الحسين أبو الشهداء

 
 

الصفحة (120)

كان اصطحاب النّساء والأبناء عادة عربيّة في البعوث التي يتصدى لها المرء متعمّداً القتال دون غيره , فضلاً عن البعوث التي قد تشتبك في القتال وقد تنتهي بسلام كبعثة الحُسين .

فكان المقاتلون في وقعة ذي قار يصطحبون حلائلهم وذراريهم ، ويقطعون وضن الرواحل ـ أي أحزمتها ـ قبل خوض المعركة ، وكان المُسلمون والمشركون معاً يصطحبون الحلائل والذراري في غزوات النّبي (ص) ، وكان مع المُسلمين في حرب الروم صفوة نساء قريش وعقائل بيوتاتها ، وكان النّبي (عليه الصّلاة والسّلام) يصطحب زوجة أو أكثر من زوجة في غزواته وحروبه ، وحكم الواحدة هُنا حكم الكثيرات ، وهي عادة عربيّة عريقة يقصدون بها الإشهاد على غاية العزم وصدق النيّة فيما هُم مقبلون عليه ، وفي معلّقة ابن كلثوم إشارة مجملة إلى معنى هذه العادة العربيّة من قديم عصورها , حيث يقول :

على آثارِنا بيضٌ حسانٌ      نحاذرُ أنْ تُقسَّمَ أوْ iiتهونا
يقُتنَ  جيادَنا ويقُلنَ لستمُ      بـعولتَنا  إذا لمْ iiتمنعونا

وقد كان الحُسين (رضي الله عنه) يندب النّاس لجهاد يخوضونه إن


الصفحة (121)

قضي عليهم أن يخوضوه فلا يبالون ما يصيبهم في أنفسهم وفي أبنائهم وأموالهم ؛ لأنّهم يطلبون به ما هو أعزّ على المؤمن من النّفس والولد والمال ، فليس من المروءة أن يندبهم لأمر ولا يكون قدوة لهم فيه .

وكان على الحُسين ـ وقد أزمع الخروج ـ أن يجمع له أقوى حجّة في يديه , ويجمع على خصومه أقوى حجّة تنقلب عليهم إذا غلبوه وأخفق في مسعاته . . . فيكون أقوى ما يكون وهو منتصر ، ويكونون أبغض ما يكونون وهو مخذول . . . والمُسلم الذي ينصر الحُسين لنسبه الشّريف أولى أن ينصره غاية نصره وهو بين أهله وعشيرته ، وإلاّ فما هو بناصره على الاطلاق ، وتنقلب الآية في حالة الخذلان ، فينال المنتصر من البغضاء والنقمة على قدر انتصاره الذي يوشك أن ينقلب عليه .

صواب الشُهداء :

وجملة ما يقال : إنّ خروج الحُسين من الحجاز إلى العراق ، كان حركة قوية لها بواعثها النّفسية التي تنهض بمثله ولا يسهل عليه أن يكبتها أو يحيد بها عن مجراها ، وإنّها قد وصلت إلى نتائجها الفعّالة من حيث هي قضية عامّة تتجاوز


الصفحة (122)

الأفراد إلى الأعقاب والأجيال ، سواء أكانت هذه القضية نصرة لآل الحُسين أم حرباً لبني اُميّة . . .

إنّما يبدو الخطأ في هذه الحركة حين ننظر إليها من زاوية واحدة ضيّقة المجال قريبة المرمى ، وهي زاوية العمل الفردي الذي يراض بأساليب المعيشة اليومية ويدور على النفع العاجل للقائمين به والداعين إليه ، فحركة الحُسين لم تكن مسدّدة الأسباب لمنفعة الحُسين بكلّ ثمن وحيثما كانت الوسيلة ؛ وعلّة ذلك ظاهرة قريبة ، وهي : إنّ الحُسين رضي الله عنه طلب الخلافة بشروطها التي يرضاها , ولم يطلبها غنيمة يحرص عليها مهما تكلّفه من ثمن ومهما تتطلب من وسيلة .

وهُنا غلطة الشُهداء . . . بل قُل : هُنا صواب الشُهداء . . . ومَن هو الشّهيد إن لم يكن هو الرّجل الذي يُصاب ويعلم أنّه يُصاب ؛ لأنّ الواقع يخذله ولا يجري معه إلى مرماه ؟

منذ القدم أخطأ الشُهداء هذا الخطأ ، ولو أصابوا فيه لما كانوا شُهداء ولا شرفت الدُنيا بفضيلة الشّهادة . . .


الصفحة (123)

فالحُسين (رضي الله عنه) قد طلب خلافة الرّاشدين حيث لا تتسنى خلافة الرّاشدين ، أو حيث تتسنى الدولة الدنيوية التي يضنّ بها أصحابها ويتكالبون عليها ويتوسلون إليها بوسائلها . . . فكانت عنايته بالدعوة والإقناع أعظم جدّاً من عنايته بالتنظيم والإلزام . . .

نزل رسوله الأوّل مُسلم بن عقيل بالكوفة صفر اليدين من المال , حتّى احتاج فيها أن يقترض سبعمئة درهم هي التي أوصى بردّها إلى أصحابها قبل قتله ، وتلك عقبة من العقبات التي تعوق دعوات الكبار ، ولكنّها على هذا لم تكن بالعقبة العصية التذليل . . . فلو أنّه قد طلب المال من وسائله الدنيويّة أو السّياسية ، لما استعصى عليه أن يأخذ منه ما يكفيه .

فلعلّه كان ميسوراً له بعد أن تجمّع حوله الأنصار وبايع الحُسين على يديه ثلاثون ألفاً , كما جاء في بعض الرّوايات . ففي تلك اللحظة لعلّه كان يستطيع أن يحيط بقصر الوالي الأموي ويستولي عليه وينشئ الحكومة الحسينية فيه . ثمّ لعلّه كان يستطيع بعد ذلك أن يوجّه الدعاة إلى أطراف الدولة الشّرقية ؛ ليتلقّى البيعة ويقيم الولاة ويحشد الأجناد . . .


الصفحة (124)

فإذا كان هذا فاته حتّى خفّ الاُمويّون لدرء الخطر عنهم وبعثوا إلى الكوفة بعبيد الله بن زياد ، فقد سيق عبيد الله هذا في يوم من الأيّام إلى يديه وكان في وسعه أن يبطش به ويستوي على كرسيه ويحرم يزيد بن معاوية نصيراً من أعنف أنصاره . . . وقد فاته هذا ؛ لأنّ شريعة الخلافة لا تبيحه في رأيه ، أو لأنّه اعتقد أنّ الحقّ بيّن وأنّ الباطل بيّن . . . فلا حاجة به بعد التمييز بينهما إلى فتكة الغدر كما سماها ، ولا محل عنده لإهدار الدماء وهو ينعي على الدولة القائمة أنّها تهدر الدماء بالشبهات .

ولقد رأى مُسلم أنّ حقّ صاحبه في الخلافة قائم على شيء واحد , وهو إقبال النّاس إليه طائعين ومبايعتهم إيّاه مختارين , فأمّا وقد تفرّقوا عنه رهبة من السلطان أو ضعفاً في اليقين ، فالرّأي عنده أن يكتب إلى صاحبه يعلمه بانفضاض النّاس عنه ويثنيه عن القدوم ، ولا حقّ له عليهم بعد ذلك حتّى يثوبوا إليه . . .

وقيام الخلافة على هذا الاختيار عقيدة لا نفهمها نحن الآن ، ولكن قد يفهمها يومئذ مَن كان على مقربة من عهد النّبوّة وعهد الصدّيق والفاروق . . . فقد كان الصراع بين الحُسين ويزيد أوّل تجربة من قبيلها بعد عهد النّبوّة وعهد الخلفاء الأوّلين . . .


الصفحة (125)

لم يكن الصراع بين عليّ ومعاوية على هذا الوضوح الذي لا شبهة فيه بين الحقّ والباطل وبين الفضيلة والنّقيصة . . . لكنّه في بيعة الحُسين كان قد وضح وضوح الصبح لذي عينين .

وكان ذلك ـ كما قُلنا ـ أوّل تجربة من قبيلها بعد عهد الفداء في سبيل العقيدة والإيمان . . . بعد العهد الذي كان الرّجل فيه يخرج من ماله وينفصل من ذويه ويتجرّد لحرب أبيه وأخيه وبنيه إن خالفوه في أمر الإسلام . . . بعد العهد الذي كان القليل فيه من المُسلمين يصدّون الكثير من المشركين وفي أيديهم السّلاح والعتاد ، ومن ورائهم المعاقل والأزواد . . . بعد العهد الذي تغيّر فيه النّاس ، وخُيل إلى مَن كان يعهدهم على غير تلك الحال أنّهم متغيّرون . . .

النّاس عبيد الدُنيا :

فكيف ينخذل الحُسين وينتصر يزيد في عالم شهد النّبوّة وشهد الخلافة على سنّة الرّاشدين ؟ إنّ كلمة واحدة قالها الحُسين في ساعة يأسه تشف عن مبلغ يقينه بوجوب الحقّ وعجبه من أن يكون الأمر غير ما وجب ، وذلك حيث قال : (( النّاسُ عبيدُ الدُنيا ، والدينُ لعقٌ على ألسنتهم يحوطونهُ ما درّت به معائشهم ، فإذا مُحّصوا بالبلاءِ قلَّ الديّانون )) .

إنّ الطبائع الأرضية لا تنخدع في صلاح النّاس ولا تعجب هذا


الصفحة (126)

العجب ؛ لأنّها لا تخرج من نطاقها المحدود ولا تصدّق ما وراءها من الآمال والوعود .

إنّها لا تضلّ عن طريق المنفعة ؛ لأنّها لا تعرف غيرها من طريق ، إنّها تؤثر القنديل الخافت في يدها على الكوكب اللامع في السّماء ، لا لأنّها لا ترى الكوكب اللامع في السّماء ، بل لأنّها ترى القنديل والكوكب فتعلم أنّ هذا قريب وأنّ ذاك جد بعيد . . . إنّها لا تنخدع بالسّراب ؛ لأنّها لا تخرج من عقر دارها ولا تشعر بظمأ الفؤاد ولا تنظر إلى السّراب . . . ولكن طبيعة الشُهداء غير طبيعة المساومة على البيع والشّراء .

طبيعة المساومة موكلة بالحرص على الهنات . . . وطبيعة الشّهادة موكلة ببذل الحياة لما هو أدوم من الحياة . . . وشتان طبيعة وطبيعة ، وشتان خطأ الشُهداء وخطأ المساومين .

وليست موازين المساومة بالموازين الفذّة التي يصلح عليها أمر بني الإنسان ، فإنّ بني الإنسان ما بهم غنى قط عن الذين يخطئون ؛ لأنّهم أرفع من المصيبين ، وإنّهم لهم الشُهداء .

وإنّهم لعلى صواب في المدى البعيد ، وإن كانوا على خطأ في المدى القريب . . . مدى الأجواف والمعدات والجلود لا مدى الأرواح والأخلاد . . .


الصفحة (127)

من هؤلاء كان الحُسين رضي الله عنه ، بل هو أبو الشُهداء وينبوع شهادة متعاقبة لا يقرن بها ينبوع في تاريخ البشر أجمعين .

فلا جرم يصيب في المدى البعيد ويخطئ في المدى القريب . . . مدى المنفعة التي تناله هو في معيشة يومه ، وهو المدى الذي لا يأسف عليه ولا ينص الركاب إليه .

* * *


الصفحة (128)


الصفحة (129)

كربلاء

الحرّم المُقدّس :

عرفت قديماً باسم (كور بابل) ثمّ صحفت إلى كربلاء ، فجعلها هذا التصحيف عرضة لتصحيف آخر يجمع بين الكرب والبلاء ، كما رسمها بعض الشُعراء . . .

ولم يكن لها ما تذكر به في أقرب جيرة لها فضلاً عن إرجاء الدُنيا البعيدة منها . . . فليس لها من موقعها ، ولا تربتها ، ولا من حوادثها ، ما يغري أحداً برؤيتها ثمّ يثبت في ذاكرة من يراها ساعة يرحل عنها . فلعلّ الزمن كان خليقاً أن يعبر بها سنة بعد سنة وعصراً بعد عصر ، دون أن يسمع لها اسم أو يحسّ لها بوجود . . . إلاّ أن تذكر نينوى وجيرتها فتدخل في زمرة تلك الجيرة بغير حساب .

وشاءت مصادفة من المصادفات أن يُساق إليها ركب الحُسين بعد أن حيل بينه وبين كلّ وجهة اُخرى ، فاقترن تاريخها منذ ذلك اليوم بتاريخ الإسلام كلّه , ومن حقّه أن يقترن بتاريخ بني الإنسان حيثما


الصفحة (130)

عرفت لهذا الإنسان فضيلة يستحقّ بها التنويه والتخليد .

فهي اليوم حرم يزوره المُسلمون للعبرة والذكرى ، ويزوره غير المُسلمين للنظر والمشاهدة ، ولكنّها لو أعطيت حقّها من التنويه والتخليد ، لحقّ لها أن تصبح مزاراً لكلّ آدمي يعرف لبني نوعه نصيباً من القداسة وحظّاً من الفضيلة ؛ لأنّنا لا نذكر بقعة من بقاع هذه الأرض يقترن اسمها بجملة من الفضائل والمناقب , أسمى وألزم لنوع الإنسان من تلك التي اقترنت باسم كربلاء بعد مصرع الحُسين فيها .

فكلّ صفة من تلك الصفات العلوية التي بها الإنسان إنسان ، وبغيرها لا يحسب غير ضرب من الحيوان السّائم . . . فهي مقرونة في الذاكرة بأيّام الحُسين رضي الله عنه في تلك البقعة الجرداء . . . وليس في نوع الإنسان صفات علويات أنبل ولا ألزم له من الإيمان والفداء والإيثار , ويقظة الضمير , وتعظيم الحقّ , ورعاية الواجب , والجلد في المحنة , والأنفة من الضيم , والشّجاعة في وجه الموت المحتوم . . .

وهي ـ ومثيلات لها من طرازها ـ هي التي تجلّت في حوادث كربلاء منذ نزل بها ركب الحُسين ، ولم تجتمع كلّها ولا تجلّت قط في موطن من المواطن تجلّيها في تلك الحوادث ، وقد شاء القدر أن تكون في جانب منها أشرف ما يشرّف به أبناء آدم ؛ لأنّها في الجانب الآخر منها أخزى ما يخزى به مخلوق من المخلوقات . . .

وحسبك من تقويم الأخلاق في تلك النّفوس ، أنّه ما من أحد


الصفحة (131)

قُتل في كربلاء إلاّ كان في وسعه أن يتجنب القتل بكلمة أو بخطوة ، ولكنّهم جميعاً آثروا الموت عطاشاً جياعاً مناضلين على أن يقولوا تلك الكلمة أو يخطوا تلك الخطوة ؛ لأنّهم آثروا جمال الأخلاق على متاع الحياة . . .

أو حسبك من تقويم الأخلاق في نفس قائدها وقدوتها أنّهم رأوه بينهم فافتدوه بأنفسهم ، ولن يبتعث المرء روح الاستشهاد فيمن يلازمه إلاّ أن يكون هو أهلاً للاستشهاد في سبيله وسبيل دعوته ، وأن يكون في سليقة الشّهيد الذي يأتمّ به الشُهداء .

نموت معك :

أقبل الفتى الصغير عليّ بن الحُسين على أبيه . . . وقد علم أنّهم مخيّرون بين الموت والتسليم فسأله : ألسنا على الحقّ ؟! قال الوالد المنجب النّجيب : (( بلى والذي يرجع إليه العباد )) . فقال الفتى : يا أبه ، فإذن لا تُبالي . . . وهكذا كانوا جميعاً لا يُبالون ما يلقون ، ما علموا أنّهم قائمون بالحقّ وعليه يموتون . . .


الصفحة (132)

وأراد الحُسين ـ وقد علم أنّ التسليم لا يكون ـ أن يبقى للموت وحده وألاّ يعرّض له أحداً من صحبه ؛ فجمعهم مرّة بعد مرّة وهو يقول لهم في كلّ مرّة : (( لقد بررتم وعاونتم ، والقوم لا يريدون غيري , ولو قتلوني لم يبتغوا غيري أحداً . . . فإذا جنّكم الليل فتفرّقوا في سواده وانجوا بأنفسكم . . . )) .

فكأنّما كان قد أراد لهم الهلاك ولم يرد النّجاة ، وفزعوا من رجائهم إيّاه كما يفزع غيرهم من مطالبتهم بالثبات والبقاء . وقالوا له ـ كأنّهم يتكلمون بلسان واحد ـ : معاذ الله والشّهر الحرام . . . ماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم ؟ أنقول لهم إنّا تركنا سيّدنا وابن سيّدنا وعمادنا ، تركناه غرضاً للنبل ودريئة للرماح وجزراً للسباع ، وفررنا عنه رغبة في الحياة ؟ معاذ الله . . . بل نحيا بحياتك ونموت معك .

قالوا له نموت معك ولك رأيك , ولم يخطر لأحد منهم أن يزيّن له العدول عن رأيه إيثاراً لنجاتهم ونجاته . ولو خادعوا أنفسهم قليلاً لزيّنوا له التسليم وسمّوه نصيحة مخلصين يريدون له الحياة ، ولكنّهم لم يخادعوا أنفسهم ولم يخادعوه ، ورأوا أصدق النّصيحة له أن يجنبوه التسليم ولا يجنبوه الموت ، وهُم جميعاً على ذلك .

ولم يكونوا جميعاً من ذوي عمومته وقرباه ، بل كان منهم غرباء نصحوا له ولأنفسهم هذه النّصيحة التي ترهب العار ولا ترهب الموت . فقال له زهير بن القين : والله , لوددت أنّي قُتلت ثمّ نُشرت ثمّ قُتلت حتّى


الصفحة (133)

اُقتل هكذا ألف مرّة ، ويدفع الله بذلك الفشل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك .

وقال مُسلم بن عوسجة ـ كأنّه يعتب لما اختار له من السّلامة ـ : أنحن نخلي عنك ؟ وبِمَ نعتذر إلى الله في أداء حقّك ؟ لا والله , حتّى أطعن في صدورهم برمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ، ولو لم يكن معي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة . والله , لا نخليك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسوله فيك . وأما والله , لو علمت أنّني اُقتل ثمّ أحيى ثمّ اُحرق ثمّ أحيى ثمّ اُحرق ثمّ أذرّى , ويُفعل بي ذلك سبعين مرّة , ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك . . .

وجيء إلى رجل من أصحابه الغرباء بنبأ عن ابنه في فتنة الديلم ، فعلم أنّ الديلم أسروه ولا يفكّون إساره بغير فداء ، فأذن له الحُسين أن ينصرف وهو في حلّ من بيعته ويعطيه فداء ابنه ، فأبى الرّجل إباء شديداً ، وقال : عند الله أحتسبه ونفسي . ثمّ قال للحسين : هيهات أن أفارقك ثمّ أسأل الركبان عن خبرك , لا يكن والله هذا أبداً . . .

* * *

وقد تناهت هذه المناقب إلى مداها الأعلى في نفس قائدهم الكريم . . . يخيّل إلى الناظر في أعماله بكربلاء أنّ خلائقه الشّريفة كانت في سباق بينها أيّها يظفر بفخار اليوم ، فلا يدري أكان في شجاعته أشجع ، أم في صبره أصبر ، أم في كرمه أكرم ، أم في إيمانه وأنفته وغيرته على الحقّ


الصفحة (134)

بالغاً من تلك المناقب المثلى أقصى مداه . . . إلاّ أنّه كان يوم الشّجاعة لاُمراء ، وكانت الشّجاعة فضيلة الفضائل التي تمدّها سائرها بروافد من كلّ خلق نبيل يعينها على شأنها , فكان الحُسين ـ شبل عليّ ـ في شجاعته الروحية والبدنية معاً غاية الغايات ، وكان مضرب المثل بين الرعيل الأوّل من أشجع الشّجعان في أبناء آدم وحواء . . .

ملك جأشه ومن حوله نساؤه وأبناؤه في نضارة العمر ، يجوعون ويظمؤون ، ويتشبثون به ويبكون ، وملك جأشه روية وأناة ولم يملكه وثبة واثب إلى الغضب أو هيجة مهتاج إلى الوغى ، فكان قبل القتال وفي حومة القتال قوياً بصيراً ينفض الضعف عن عزائمه ، كما ينفض الأسد غبرات الحصباء عن لبده ، ولم يخامره الأسف قط في ذلك الموقف المرهوب , إلاّ من أجل أحبّائه وأعزّائه الذين يراهم ويرونه ويسمع صيحتهم ويسمعونه , فقال وهو ينظر إلى الأخبية ومَن فيها : (( لله درّ ابن عبّاس فيما أشار به عليّ ! )) .

وجلس ليلة القتال في خيمته يعالج سهاماً له بين يديه ويرتجز وأمامه ابنه العليل .

يا دهرُ أفٍّ لك منْ خليلِ       كمْ لك بالإشراقِ والأصيلِ


الصفحة (135)

مـن صاحبٍ وماجدٍ iiقتيلِ      والـدهرُ لا يـقنعُ بالبديلِ
والأمرُ في ذاكَ إلى الجليلِ      وكـلُّ حـيٍّ سالكٍ iiسبيلي

فردّ ابنه عبرته لكيلا يزيده ألماً على ألمه . وسمعته أخته زينب ، فلم تقو على حنانها ووجلها ، وخرجت إليه من خبائها حاسرة تُنادي : وا ثكلاه ! اليوم مات جدّي رسول الله ، واُمّي فاطمة الزهراء ، وأبي عليّ وأخي الحسن , فليت الموت أعدمني الحياة . يا حُسيناه ! يا بقية الماضين وثمالة الباقين !

فبكى لبكائها ولم ينثن ذرّة عن عزمه الذي بات عليه ، وقال لها : (( يا اُخت , لو تُرك القطا لنام )) . ولم يزل يناشدها ويعزّيها ، وهو في قرارة نفسه مستقرّ كالطود على مواجهة الموت وإباء التسليم ، أو النزول على حكم ابن مرجانة كما قال . . . ثمّ احتملها مغشيّاً عليها حتّى أدخلها الخباء .

* * *


الصفحة (136)

من الممالك وما حوته ، ومن الدول وما حفظته أو ضيعته ، بل أحقّ بالبقاء من رواسي الأرض وكواكب السّماء . . .

حرب النّور والظلام :

وكانت فئة الحُسين صغيرة ـ كما علمنا ـ قد رصدت لها ـ هُنالك ـ تلك الفئة الكبيرة التي تناقضها أتمّ ما يكون التناقض بين طرفين ، وتباعدها أبعد ما تكون المسافة بين قطبين ، فكلّ ما فيها أرضي مظلم مسف بالغ في الإسفاف ، وليس فيها من النفحة العلوية نصيب . . .

أللمصادفات نظام وتدبير ؟! نحن لا نعلم إلاّ أنّها مصادفات يخفى علينا ما بينها من الوشائج والصلات . . . ولكنّها ـ لذلك ـ هي الأعاجيب التي تستوقف النظر لعجبها العاجب ، وإن لم تستوقفه لما يفهمه فيها من نظام وتدبير ؛ فجيرة كربلاء كانت قديماً من معاهد الإيمان بحرب النور والظلام ، وكان حولها اُناس يؤمنون بالنضال الدائم بين أورمزد وأهرمان , ولكنّه كان في حقيقته ضرباً من المجاز وفنا من الخيال .

وتشاء مصادفات التاريخ إلاّ أنْ ترى هذه البقاع التي آمنت بأورمزد وأهرمان , حرباً هي أولى أنْ تسمّى حرب النور والظلام من حرب الحُسين ومقاتليه . . .

* * *


الصفحة (137)

وهي عندنا أولى بهذه التسمية من حروب الإسلام والمجوسية في تلك البقاع وما وراءها من الأرض الفارسية ؛ لأنّ المجوسي كان يُدافع شيئاً ينكره . . . ففي دفاعه معنى من الإيمان بالواجب كما تخيله ورآه ، ولكن الجيش الذي أرسله عبيد الله بن زياد لحرب الحُسين , كان جيشاً يحارب قلبه لأجل بطنه أو يحارب ربّه لأجل واليه ؛ إذ لم يكن فيهم رجل واحد يؤمن ببطلان دعوى الحُسين أو رجحان حقّ يزيد ، ولم يكن فيهم كافر ينفح عن عقيدة غير عقيدة الإسلام ، إلاّ مَن طوى قلبه على كفر كمين هو مخفيه ، ولا نخالهم كثيرين . . .

ولو كانوا يحاربون عقيدة بعقيدة ، لما لصقت بهم وصمة النّفاق ومسبّة الأخلاق . . . فعداوتهم ما علموا أنّه الحقّ وشعروا أنّه الواجب أقبح بهم من عداوة المرء ما هو جاهله بعقله ومعرض عنه بشعوره ؛ لأنّهم يحاربون الحقّ وهُم يعلمون . . . ومن ثمّ كانوا في موقفهم ذاك ظلاماً مطبقاً , ليس فيه من شعور الواجب بصيص واحد من عالم النور والفداء . . . فكانوا حقّاً في يوم كربلاء قوّة من عالم الظلام تكافح قوّة من عالم النور .

أقربهم إلى العذر يومئذ من اعتذر بالفرق والرهبة ؛ لأنّهم أكرهوه بالسّيف على غير ما يُريد . . . فكان الجبن أشرف ما فيهم من خصال السّوء ، وكان منهم اُناس كتبوا إلى الحُسين يستدعونه إلى الكوفة ليبايعوه


الصفحة (138)

على حرب يزيد ، فلمّا ندبهم عمر بن سعد للقائه وسؤاله , أحجموا عمّا ندبهم له واستعفوه ؛ لأنّ جوابهم إنْ سألوه في شأن مجيئه إليهم : إنّني جئتكم ملبّياً ما دعوتم إليه . . .

وركب اُناساً منهم الفزع الدائم بقية حياتهم ؛ لأنّهم عرفوا الإثم فيما اقترفوه عرفاناً لا تسعهم المغالطة فيه ، ومن هؤلاء رجل من بني أبان بن دارم كان يقول : قتلت شابّاً أمرد مع الحُسين بين عينيه أثر السّجود ، فما نمت ليلة منذ قتلته إلاّ أتاني فيأخذ بتلابيبي حتّى يأتي جهنّم فيدفعني فيها ، فأصبح فما يبقى أحدٌ في الحي إلاّ سمع صياحي .

* * *

ورأى هذا الرّجل صاحب له بعد حين وقد تغيّر وجهه واسودّ لونه ، فقال له : ما كدت أعرفك . وكان يعرفه جميلاً شديد البياض . . . ومنهم مَن كان يتزاور عن الحُسين في المعمعة ، ويخشى أن يصيبه أو يُصاب على يديه ، ولو أنّهم حاربوه ؛ لأنّهم علموا أنّه أهل للمحاربة فلم يتزاوروا عنه ولم يتحاشوه , لكانت الحرب هُنالك حرباً بين رأيين ومذهبين وشجاعتين ، ولكنّهم كشفوا أنفسهم بتحاشيهم إيّاه , فإذا هُم يحاربون رأيهم الذي يدينون به ، ووليهم الذي يضمرون له الحرمة والكرامة ، وفي ذلك خزيهم الأثيم .


الصفحة (139)

على أنّ الجبن والجشع لا يفسران كلّ ما اقترفه جيش عبيد الله من شرّ ولؤم في أيّام كربلاء .

فلا حاجة بالجبان ولا بالجشع إلى التمثيل والتنكيل أو التبرّع بالإيذاء حيث لا تلجئه الضرورة إليه ، وليس قتل الطفل الصغير الذي يموت من العطش وهو على مورد الماء بالأمر الذي يلجئ إليه الجبن أو يلجئ إليه طلب المال ، وقد حدث في أيّام كربلاء من أمثال هذا البغي اللئيم شيء كثير رواه الاُمويّون ، ولم تقتصر روايته على الهاشميّين والطالبيّين أو أعداء بني اُميّة

* * *

وينبغي أنْ نفهم ذلك على وجه واحد لا سبيل إلى فهمه بغيره ، وهو نكسة الشرّ في النّفس البشرية ، حين تلج بها مغالطة الشعور وحين تغالب عنانها حتّى تعييها المغالبة فينطلق بها العنان .

فالرّجل الخبيث المغرق في الخيانة قد يتصرّف في خلوته تصرّف الأنذال ثمّ لا يُبالي أنْ يعرف نذالته وهو بنجوة من أعين الرّقباء , ولكن أربعة الآلاف لا يتصارحون بالنذالة بينهم , ولا يقول بعضهم لبعض أنّهم يعملون ما يستحقّون به التحقير والمهانة , ولا تقبل لهم فيه معذرة ولا علالة , وإنّما شأنهم في هذه الحالة أنْ يصطنعوا الحماسة ويجاهدوا التردد ما استطاعوا ؛ ليظهروا في ثوب الغلاة المصدقين الذين لا يشكّون لحظة في صدق ما يعملون ، فيغمض الرّجل منهم عينيه ويستتر بغشاء من النّفاق


الصفحة (140)

حتّى ليوشك أنْ يخدع نفسه عن طوية فؤاده . . . وتلك لجاجة المغالطة في الشّعور .

أمّا مجاذبة النّفس عنانها وانطلاقها بعد هذه المجاذبة المخفقة ، فالشّواهد عليها كثيرة فيما نراه كلّ يوم . . . يحاول الرّجل أن يتجنب الخمر فلا يستطيع ، فإذا هو قد خلع العذار وغرق فيها ليله ونهاره غير مبال بما يُقال كأنّما هو القائل : دعْ عنكَ لومي فإنّ اللومَ إغراءُ . . .

وتحبّ المرأة أن تستحي وتتوارى من المسبّة في هواها ، ثمّ يغلبها هواها فإذا هي قد ألقت حياءها للريح ، وصنعت ما تحجم عنه التي لم تنازع نفسها قط في هوى ، ولم تشعر قط بوطأة الخجل والاستتار .

واندفاع المتهجمين على الشرّ في حرب كربلاء بغير داع من الحفيظة ولا ضرورة ملزمة تقضي بها شريعة القتال ، لهو الاندفاع الذي يسبر لنا عمق الشّعور بالإثم في نفوس أصحاب يزيد . وقد رأينا من قبل عمق الشّعور بالحقّ في أصحاب الحُسين ، وما بنا من حاجة إلى البحث عن علّة مثل هذه العلّة لِمن خُلقوا مجرمين وخُلقت معهم ضراوة الحقد والإيذاء لهذا الميدان وغير هذا الميدان ، كشمر بن ذي الجوشن ومَن جرى مجراه ، فهؤلاء لا يصنعون غير صنيعهم الأثيم كلّما وجدوا السّبيل إليه .

على أنّها ـ بعد كلّ هذا ـ حرب بين الكرم واللؤم ، وبين الضمير والمعدة ، وبين النور والظلام . . . فشأنها ـ على أيّة حال ـ أن تصبح مجالاً من


الصفحة (141)

الطرفين لقصارى ما يبلغه الكرم وقصارى ما يبلغه اللؤم ، وقد بلغت في ذلك أقصى مدى الطرفين .

* * *

ومن المتعذر بعد وقوف هاتين القوّتين موقف المراقبة والمناجزة ، أنْ نتقصّى أوائل القتال ونتّبع ترتيب الحوادث واحدة بعد واحدة على حسب وقوعها ؛ فإنّ الأقوال في سرد حوادث كربلاء لا تتفق على ترتيب واحد ، سواء كان هذا الترتيب في رواية أنصار الحُسين أو رواية أنصار يزيد .

إلاّ أنّ الترتيب الطبيعي يستبين للعقل من سبب الوقوف في ذلك المكان ، وهو منع الحُسين أن ينصرف إلى سبيله وأن يرد الماء حتّى يكرهه العطش إلى التسليم ، وكان الموقف كما وصفه أبو العلاء بعد ذلك بأربعة قرون :

منعَ الفتَى هينا فَجَرّ عظائِماً      وحُمِي نميرُ الماءِ فانبعثَ الدمُ

ولم يمتنع طريق الماء في بادئ الأمر دفعة واحدة ؛ لأنّ حراس المورد من جماعة عمر بن سعد ، لم يكونوا على جزم بما يصنعون في مواجهة


الصفحة (142)

الحُسين وصحبه . . . فلمّا اندفع بعض أصحاب الحُسين إلى الماء بالقرب والأداوي ، مانعهم القوم هنيهة ، ثمّ أخلوا لهم سبيل النهر خوفاً وحيرة ، فشربوا وملؤوا قربهم وأداواهم بما يغنيهم عن الاستقاء إلى حين .

والظاهر أنّ الشرّ كلّه كان في حضور شمر بن ذي الجوشن على تلك السّاحة , متربّصاً كلّ التربّص بمن يتوانى في حصار الحُسين ومضايقته فيعزله ويعرضه لسوء الجزاء ، ثمّ يطمع من وراء ذلك أن يتولّى قيادة الجيش وإمارة الرّي بعد عزل عمر بن سعد بن أبي وقاص . . . فبطل التردد شيئاً فشيئاً ، وتعذّر على الحُسين وأصحابه بعد الهجمة الأولى أن يصلوا إلى الماء .

ولبثوا أيّاماً وليس في معسكرهم ذو حياة من رجل أو امرأة أو طفل أو حيوان إلاّ وهو يتلظّى على قطرة ماء فلا ينالها ، ومنهم الطفل العليل والشّيخ المكدود والحيوان الأعجم ، وصياح هؤلاء الظماء من حرقة الظمأ يتوالى على مسمع الحُسين ليل نهار , وهو لا يملك لهم غير الوصاية بالصبر وحسن المؤاساة .

وفي ذلك المأزق الفاجع نضحت طبائع اللؤم في معسكر ابن زياد بشرّ ما تنضح به طبيعة لئيمة في البنية الآدمية . . . فاقترفوا من خسّة الأذى ما تنزّه عنه الوحوش الضاريات ، وجعلوا يتلهون ويتفكهون بما تقشعر منه الجلود وتندى له الوجوه ، ونكاد نمسك عن تسطيره أسفاً وامتعاضاً لولا أن القليل منه جزء لا ينفصل من هذه الفاجعة، وبيان لما يلي من وقعها في النّفوس وتسلسل تراثها إلى أمد بعيد . . .


الصفحة (143)

مآثم مخزية :

فمن هذه المآثم المخزية : إنّ الحُسين برح به العطش فلم يباله ، ولكنّه رأى ولده عبد الله يتلوّى من ألمه وعطشه ، وقد بحّ صوته من البكاء ، فحمله على يديه يهمّ أن يسقيه ويقول للقوم : اتّقوا الله في الطفل إنْ لم تتقوا الله فينا . فأوتر رجل من نبالة الكوفة قوسه ، ورمى الطفل بسهم وهو يصيح ليسمعه العسكران : خُذ ، اسقه هذا . فنفذ السّهم إلى أحشائه .

وكانوا يصيحون بالحُسين متهاتفين : ألا ترى إلى الفُرات كأنّه بطون الحيات ؟ والله , لا تذوقه حتّى تموت ومَن معك عطشاً .

ولمّا اشتدّ عطش الحُسين دنا من الفُرات ليشرب ، فرماه حصين بن نمير بسهم وقع في فمه ، فانتزعه الحُسين وجعل يتلقّى الدم بيديه فامتلأت راحتاه بالدم ، فرمى به إلى السّماء وقد شخص ببصره إليها وهو يقول : (( إنْ تكن حبست عنّا النّصر من السّماء ، فاجعل ذلك لما هو خير منه ، وانتقم لنا من القوم الظالمين )) .

وقد كان منع الماء ـ قبل الترامي بالسّهام ـ نذيراً كافياً بالحرب ، يبيح الحُسين أنْ يصيب منهم من يتعرّض للإصابة ، ولكنّه رأى شمر بن ذي الجوشن ـ أبغض مبغضيه المؤلّبين عليه ـ يدنو من بيوته ويجول حولها ؛ ليعرف منفّذ الهجوم عليها ، فأبى على صاحبه مسلم بن


الصفحة (144)

عوسجة أن يرميه بسهم وقد أمكنه أن يصميه وهو من أسدّ الرماة ؛ لأنّه كره أن يبدأهم بعداء . . .

* * *

وكأنّه لمح منهم ضعف النيّة وسوء الدخلة في الدفاع عن مولاهم ، وعلم أنّهم لا يخلصون في حبّه ، ولا يؤمنون بحقّه ، وأنّهم يخدمونه للرغبة أو الرهبة ولا يخدمونه للحقّ والذمّة . . . فطمع أن يقرع ضمائرهم وينبّه غفلة قلوبهم ، ورمى بآخر سهم من سهام الدعوة قبل أنْ يرمي بسهم واحد من سهام القتال .

فخرج لهم يوماً بزي جدّه عليه السّلام مُتقلّداً سيفه لابساً عمامته ورداءه ، وأراهم أنّه سيخطبهم ، فكان أوّل ما صنعوه دليلاً على صدق فراسته فيهم ، لأنّ رؤساءهم ومؤلّبيهم أشفقوا أن يتركوا له آذان القوم فينفذ إلى قلوبهم ويلمس مواقع الإقناع من ألبابهم ؛ فضجّوا بالصياح والجلبة ، وأكثروا من العجيج والحركة ؛ ليحجبوا كلامه عن أسماعهم ، ويتّقوا أثر موعظته فيهم ، وهو بتلك الهيئة التي تغضي عنها الأبصار وتعنو لها الجباه . . .

ولكنّه صابرهم حتّى ملّوا ، وملّ اُخوانهم ضجيجهم هذا الذي يكشفون به عن عجزهم وخوفهم ، ولا يوجب الثقة بدعواهم عند إخوانهم . . . فهدؤوا بعد لحظات ، وسمعوه بعد الحمد والصلاة : (( انسبوني مَن أنا . . . هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حُرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيّكم ؟ . . . أوَ لم يبلغكم ما قاله رسول الله لي ولأخي : هذان سيّدا شباب أهل الجنّة ؟ ويحَكم ! أتطلبونني بقتيل لكم قتلته , أو مال لكم استهلكته ؟ )) .


الصفحة (145)

ثمّ نادى بأسماء أنصاره الذين استدعوه إلى الكوفة ثمّ خرجوا لحربه في جيش ابن زياد , فقال : (( يا شيث بن ربعي , يا حجّار بن أبحر , يا قيس بن الأشعث , يا يزيد بن الحارث , يا عمر بن الحجّاج ، ألم تكتبوا إلي أنْ قد أينعت الثمار واخضرت الجنبات ، وإنّما تقدم على جُندٍ لكَ مُجنَّد ؟ )) .

فزلزلت الأرض تحت أقدامهم بهذه الكلمات , وبلغ بها المقنع ممّن فيه مطمع لإقناع ، وتحوّلت إلى صفّه فئة تعلم أنّها تتحوّل إلى صفّ لن تجد فيه غير الموت العاجل ، واستطابت هذا الموت ولم تستطب البقاء مع ابن زياد ؛ لاغتنام الغنيمة وانتظار الجزاء من المناصب والأموال .

* * *

ولم تكن كلمة الحُسين كلّ ما شهره عسكره من سلاح الدعوة قبل الاحتكام إلى السّيف . . . فقد كانت للبطل المجيد زهير بن القين كلمات في أهل الكوفة أمضى من السّيوف والرّماح حيث تصيب ، فركب فرسه وتعرّض لهم قائلاً : يا أهل الكوفة , نذار لكم من عذاب الله نذار ، إنّ حقّاً على المُسلم نصيحة المُسلم ، ونحن حتّى الآن أخوة على دين واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السّيف ، فإذا وقع السّيف انقطعت العصمة وكنّا نحن اُمّة وأنتم اُمّة . . .

إنّ الله قد ابتلانا وإيّاكم بذرّيّة نبيّه مُحمّد (صلّى الله عليه وآله) لينظر ما نحن وأنتم عاملون ، وإنّا ندعوكم إلى نصر الحُسين وخذلان الطاغية ابن الطاغية عبيد الله بن زياد ، فإنّكم لا تدركون منهما إلاّ سوءاً ؛ يسملان أعينكم ، ويقطعان أيديكم وأرجلكم ، ويمثّلان


الصفحة (146)

بكم ، ويرفعانكم على جذوع النخل ، ويقتلان أماثلكم وقرّاءكم أمثال حجر بن عديّ وأصحابه ، وهانئ بن عروة وأشباهه .

فوجم منهم مَن وجم ، وتوقّح منهم مَن توقّح على ديدن المريب المكابر إذا خلع العذار ولم يأنف من العار ، وتوعدوه وتوعدوا الحُسين معه أن يقتلوهم أو يسلموهم صاغرين إلى عبيد الله بن زياد .

تخاذل وضعف :

ولا يظهر من عدد الفريقين ساعة القتال أنّ المتحولين إلى معسكر الحُسين كانوا كثيرين أو متلاحقين , ولكن بداءة التحوّل كانت ممّا يخيف ويزعج ؛ لأنّها اشتملت على قائد كبير من قوّاد ابن زياد , هو الحرّ بن يزيد الذي أرسلوه في أوّل الأمر ليحلئ الحُسين عن دخول الكوفة ، وقد كان يحسب أنّ عمله ينتهي إلى هذه المراقبة ولا يعدوها إلى القتال وسفك الدم . . .

فلمّا تبيّن نيّة القتال ، أقبل يدنو نحو عسكر الحُسين قليلاً قليلاً ، وتأخذه رعدة وينتابه ألم شديد . . . حتّى راب أمره صاحبه المهاجر بن أوس فقال له : والله , إنّ أمرك لمريب ! ما رأيت منك قط مثل ما أراه الآن ! ولو قيل مَن أشجع أهل الكوفة ؟ ما عدوتك . 

فباح له الرّجل بما في نفسه وقال له :


الصفحة (147)

إنّي أخيّر نفسي بين الجنّة والنّار ، ولا أختار على الجنّة شيئاً ولو قُطّعت أو حُرّقت . . . ثمّ ضرب فرسه ، ولحق بالحُسين وهو يعتذر قائلاً : لو علمت أنّهم ينتهون إلى ما أرى ما ركبت مثل الذي ركبت ، وإنّي قد جئتك تائباً ممّا كان منّي إلى ربّي ، مؤاسياً لك بنفسي حتّى أموت بين يديك .

ولن يخلو معسكر ابن زياد من مئات كالحر بن يزيد يؤمنون إيمانه ويودون لو يلحقون به إلى معسكر الحُسين ، ويزعجهم أنْ يتحوّل أمامهم إلى المعسكر وهُم ناظرون إليه ؛ لأنّه يبكتهم ويكشف مغالطتهم بينهم وبين أنفسهم ويحضّهم على الاقتداء به والتدبّر في أسباب ندمه ، لا لأنّه ينتقص عددهم أو ينذر بالهزيمة في ميدان القتال ؛ فكلّهم ـ ولا ريب ـ يشعر بشعوره ويعتقد في فضل الحُسين على يزيد مثل اعتقاده ، وبعيد على العقل أن يصدّق في هؤلاء الشراذم أنّهم قد أطاعوا يزيد لأنّه صاحب بيعة حاصلة ، وأنّهم قد تأدّبوا بأدب الدولة أدباً يغلب شعور الجماعة وإيمان المرء بحقّ الشّريعة وحُرمة البيت النّبوي ، ويهون عليه قتل سبط النّبي في هذا السّبيل ؛ وكيف وأنّ منهم لمِن بايع الحُسين على البُعد ودعاه إليه ليقود (الجند المجنّد) إلى قتال يزيد ؟

فكلامهم في البيعة الحاصلة لغط يلوكونه بألسنتهم ولا يستر ما في طويتهم ، وليس أثقل على أمثال هؤلاء من عبء المغالطة , كلّما تلجلج في مكانه وحرّكته القدوة التي


الصفحة (148)

يريدونها ولا يقوون عليها ، كتلك القدوة الماثلة بصاحبهم الحرّ بن يزيد .

لا جرم كان أعظم الجيشين قلقاً وأشدّهما حيرة ، وأعجلهما إلى طلب الخلاص من هذا المأزق الثقيل , هو أكبر الفئتين وأقوى العسكرين . . .

شجاعة جُند الحُسين :

كان هُناك عسكران ؛ أحدهما صغير يلحّ عليه العطش والضيق ، ولكنّه كان مطمئناً إلى حقّه يلقى الموت في سبيله ، ويزيده العطش والضيق طمأنينة إلى هذا المصير . . . والعسكر الآخر أكبر العسكرين ولكنّه كان يخون نفسه في ضمير كلّ فرد من أفراده ، وتملكه الحيرة بين ندم وخوف وتبكيت ومغالطة واضطراب ، يحزّ في الأعصاب ويقذف المرء إلى الخلاص كيفما كان الخلاص .

وطال القلق على دخيلة عمر بن سعد فأطلقه سهماً في الفضاء كأنّه كان متشبّثاً بصدره فاستراح منه بانطلاقه ، فزحف إلى مقربة من معسكر الحُسين ، وتناول سهماً فرماه عن قوسه إلى المعسكر وهو يصيح : اشهدوا لي عند الأمير إنّني أوّل مَن رمى الحُسين . . . ثمّ تتابعت السّهام فبطلت حجّة السلم وذهب كلّ تأويل في نية القوم ،


الصفحة (149)

وقال الحُسين وهو ينظر إلى السّهام وينظر إلى أصحابه : (( قوموا يا كرام , فهذه رُسل القوم إليكم )) . وبذلك بدأ القتال .

وقد تأهّب الحُسين لهذه المنازلة المنتظرة ، وإن كان على انتظاره إيّاها قد تريّث حتّى يبدؤوه بالعدوان من جانبهم ، وحتّى يجب عليه الدفاع وجوباً لا خلاف فيه ، فاختار له رابية يحتمي بها من ورائه ، ووسع وهدتها حتّى أصبحت خندقاً لا يسهل عبوره . . . فأوقد فيه النّار ليمنع عليهم الالتفاف به من خلفه ، وهُم في كثرتهم التي ترجع عدّة صحبه ستّين ضعفاً قادرون على مهاجمته من جميع نواحيه .

وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً ، وهُم نيف وأربعة آلاف ، يكثر فيهم الفرسان وراكبو الإبل ، ويحملون صنوفاً مختلفة من السّلاح . ومع هذا التفاوت البعيد في عدّة الفريقين ، كان العسكر القليل كفؤاً للعسكر الكثير لو جرى القتال على سنّة المبارزة التي كانت دعوة مجابة في ذلك العصر إذا اختارها أحد الفريقين ؛ فإنّ آل عليّ جميعاً كانوا من أشهر العرب ـ بل من أشهر العرب والعجم ـ بالقوّة البدنية والصبر على الجراح ، والاضطلاح بعناء الحرب

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى