دروس في بناء المجلس الحسيني

 
 

الدرس الخامس: الأطوار

أخذنا في درسنا السابق الطور الأول وهو طور (الدَرْج) حيث المرحلة الأولى، والآن نكمل بقية الأطوار والمراحل.

المرحلة الثانية: (طور المُثْكِل) بعد أن ينهي الخطيب إنشاد مقدمة القصيدة الرثائية بطور الدرج الهادي المسترسل الانسيابي، وتصل القصيدة إلى ذكر كربلاء أو مقدماتها وأحداثها، فلا بد للخطيب هنا أن يتوافق مع هذا الارتقاء، حيث يرفع من وتيرة صوته، ويوّدع طور الدَرْج الذي بدأ به القصيدة، والذي أوصله إلى مستوىً يمكِّنه من رفع صوته، وتغيير نبراته، وترجيع الكلمات وترديدها بأسلوب شجيٍّ من جهة وقويّ من جهة أخرى... حيث يبرز الطور الثاني وهو طور (المُثْكِل) وهو كما يدل معناه على الثُكل (وهو الفقد) والحزن والفراق واللوعة... وكل مرادفات الحزن والوجد الذي تختزنه لفظة (المُثْكِل). وهنا يحدث تغيّر فني في قراءة نفس البيت الشعري، إذ كان البيت بطور الدرج يُقرأ بأسلوب واحد تقريباً... أما في طور المُثْكِل فنجد أن صدر البيت يقرأ بأسلوب فيما يقرأ عجزه بأسلوب آخر... حيث يقوم صدر البيت بعملية تهيئة وإعداد لأذن المستمع وأحاسيسه على حدّ سواء، للتصعيد القوي والحزين الذي سيتولاه الشطر الثاني من البيت (العجز).


الصفحة (44)

والشطر الثاني بدوره ينتهي بتوقّف بعد مدّ للصوت مِن قِبَل الخطيب، في آخر كلمة في البيت، ويفضّل أن يكون المدّ مع حرف من حروف المدّ (الألف، الواو، الياء) فيجيبه الجمهور بصوت أنين يتناغم مع الأنة، التي يطلقها الخطيب في هذه النقطة. وحينما يرفع الجمهور صوته بالأنين فإن الخطيب يسكت ليسمح لصوت الجمهور بالارتفاع والبروز، وليتّم التجاوب العاطفي المنشود من جهة، ولكي يلتقط الخطيب أنفاسه ويملأ رئتيه بالهواء وبما يمكنّه من إكمال شطر الكلمة التي توقف عندها وبأسلوب المدّ أيضاً، ثم ليجيبه الجمهور مرة أخرى في نهاية البيت تماماً...

وهو أيضاً ما يُمكّن الخطيب من التقاط أنفاسهِ ثانية واستعداده لإنشاد البيت الثاني من طور المُثْكِل، وهكذا...

وأقل ما يقرأ به طور (المثكل) هذا عادةً هو ثلاثة أبيات، وإلا فيمكن أن يقرأ بضعف هذا العدد أو أكثر، خاصة مع وجود خطيب متمرس يجيد هذا الطور، الذي قد يأتي بدوره بأنحاء وأساليب متغيّرة كاجتهادات صوتية - إذا صحّ التعبير- ضمن الأسلوب العام الذي يحكم طور المثكل...

وبعض الخطباء قد يكتفون بهذا الطور حيث يُنهون قصيدتهم به، ثم يوردون ما يرونه مناسباً من أبيات الشعر الرثائي الشعبي؛ باللهجة العراقية أو اللهجة الخليجية، المعروفة بالطور البحراني أو الطور الفائزي، نسبة للملاّ ابن فايز الشاعر والخطيب المعروف. نعم قد يكتفي بعض الخطباء بطوري الدرج ثم المثكل فقط، ولكن بعض الخطباء من جهة وبما تمليه وتعتاده مجالس عريقة من جهة أخرى، تحتّم على الخطيب أن ينتقل إلى الطور الثالث، الأكثر تهييجاً للعواطف واذكاءً


الصفحة (45)

لأحزان، وتحفيزاً للجمهور الحسيني. وبهذا تأتي المرحلة الأخرى...

المرحلة الثالثة: لقد كنا ملزمين في المرحلة الأولى، ونحن في بداية القصيدة بالقراءة والإنشاد بالطور الهادئ وهو طور (الدَرْج) ثم كنا في المرحلة الثانية ملتزمين بالطور الذي يجعل الجمهور متجاوباً مع الخطيب في إنشاده وأنينه وهو طور (المُثْكِل).

أما في المرحلة الثالثة من مراحل إنشاد قصيدة الرثاء الحسيني والتي قد يحتاجها الخطيب الحسيني لمزيد من الإذكاء العاطفي والتفاعل الجماهيري، فإن الخطيب قد يختار فيها طريقة دون أخرى، أي أنه لا يعدّ ملزماً بحسب أعراف المنبر الحسيني السائدة - بأن يقرأ المرحلة الثالثة من القصيدة بطور معيّن، بل له الخيار بأن يختار الطور الذي يراه مناسباً، وقد يغيّره من قصيدة لأخرى أو من مجلس لآخر، أو من بلد أو منطقة لأخرى.

فقد تقرأ المرحلة الثالثة بأحد هذه الأطوار:

أ- طور الحدي... والذي قد يكون من أقدم الأطوار وأعرقها لأنه يناسب الحان العرب القديمة وطرق حدائها للقوافل والإبل، ولهذا الطور جمهوره المتعلق به، وخاصة في مجالس منطقة الخليج، حيث يصل التجاوب فيه مع الخطيب إلى أقصاه. وهو طور حزين يعين كثيراً على استدرار الدمعة وإذكاء العاطفة.

ب- طور التخميس... ولعله من أكثر الأطوار -إن لم يكن أكثرها على الإطلاق- شهرةً، إذ يتناسب مع قراءة أبيات النعي بالفصحى (القريض) أثناء المصيبة وفي نهاية المجلس الحسيني. وبه تقرأ كذلك


الصفحة (46)

لأبيات المخمسة (أصلها بيت شعر تصاغ ثلاثة أشطر على وزن وقافيه الشطر الأول منه، فيكون المجموع خمسة أشطر فيسمى بالتخميس). كمثال: نأخذ أحد الأبيات الرثائية المشهورة مثل:

إنسان عيني يا حسين أخيّ يا      أملي وعقد جماني المنضودا

للشاعر الحاج هاشم الكعبي رحمه الله.

فيكون التخميس كالتالي:

هذي عيالك في الطفوف بواكيا

ناعٍ يجاوب بالأنين نواعيا

وإليك أشكو يا حسين بلائيا

إنسان عيني يا حسي أخيّ يا

وعقد جماني المنضودا

ومن هنا أطلق عليه طور التخميس.

وقد ينتقل الخطيب من طور المثكل إلى طور التخميس في بعض الحالات، وهذا الانتقال قد يكون مناسباً في تلك المجالس التي لم يألف روّادها التجاوب مع الخطيب بالأنين والحنين، حيث يُجهد الخطيب صوته في قراءته لطور المثكل المتقدم، مع عدم وجود استجابة جماهيرية معه يستعيد بها أنفاسه كما ذكرنا آنفاً، فيجد الخطيب أن الأفضل له -ومع عدم وجود تجاوب جماهيري بأصواتهم وحنينهم وأنينهم- ان ينتقل إلى طور التخميس الذي يثير البكاء أكثر مما يثير الأنين والتجاوب الجماهيري.


الصفحة (47)

وربما يُستفاد من هذا الطور في إنشاد بعض التخاميس غير المرتبطة بالقصيدة قافيةً، لكنها تؤدي نفس المؤدى المطروق حيث يأتي بها لإكمال القصيدة، وخاصة إذا كانت أبيات القصيدة الأساسية قليلة لا تفي بالمطلوب، فيجد الخطيب نفسه مضطراً هنا، إلى إعطاء فقرة القصيدة حقها بإنشاد تخميس أو أكثر وبما يناسب نفس مضمون القصيدة نفسها.

ح- طور القزويني، وهو من الأطوار الحزينة والمشجية، ولكنه طور قليل الإستخدام من قبل خطباء المنبر الحسيني حالياً، ولهذا فهو طور لا يحظى بشهرة في عالم المنبر الحسيني، كما انه يحتاج إلى حنجرة ذات أوتار صوتية ملائمة له، وحسن إجادة إنشاده من جهة أخرى.

فهنا قد يجد خطيب المنبر الحسيني أن من المناسب له، أو أنه قد اعتاد هذا الطور بالخصوص، فينتقل إليه في إنشاد قصيدته بعد طور المثكل. إذن فالخطيب بعد إكماله المرحلة الأولى (الدَرْج) ثم المرحلة الثانية (المثكل) سيكون مخيّراً بين أربعة خيارات:

1- أن ينهي قصيدته بطور المثكل نفسه فقط.

2-أو ينهي قصيدته بعد المثكل بطور الحدي.

3- أو ينهي قصيدته بعد المثكل بطور التخميس.

4- أو ينهي قصيدته بعد المثكل بطور القزويني.

وفي ختام هذا الدرس، لا بد من التأكيد، أنه لا يمكن القفز من طور (الدَرْج) إلى أحد الأطوار المذكورة أعلاه، دون المرور بطور (المُثْكِل)، لأن طور المثكل يعتبر جسراً ينتقل الخطيب به من طور الدرج إلى أطوار المرحلة الثالثة.


الصفحة (48)

 
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى