|
الصفحة (101)
كلّ جانب . فقاتلهم مسلم وحده مقاتلة الشجعان ، وكافحهم
مكافحة الأبطال حتّى أكثر فيهم القتل ، واستنجدوا بعبيد الله أن يبعث إليهم بالخيل
والرجال فأنجدهم , وأخذوا يرمونه بالنار والحجارة من فوق الدور(1) .
وعمدوا إلى مكيدة ؛ فحفروا له حفيرة ووضعوا عليها الحطب والتراب ، وبينما هو يهجم
عليهم وهم يفرون من بين يديه إذ سقط مسلم (عليه السّلام) في تلك الحفيرة , فهجموا عليه
وضربوه بالسيف على شفته العليا ، وأخذوا السيف منه وكتّفوه ، وأخذوه إلى عبيد الله بن
زياد .
فقال مسلم : إنّا لله وإنّا إليه راجعون . ثمّ بكى , فقيل له : إنّ مَنْ يطلب مثل الذي
تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك .
فقال مسلم : « إنّي والله ما لنفسي
أبكي ، ولا لها من القتل أرثي وإن كنت لم أحبّ لها طرفة عين تلفاً ، ولكن أبكي
لأهلي المقبلين إليّ ؛ أبكي لحسين وآل حسين »(2) .
ـــــــــــــــ
(1) المصدر نفسه .
(2) المصدر نفسه / 280
.
الصفحة (102)
34 ـ رسالة شفوية من مسلم إلى
الحسين (عليه السّلام)
ثمّ إنّ مسلم أقبل على محمّد بن الأشعث وقال له : « هل عندك خير ؟ تستطيع أن تبعث من
عندك رجلاً على لساني يبلغ حسيناً ؛ فإنّي لا أراه إلاّ وقد خرج إليكم اليوم مقبلاً ،
أو هو خارج غداً هو وأهل بيته ، وإنّ ما ترى من جزعي لذلك ، فيقول : إنّ ابن عقيل
بعثني إليك ، وهو في أيدي القوم أسير ، لا يرى أن تمشي حتّى تُقتل , وهو يقول : ارجع
بأهل بيتك ، ولا يغرّك أهل الكوفة ؛ فإنّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّى فراقهم
بالموت أو القتل . إنّ أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني ، وليس لمكذوب رأي(1)
؟
فقال الأشعث : لأفعلن , ولأعلمن ابن زياد . ثمّ بعث الأشعث أياس بن العثل الطائي
بهذه الرسالة الشفوية إلى الحسين في منطقة الزُّبالة .
35 ـ محاورة بين مسلم وابن زياد
, دخول مسلم على عبيد الله بن زياد
ثمّ إنّ مسلم اُدخل على عبيد الله بن زياد فلم يسلّم
ـــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 /
281 .
الصفحة (103)
عليه ، فقال الحرس : سلّم على
الأمير .
فقال مسلم : اسكت ويحك ! والله ما هو لي بأمير .
فقال عبيد الله : لا عليك , سلّمت أم لم تسلّم فإنّك مقتول .
فقال مسلم : إن قتلتني ، فلقد قتل مَنْ هو شر منك مَنْ هو خير منّي .
عبيد الله : قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام .
مسلم : أمّا إنّك أحقّ مَنْ أحدث في الإسلام ما لم يكن ، وإنّك لا تدع سوء القتلة ،
وقبح المثلة ، وخبث السريرة ، ولؤم الغلبة لأحد أولى بها منك .
عبيد الله : يا عاق ! يا شاق ! خرجت على إمامك وشققت عصا المسلمين ، وألقحت الفتنة
؟!
مسلم : كذبت ، إنّما شقّ عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد ؛ وأمّا الفتنة فإنّما
ألقحتها أنت وأبوك زياد بن عبيد ابن بني علاج من ثقيف ، وأنا أرجو أن يرزقني الله
الشهادة على يدي شرّ بريته .
عبيد الله : منّتك نفسك أمراً حال الله دونه وجعله لأهله .
مسلم : ومَنْ أهله يابن مرجانة إذا لم نكن نحن أهله ؟
الصفحة (104)
عبيد الله : أهلهُ أمير المؤمنين يزيد بن معاوية .
مسلم : الحمد لله على كلّ حال ، رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم .
عبيد الله : أتظنّ أنّ لك في الأمر شيئاً ؟
مسلم : والله ما هو الظنّ ، ولكنّه اليقين .
عبيد الله : إيه ابن عقيل ! أتيت الناس وهم جمع وأمرهم ملتئم فشتت أمرهم بينهم ،
وفرّقت كلمتهم وحملت بعضهم على بعض .
مسلم : كلاّ لست لذلك أتيت ، ولكنّكم أظهرتم المنكر ، ودفعتم المعروف ، وتأمّرتم على
الناس بغير رضاً منهم ، وحملتموهم على غير ما أمركم الله به ، وعملتم فيهم بأعمال
كسرى وقيصر ، فأتيناهم لنأمر فيهم بالمعروف ، وننهى عن المنكر ، وندعوهم إلى حكم
الكتاب والسنّة ، وكنّا أهلاً لذلك .
عبيد الله : وما أنت وذلك يا فاسق ؟! لِم لم تعمل بذلك إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر
؟!
مسلم : أنا أشرب الخمر ! أما والله إنّ الله ليعلم أنّك تعلم غير صادق ، وإنّ أحقّ
بشرب الخمر منّي وأولى بها مَنْ يلغ في دماء المسلمين ولغاً ، فيقتل النفس التي حرّم
الله قتلها ،
الصفحة (105)
ويسفك الدم الذي حرّم الله على الغضب ، والعداوة وسوء الظن ، وهو
يلهو ويلعب كأن لم يصنع شيئاً(1) .
عبيد الله : فأخذ يشتمه ويشتم علياً ، والحسن والحسين ، وعقيلاً .
مسلم : أنت وأبوك أحقّ بالشتيمة ، فاقض ما أنت قاض يا عدوّ الله .
عبيد الله : أين بكر بن حمران فليصعد به إلى أعلى القصر ويضرب عنقه ، ويرمي
بجثمانه من أعلى القصر(2) .
مسلم : يُصعد به إلى أعلى القصر وهو يكبّر ويستغفر الله ويسبّحه ، ويصلّي على رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) ، ويقول : اللّهمّ احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذّبونا
وخذلونا . ثم صلّى ركعتين وضُرب عنقه ، ورمي بجسده من أعلى القصر(3) .
وكان خروج مسلم بن عقيل يوم الإثنين ، وقُتل (عليه السّلام) يوم الثلاثاء لثماني
ليال مضين من ذي الحجّة من يوم عرفة
ــــــــــــــــ
(1) الكامل في التاريخ
ـ ابن الأثير 3 / 274 ، تاريخ الطبري 4 / 283 .
(2) انظر تفصيل ذلك في
تاريخ الطبري 4 / 266 ـ 283 ، مقتل الحسين ـ محسن الأمين / 57 ـ 59 .
(3) المصدر نفسه .
الصفحة (106)
سنة 60 هجرية ، وهو اليوم الذي خرج فيه
الحسين من مكّة قاصداً العراق .
ثمّ أخرج هاني إلى سوق الجزارين وهو يقول : « وا مذحجاه ! ولا مذحج لي اليوم ، إلى
الله المعاد . اللّهمّ إلى رحمتك ورضوانك » . ثمّ ضرب عنقه تركي مولى لعبيد الله بن
زياد . وربط رجليهما بحبل ، وسحبوهما في السوق .
فرثاهما الشاعر بقوله :
إذا كنتِِ لا تدرين ما الموتُ فانظري إلى هانئٍ في السوقِ وابنِ عقيلِ
إلـى بطـلٍ قد هشّمَ السيفُ وجهَه وآخـر يـهوي مـن طمارِ قتيلِ(1)
|
36 ـ كتاب ابن زياد إلى يزيد بن معاوية
ولمّا قتل هاني بن عروة ومسلم بن عقيل ، حزّ رأسيهما وبعثهما إلى يزيد بن معاوية
مع هاني بن أبي حيّة الوداعي ، والزبير بن الأروح التميمي ، وزوّدهما بكتاب ، وهذا نصّه(2)
:
« أمّا بعد ، فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقّه ، وكفاه
ــــــــــــــــ
(1) انظر تفصيل ذلك في
تاريخ الطبري 4 / 284 ـ 285 ، ومقتل الحسين ـ محسن الأمين / 57 ـ 59 .
(2) المصدران نفساهما .
الصفحة (107)
مؤونة عدوّه ، أخبر
أمير المؤمنين أكرمه الله أنّ مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هاني بن عروة المرادي ، وإنّي
جعلت عليهما العيون ، ودسست إليهما الرجال ، وكدتهما حتّى استخرجتهما وأمكن الله
منهما ، فقدّمتهما فضربت أعناقهما ، وقد بعثت إليك برأسيهما مع هاني بن أبي حيّة الهمداني والزبير بن الأروح التميمي ، وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة ،
فليسألهما أمير المؤمنين عمّا أحبّ من أمر ؛ فإنّ عندهما علماً وصدقاً ، وفهماً وورعاً
، والسّلام »(1) .
37 ـ كتاب يزيد إلى عبيد الله
ولمّا وصل الكتاب إلى يزيد بن معاوية وقرأه ، كتب إليه
جواباً :
« أمّا بعد ، فإنّك لم تعد إن كنت كما أحبّ ، عملت عمل الحازم ، وصلت صولة الشجاع
الرابط الجأش ، فقد أغنيت وكفيت ، وصدقت ظنّي بك ، ورأيي فيك . وقد دعوت رسوليك
فسألتهما وناجيتهما فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت ، فاستوص بهما خيراً .
وإنّه قد بلغني أنّ الحسين بن علي قد
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 /
285 .
الصفحة (108)
توجّه نحو العراق ، فضع المناظر والمسالح ،
واحترس على الظنّ ، وخذ على التهمة ، غير أن لا تقتل إلاّ مَنْ قاتلك ، واكتب إليّ في
كلّ ما يحدث من الخبر ، والسلام عليك ورحمة الله »(1) .
38 ـ خطبة الإمام الحسين
(عليه السّلام) في مكة
اُخبر الإمام الحسين (عليه السّلام) بأنّ يزيد بن معاوية قد زوّد عمرو بن سعيد بن
العاص بخيل ورجال ، وأمره أن يقبض على الحسين ، ولو أبى لناجزه . ودس أيضاً ثلاثين
رجلاً من شياطين بني اُميّة مع الحاج أن يغتالوا الحسين على أيّ حال
اتفق ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة .
فخاف (عليه السّلام) أن يُغتال في الحرم فتهتك حرمة المسجد ، وحرمة الشهر الحرام ،
فقال : (( والله لئن اُقتل خارجاً منها بشبر أحبّ إليّ من أن
اُقتل داخلاً فيها بشبر
. وأيم الله , لو كنت في ثقب هامّة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا فيّ حاجتهم
، ووالله ليعتدنّ عليّ كما اعتدت اليهود في السبت ))(2) .
ــــــــــــــ
(1) المصدر نفسه / 286
.
(2) المصدر نفسه / 289
.
الصفحة (109)
فعجّل (عليه السّلام) بالخروج من مكّة لهذا السبب قاصداً العراق ، وخصوصاً بعد أن
وصلته كتبهم ، فعندما عزم تهيّأ للخروج ، ثمّ قام فخطب قائلاً : (( الحمد لله ، وما شاء الله ، ولا قوّة إلاّ بالله ، وصلّى الله على رسوله ، خُطّ الموت
على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني(1) إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى
يوسف . وخير لي مصرع أنا لاقيه , كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات(2) بين النواويس
وكربلاء ، فيملأنّ منّي أكراشاً جوفاً ، وأجربةً سغباً ، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم ،
رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين .
لن تشذّ عن
رسول الله لحمته ، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس ، تقرّ بهم عينه ، وينجز بهم وعده
. ألا ومَنْ كان فينا باذلاً مهجته ، موطّناً على لقاء الله نفسه , فليرحل معنا ؛ فإنّي
راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى ))(3) .
وكان (عليه السّلام) قد أحرم للحج ، وأراد الإحلال من إحرامه ،
ـــــــــــــــ
(1) الوله : الحنين .
(2) عسلان الفلاة :
الذئاب ، والعسلان : الرماح .
(3) مقتل الحسين ـ
محسن الأمين / 63 .
الصفحة (110)
فجعلها عمرة مفردة ;
لأنّه لم يتمكن من إكمال حجّه ، مخافة أن يُقبض عليه ، فطاف بالبيت وصلّى ، وسعى بين
الصفا والمروة ، وقصّر من شعره ، وأحلّ إحرامه .
39 ـ الحسين (عليه السّلام) مع رجالات مكة
عندما علم الناس بعزم الحسين (عليه السّلام) على الخروج من مكّة قاصداً العراق ، جاءه
نفر من إخوته وأبناء عمومته وأقربائه ، ومن الصحابة وأبنائهم يشيرون عليه
بعدم الذهاب إلى العراق ، ويرجونه البقاء بالحجاز ; لأنّه سيدهم وزعيمهم ، كعمر بن عبد الرحمان المخزومي ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن جعفر
الطيار ، وعبد الله بن عمر ، ومحمّد بن الحنفية وغيرهم(1) .
وكان (عليه السّلام) يجيب كلاً من هؤلاء بجواب ، مثل : (( استخير الله وانظر ما يكون
))(2) . وقال لآخر : (( إنّ أبي حدّثني أنّ بها كبشاً يستحلّ حرمتها ، فما أحبّ أن أكون
أنا ذلك الكبش ))(3) . أو مثل
ــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 /
288 .
(2) مقتل الحسين ـ
محسن الأمين / 63 ـ 64 .
(3) المصدر نفسه .
الصفحة (111)
قوله لآخر : (( أتاني رسول الله بعد مفارقتك ، فقال : يا
حسين , اخرج ؛ فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً ))(1)
.
قيل له : فما حملك هذه النسوة معك ؟
فقال (عليه السّلام) : (( إنّ الله شاء أن يراهن سبايا ))(2)
. وقال (عليه السّلام) لبعضهم : (( وأيم الله ، لو كنت في ثقب
هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقتلوني . والله
ليعتدنّ عليّ كما اعتدت اليهود في يوم السبت . والله لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه
العلقة من جوفي ، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم مَنْ يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من
فرام(3) المرأة )) .
ثم جاءه عبد الله بن عمر وأشار عليه بصلح أهل الضلال ، وحذّره من القتل والقتال ,
فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( هيهات يابن عمر ! إنّ القوم لا يتركوني وإن
أصابوني ، وإن لم يصيبوني فلا يزالون حتّى اُبايع وأنا كاره أو يقتلوني . أما
تعلم يا عبد الله أنّ من هوان الدنيا على الله تعالى أنّه اُتي برأس يحيى بن زكريا
إلى بغي من بغايا بني إسرائيل ؟! أما تعلم يا أبا عبد الرحمان أنّ بني إسرائيل كانوا
يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع
ــــــــــــــــ
(1) المصدر نفسه .
(2) المصدر نفسه .
(3) الفارم : خرقة
الحيض .
الصفحة (112)
الشمس سبعين نبيّاً ثمّ يجلسون في أسواقهم
يبيعون ويشترون كلّهم كأنّهم لم يصنعوا شيئاً , فلم يعجّل الله عليهم ، بل أخذهم بعد
ذلك أخذ عزيز مقتدر ؟! اتق الله يا أبا عبد الرحمان ولا تدعن نصرتي ))(1) .
ثمّ إنّه (عليه السّلام) أمر إخوته وأولاده وبني أعمامه وأصحابه أن يسيروا بالظعائن
والحريم ، وذلك في يوم الثلاثاء أو الأربعاء ، يوم التروية لثمان مضين من ذي الحجّة
سنة 60 هـ , فاعترضته رسل عمرو بن سعيد أمير الحجاز من قبل يزيد ليردّوه ويمنعونه
من المسير إلى العراق ، فتدافع الفريقان وتضاربا بالسياط ، وامتنع الحسين وأصحابه
فنادوه : يا حسين ، ألا تتقي الله تخرج من الجماعة وتفرّق بين هذه الأمّة ؟
فتلا الحسين (عليه السّلام) قول الله تعالى :
(( لِي عَمَلِي وَلَكُمْ
عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا
تَعْمَلُونَ ))(2) .
ثمّ
سار الحسين (عليه السّلام) ومعه ركبه ، وهو يذكر يحيى بن زكريا وقتله ،
ــــــــــــــــ
(1) أعيان الشيعة 4 /
212 ، القسم الأول ، كتاب الفتوح 5 / 38 , 42 ، حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) /
320 .
(2) سورة يونس / 41 .
الصفحة (113)
ويقول : (( من
هوان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريا اُهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل
)) .
حتّى مرّ بالتنعيم ، فوجد فيها عيراً تحمل هدايا من الورس والحلل إلى يزيد بن معاوية
، بعث بها عامله على اليمن ، فأخذها وقال لأصحاب الجمال : (( مَنْ أحبّ أن ينطلق معنا
وفّيناه كراه وأحسنّا صحبته ، ومَنْ أحبّ أن يفارقنا أعطيناه كراه )) . فبقي بعضهم مع
الحسين (عليه السّلام) وذهب آخرون(1) .
40 ـ الحسين (عليه السّلام) والفرزدق
ثمّ أقبل الحسين (عليه السّلام) حتّى انتهى إلى منطقة الصفاح ، فلقيه الفرزدق بن غالب
الشاعر ، فواقف حسيناً وقال له : أعطاك الله سؤلك ، وأملك فيما تحبّ ، بأبي أنت وأمّي
يابن رسول الله !
فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( ما خلفت الناس ؟
)) .
فقال له الفرزدق :
من خبير سألت ؛ قلوبهم معك ، وسيوفهم مع بني اُميّة ، والقضاء ينزل من السماء ، والله
يفعل ما يشاء .
فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( صدقت
, لله الأمر ، والله يفعل ما
يشاء ، وكلّ يوم ربّنا في شأن . إن نزل القضاء بما نحبّ فنحمد الله على
ـــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 /
290 .
الصفحة (114)
نعمائه ، وهو
المستعان على أداء الشكر ، وإن حال القضاء دون الرجاء ، فلم يعتد مَنْ كان الحق نيّته
، والتقوى سريرته ، والسلام عليك ))(1) . ثمّ حرّك دابته وسار .
41 ـ كتاب عبد الله بن جعفر
الطيار إلى الحسين (عليه السّلام)
ولمّا وصل نبأ خروج الحسين (عليه السّلام) من مكّة إلى عبد الله بن جعفر الطيار ، كتب
كتاباً للحسين (عليه السّلام) ، وبعثه مع ابنيه عون ومحمّد ، جاء فيه :
« أمّا بعد ، فإنّي أسألك بالله لما انصرفت حتّى تنظر في كتابي ؛ فإني مشفق عليك من
الوجه الذي توجّهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك . إن هلكت اليوم طفئ
نور الأرض ؛ فإنّك علم المهتدين ، ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل بالسير ؛ فإنّي في أثر
الكتاب ، والسّلام »(2) .
42 ـ جواب الحسين (عليه
السّلام) له
فأجابه الإمام (عليه السّلام) قائلاً :
(( إنّي رأيت رؤيا فيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، واُمرت فيها بأمر أنا ماضٍ له
, عليّ كان أو لي )) . فسُئل
ــــــــــــــــ
(1) المصدر نفسه .
(2) تاريخ الطبري 4 /
291 .
الصفحة (115)
ما هي تلك الرؤيا ؟ قال (عليه السّلام) :
(( ما حدّثت أحداً بها ، وما أنا محدّث بها حتّى ألقى
ربّي ))(1) .
43 ـ كتاب عمرو والي يزيد على
مكّة إلى الحسين (عليه السّلام)
ثمّ إنّ عبد الله بن جعفر الطيار واصل سعيه وجهده ، لدى عمرو بن سعيد والي يزيد على
مكّة ; كي يأخذ منه الأمان للحسين (عليه السّلام) حتّى يرجع عن عزمه وخروجه إلى
العراق ، فطلب من عمرو بن سعيد أن يكتب كتاباً للحسين يمنّيه فيه بالأمان والإحسان
والصلة ، فاستجاب عمرو بن سعيد إلى عبد الله بن جعفر ، وكتب كتاباً هذا نصّه :
« بسم الله الرحمن الرحيم . من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي . أمّا بعد ، فإنّي
أسأل الله أن يصرفك عمّا يوبقك ، وأن يهديك لما يرشدك . بلغني أنّك قد توجّهت إلى
العراق ، وإنّي أعيذك بالله من الشقاق ؛ فإنّي أخاف عليك فيه الهلاك ، وقد بعثت إليك عبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد ، فأقبل إليّ معهما
؛ فإنّ لك عندي الأمان والصلة
والبرّ وحسن الجوار ، لك
ــــــــــــ
(1) المصدر نفسه / 292
.
الصفحة (116)
الله عليّ بذلك شهيد وكفيل ، ومراع ووكيل . والسلام عليك »(1)
، وبعثه مع عبد الله بن جعفر وأخيه يحيى بن سعيد ليكون أكثر اطمئناناً وثقة .
44 ـ جواب الحسين (عليه
السّلام) لعمرو بن سعيد والي يزيد على مكة
ثمّ إنّ عبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد جاءا بالكتاب إلى الحسين ، وهو في طريقه
إلى
العراق ، وألحّا أن ينثني عن عزمه ورجوعه إلى بلده آمناً مكرماً ، فأبى الحسين
(عليه السّلام) واعتذر إليهما بما قاله في جواب عبد الله بن جعفر :
(( إنّي رأيت رؤيا فيها
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، واُمرت فيها بأمر أنا ماضٍ له ، عليّ كان أو لي ))
.
فقالا : فما تلك الرؤيا ؟
قال (عليه السّلام) : (( ما حدّثت أحداً بها ، وما أنا محدّث
أحداً حتّى ألقى ربّي )) .
ثمّ إنّه (عليه السّلام) كتب جواباً لكتاب عمرو بن سعيد والي يزيد على مكّة ، جاء فيه
: (( أمّا بعد ، فإنّه لم يشاقق الله ورسوله مَنْ دعا إلى الله عزّ وجلّ ، وعمل صالحاً ،
وقال إنّني من المسلمين . وقد دعوتَ إلى الأمان والبرّ والصلة ، فخير الأمان أمان
الله ،
ــــــــــــ
(1) المصدر نفسه / 252
.
الصفحة (117)
ولن يؤمن الله يوم القيامة مَنْ لم يخفه في الدنيا
, فنسأل الله مخافةً في
الدنيا توجب لنا أمانه يوم القيامة ، فإن كنت نويت بالكتاب صلتي وبرّي فجزيت
خيراً في الدنيا والآخرة ، والسّلام ))(1) .
45 ـ كتاب الحسين (عليه
السّلام) الثاني لأهل الكوفة
ثمّ إنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) واصل سيره حتّى مرّ بوادي العقيق ، فلقي رجلاً
من بني أسد ، يُسمّى بشر بن غالب قادماً من العراق فسأله عن أهلها . فقال : «
خلفت القلوب معك ، والسيوف مع بني اُميّة » . فقال (عليه السّلام) :
(( صدق أخو بني أسد
، إنّ الله يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد )) .
ثمّ أقبل الحسين (عليه السّلام) سائراً حتّى بلغ منطقة الحاجر من بطن الرمة ، كتب
كتاباً إلى جماعة من أهل الكوفة , منهم : سليمان بن صرد الخزاعي ، والمسيّب بن نجية ،
ورفاعة بن شداد وغيرهم ، وهو ثاني كتاب يرسله الحسين (عليه السّلام) إليهم ، وهذا
نصّه : (( بسم الله الرحمن الرحيم . من الحسين بن علي ، إلى إخوانه
ـــــــــــــ
(1) المصدر نفسه / 292
.
الصفحة (118)
من المؤمنين والمسلمين .
سلام عليكم . فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو . أمّا بعـد ، فإنّ كتاب
مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم ، واجتماع ملئكم على نصرنا ، والطلب
بحقّنا , فسألت الله أن يحسن لنا الصنع ، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر .
وقد شخصت
إليكم من مكّة يوم الثلاثاء ، لثمان مضين من ذي الحجّة ، يوم التروية ، فإذا قدم
عليكم رسولي فاكمشوا أمركم وجدّوا ؛ فإنّي قادم عليكم في أيامي هذه إن شاء الله
، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ))(1) . وختمه ، وأرسله مع قيس بن مسهر الصيداوي (عليه الرحمة) .
46 ـ رسول الحسين (عليه
السّلام) مع ابن زياد
لمّا وصل نبأ سير الحسين إلى العراق إلى عبيد الله بن زياد ، أخذ استعداده العسكري
الكامل ، ووضع رجاله على الطرق الرئيسية . وكان الحصين بن تميم صاحب شرطته قد نزل
في القادسية ، ونظم خيله ورجاله ما بين القادسية ومنطقة خفان ، إلى منطقة القطقطانة ، إلى جبل لعلع ، إلى البصرة .
ولمّا انتهى رسول الحسين قيس بن مسهر
ـــــــــــ
(1) المصدر نفسه / 297
.
الصفحة (119)
الصيداوي إلى القادسية اعترضه الحصين بن تميم ليفتّشه , أخرج قيس الكتاب وخرقه ،
فأخذه الحصين إلى عبيد الله بن زياد , فلمّا مثل بين يديه قال له عبيد الله : مَنْ
أنت ؟
قال قيس : أنا رجل من شيعة علي والحسين (عليهما السّلام) .
عبيد الله : لماذا خرقت الكتاب ؟
قيس : لئلا تعلم ما فيه .
عبيد الله : وممّن الكتاب ؟ وإلى مَنْ ؟
قيس : من الحسين (عليه السّلام) إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم .
عبيد الله غضب قائلاً : والله لا تفارقني حتّى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم ، أو تصعد
المنبر فتسبّ الحسين بن علي وأباه وأخاه ، وإلاّ قطعتك إرباً إرباً .
قيس : أمّا القوم فلا أخبرك بأسمائهم ، وأمّا سبّ الحسين وأبيه وأخيه فأفعل .
قيس يصعد إلى المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلّى على النبي (صلّى الله عليه
وآله) وأكثر من الترحم على علي والحسن الحسين ، ولعن عبيد الله بن زياد وأباه وعتاة
بني اُميّة ، ثمّ قال : « أيّها الناس ، هذا الحسين بن علي خير خلق الله ، ابن
الصفحة (120)
فاطمة بنت
رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأنا رسوله إليكم ، وقد خلفته بالحاجر فأجيبوه »(1)
.
عبيد الله : أمر به فرمي من أعلى القصر ، فتقطّع ومات (رضوان الله عليه) .
الحسين يؤبّن قيساً
فبلغ الحسين (عليه السّلام) قتله ، فاسترجع واستعبر بالبكاء ، ثمّ قرأ :
(( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى
نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً
))(2) .
ثم
قال (عليه السّلام) : (( جعل الله له الجنة ثواباً ، اللّهمّ اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً
كريماً ، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك ، وغائب مذخور ثوابك ، إنّك على كلّ
شيء قدير ))(3) .
الحسين وعبد الله بن مطيع
ثمّ إنّ الحسين (عليه السّلام) سار حتّى انتهى إلى ماء من مياه العرب وعليه عبد الله
بن مطيع العدوي ، فاستقبل الحسين
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 /
297 ، مقتل الحسين ـ محسن الأمين / 17 .
(2) سورة الأحزاب / 23
.
(3) انظر تفصيل ذلك في
تاريخ الطبري 4 / 298 ، مقتل الحسين ـ محسن الأمين / 71 .
الصفحة (121)
وناشده عن عدم الذهاب إلى الكوفة ، قائلاً له :
« يابن رسول الله ، أذكرك الله في حرمة الإسلام أن تنتهك ، أنشدك الله في حرمة قريش
وذمّة العرب ، والله لئن طلبت ما في يدي بني اُميّة ليقتلوك ، ولئن قتلوك لا يهابون
بعدك أحداً أبداً ، والله إنّها لحرمة الإسلام وحرمة قريش ، فالله الله لا تفعل ،
ولا تأتِ الكوفة ، وتعرض نفسك لبني اُميّة » ، فأبى الحسين ، ثمّ ودّعه وانصرف(1) .
47 ـ عبيد الله ومنع التجول
ثمّ لقي أعراباً فسألهم (عليه السّلام) فقالوا : والله لا نعلم غير أننا لا نستطيع أن
نلج ولا نخرج ; لأنّ عبيد الله أمر أن لا يخرج ولا يلج أحد من واقصة إلى طريق الشام
، إلى البصرة(2) .
48 ـ الحسين (عليه السّلام) وزهير بن القين
وسار حتّى أقبل إلى ما فوق منطقة زرود فصادف زهير بن القين ومعه جماعة من فزارة وبجيلة ، وكان من
ــــــــــــــــــــــــ
(1) ذكر مجمل ذلك
تاريخ ابن عساكر 3 / 68 ، حياة الإمام الحسين ـ القرشي 3 / 29 ، تأريخ الطبري 4 /
298 .
(2) تاريخ الطبري 4 /
295 .
الصفحة (122)
أبغض الأشياء إليه مقابلة الحسين ; لأنّه عثماني العقيدة ،
فبعث الحسين (عليه السّلام) خلفه وكان يتغذّى مع جماعته ، فأسقط ما في أيديهم كأنّ
على رؤوسهم الطير . فقالت له زوجته : سبحان الله ! ابن رسول الله يدعوك فلا تجيبه
؟!
فأتاه زهير على كره ، ثمّ رجع إلى أصحابه مستبشراً ، وأمر بفسطاطه وثقله ورحله فحوّل
إلى الحسين (عليه السّلام) ، وقال لأصحابه : « مَنْ أحبّ منكم أن يتبعني ، وإلاّ فهو آخر عهد منّي »
.
ثمّ
قال : « سأحدثكم حديثاً ؛ إنّا غزونا بلنجر ، وهي بلدة في بلاد الخزر ، ففتح الله
علينا وأصبنا غنائم ففرحنا , فقال لنا سلمان الباهلي : إذا أدركتم قتال شباب آل
محمّد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معهم بما أصبتم من الغنائم »(1) .
ثمّ قال لزوجته : أنت طالق , الحقي بأهلك ؛ فإنّي لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلاّ خيراً ;
لأنّي أفديه بروحي ، وأقيه بنفسي . وسلّمها إلى بني عمومتها , فقالت له : خار الله لك
! أسألك أن تذكرني يوم القيامة عند جدّ الحسين . فلزم الحسين (عليه السّلام) حتّى قُتل
.
ــــــــــ
(1) المصدر نفسه / 299
.
الصفحة (123)
49 ـ منطقة الثعلبية
ثمّ إنّه (عليه السّلام) أخذ يسير بركبه حتّى مرّ بمنطقة الخزيمية ، فأقام بها يوماً
وليلة ، فجاءته أخته زينب (عليه السّلام) وقالت له : سمعت هاتفاً يهتف ويقول :
ألا يـا عـينُ فاحتفلي بجهدِ ومَنْ يبكي على الشهداءِ بعدي عـلى قـومٍ تـسوقهمُ المنايا بـمقدارٍ إلـى إنـجازِ وعدِ
|
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( يا اُختاه ، كلّ الذي قُضي فهو كائن
)) . ثمّ سار الحسين
(عليه السّلام) فوصل منطقة الثعلبية ممسياً .
50 ـ الحسين (عليه السّلام) مع ابنه علي الأكبر
فوضع الإمام (عليه السّلام) رأسه بين ركبتيه ، فأخذته سِنة نوم ، ثمّ أفاق فقال :
(( رأيت هاتفاً يقول : أنتم تسرعون والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة
)) .
علي الأكبر : يا أبه ، أفلسنا على الحقّ ؟
الحسين (عليه السّلام) : (( بلى يا بني والذي إليه مرجع العباد
)) .
علي الأكبر : يا أبه ، إذاً لا نبالي بالموت .
الحسين (عليه السّلام) : (( جزاك الله يا بني ما جزى ولداً عن والده
)) .
الصفحة (124)
51 ـ الحسين (عليه السّلام) مع أحد الأعراب
ولمّا أصبح وإذا برجل من أهل الكوفة يُكنّى بأبي هرّة الأزدي ، فسلّم على الحسين وقال
: يابن رسول الله ، مَنْ أخرجك من حرم الله وحرم جدّك محمّد (صلّى الله عليه وآله) ؟
فقال له الحسين : (( ويحك يا أبا هرّة ! إنّ
بني اُميّة أخذوا مالي فصبرت ، وشتموا عرضي
فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت . وأيم الله ، لتقتلني الفئة الباغية ، وليلبسهم الله ذلاً
شاملاً ، وسيفاً قاطعاً ، وليسلطنّ الله عليهم مَنْ يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ
))(1) .
52 ـ الحسين (عليه السّلام) يُخبر بقتل مسلم وعبد الله بن يقطر
ثمّ إنّ الحسين (عليه السّلام) سار حتّى انتهى إلى منطقة زبالة , فسقط إليه خبر مسلم بن عقيل ، وعبد الله بن يقطر ، أخيه من الرضاعة
, وكان قد بعثه من الطريق إلى مسلم ،
فأخذه رجال الحصين بن نمير بالقادسية ، وجيء به إلى عبيد الله بن زياد , فقال له
: اصعد فوق القصر والعن الكذّاب ابن الكذّاب حتّى أرى فيك رأيي .
ــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين ـ
محسن الأمين / 74 .
الصفحة (125)
فصعد عبد الله بن يقطر القصر ، وأشرف على الناس وقال : « أيّها الناس
، إنّي رسول الحسين
بن فاطمة بنت رسول الله ، لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة وابن سميّة الدّعي » .
فأمر عبيد الله برميه من أعلى القصر فرمي ، ثمّ حزّ رأسه(1) .
الحسين (عليه السّلام) يؤبّن مسلم بن عقيل
ثمّ إنّ الحسين (عليه السّلام) ترحّم على مسلم بن عقيل مراراً ، ثمّ استعبر وقال :
((
رحم الله مسلماً ، فلقد صار إلى روح الله وريحانه , وتحياته ورضوانه . أما إنّه قد
قضى ما عليه وبقي ما علينا ، ولا خير في العيش بعد هؤلاء ))(2) .
ثمّ أخرج كتاباً وقرأه على الناس ، والأعراب الذين جاؤوا معه طلباً للرزق والعافية ،
وفيه : (( بسم الله الرحمن الرحيم . أمّا بعد ، فإنّه قد أتاني خبر فظيع
؛ قتل مسلم
بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر ، وقد خذلتنا شيعتنا ، فمَنْ أحبّ منكم
الانصراف فلينصرف في غير حرج ، وليس عليه
ــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 /
300 .
(2) مقتل الحسين ـ
محسن الأمين / 76 .
الصفحة (126)
ذمام ))(1) .
فتفرّق عنه نفر كثير ; لأنّهم جاؤوا معه ظنّاً منهم أنّه قد استقامت له الأمور ،
وصفا له الجو ، فأحبّ (عليه السّلام) أن يخبرهم بذلك ليكونوا على بيّنة من أمرهم
ومصيرهم ؛ لئلاّ يُقال : إنّه (عليه السّلام) غرّر بهم ، وضلّل عليهم الأمر ; لأنّهم
اتّبعوه طلباً للرزق ، فاستغل هذا الجانب لتكثير جمعه وزيادة أصحابه كما يستغلّ
الكثير من أصحاب الثورات التي اندلعت بعد ثورة الحسين (عليه السّلام) حاملين بعض
الشعارات لتضليل بسطاء الناس وإغوائهم ؛ وذلك زيادة في الجمع والعدد .
ولكن
الحسين (عليه السّلام) شريف في ثورته ، ونبيل في استعمال وسائلها ؛ فلهذا أخبرهم
بذلك حتّى لا يبقى معه إلاّ مَنْ كان موطّناً نفسه على لقاء الله(2) .
53 ـ منطقة بطن العقبة
ولمّا كان وقت السحر أمر (عليه السّلام) غلمانه وفتيانه ، فاستقوا الماء وأكثروا ،
ثمّ سار (عليه السّلام) حتّى مرّ بمنطقة بطن العقبة ، فلقيه
ــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين ـ
محسن الأمين / 77 ، تاريخ الطبري 4 / 300 .
(2) مقتل الحسين ـ
محسن الأمين / 78 ، تاريخ الطبري 4 / 301 .
الصفحة (127)
عمر بن لوذان شيخ من بني
عكرمة فسأله عن مقصده ، ثمّ ناشد الحسين (عليه السّلام) أن لا يذهب إلى الكوفة ;
لأنّه لا يقدم إلاّ على الأسنّة وحدّ السيوف .
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( يا عبد
الله ، إنّه ليس يخفى عليّ , الرأي ما رأيت ، ولكن الله لا يغلب على أمره . والله لا
يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم مَنْ يذلّهم
حتّى يكونوا أذلّ فرق الأمم ))(1) .
54 ـ منطقة ( شراف )
ثمّ ارتحل (عليه السّلام) من بطن العقبة سائراً حتّى نزل بمنطقة شراف ، ولمّا مضى من
الليل شطره أمر فتيانه بالتزوّد من الماء والإكثار منه ، ثمّ سار حتّى انتصف النهار(2)
.
55 ـ التقاء الحسين (عليه
السّلام) بأوّل كتيبة للجيش الأموي
وبينما هم سائرون ، وإذا برجل من أصحاب الحسين كبّر ، فقال الحسين
(عليه السّلام) :
(( الله أكبر ، لِمَ كبّرت ؟ )) . فقال : رأيت النخلة
. فقيل له : ما رأينا به نخلة قطّ ، والله
ما هي إلاّ أسنّة
ــــــــــــــــ
(1) المصدر نفسه .
(2) تاريخ الطبري 4 /
302 .
الصفحة (128)
الرماح وهوادي الخيل .
فقال الحسين (عليه السّلام) :
(( وأنا والله
أرى ذلك ، فهل لنا ملجأ نجعله خلف ظهورنا ونستقبل القوم ؟ )) . فقالوا : ذو حسم عن
يسارك . فأسرع الحسين إليه ، وضرب ابنيته وخيامه .
وإذا بمقدّمة الجيش الاُموي تعدّ بألف فارس وعلى رأسها الحرّ بن يزيد التميمي اليربوعي ، وهم على أتمّ الاستعداد الحربي ، متقلّدين سيوفهم ورماحهم ، ولكنّ العطش قد
أضرّ بهم ، وكان وقت الظهيرة .
فقال الحسين (عليه السّلام) لفتيانه : (( اسقوا القوم
وارووهم من الماء ، وارشفوا الخيل ترشيفاً )) . فقام فتيانه وأرشفوا الخيل , وسقوا
القوم حتّى أرووهم , وأقبلوا يملؤون القصاع والأنوار والطساس من الماء ، ثمّ
يدنونها من الفرس حتّى سقوا الخيل كلّها . وكان الحسين (عليه السّلام) يروي القوم
بيده أيضاً(1) .
الحرّ والحسين (عليه السّلام)
ثمّ قال الحسين (عليه السّلام) للحرّ بن يزيد :
(( ألنا أم علينا ؟ )) .
فقال الحرّ :
بل عليك يا أبا عبد الله .
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( لا حول ولا قوّة إلاّ بالله
العلي العظيم )) .
ـــــــــــــــ
(1) انظر تفصيل ذلك
في تاريخ الطبري 4 / 302 .
الصفحة (129)
56 ـ خطبة الحسين (عليه
السّلام) الأولى على مسامع الجيش الاُموي
ثمّ حان وقت صلاة الظهر ، فأمر الحسين (عليه السّلام) الحجّاج بن مسروق الجعفي أن يؤذّن
فأذّن ، ثمّ خرج (عليه السّلام) إليهم في إزار ورداء ونعلين ، فحمد الله وأثنى عليه
، ثمّ قال : (( أيّها الناس ، إنّها معذرة إلى الله عزّ وجلّ وإليكم ، إنّي لم آتكم
حتّى أتتني كتبكم ،
وقدمت عليّ رسلكم : أن أقدم علينا ؛ فإنّه ليس لنا إمام ، لعلّ الله يجمعنا بك على
الهدى . فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم
ومواثيقكم أقدم مصركم ، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى
المكان الذي أقبلت منه إليكم ))(1) .
فسكتوا عنه ، وقيل للمؤذن : أقم للصلاة . فقال الحسين (عليه السّلام) للحرّ :
(( صلِّ أنت
بأصحابك )) . فقال الحرّ : (( لا بل تصلّي أنت ونصلّي بصلاتك
)) . فصلّى بهم الحسين (عليه السّلام) وانصرف إلى خيامه(2) .
ــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 4 /
303 .
(2) مقتل الحسين ـ
محسن الأمين / 81 ، تاريخ الطبري 4 / 303 .
الصفحة (130)
57 ـ الخطبة الثانية للحسين
(عليه السّلام) أمام كتيبة
الحرّ
ولمّا دخل وقت صلاة العصر أمر الحسين (عليه السّلام) فنودي لصلاة العصر وأقام ،
فجاء (عليه السّلام) وصلّى بهم صلاة العصر ، ثمّ توجّه إليهم فحمد الله وأثنى عليه
، وقال : (( أمّا بعد ، أيّها الناس ، فإنّكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يكن
أرضى لله عنكم ، ونحن أهل بيت محمّد أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء
المدّعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، وإن أبيتم إلاّ الكراهية
لنا ، والجهل بحقّنا ، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم ، وقدمت به عليّ رسلكم
، انصرفت عنكم ))(1) .
فأجابه الحرّ بن يزيد : أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل . فقال الحسين (عليه
السّلام) لعقبة بن سمعان : (( اخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إليّ
)) .
فأخرج خرجين مملوءين صحفاً فنثرت بين يديه
, فقال الحرّ : إنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا
إليك ، وقد اُمرنا أن لا نفارقك حتّى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد(2) .
ــــــــــــــــ
(1) المصدر نفسه .
(2) تاريخ الطبري 4 /
303 ، مقتل الحسين ـ محسن الأمين / 81 .
الصفحة (131)
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( الموت أدنى إليك من ذلك
)) . ثمّ قال لأصحابه : (( قوموا
فاركبوا )) . واُركبت النسوة ، فقال : (( انصرفوا )) . فحال الجيش
الاُموي دونهم .
الحسين (عليه السّلام) قال للحرّ : (( ثكلتك اُمّك ! ما تريد ؟
)) .
الحرّ : لو غيرك من العرب يقولها لي ، وهو على مثل هذا الحال التي أنت عليها ما
تركت ذكر أمّه بالثكل كائناً مَنْ كان ، ولكن ما لي إلى ذكر أمّك من سبيل إلاّ بأحسن
ما نقدر عليه .
الحسين (عليه السّلام) للحرّ : (( فما تريد ؟ )) .
الحرّ : اُريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله بن زياد .
الحسين (عليه السّلام) : (( إذاً والله لا أتبعك )) .
الحرّ : إذاً والله لا أدعك .
فترادّا بالقول ثلاث مرّات ، وكثر الكلام بينهما(1) .
الحرّ للحسين : إنّي لم أؤمر بقتالك ، وإنّما اُمرت أن لا أفارقك حتّى أقدمك الكوفة ، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة
حتّى أكتب إلى الأمير عبيد الله ؛ فلعل الله أن يرزقني العافية من أن اُبتلى بشيء
من أمرك .
ــــــــــــ
(1) المصدر نفسه / 304
.
الصفحة (132)
فخذ هنا فتياسر عن طريق العذيب والقادسية .
الحسين (عليه السّلام) أمر أصحابه بالسير والتياسر ، والحرّ يسايره(1) .
58 ـ الحسين (عليه السّلام) يخطب ثالثاً أمام كتيبة الحرّ
وبينما هم على هذا الحال يسيرون حتّى وصلوا إلى منطقة البيضة ، فوقف الحسين
(عليه السّلام) وخطب في كتيبة الحرّ بن يزيد التميمي قائلاً ، بعد أن حمد الله وأثنى عليه : (( أيّها الناس ، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : مَنْ رأى سلطاناً جائراً ،
مستحلاً لحرام الله ، ناكثاً لعهد الله ، مخالفاً لسنّة رسول الله ، يعمل في عباد
الله بالإثم والعدوان ، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله
مدخله .
ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمان ، وأظهروا
الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام الله ، وحرّموا حلاله ،
وأنا أحقّ من غيري . وقد أتتني كتبكم ، وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم أنّكم لا تسلموني
ولا تخذلوني ، فإن تمّمتم عليّ بيعتكم تصيبوا رشدكم ، فأنا
ـــــــ
(1) المصدر نفسه .
الصفحة (133)
الحسين بن علي ، وابن
فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , نفسي مع أنفسكم ، وأهلي مع أهليكم ، فلكم
فيّ اُسوة . وإن لم تفعلوا ، ونقضتم عهدكم ، وخلعتم بيعتي من أعناقكم ، فلعمري ما هي
لكم بنكر ؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم بن عقيل ، والمغرور مَنْ اغتر بكم
؛
فحظّكم أخطأتم ، ونصيبكم ضيّعتم ، ومَنْ نكث فإنّما ينكث على نفسه ، وسيغني الله عنكم ،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ))(1) .
59 ـ الحسين (عليه السّلام) يستشهد بأبيات
ثمّ سار الحسين (عليه السّلام) والحرّ يسايره أيضاً ، وهو يشدّد ويضيّق الخناق عليه في
سيره ، ثمّ قال للحسين : إنّي أذكرك الله في نفسك ؛ فإنّي أشهد لئن قاتلت لتُقتلن ،
ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى .
فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( أفبالموت تخوّفني ؟ وهل
يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ؟! ما أدري ما أقول لك , ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن
عمّه عندما أراد نصرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فقال : تذهب فإنّك مقتول .
فقال :
سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى إذا مـا نـوى حقّاًً وجاهدَ مسلما
|
ـــــــــــــــــــــــ
(1)
الكامل في التاريخ 3 / 280 ، تاريخ الطبري 4 / 304 .
الصفحة (134)
وآسـى رجالَ الصالحينَ بنفسه وفـارقَ مـثبوراًً وودّعَ مجرما
اُقـدّم نـفسي لا اُريـدُ بـقاءها لتلقى خميساً في الوغى وعرمرما فإن عشتُ لم أندم وإن متّ لم أُلمْ كـفى بكَ ذلاً أن تعيش وترغما
))
|
فلمّا سمع الحرّ ذلك من الحسين (عليه السّلام) تنحّى عنه , فصار يسير في ناحية
والحرّ يسير في ناحية اُخرى(1) .
في منطقة عذيب الهجانات
وبينما هما على هذا الحال يسيران حتّى انتهيا إلى منطقة عذيب الهجانات ، وإذا
بأربعة أنفار جاؤوا لنصرة الحسين (عليه السّلام) ، وهم : نافع بن هلال الجملي ، والطرماح بن عدي ، ومجمع بن عبد الله العائذي ، وعمرو بن خالد الصيداوي
, فمنعهم الحرّ وأراد حبسهم , فقال الحسين (عليه السّلام) : (( هؤلاء أنصاري وأعواني ، لأمنعنّهم ممّا أمنع منه نفسي ، فهم أصحابي
، وهم
بمنزلة مَنْ جاء معي . وقد كنتَ أعطيتني أن لا تعرض لي بشيء حتّى يأتيك كتاب من ابن
زياد , فإن تمّمت عليّ ما كان بيني وبينك وإلاّ ناجزتك ))(2) .
فخلى الحرّ
ــــــــــــــــ
(1)
تاريخ الطبري 4 / 305 ، مقتل الحسين ـ محسن الأمين / 84 ، الكامل في التاريخ ـ ابن
الأثير 4 / 280 .
(2)
تاريخ الطبري 4 / 306 .
الصفحة (135)
سبيلهم وكفّ
عنهم .
فسألهم الحسين (عليه السّلام) عن الناس وما وراءهم ، فقال له مجمع بن عبد الله
العائذي : أمّا أشراف الناس فقد اُعظمت رشوتهم ، وملئت غرائزهم ، ويُستمال ودّهم ،
ويُستخلص به نصيحتهم ، فهم ألب واحد عليك ؛
وأمّا سائر الناس بعد ، فإنّ أفئدتهم تهوي إليك ، وسيوفهم غداً مشهورة عليك(1) .
مقتل رسول الحسين (عليه
السّلام)
ثمّ اُخبر بمقتل رسوله قيس بن مسهر الصيداوي ، فترقرقت عينا الحسين ولم يملك دمعه ،
وقال : (( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما
بَدَّلُوا تَبْدِيلاً(2)
))(3) .
ثمّ إنّ الطرماح بن عدي ناشد الحسين (عليه السّلام) أن يذهب معه إلى قومه ( طي ) وينزل بين أجا
وسلمى ، وهما جبلان بطي ، وتكفّل له بعشرين ألف طائي يضربون بين يديه بأسيافهم .
فجزاه الحسين (عليه السّلام) وقومه خيراً ، وقال له :
(( إنّ بيننا وبين
ـــــــــــــــــــــــ
(1)
المصدر نفسه .
(2)
سورة الأحزاب / 23 .
(3)
انظر رسول الحسين مع عبيد الله بن زياد في هذا الكتاب .
الصفحة (136)
القوم قولاً
لا نقدر معه على الانصراف ، فإن يدفع الله عنّا فقديماً ما أنعم علينا وكفى ، وإن
يكن ما لا بدّ منه ففوز وشهادة إن شاء الله ))(1) .
الطرماح يحدو بالركب الحسيني
ثمّ قال الحسين (عليه السّلام) لأصحابه : (( هل فيكم مَنْ
يعرف الطريق على غير الجادة ؟ )) . فأجابه الطرماح بن عدي : أنا يابن رسول الله . فقال الحسين :
(( سر بين أيدينا )) . فسار الطرماح أمامه وهو يرتجز :
يا ناقتي لا تذعري من زجرِ وامضِ بنا قبلَ طلوع الفجرِ بـخيرِ فـتيانٍ وخيرِ سفرِ آلِ رسـولِ اللهِ آلِ الـفخرِ
|
إلى أن يقول :
أيّـد حسيناً سيدي بالنصرِ على الطغاةِ من بقايا الكفرِ على اللعينينِ سليلي صخرِ يزيدَ لا زال حليف الخمرِ
وابنِ زياد العهر وابن العهرِ(2)
|
ــــــــــــــــــــــــــ
(1)
مقتل الحسين ـ محسن الأمين / 85 ، وانظر تفصيل ذلك في تاريخ الطبري 4 / 307 .
(2)
انظر معنى هذا في تاريخ الطبري 4 / 305 .
الصفحة (137)
في قصر بني مقاتل
ولم يزل الحسين (عليه السّلام) سائراً حتّى انتهى إلى قصر بني مقاتل فنزل ورأى
فسطاطاً مضروباً فسأل عنه ، فقيل : لعبيد الله بن الحرّ الجعفي ، وهو من شجعان
الكوفة . فأرسل الحسين خلفه فاسترجع وقال : والله ما خرجت من الكوفة إلاّ كراهية
أن يدخلها الحسين وأنا بها .
فجاءه الحسين ودعاه إلى نصرته فاستعفاه , فقال الحسين : (( فو الله لا يسمع واعيتنا
أحد ثمّ لا ينصرنا إلاّ هلك )) .
ثمّ إنّ عبيد الله الجعفي قال للحسين : خذ فرسي هذه فإنّها من جياد الخيل . فأعرض
الحسين بوجهه عنه ، وقال : (( لا حاجة لنا فيك ولا في فرسك
))(1) ، ثمّ تلا قوله تعالى :
(( وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ
الْمُضِلِّينَ عَضُداً
))(2)
.
60 ـ الحسين (عليه السّلام) وابنه علي الأكبر
ولمّا كان الليل أمر الحسين (عليه السّلام) التزود بالماء والرحيل ، وبينما هم
سائرون إذ خفق الحسين خفقة وهو على ظهر
ـــــــــــ
(1)
تاريخ الطبري 4 / 307 .
(2)
سورة الكهف / 52 .
الصفحة (138)
جواده ، فانتبه قائلاً : (( إنّا لله وإنّا
إليه راجعون ، والحمد لله ربّ العالمين )) مردداً ذلك ثلاثاً .
علي الأكبر (عليه السّلام) : يا أبتِ جُعلت فداك ! ممّ حمدت الله واسترجعت ؟
الحسين (عليه السّلام) : (( يا بني ، إنّي خفقت برأسي خفقة ، فعنّ لي فارس على فرس فقال : القوم يسيرون
والمنايا تسري إليهم ، فعلمت أنّها أنفسنا نُعيت إلينا )) .
علي الأكبر (عليه السّلام) : يا أبتِ لا أراك الله سوءاً ، ألسنا على الحقّ ؟
الحسين (عليه السّلام) : (( بلى والذي إليه مرجع العباد )) .
علي الأكبر (عليه السّلام) : يا أبتِ ، إذاً لا نبالي نموت محقّين .
الحسين (عليه السّلام) : (( جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداً عن والده
))(1) .
61 ـ كتاب ابن زياد إلى الحرّ
ثمّ سار (عليه السّلام) ، ولمّا أصبح نزل وصلّى الغداة ، ثمّ عجّل بالسير ، وأخذ يتياسر
والحرّ يمانعه , وإذا برسول عبيد الله بن زياد يسلّم على الحرّ ويدفع إليه بكتاب
عبيد الله بن زياد ,
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
تاريخ الطبري 4 / 308 ، الكامل في التاريخ ـ ابن الأثير 3 / 282 .
الصفحة (139)
وهذا نصّه : « أمّا بعد ، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ، ويقدم
عليك رسولي ، فلا تنزله إلاّ بالعراء ، في غير حصن وعلى غير ماء . وقد أمرت رسولي
أن يلزمك ولا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري ، والسّلام »(1) .
فعندها قال الحرّ للحسين (عليه السّلام) وأصحابه : هذا كتاب عبيد الله يأمرني فيه أن
اُجعجع بكم في
المكان الذي يصل كتابه إليّ ، وهذا رسوله لا يفارقني حتّى أنفذ أمره .
فقال المهاصر
أبو الشعثاء الكندي ـ أحد أصحاب الحسين (عليه السّلام) ـ إلى رسول عبيد الله بن زياد :
أمالك بن النسير البدي ؟
قال : نعم .
فقال أبو الشعثاء : ماذا جئت فيه ؟
قال رسول عبيد الله : وما جئت فيه ! أطعت إمامي ، ووفيت ببيعتي .
فقال له أبو الشعثاء
: عصيت ربّك ، وأطعت إمامك في هلاك نفسك ، كسبت العار والنار . قال الله عزّ وجلّ :
(
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا
يُنْصَرُونَ )(2) فهو إمامك(3) .
ـــــــــــــــــــــــ
(1)
تاريخ الطبري 4 / 308 ، الكامل في التاريخ 3 / 282 .
(2)
سورة القصص / 41 .
(3)
تاريخ الطبري 4 / 308 .
الصفحة (140)
62 ـ الحسين (عليه السّلام) وكربلاء
وكلّما أراد الحسين (عليه السّلام) أن يسير بركبه ، الحرّ وأصحابه يمنعونه
ويحولون
دونه ، فترافعا , فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( ألم تأمرنا بالعدول عن الطريق ؟
)) .
قال : بلى ، ولكن كتاب الأمير عبيد الله أمرني بالتضييق عليك ، وجعل عليّ عيناً .
فقال زهير بن القين للحسين (عليه السّلام) : إنّي والله لا أرى أن يكون بعد الذي ترون
إلاّ أشدّ يابن رسول الله ، وإنّ قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال مَنْ
يأتينا بعدهم .
فأجابه الحسين (عليه السّلام) : (( ما كنت لأبدأهم بالقتال ))(1) .
فقال زهير : فسر بنا يابن رسول الله حتّى ننزل كربلاء(2)
؛ فإنّها على شاطئ الفرات
فنكون هناك , فإن قاتلونا قاتلناهم واستعنا الله عليهم .
فقال الحسين (عليه السّلام) : (( اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء
)) .
ثمّ سار والحرّ
يضيّق ويشدّد الخناق على سير الحسين (عليه السّلام) حتّى وصل كربلاء يوم الخميس ، وهو اليوم الثاني
من
ـــــــــــــــ
(1)
المصدر نفسه / 309 .
(2)
كربلاء : تحوير لكلمة : (كرب إيلا) أي معبد الإله ، وهو المعبد الكبير في تلك الأرض
قديماً قبل الإسلام .
الصفحة (141)
محرّم سنة 61هـ ، وقال : (( أهذه كربلاء ؟
)) . قالوا : نعم يابن رسول الله .
قال (عليه السّلام) : (( هذا موضع كرب وبلا ، انزلوا
, ها هنا مناخ ركبانا ،
ومحطّ رحالنا ، ومقتل رجالنا ، ومسفك دمائنا ))(1) .
فنزلوا جميعاً في جانب ، ونزل الحرّ وأصحابه في جانب آخر .
ــــــــــــــــ
(1)
تاريخ الطبري 4 / 309 .
الصفحة (142)

الصفحة (143)
الركب الحسيني
وكربـلاء
(( انـزلوا ، هـاهنا منـاخ ركبانـا ، ومحـطّ
رحالنا ، ومقتل رجالنا ، ومسفك دمائنا ))
الصفحة (144) |