد : وبخ غيري يا مروان ، إنّك اخترت لي التي فيها هلاك ديني ، والله ما
أحبّ أنّ لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وإنّي قتلت حسيناً
. سبحان الله ! أقتل حسيناً أن قال : لا اُبايع ؟! والله إنّي لا أظنّ امرأً يحاسب بدم
حسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة ، ولا ينظر الله إليه ، ولا يزكيه وله
عذابٌ أليم(1) .
14 ـ مروان بن الحكم والحسين (عليه السّلام)
ولمّا كان اليوم الثاني واجه مروان الحسين (عليه السّلام) في الطريق ، وقال لأبي
عبد الله : إنّي لك ناصح فأطعني ترشد وتسدّد .
فقال الحسين (عليه السّلام) :
(( وما ذاك
؟ قل حتّى أسمع )) .
فقال مروان : أرشدك لبيعة يزيد بن معاوية ؛ فإنّها خير لك في
دينك وفي دنياك .
قال : فاسترجع الحسين (عليه السّلام) وقال :
(( إنّا لله وإنّا إليه
راجعون ، وعلى الإسلام السّلام إذا بليت الأمّة براع مثل يزيد )) . ثم قال :
(( يا مروان ،
أترشدني لبيعة يزيد ويزيد رجل فاسق ؟ لقد قلت شططاً من القول وزللاً ، ولا ألومك
؛
فإنّك
ــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 /
252 .
الصفحة (71)
اللعين الذي لعنك رسول الله وأنت في صلب أبيك الحكم بن العاص ، ومَنْ لعنه
رسول الله فلا ينكر منه أن يدعو لبيعة يزيد .
إليك عنّي يا عدوّ الله ، فإنّا أهل
بيت رسول الله ، الحقّ فينا ينطق على ألستنا ، وقد سمعت جدّي رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) يقول : الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان الطلقاء ، وأبناء الطلقاء .
وقال : فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه )) . قال (عليه السّلام) :
(( ولقد
رآه أهل المدينة على منبر رسول الله فلم يفعلوا به ما اُمروا ، فابتلاهم بابنه
يزيد ))(1) الحديث .
15 ـ الإمام الحسين (عليه السّلام) يودّع قبر جدّه رسول
الله
قبل أن يهمّ بالخروج من المدينة ذهب الإمام الحسين (عليه السّلام) لوداع قبر جدّه
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فانحنى على القبر باكياً ، فأخذته خفقة نوم
وإذا بجدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يأتيه في عالم الرؤيا ، قائلاً له :
((
حبيبي يا حسين ، كأنّي أراك عن قريب مرملاً
ــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرج الخطيب موفق
بن أحمد المالكي الخوارزمي الحنفي في كتابه مقتل الحسين 1 / 184 ، طبع النجف الأشرف
، 1367 هـ ، وناسخ التواريخ م6 ج1 / 387 ، وكتاب المهدي الموعود المنتظر عند علماء
أهل السنة / 304 .
الصفحة (72)
بدمائك ، مذبوحاً بأرض كرب وبلاء ، من
عصابة من اُمّتي ، وأنت مع ذلك عطشان لا تُسقى ، وظمآن لا تُروى ، وهم مع ذلك يرجون
شفاعتي ، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة . حبيبي يا حسين ، إنّ أباك واُمّك وأخاك
قدموا عليّ ، وهم مشتاقون إليك ، وإنّ لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلاّ
بالشهادة )) .
فأجابه الحسين (عليه السّلام) في عالم الرؤيا أيضاً قائلاً :
(( يا جدّاه ، لا حاجة لي في الرجوع إلى
الدنيا ، فخذني إليك ، وأدخلني معك في قبرك )) . فقال له رسول الله :
(( لا بدّ لك من
الرجوع إلى الدنيا حتّى تُرزق الشهادة ، وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم
؛ فإنّك وأباك وأخاك وعمّك وعمّ أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتّى تدخلوا
الجنّة ))(1) .
16 ـ خروج الحسين (عليه السّلام) من المدينة
إلى مكة
وكان خروجه (عليه السّلام) من المدينة ليلة الأحد ، ليومين بقيا من رجب سنة 60هـ(2)
،
فإنّه (عليه السّلام) جاء إلى قبر جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فصلّى ركعات
،
ـــــــــــــــــــــــ
(1) انظر ناسخ
التواريخ م6 ج2 / 4 و5 .
(2) تاريخ الطبري 4 /
220 .
الصفحة (73)
وقال : (( اللّهمّ هذا قبر نبيك محمّد
(صلّى الله عليه وآله) ، وأنا ابن بنت نبيّك ،
وقد حضرني من الأمر ما قد علمت . اللّهمّ إنّي أحبّ المعروف وأنكر المنكر ، وأنا
أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقّ القبر ومَنْ فيه إلاّ ما اخترت لي ما هو لك رضاً ،
ولرسولك رضاً )) .
وفي حديث عمّار ، أنّه قال : (( بأبي أنت وأمّي يا رسول الله ، لقد خرجتُ من جوارك
كرهاً ، وفُرّق بيني وبينك ، واُخذت قهراً أن اُبايع يزيد ، شارب الخمور ، وراكب
الفجور ، وإن فعلت كفرت ، وإن أبيت قُتلت ، فها أنا خارج من جوارك كُرهاً ، فعليك
منّي السلام يا رسول الله ))(1) .
17 ـ وصية الحسين (عليه السّلام)
وكتب (عليه السّلام) وصية إلى أخيه محمّد بن الحنفية :
(( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
. هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب
إلى أخيه محمّد المعروف بابن الحنفية : إنّ الحسين يشهد أن لا إله إلاّ الله ،
وحده لا شريك له ، وأنّ محمداً عبده ورسوله ، جاء بالحقّ من عند الحقّ ، وأنّ الجنّة
والنار حقّ ، وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ، وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ
مَنْ فِي
ــــــــــ
(1) مقتل أبي مخنف /
15 .
الصفحة (74)
القُبُورِ ، وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا مفسداً ولا ظالماً ،
وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي (صلّى الله عليه وآله) ؛ اُريد أن آمر بالمعروف
، وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب ، فمَنْ قبلني بقبول
الحقّ فالله أولى بالحقّ ، ومَنْ ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم
بالحقّ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِين . وهذه وصيتي يا أخي إليك ، وَما تَوْفِيقِي
إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ اُنِيبُ ))(1) . وختمها بخاتمه الشريف .
18 ـ كتاب الحسين (عليه السّلام) إلى بني هاشم
ولمّا سار الحسين (عليه السّلام) بإخوته وبني أخيه ، وجلّ أهل بيته إلى مكة ، وجّه
كتاباً إلى بني هاشم ، هذا نصّه : (( بسم الله الرحمن الرحيم
. من الحسين بن علي بن
أبي طالب إلى بني هاشم , أمّا بعد ، فإنّه مَنْ لحق بي منكم استشهد ، ومَنْ تخلّف لم
يبلغ مبلغ الفتح ، والسّلام ))(2) .
19 ـ دخول الحسين (عليه السّلام) إلى مكة
لمّا خرج الإمام (عليه السّلام) من المدينة سلك الطريق الأعظم ، فقيل
ــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 44 /
330 ، مقتل الحسين ـ الخوارزمي 1 / 88 ، الفصل التاسع .
(2) انظر عبرة
المؤمنين ـ جواد شبّر / 17 .
الصفحة (75)
له :
لو تنكّبت عن الطريق الأعظم ، كما فعل ابن الزبير ، فقال :
(( لا والله لا أفارقه حتّى يقضي الله ما هو قاض )) . ثمّ تلا قوله
تعالى : ( فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ
الظّالِمِينَ )(1) .
ودخل مكّة وهو يتلو : ( وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ
يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ )(2) .
فوصل إليها ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان ، وأقام (عليه السّلام)
باقي شعبان وشهر رمضان ، وشوال وذي القعدة ، وثمان ليالي من
ذي الحجّة(3) .
20 ـ الحسين (عليه السّلام) مع عبد الله بن عباس
ثمّ إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) اجتمع في مكة المكرّمة مع عبد الله بن عباس
حينما طلب منه عدم الخروج ، فقال له الحسين (عليه السّلام) :
(( هل أنا أبايع يزيد
وادخل في صلحه وقد قال النبي (صلّى الله عليه وآله) فيه وفي أبيه ما قال ؟! )) .
ـــــــــــــــ
(1) سورة القصص / 21 .
(2) سورة القصص / 22 .
(3) تاريخ الطبري 4 /
261 .
الصفحة (76)
فقال ابن عباس : صدقت أبا عبد الله ، قال النبي (صلّى الله عليه
وآله) في حياته :
((
ما لي وليزيد ، لا بارك الله في يزيد , وإنّه يقتل ولدي وولد ابنتي الحسين . والذي
نفسي بيده ، لا يقتل ولدي بين ظهراني قوم فلا يمنعونه إلاّ خالف الله بين قلوبهم
وألسنتهم )) .
وبكى ابن عباس والحسين ، والتفت إليه قائلاً : (( يابن عباس
، أتعلم أنّي ابن بنت رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) ؟ )) .
فقال ابن عباس : اللّهمّ نعم ، نعلم ما في الدنيا أحد هو ابن بنت رسول الله (صلّى
الله عليه وآله) غيرك ، وأنّ نصرك لفرض على هذه الأمّة كفريضة الصلاة والزكاة
التي لا تُقبل إحداهما دون الاُخرى .
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( يابن عباس ، ما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول الله
(صلّى الله عليه وآله) من داره وقراره ، ومولده وحرم رسوله ، ومجاورة قبره
ومسجده ، وموضع مهاجره ، فتركوه خائفاً مرعوباً لا يستقر في قرار ، ولا يأوي في
موطن ، يريدون في ذلك قتله وسفك دمه ، وهو لم يشرك بالله شيئاً ، ولا اتّخذ من
دونه ولياً ، ولم يغيّر عمّا كان عليه رسول الله ؟ )) .
فأجابه ابن عباس مصدّقاً قوله وكلامه بقوله : ما أقول
الصفحة (77)
فيهم إلاّ أنّهم كفروا
بالله ورسوله ، ولا يأتون الصلاة إلاّ وهم
( كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ
قَلِيلاً
* مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاَءِ وَمَنْ
يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً )(1) . وعلى مثل هؤلاء تنزل البطشة الكبرى . وأمّا أنت يابن بنت رسول الله ، فإنّك
رأس الفخار برسول الله ، فلا تظنّ يابن بنت رسول الله أن الله غافل عمّا يعمل
الظالمون . وأنا أشهد أنّ مَنْ رغب عن مجاورتك ، وطمع في محاربتك ومحاربة نبيّك محمّد
فما له من خلاق .
ثمّ إنّ عبد الله بن عباس أبدى استعداده لمناصرة الحسين (عليه السّلام) قائلاً : جعلت
فداك يابن بنت رسول الله ، كأنّك تريدني إلى نفسك ، وتريد منّي أن أنصرك . والله الذي
لا إله إلاّ هو ، أن لو ضربت بين يديك بسيفي هذا بيدي حتّى انخلعا جميعاً من كفّي
لما كنت ممّن أوفى من حقّك عشر العشر ، وها أنا بين يديك مرني بأمرك .
وصية الحسين (عليه السّلام) لابن عباس
وأقبل الحسين (عليه السّلام) على ابن عباس فعهد إليه بهذه الوصية قائلاً :
(( وأنت يابن عباس ابن عمّ أبي ، لم تزل تأمر بالخير منذ عرفتك ، وكنت مع أبي تشير عليه بما
فيه الرشاد
ـــــــــــ
(1) سورة النساء / 142 ـ 143 .
الصفحة (78)
والسداد ، وقد كان أبي يستصحبك ويستنصحك ويستشيرك ، وتشير عليه بالصواب
، فامضِ إلى المدينة في حفظ الله ، ولا تخفِ عليّ شيئاً من أخبارك ؛ فإنّي مستوطن هذا
الحرم ومقيم به ما رأيت أهله يحبّوني وينصروني ، فإذا هم خذلوني استبدلت بهم
غيرهم ، واستعصمت بالكلمة التي قالها إبراهيم يوم اُلقي في النار :
( حَسْبُنَا
اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) ، فكانت النار عليه برداً وسلاماً
))(1) .
21 ـ كتب ورسل أهل الكوفة إلى الحسين (عليه
السّلام)
ولمّا وصل إلى أهل الكوفة نبأ هلاك معاوية ، ومعارضة الإمام الحسين (عليه السّلام)
لحكم يزيد ، ومجيئه إلى مكة ، اجتمع نفر منهم في دار سليمان بن صرد الخزاعي(2) ، ولمّا
استقر بهم المجلس قام سليمان فيهم خطيباً ، وقال في آخر خطبته :
يا معشر الشيعة ، إنّكم قد علمتم بأنّ معاوية قد هلك وصار إلى ربّه ، وقدم على عمله
، وقد قعد في موضعه ابنه
ــــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين ـ
الخوارزمي 1 / 193 ، حياة الإمام الحسين 2 / 319 ـ 321 .
(2) المصدران نفساهما .
الصفحة (79)
يزيد , وهذا الحسين بن علي (عليهما السّلام) قد خالفه ، وصار
إلى مكة هارباً من طواغيت آل أبي سفيان ، وأنتم شيعته وشيعة أبيه من قبله , وقد
احتاج إلى نصرتكم اليوم ؛ فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا
إليه ، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغرّوا الرجل من نفسه(1) .
قال المجتمعون : بل نقاتل عدوّه ، ونقتل أنفسنا دونه . ثمّ أرسلوا وفداً منهم أبو عبد الله الجدلي يحمل كتاباً
إلى الحسين (عليه السّلام) ، وهذا نصّه :
بسم الله الرحمن الرحيم . للحسين بن علي (عليهما السّلام) ، من سليمان بن صرد ,
والمسيّب بن نجية ، ورفاعة بن شداد البجلي , وحبيب بن مظاهر ، وشيعته من المؤمنين
المسلمين ، سلام عليك .
أمّا بعد ، فالحمد لله الذي قصم عدوّك وعدوّ أبيك من قِبل الجبّار ، العنيد الغشوم
الظلوم ، الذي انتزى على هذه الأمّة فابتزّها أمرها , وغصبها فيئها ، وتأمّر عليها بغير رضاً منها ، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها ، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها
وعتاتها ، فبعداً له كما بعُدت ثمود !
ـــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين ـ
محسن الأمين / 30 ، تاريخ الطبري 4 / 261 .
الصفحة (80)
وإنّه ليس علينا إمام غيرك ، فاقبِل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى والحقّ
. والنعمان بن بشير في قصر الإمارة , ولسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد
، ولو قد بلغنا أنّك قد أقبلت أخرجناه حتّى نلحقه بالشام إن شاء الله تعالى ،
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته يابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وعلى أبيك من
قبلك ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم(1) .
فوصل الكتاب إلى الحسين (عليه السّلام) لعشر من شهر رمضان وهو في
مكة ,
ثمّ بعثوا إليه كتباً اُخرى بيد هاني بن هاني السبيعي ، وسعيد بن عبد الله الحنفي ،
وهذا نصّها : بسم الله الرحمن الرحيم . للحسين بن علي (عليهما السّلام) ، من شيعته
من المؤمنين والمسلمين . أمّا بعد ، فحيهلا ، فإنّ الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك ،
فالعجل العجل ، والسّلام(2) .
ثمّ أرسل معهما شبث بن ربعي ، وحجار بن أبجر ، ويزيد بن الحارث ، ويزيد بن رويم ،
وعروة بن قيس ، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي ، ومحمّد بن عمير التميمي كتاباً أيضاً
إلى
ــــــــــــــــــــ
(1) انظر مقتل الحسين
ـ محسن الأمين / 30 ، تاريخ الطبري 4 / 262 .
(2) تاريخ الطبري 4 /
262 ، مقتل الحسين ـ محسن الأمين / 31 .
الصفحة (81)
الحسين (عليه السّلام) ، وهذا نصّه :
أمّا بعد ، فقد أخضر الجناب ، وأينعت الثمار ، وطمث الجمام ، فإذا شئت فأقدم على
جند لك مجنّدة ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ، وعلى أبيك من قبل(1) .
ثمّ توالت الكتب والرسائل على الحسين (عليه السّلام) حتّى بلغت اثني عشر ألف كتاب .
22 ـ جواب الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى أهل الكوفة
والإمام (عليه السّلام) لم يجب على تلكم الرسائل والكتب التي وصلته إلاّ بعد أن
صلّى ركعتين بين الركن والمقام ، وسأل الله الخيرة في ذلك ، ثمّ كتب كتاباً إلى أهل
الكوفة ، وهو جواب على كتبهم ، وأرسله مع هاني بن عروة وسعيد بن عبد الله ، وهذا
نصّه : (( بسم الله الرحمن الرحيم . من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين
.
أمّا بعد ، فإنّ هانئاً وسعيداً قدما عليّ بكتبكم ، وكانا آخر من قدِم عليّ من رسلكم ،
وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم
ــــــــــ
(1) المصدران نفساهما .
الصفحة (82)
وذكرتم ، ومقالة جلكم : أنّه ليس علينا إمام ، فأقبل لعلّ
الله أن يجمعنا بك على الحقّ والهدى .
وأنا باعث إليكم أخي وابن عمّي ، وثقتي من أهل بيتي مسلم ابن عقيل ، وأمرته أن
يكتب إليّ بحالكم وأمركم ورأيكم ، فإن كتب إليّ بأنّه قد أجمع رأي ملئكم ، وذوي
الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم ، وقرأت في كتبكم ، فإنّي أقدم
إليكم وشيكاً إن شاء الله ، فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب ، القائم بالقسط
، الدائن بدين الحقّ ، الحابس نفسه على ذلك لله ، والسّلام ))(1) .
وقيل : ثمّ نادى مسلم بن عقيل (رضوان الله عليه) وأمره بالتقوى ، وكتمان أمره واللطف ،
فإن رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجّل إليه .
23 ـ كتاب مسلم إلى الحسين (عليه السّلام)
ولمّا وصل مسلم (عليه السّلام) الكوفة نزل دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي ،
وأقبل الناس يختلفون إليه بالبيعة
ــــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين ـ
محسن الأمين / 33 ، تاريخ الطبري 4 / 262 .
(2) تاريخ الطبري 4 /
263 ـ 264 .
الصفحة (83)
للحسين (عليه السّلام) جماعة جماعة ، وهو يقرأ
عليهم كتاب الحسين فيبكون ، ثمّ قام عابس بن أبي شبيب الشاكري (رضوان الله عليه)
فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد ، فإنّي لا أخبرك عن الناس ، ولا أعلم ما
في أنفسهم وما أغرّك منهم . والله اُحدّثك عمّا أنا موطّن نفسي عليه ، والله لأجيبنّكم
إذا دعوتم ، ولأقاتلنّ معكم عدوّكم ، ولأضربنّ بسيفي دونكم حتّى ألقى الله ، لا اُريد
بذلك إلاّ ما عند الله .
ثمّ قام حبيب بن مظاهر (رحمة الله عليه) وقال : رحمك الله ، قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك
. ثمّ قال : وأنا والله الذي لا إله إلاّ هو على مثل ما هذا عليه
.
ثمّ تكلّم الحاضرون بمثل ذلك .
ولمّا رأى مسلم إقبال الناس عليه ومبايعتهم للحسين (عليه السّلام) ، كتب كتاباً
للحسين (عليه السّلام) يقول فيه : أمّا بعد ، فإنّ الرائد لا يكذب أهله ، وإنّ جميع
أهل الكوفة معك ، وقد بايعني منهم ثمانية عشر ألفاً ، فعجّل الإقبال حين تقرأ كتابي
هذا ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته(1) . وبعثه مع قيس بن مسهر الصيداوي .
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 /
281 .
الصفحة (84)
24 ـ كتاب الحسين (عليه السّلام) إلى رؤساء الأخماس
والأشراف بالبصرة
ثمّ إنّ الحسين (عليه السّلام) وجّه كتاباً آخر إلى رؤساء البصرة وزعمائها ، وأرسله
مع مولى له ( سليمان ) يُكنّى أبا رزين ، أو مع ذراع السدوسي إلى كلّ من مالك بن
مسمع البكري ، والأحنف بن قيس ، والمنذر بن الجارود العبدي ، وقيس بن الهيثم ،
ويزيد بن مسعود النهشلي وغيرهم ، جاء فيه :
(( أمّا بعد ، فإنّ الله اصطفى محمّداً (صلّى الله عليه
وآله) على خلقه ، وأكرمه
بنبوّته ، واختاره لرسالته ، ثمّ قبضه الله إليه وقد نصح لعباده ، وبلغ ما أرسل به
(صلّى الله عليه وآله) ، وكنّا أهله وأولياءه , وأوصياءه وورثته ، وأحقّ الناس بمقامه في
الناس ، فاستأثر علينا قومنا بذلك ، فرضينا وكرهنا الفرقة ، وأحببنا العافية ، ونحن
نعلم أنّا أحق بذلك الحقّ المستحق علينا ممّن تولاّه .
وقد بعثت رسولي إليكم بهذا
الكتاب ، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله) ؛ فإنّ السنّة
قد اُميتت ، وإنّ البدعة قد اُحييت ، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري ، أهدكم سبيل
الرشاد ، والسلام عليكم ورحمة الله ))(1) .
ــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين ـ عبد
الرزاق المقرّم / 159 ، تاريخ الطبري 4 / 266 .
الصفحة (85)
25 ـ جواب أهل البصرة للحسين (عليه السّلام)
ولمّا وصل الكتاب إلى يزيد بن مسعود النهشلي ، جمع قبائل بني تميم
، وبني حنظلة ، وبني
سعد ، وقال لهم : كيف ترون موضعي فيكم وحسبي منكم ؟
فقالوا : بخ بخ ! أنت والله فقرة
الظهر ، ورأس الفخر ، حللت في الشرف وسطاً ، وتقدّمت فيه فرطاً .
قال : فإنّي قد جمعتكم
لأمر أريد أن أشاوركم فيه ، وأستعين بكم عليه . فقالوا : إنّا والله نمنحك النصيحة
، ونجهد لك الرأي ، فقل حتّى نسمع .
فقال (رضوان الله عليه) : « إنّ معاوية مات ، فأهون به والله هالكاً ومفقوداً ، ألا
وإنّه قد انكسر باب الجور والإثم ، وتضعضعت أركان الظلم ، وكان قد أحدث بيعة عقد
بها أمراً ظنّ أنّه قد أحكمه ، وهيهات الذي أراد ! اجتهد والله ففشل ، وشاور فخذل .
وقد قام ابنه يزيد شارب الخمور ، ورأس الفجور ، يدّعي الخلافة على المسلمين ، ويتأمّر
عليهم بغير رضاً منهم ، مع قصر حلم وقلّة علم ، لا يعرف من الحقّ موطئ قدميه ، فأقسم
بالله قسماً مبروراً ، لجهاده على الدين أفضل من جهاد المشركين .
الصفحة (86)
وهذا الحسين بن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذو الشرف الأصيل ، والرأي الأثيل ،
له فضل لا يوصف ، وعلم لا ينزف ، وهو أولى بهذا الأمر ؛ لسابقته ، وسنّه ، وقدمه ،
وقرابته . يعطف على الصغير ويحنوا على الكبير ، فأكرم به راعي رعية ، وإمام قوم ،
وجبت لله به الحجّة ، وبلغت به الموعظة ؛
فلا تعشوا عن نور الحقّ ، ولا تسكعوا في وهد الباطل ، فقد كان صخر بن قيس انخذل بكم
يوم الجمل ، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ونصرته .
والله ، لا يقصّر أحد عن نصرته إلاّ أورثه الله تعالى الذلّ في ولده ، والقلّة في
عشيرته . وها أنا ذا قد لبست للحرب لامتها ، وأدرعت لها بدرعها . مَنْ لم يُقتل يمت ،
ومَنْ يهرب لم يفت ، فأحسنوا رحمكم الله ردّ الجواب »(1) .
فأجابته بنو حنظلة بقولها : « يا أبا خالد ، نحن نبل كنانتك ، وفرسان عشيرتك ، إن
رميت بنا أصبت ، وإن غزوت بنا فتحت ، لا تخوض والله غمرة إلاّ خضناها ، ولا تلقى
والله شدّة إلاّ لقيناها ، ننصرك والله بأسيافنا ، ونقيك بأبداننا إذا شئت » .
ثم تكلّم بنو سعد بن يزيد ، فقالوا : « يا أبا خالد ، إنّ أبغض
ــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين ـ عبد
الرزاق المقرّم / 161 .
الصفحة (87)
الأشياء إلينا خلافك
والخروج من رأيك ، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال ، فحمدنا رأيه ، وبقي عزّنا
فينا ، فأمهلنا نراجع الرأي ونحسن المشهورة » .
فقال يزيد بن مسعود : « والله يا بني سعد ، لئن فعلتموها لا رفع الله السيف عنكم
أبداً ، ولا زال سيفكم فيكم .
ثمّ قالت بنو عامر بن تميم : يا أبا خالد ، نحن بنو أبيك وحلفاؤك ، لا نرضى إن غضبت ،
ولا نقطن إن ظعنت ، والأمر إليك ، فادعنا نجبك ، وأمرنا نطعك ، والأمر لك إذا شئت »
.
26 ـ جواب ابن مسعود إلى الحسين (عليه
السّلام)
ثمّ إنّ يزيد بن مسعود (رضوان الله عليه) كتب جواباً على رسالة الحسين (عليه
السّلام)
جاء فيه : « بسم الله الرحمن الرحيم . أمّا بعد ، فقد وصل كتابك ، وفهمت ما ندبتني
إليه ودعوتني له من الأخذ بحظّي من طاعتك ، والفوز بنصيبي من نصرتك ، وإنّ الله لم
يخل الأرض قطّ من عامل عليها بخير ، أو دليل على سبيل نجاة .
وأنتم حجّة الله على
خلقه ، ووديعته في أرضه ، تفرّعتم من زيتونة أحمدية هو أصلها وأنتم فرعها , فأقدم
سُعدتَ بأسعد طائر ؛ فقد ذلّلتُ لك أعناقَ بني تميم ، وتركتهم أشدّ تتابعاً في طاعتك
من الإبل الظماء لورود الماء يوم
الصفحة (88)
خمسها ، وقد ذلّلت لك رقاب بني سعد , وغسلت درن
صدورها بماء سحابة مزن حين استهلّ برقها ، والسّلام »(1) .
ووصل كتابه هذا إلى الحسين (عليه السّلام) في اليوم العاشر من محرّم كما هو المعروف
، فقال (عليه السّلام) : (( ما لك ! آمنك الله يوم الخوف ، وأعزّك وأرواك يوم العطش
الأكبر )) .
ثمّ إنّه أراد الخروج لنصرة الحسين (عليه السّلام) وإذا بالخبر يفاجئه بقتله ، فجزع
ومات من وقته (رضوان الله عليه) .
وأمّا بقيّة الزعماء ، فإنّ بعضهم أجاب الإمام (عليه السّلام) جواباً بارداً لا خير
فيه , وأمّا المنذر بن الجارود ، فإنّه سلّم الكتاب والرسول إلى عبيد الله بن زياد ،
فصلب الرسول ، وهو أوّل رسول يُقتل في الإسلام(2) .
ــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين ـ
محسن الأمين / 38 .
(2) تاريخ الطبري 4 /
266 .
الصفحة (89)
الحزب الاُموي وموقفـه
مـن الثـورة
الصفحة (90)
الصفحة (91)
الحزب الاُموي وموقفه من الثورة
لمّا وصلت أنباء إعلان الإمام الحسين ثورته على الحكم الاُموي إلى كوادر الحزب
الاُموي ، كانت ردود الفعل مختلفة بحسب وجهات نظر أعضاء الكوادر الحزبية الاُمويّة ،
وهي في اتّجاهين :
الاتّجاه الأوّل
وهو الذي يمثل جانب اللين والفتور ; لأنّ بعض الكوادر الحزبية الاُمويّة كانت تمثّل
الجانب المعتدل في الحزب ; لأنّها تعلم في قرارة نفسها أنّ يزيد لا يستحق
الخلافة وغير جدير بها ؛ ولذا نراها غير متحمّسة لحكمه ، من أمثال النعمان بن بشير
واليه على الكوفة ؛ فإنّه بعد أن سمع بثورة الإمام الحسين (ع) قام خطيباً ، وخطب
خطبة لم ترضِ الحزب الاُموي ، فقام إليه أحد كوادر الحزب الاُموي قائلاً : إنّه لا يصلح ما ترى إلاّ الغشم ، إنّ هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوّك
رأي المستضعفين .
فأجابه النعمان قائلاً : أن أكون من المستضعفين في طاعة الله ، أحبّ إليّ من أن
أكون من الأعزّين في معصية الله(1) .
ـــــــــــــــــ
(1) انظر الوثيقة 27
من هذا الكتاب ، تاريخ الطبري 4 / 265 .
الصفحة (92)
الاتجاه الثاني
وهو الاتّجاه المتطرّف المتعصّب ، الذي يسير وراء مصالح الاُمويِّين ، وليس لديه أيّ
واقعية أو الإحساس بها ، فنرى ردّ فعله عنيفاً جدّاً ; لأنّه اتّخذ موقفاً صارماً ضدّ
الثورة ؛ ولهذا نرى هذا الكادر الاُموي سارع بالكتابة إلى يزيد بن معاوية عندما
دخل الكوفة رسول الثورة الحسينيّة مسلم بن عقيل ، وأقبل الناس عليه لمبايعة الحسين ،
ويتزعّم هذا الكادر الحزبي الاُموي رجل اسمه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي .
27 ـ خطبة النعمان والي يزيد على الكوفة
بلغ ذلك النعمان بن بشير والي يزيد على الكوفة ، فجاء إلى المسجد وصعد المنبر ،
فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد ، فاتّقوا الله عباد الله ، ولا تُسارعوا
إلى الفتنة والفرقة ؛ فإنّ فيهما يهلك رجال ، وتُسفك الدماء ، وتُغصب الأموال . إنّي لم
اُقاتل مَنْ لم يُقاتلني ، ولا أثب على مَنْ لا يثب عليّ ، ولا اُشاتمكم ، ولا أتحرّش بكم ،
ولا آخذ بالقرف ولا الظنّة ولا التهمة ، ولكنّكم إن أبديتم صفحتكم لي ، ونكثتم بيعتكم
،
الصفحة (93)
وخالفتم إمامكم ، فوالله الذي لا إله غيره ، لأضربنّكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي
ولو لم يكن لي منكم ناصر ؛ أما إنّي أرجو أن يكون مَنْ يعرف الحقّ منكم أكثر ممّن
يرديه الباطل(1) .
فقام إليه أحد أعوان الحزب الاُموي ، واسمه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي ، وقال
: إنّه لا يصلح ما ترى إلاّ الغشم ، إنّ هذا الذي أنت عليه ، فيما بينك وبين عدوّك
رأي المستضعفين .
فأجابه النعمان قائلاً : أن أكون من المستضعفين في طاعة الله ، أحبّ إليّ من أن
أكون من الأعزّين في معصية الله .
28 ـ رجال الحزب الاُموي وخطورة الموقف
فكتب عبد الله بن مسلم الحضرمي كتاباً إلى يزيد بن معاوية جاء فيه : أمّا بعد
،
فإنّ مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة فبايعته الشيعة للحسين بن علي ، فإن كان لك
بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قوياً ينفذ أمرك ، ويعمل مثل عملك في عدوّك ؛ فإنّ
النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف .
ثمّ كتب آخرون إلى يزيد بن معاوية كتباً أخرى بهذا
ــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 /
264 .
الصفحة (94)
المضمون ، مثل : عمارة بن عقبة
، وعمر بن سعد , وغيرهما من أنصار الحزب الأموي(1) .
29 ـ يزيد يعزل النعمان وينصب عبيد الله
وعندما وصلت الكتب إلى يزيد بن معاوية وقرأها وفهم محتواها ، دعا سرجون مولى معاوية
وأقرأه الكتب ، وقال : هذا الحسين قد توجّه إلى الكوفة ، وهذا مسلم بن عقيل يبايع
للحسين ، وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيء ، فما ترى ؟
فقال له سرجون : أرأيت لو نشر معاوية لك ، أكنت آخذاً برأيه ؟ قال : نعم . [ قال :
فأخرج سرجون عهد عبيد الله بن زياد على الكوفة وقال : هذا رأي ](2) أبيك ، فأخذ يزيد بهذا الرأي ، وكان عبيد الله
والياً على البصرة فضمّ إليه الكوفة ، وبعث إليه بعهده على الكوفة ، مع مسلم بن عمرو الباهلي ، وكتب إليه كتاباً : أمّا بعد ، فإنّه كتب إليّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أنّ ابن عقيل بالكوفة
يجمع الجمع لشقّ عصا المسلمين ، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتّى تأتي أهل الكوفة
فتطلب ابن
ــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 /
265 .
(2) أضفنا ما بين
المعقوفتين من كتاب الإرشاد للشيخ المفيد 2 / 42 ؛ وذلك لأنّ عبارة الأصل لم تكن
واضحة . (موقع معهد الإمامين الحسَنَين)
الصفحة (95)
عقيل كطلب الخرزة حتّى تثقفه فتوثقه ، أو تقتله ، أو تفنيه
، والسّلام(1) .
فأقبل مسلم بن عمرو الباهلي بالعهد والكتاب إلى عبيد الله بن زياد بالبصرة ، فلمّا
قرأ عبيد الله الكتاب ، أمر بالجهاز والتهيؤ ، والمسير إلى الكوفة من الغد(2) .
ولمّا كان الغداة ، استخلف أخاه عثمان بن زياد على البصرة ، بعد أن خطبهم بالوعد
والوعيد . وأقبل إلى الكوفة مسرعاً لا يلوي على شيء حتّى دخلها ومعه بضعة عشر
رجلاً ، متنكّراً بزيّ أهل الحجاز ، فظنّ الناس أنّه الحسين (عليه السّلام) ; لأنّهم
ينتظرون قدومه .
فأخذ لا يمرّ على أحد من الناس إلاّ وسلّموا عليه ، وقالوا : مرحباً بك يابن رسول الله ، قدمت خير مقدم ، وهو لا يكلّمهم
، حتّى جاء القصر فسمع النعمان بن
بشير فأغلق باب القصر عليه ، ولمّا أنتهى إلى القصر أطلّ النعمان بن بشير من بين
شرفتي القصر قائلاً : « اُنشدك الله إلاّ تنحيت عنّي ، ما أنا بمسلّم لك أمانتي ، وما لي في قتلك من إرب » ظانّاً أنّه الحسين
(عليه السّلام) .
فأزال عبيد الله
ـــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 /
265 .
(2) المصدر نفسه .
الصفحة (96)
اللثام عن وجهه وقال : « افتح
لا فتحت ، فقد طال ليلك ، وشيّدت قصرك ، وضيعت مصرك »(1) .
عندها عرف النعمان والناس أنّه عبيد الله بن زياد ، ففتح النعمان باب القصر ودخل ،
ثمّ نودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس ، فخرج إليهم وصعد المنبر .
30 ـ الخطبة الأولى لابن زياد في الكوفة
« فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أمّا بعد ، فإنّ أمير المؤمنين أصلحه الله ولاّني
مصركم وثغركم ، وأمرني بإنصاف مظلومكم ، وإعطاء محرومكم ، وبالإحسان إلى سامعكم
ومطيعكم ، وبالشدّة على مريبكم وعاصيكم ، وأنا متّبع فيكم أمره ، ومنفّذ فيكم عهده ،
فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البر ، وسوطي وسيفي على مَنْ ترك أمري وخالف عهدي ،
فليبق امرؤ على نفسه الصدق ينبي عنك لا الوعيد » .
ثمّ نزل ، فأخذ العرفاء والناس أخذاً شديداً ، وقال لهم : « اكتبوا إليّ الغرباء ,
ومَنْ فيكم من طلبة أمير المؤمنين ، ومَنْ فيكم من الحرورية ، وأهل الريب الذين رأيهم
الخلاف
ـــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 /
268 .
الصفحة (97)
والشقاق ، فمَنْ كتبهم لنا فبرئ ، ومَنْ لم يكتب لنا أحد فيضمن
لنا ما في عرافته أن لا يخالفنا منهم مخالف ، ولا يبغي علينا منهم باغ ، فمَنْ لم
يفعل برئت منه الذمة ، وحلال لنا ماله وسفك دمه . وأيّما عريف وجد في عرافته من بغية
أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا طلب على باب داره ، واُلغيت تلك العرافة من
العطاء ، وسيّر إلى موضع بعمان الزارة
»(1) .
اعتقال هاني بن عروة
ثمّ تطوّر الموقف عندما اعتقل عبيدُ الله هاني بن عروة ، وطلب منه أن يسلّمه مسلم بن
عقيل فأبى هاني ، فضربه عبيد الله بالسياط على وجهه فسال الدم على لحيته ،
فتناول سيفاً بيد أحد أعوان عبيد الله فأراد أن ينتزعه فلم يستطع ، فعندها أمر عبيد الله به أن يغلّ ، ويحبس في غرفة
، ويوضع عليها الحرس . وإذا بجمع مذحج على باب
القصر ; لأنّهم سمعوا أنّ عبيد الله يروم قتله فجاؤوا لاستنقاذه .
فأمر عبيد الله شريح القاضي بأن يخرج للناس ويعلمهم بأنّ
ـــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 /
267 .
الصفحة (98)
صاحبهم حيّ ، فخرج شريح إليهم وقال لهم :
إنّي قد رأيت صاحبكم حيّاً ، وإنّ الذي بلغكم من قتله كان باطلاً . فقالوا : إذاً لم
يُقتل فالحمد لله . ثمّ تفرّقوا(1) .
31 ـ الخطبة الثانية لابن زياد
ثمّ إنّ عبيد الله جمع بعض زعماء القبائل ، وشرطته وحاشيته , فخرج بهم وصعد المنبر ،
فخطب خطبة موجزة : « أمّا بعد ، أيّها الناس ، فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمّتكم ،
ولا تخلفوا ، ولا تفرقوا فتهلكوا ، وتذلّوا وتقتلوا ، وتجفوا وتحرموا ، إنّ أخاك
مَنْ صدقك ، وقد أعذر من أنذر »(2) .
ثم إنّ الموقف قد تدهور ، وخذل الناس مسلم بن عقيل ؛ وذلك بعد أن اشترى عبيد الله
ذمم وضمائر بعض الزعماء ، فأخذوا يخذلون الناس عن مسلم ويمنونهم بالمال ،
ويخوّفونهم بجنود أهل الشام .
ثمّ أشرف على الناس بعض رؤساء القبائل ، وتكلّم كثير بن شهاب وقال : « أيّها الناس
الحقوا بأهاليكم ، ولا تعجلوا
ـــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 /
269 .
(2) المصدر نفسه / 274
.
الصفحة (99)
الشرّ ، ولا تعرضوا
أنفسكم للقتل ؛ فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت ، وقد أعطى الله الأمير
عهداً لئن أتممتم على حربه ، ولم تنصرفوا من عشيّتكم أن يحرم ذريّتكم من العطاء ،
ويفرّق مقاتلتكم في مغازي أهل الشام على غير طمع ، وأن يأخذ البريء بالسقيم ،
والشاهد بالغائب حتّى لا يبقى له فيكم بقيّة من أهل المعصية إلاّ أذاقها وبال ما
جرت أيديها »(1) .
وتكلّم بقيّة الرؤساء بنحوه ، فأخذ الناس يتفرّقون أفراداً وجماعات حتّى كانت
المرأة تأتي ابنها أو أخاها فتقول : انصرف الناس يكفونك ، ويجيء الرجل إلى ابنه أو
أخيه فيقول : غداً يأتيك أهل الشام فما تصنع ؟ فخذل الناس مسلم , وبقي وحده يسير في
الطريق فلا يرى أين يذهب حتّى دخل في دار امرأة يُقال لها : طوعة ، فآوته إلى
الصباح .
32 ـ الخطبة الثالثة لابن زياد
وكان عبيد الله قد علم بتفرّق الناس عن مسلم ، فأمر عمرو بن نافع فنادى : ألا برئت
الذمّة من رجل من الشرطة
ــــــــــــ
(1) المصدر نفسه / 277
.
الصفحة (100)
والعرفاء ، أو المناكب ، أو المقاتلة صلّى العتمة إلاّ في
المسجد . فما كانت إلاّ ساعة وامتلأ المسجد بالناس ، ثمّ أمر عبيد الله الحرس أن
يحرسونه من جانب ، فدخل المسجد وصعد المنبر ، وقال : « أمّا بعد ، فإنّ ابن عقيل
السفيه الجاهل قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق ، فبرئت ذمّة الله من رجل
وجدناه في داره ، ومَنْ جاء به فله ديّته . اتقوا الله عباد الله ، وألزموا طاعتكم
وبيعتكم ، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً »(1) .
33 ـ محاصرة مسلم بن عقيل
ثمّ نادى : يا حصين بن نمير ـ وكان صاحب شرطته ـ ثكلتك اُمّك !
إن [ضاع] باب سكّة من سكك
الكوفة ، أو خرج هذا الرجل ولم تأتني به . وقد سلّطتك على دور أهل الكوفة ؛ فابعث مراصدة على أفواه السكك ، وأصبح غداً ، واستبر الدور ، وجس خلال الدور
حتّى تأتيني
بهذا الرجل .
ولمّا كان الغداة علم بمكان مسلم ، فبعث إليه عبيد الله بسبعين فارس مع محمّد بن
الأشعث ، فأحاطوا بمسلم من
ــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 /
279 .
|