الحسين (ع) نبراس الإصلاح العالمي

 
 

الصفحة (21)

لكنْ وإنْ واجه النبي إبراهيم صعوبات في الفكر فهي أمر سهل ، أنْ يُبيِّن النبي إبراهيم للبشريَّة طريق الصواب بين طرق الخطأ والضلال والتعاسة . كذلك النبي نوح ، وكذلك النبي موسى ، في دعوته لفرعون وقومه . الأمر فيه شيء مِن التعقيد عند النبي عيسى ، في الخطوة التي تقدَّم بها مُقابل الدَّجل الديني في السياسة عند علماء اليهود ، والأمر أكثر تعقيداً فيما واجهه خاتم الأنبياء ؛ ومِن ثَمَّ فالدور الذي قام به خاتم الأنبياء في ظلِّ ظروف مُعقَّدة في التطوُّر البشري ، لم يَقُم به نبيٌّ مِن الأنبياء قطُّ ؛ لأنَّه واجه شرعيَّة تتوشَّح بها قريش ، فتسلَّحت بأنَّها على لون المِلَّة الإبراهيميَّة الحنيفيَّة ، وخاطبت سيِّد الأنبياء بأنَّه صبَّأ فتية قريش ومرَّقهم عن الديانة الإبراهيميَّة الحنيفيَّة ، وكان لديهم تسلُّح بالشرعيَّة مثل بيت الله الحرام ، والكعبة ونحوها ، وتسلَّح بكونهم أهل جوار بيت الله ، ومِن نَسل إبراهيم الخليل . كانوا يتلبَّسون بألبسة مِن الشرعيَّة ، التي قد تُغفِل الطرف الآخر ، في ظِلِّ هذا التعقيد ، لكنْ ومع ذلك ، اختطَّ خاتم الأنبياء هذا النهج ، نهج صراط السماء .


الصفحة (22)

وسيِّد الشهداء (سلام الله عليه) مِن بعد أبيه وأخيه ، واجه ما هو أكثر تعقيداً ؛ لأنَّه كان في ظِلِّ شرعيَّة تُدعي الشرعيَّة الإسلاميَّة ، و أنَّها شرعيَّة خاتم الأديان ، وأبرز ما بناه سيِّد الشهداء مِمَّا لم يَبنه الأنبياء السابقون ـ بالطبع غير جَدِّه سيِّد الأنبياء وأبيه سيِّد الأوصياء و أخيه سيِّد الأسباط ـ ، فأبرز شيء بناه سيِّد الشهداء هو إثارة الوعي في التحسُّس والإحساس حول الشرعيَّة . فما المقصود بالشرعيَّة ؟
نقول : هذا شرعيُّ أو غير شرعيٍّ ، الخروج عن الشرعيَّة السائدة هو أمر لا شرعي ، أو أنَّ هذه الشرعيَّة مُتلِّونة بالشرعيَّة ، فيجب القضاء عليها بأُسلوب سلمي إلى أنْ يُبيِّن مقدار الزيف ومقدار الصِحَّة فيها .


الصفحة (23)

تحسُّس الشرعيَّة :

أبرز الأُمور التي سنَّها سيِّد الشهداء للقانون الدولي ، وللوعي البشري الإنساني ، الذي تتعطَّش إليه البشريَّة الآن ، هو إثارة الإحساس البشري والتساؤل البشري حول الشرعيَّة ، وهو أبرز ما تتعطَّش له البشريَّة أيضاً بالنسبة لمدرسة سيِّد الشهداء ونهجه (عليه السّلام) ، وأنَّه يجب على الشعوب إثارة السؤال حول شرعيَّة هذه الشرعيَّة الدوليَّة المزعومة ، أنْ تبدأ البشريَّة بالنِقاش وإثارة السؤال حول شرعيَّة هذا النظام الدولي المطروح وهذه القوانين المطروحة التي لا تسمح للشعوب الفقيرة ، ولا تسمح للشعوب الغربيَّة المُكبَّلة بهذا النظام الإقطاعي الرأسمالي السوقي أيضاً ، بأنْ يفتحوا أعيُنهم ، أو يوقظوا أسماعهم ، بالالتفات إلى كيفيَّة استطاعتهم للتغيُّر ، فهم مُكبَّلون ، وأيُّ مُنادٍ بالتغيير لهذا النظام السائد ، يُقالُ بخروجه عن الشرعيَّة الدوليَّة ، وتحوُّله إلى نهج لا شرعي . وهي المُشكلة في الإقطاع الدولي الآن ، الذي استطاع أنْ يُيئس حركة التغيير البشري ، سِيَّما بريادة المسلمين ، والخطوة التي نجح فيها مع الأسف ، أنَّه قَدَّم نموذجاً إصلاحيَّاً إسلاميَّاً ، كنموذج الخوارج ، ليقولوا : انظروا إلى المسلمين ، يُريدون التغيير ، ولكن بنموذج الخوارج الذي يُفرِّط بكلِّ الحُرمات وبكلِّ المكاسب ، ومِن ثَمَّ تتشوَّه صورة الإسلام لدى شعوب العالم وشعوب الغرب ، ويتزعزع أمامهم القول : بأنَّ الحلََّ كامنٌ في دين الإسلام ، وفيما يطرحه نظام الإسلام ، ورُبَّما هذه مِن أقوى الضربات القاضية ، ولكنْ هيهات لهذا الإسلام العملاق ، ولصاحب الزمان ، أنْ ينكسر .


الصفحة (24)

فإذاً ، كان الحَجر الأساس في مدرسة الحسين (عليه السّلام) هو إثارة الوعي البشري حول الشرعيَّة ، والتساؤل حولها عَمَّا إذا كانت صحيحة أم مُزيَّفة . إذا أردنا أنْ نغوص في هذا الملفِّ وهذا البند ، فقد تميَّزت مدرسة أهل البيت في هذا النهج بشكل مُركَّز جِدَّاً ، هو التساؤل حول الشرعيَّة ، وهذا تَحَدٍّ قانونيٌّ ، فلسفيٌّ ، تَحَدٍّ بلحاظ علوم الاجتماع ، تَحَدٍّ علميٌّ ، تاريخيٌّ ، أديانيٌّ ، تَحَدٍّ إداريٌّ - بحسب علوم الإدارة - ، وتَحَدٍّ بحسب علوم مُختلفة . إنَّك لن تجد مذهباً كمذهب أهل البيت ، أكثر تحسُّساً حول الشرعيَّة ، في تساؤله عن مصدرها وعن وجهة مسارها .. لن تجد في المسيحيَّة ، ولا في القانون البشري الجديد ، ولا في الأُمَم المُتَّحدة ، فحتَّى بنود الأُمَم المُتَّحدة في مجالاتها المُختلفة ، لا تُثير في الوعي البشري التساؤل حول الشرعيَّة ، بقدر مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) ؛ لذا فإنَّ بصمات مدرسة ومذهب أهل البيت فريدة جِدَّاً ؛ لأنَّه دين السماء ، وهو دين الأنبياء الصحيح .


الصفحة (25)

شرعيَّة عَلاقتك مع الله :

يُثير هذا المذهب التساؤل حول الشرعيَّة حتَّى في علاقتك مع الله (سبحانه و تعالى) ، كما يقول الصادق مِن آل محمد في كتاب الكافي : بأنَّه حتَّى تسليمنا لله (عَزَّ وجَلَّ) ـ وهذا الذي تطرحه الحداثويَّة الجديدة ، هُمْ يطرحون هذه المدارس ، ظَنَّاً منهم أنَّهم يُدركون العقل الإسلامي ـ حتَّى في عَلاقتك مع الله (عَزَّ وجَلَّ) ، قال الإمام الصادق (عليه السّلام) : (( إنَّ أوَّل الأُمور ومبدأها وقوَّتها وعمارتها التي لا ينتفع شيءٌ إلاَّ به العقل ، الذي جعله الله زينة لخلقه ونوراً لهم ، فبالعقل عَرف العباد خالقهم ، وأنَّهم مَخلوقون ، وأنَّه المُدبِّر لهم ، وأنَّهم المُدبَّرون ، وأنَّه الباقي وهم الفانون ، واستدلُّوا بعقولهم على ما رأوا مِن خَلقه ، مِن سمائه وأرضه ، وشمسه وقمره ، وليلة ونهاره ، وبأنَّ له ولهم خالقاً ومُدبِّراً لم يزل ولا يزول ، وعرفوا به الحَسَنَ مِن القبيح ، وأنَّ الظُّلمة في الجهل ، وأنَّ النور في العلم ، فهذا ما دلَّهم ، عليه العقل ))(1) ،

ـــــــــــــ
(1) تكملة الحديث الشريف : ( قيل له : فهل يكتفي العباد بالعقل دون غيره ؟
قال : ( إنَّ العاقل لدلالة عقله الذي جعله الله قوامه وزينته وهدايته ، علم أنَّ الله هو الحَقُّ ، وأنَّه هو ربُّه ، وعلم أنَّ لخالقه مَحبَّة ، وأنَّ له كراهيَّة ، وأنَّ له طاعة ، وأنَّ له معصية ، فلم يجد عقله يدلُّه على ذلك ، وعلم أنَّه لا يوصل إليه إلاّ بالعلم وطلبه ، وأنَّه لا ينتفع بعقله ، إنْ لم يُصب ذلك بعلمه ، فوجب على العاقل طلب العلم والأدب الذي لا قوام له إلاَّ به ) الكافي ج 1 ص 29 .

الصفحة (26)

ليس عقلك مُغلقاً ، وليس فِكرك أصمَّاً ، ولا وجدانك ، بلْ يجب أنْ تُحكِّم بني عقلك و صميم قلبك ، وهذا غير مطروح في اليهوديَّة و المسيحيَّة المُحرفتين طبعاً ؛ لأنَّ ما بُعث به الخاتم هو ما بُعث به جميع الأنبياء ، فهو دين واحد وإنْ اختلفت الشرائع ، بكون التفاصيل الجزئيَّة مُختلفة لكنَّ الأُسس واحدة ، والشرعيَّة الدولية المُنتهجة والمذاهب الإسلاميَّة الأُخرى ، والبوذيَّة والسيخيَّة وغيرها ، فَتِّش فيها ، ولن تجد ديانة يحملها روَّاد كأئمَّة أهل البيت (عليهم السّلام) مُنادين بفتح الفكر والعقل ، حتَّى في عَلاقتك مع ربِّك ، فضلاً عن عَلاقتك مع نبيِّك .


الصفحة (27)

شرعيَّة علاقتك مع نبيِّك :

لا يعني الاتِّباع والخضوع للنبي (صلَّى الله عليه وآله) عدم السماح بالمُساءلة ، فالمُساءلة شيء والرفض الأعمى والعناد والتكبُّر شيء آخر ، والتساؤل شيء والإباء والرفض النزوي شيء آخر . كلامنا في التساؤل ، حتَّى في العَلاقة مع سيِّد الأنبياء ، بلْ مع الأنبياء جميعاً ، ليس هناك غلق للفكر البشري ، فبحث الشرعيَّة مطروح ، ( مِن أين ؟ وكيف ؟ وإلى أين ؟ ) ، وحتَّى في علاقتنا مع أئمَّتنا (عليهم السّلام) ، بالنظر إلى سيرة أتباع أهل البيت ، لا نراهم عَمياويِّين في اتِّباعهم لأئمَّة أهل البيت (عليهم السّلام) .


الصفحة (28)

رصد شعبيٌّ عجيب أوَّلاً لسيِّد الأنبياء ، سيِّد الأنبياء الذي أوجد فلسفة تسع زوجات ، وهؤلاء التسع زوجات في الواقع ، هي عيون خبريَّة لشعوب وقبائل مُختلفة ، حول الوضع الداخلي لسيِّد الأنبياء ، مِن مصر ، ومِن شمال الجزيرة ، ومِن وسط الجزيرة ، ومِن جنوب الجزيرة ، فهؤلاء النساء في الحقيقة قنوات خبريَّة ترصد سيِّد الأنبياء ، في حركته حتَّى الداخليَّة ، البيتيَّة ، وفي صدق مصداقيَّة نبوَّته و سؤدده على الأنبياء في مُمارساته و سلوكه الخفيِّ ؛ لأنَّ الإنسان ـ غالباً ـ مثل الرؤساء أو عظماء التاريخ ، سلوكهم في الظاهر شيء ، وسلوكهم في البيت مع الأُسرة شيء آخر ، والكثير منهم عِبْر الإعلام شيء ، وفي الواقع الخارجي شيء آخر .
له تسع زوجات (صلَّى الله عليه وآله) ! وفي الواقع لا يستطيع الإنسان التوفيق بين الاثنتين والثلاث والأربع ، فكيف بالتسع مع سيِّد الأنبياء ؟! وكيف لم يختلَّ تدبيره الإداري معهنَّ ؟! إنَّ عهده (عليه وآله الصلاة والسّلام) إعجاز حتَّى في الإدارة والتدبير .


الصفحة (29)

مع هذه المسؤوليَّات الضخمة الجبَّارة ، التي كانت على كاهل سيِّد الأنبياء ، مِن إقامة دين جديد ، ودعوة الأُمَم المُختلفة إلى ديانة الإسلام ، وتدبير الدولة الإسلاميَّة ، وتربية المُجتمع ( وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ )(1) ، ومِن جهة تسع زوجات ، كيف الوفاق بينهن ؟!! هو إعجاز في الإدارة والتدبير ، بحيث لم يشهد المسلمون شكاية ولا عَرْكَة داخليَّة أُسريَّة . هو كلُّه مُراقبة وضعها الله ( عَزَّ وجَلَّ ) ليُقيم الحُجَّة على البشر ، عِبر شهودهم تدبير سيِّد الكائنات وإدارته وقيادته وخلقه : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )(2) .

ــــــــــــــ
(1) سورة الجمعة آية 2
(2) سورة القلم آية 4

الصفحة (30)

شرعيَّة علاقتك مع إمامك :

وكذلك كان شيعة أهل البيت مع أئمَّتهم ، فلم يكن إمام مِن الأئمَّة ، يقفز على البيِّنات أو الإثباتات العلميَّة ، أو التجسُّم العلمي . مدرسة أهل البيت في علاقتها مع أئمَّتها ، هي علاقة العقل المفتوح ، بالبرهان وعدم التعامي عن البيِّنات . ولم يكن النوَّاب الخاصُّون للحُجَّة (عجَّل الله فرجه الشريف) في الغيبة الصُّغرى ، يتسلَّمون هذا المنصب عبثاً ، بلْ كان فُقهاء الشيعة وعلماؤهم والشيعة تَرْقَبهم ، وترصدهم ، في كلِّ خُطوة يخطونها ، وقد وثَّقهم الإمام الحسن العسكري (عليه السّلام) ، فلا بُدَّ ـ قطعاً ـ أنَّ سند الوثاقة ومُستنداتها باقية معهم .  


الصفحة (31)

شرعيَّة علاقتك مع مرجعيَّتك :

تؤهَّل المرجعيَّة الشيعيَّة وفقهاء الشيعة تحت شرائط مُعيَّنة للمرجعيَّة والفقاهة ، ولابُدَّ مِن توافر الشرائط لهم استمراراً لبقائهم ، فبتعبير أحد المُحقِّقين الفُقهاء في الحوزة العلميَّة في قُمْ : رُبَّما قَلَّ نظيره في مجموعة بشريَّة اجتماعيَّة ، أنْ تَرصِد و تُراقِب قيادتها كرصد الطائفة الشيعيَّة لمراجعها ، ومِن قبل لأئمَّتها . كلُّ فئات المُجتمع ترصده ، وتُراقبه ، تلتحم معه ، وتُباشره ، في السَّراء وفي الضراء وفي سلوكه الداخلي أو الخارجي ، ثمَّ يؤهَّل لقيادة الطائفة الشيعيَّة ، نيابةً عن المعصوم .
أيُّ فئةٍ مِن المُجتمعات البشريَّة تُمارس هذا الترشيح والمُراقبة ، والدراسة والامتحان كما في الشيعة ، حتَّى إنَّ الإعلام لا يُنجز ذلك ، وهُمْ أشدُّ تحسُّساً ، فلديهم قضيَّة المرجعيَّة ، بلْ لابُدَّ أنْ يكون إمام الجماعة ـ كما في شرائط مدرسة أهل البيت ـ عادلاً ، ورجل الدين كذلك ، فهو إنْ كان مُنكبَّاً على باب السلطان فهو طالب دنيا ، أمَّا إنْ كان مُعرضاً عن باب السلطان الذي هو يأتي إليه ، فهو طالب آخرة ، ومِن هذا القبيل .  


 الصفحة (32)

قَلَّ نظير تحسُّس الشرعيَّة في المذاهب غير مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) ؛ لذلك فالمذاهب الأُخرى تشطب على حُجِّيَّة العقل ، مثل مذهب السلفيَّة ( الوهابيَّة ) أو حتَّى المذاهب الأُخرى ، العقل أيضاً يُحاسَب في المذهب الشيعي ، بالقلب والوجدان . مُراقبة مصدر الشرعيَّة على مصدر آخر ؛ لأنَّ قوى الإنسان المُختلفة في التفكير أو في تحديد الرؤية ، تُراقِب بعضها البعض برؤية مدرسة أهل البيت (عليهم السّلام) ، و إلاَّ فالعقل الظنِّي أو النظري التجريدي الحدسي التخميني ، لا يجعل الإنسان يُسلِّم زمام قيادته لأحد ، فإنْ كانت له تجربة ـ مثلاً ـ يستخلص منها نظريَّة ظنيَّة ، لا يستطيع أنْ يؤسِّس عليها رؤية ، وهو نوع مِن التثبُّت في مدرسة أهل البيت (عليهم السّلام) ، فلابُدَّ مِن الإثبات ، ولا يُمكن البناء على نظريَّات حدسيَّة مِن دون تثبُّت ؛ ولذلك بحث الحُجِّيَّة وعدم الحُجِّيَّة ، وبعبارة أُخرى نستطيع أنْ نصل إلى نفس بحث الإمامة والقيادة .  


الصفحة (33)

الحساسيَّة حول الإمامة :

يُقال : كثيراً ما تُثيرون ـ أنتم أتباع مذهب أهل البيت ـ حساسيَّة حول الإمامة . وفي الواقع إنَّ إثارة الحساسيَّة حول الإمامة هي حول الشرعيَّة ، فإذا خَمد في وعي الشيعة هذا التحسُّس تحت عناوين وشعارات مُغفَّلة ، اعلموا أنَّ وعينا قد خَمد ، والبحث في الإمامة موقع رامز للبحث حول الشرعيَّة .
لا تجعلك مدرسة أهل البيت (عليهم السّلام) مُتعامياً تمشي لا تدري مِن أين جئت وإلى أين تذهب ؟ فالتساؤل المطروح دائماً هو : مِن أين ؟ وإلى أين ؟ وكيف ؟ هذا هو الذي نُريده في هذا البحث ، إذا أردنا أنْ نكون شيعة للحسين ، كيف نوصِّل ؟ وكيف نُربِّي المُجتمع الدولي والشعوب الدوليَّة برسالة الحسين (عليه السّلام) ، وأنْ لا نكون نحن في خطواتنا ـ و العياذ بالله ـ أعداءً لسيِّد الشهداء في حركته ؟ هو مُنقذ البشريَّة بحركته مِن بُراثن الشرعيَّة المُزيَّفة ، نتساءل هنا : هل نحن دُعاة لهذه المدرسة ؟ أم أنَّنا ـ والعياذ بالله ـ نوجد خمود هذه المدرسة ؟ هذا ما سنواصل الحديث فيه إنْ شاء الله ، مع تكملة البحث والتحسُّس حول الشرعيَّة .  


الصفحة (34)

التحسُّس حول شرعيَّة البديل :

مِن الأُمور التي سنَّها سيِّد الشهداء ـ أيضاً ـ لجميع البشريَّة مِن أتباع الديانات ، التحسُّس حول الشرعيَّة في البديل . رُبَّما هناك خَطٌّ إصلاحي ، أو جماعة إصلاحيَّة بشريَّة تُشخِّص الداء في النظام البشري أو النظام الاجتماعي ، لكنَّها تغفل عن تشخيص الدواء والعلاج ، فتخوض في مُعالجة الداء ، وتُنكِب وتُبلي الجسم البشري بداءٍ هو أكثر عيَّاً ، فيستفحل داءُ البشريَّة أكثر مِمَّا هو عليه .
إذاً ؛ فتشخيص الفساد في النظام البشري ، وتشخيص المرض والإحساس بضرورة التغيير ، هو بمُفرده ليس كافياً ؛ لأنَّ الإنسان يَشرع له أنْ ينتهج خَطَّ الإصلاح الصحيح ؛ كي يكون إصلاحاً ، لا إفساداً أكثر مِمَّا هو عليه الفساد القائم ، وهذا أمر يغفل عنه الكثير مِن الإصلاحيِّين ـ مع الأسف ـ .  


الصفحة (35)

تميَّز سيِّد الشهداء (سلام الله عليه) عن بقيَّة الإصلاحيِّين في تاريخ البشريَّة ، وعمَّن أتى بعده حتَّى يومنا هذا ، هو في هذا البُعد مِن التحسُّس في الشرعيَّة . التحسُّس في الشرعيَّة لا يعني فقط التحسُّس مِن شرعيَّة النظام القائم ، بلْ إنَّ هناك تحسُّساً لأمر رُبَّما لا يقلُّ خطورة ، وربَّما يزيد خطورة عن التحسُّس والتساؤل عن شرعيَّة النظام الذي يعيش فيه البشر ، فالتحسُّس وإدراك أهميَّة وخطورة البديل في منطق سيِّد الشهداء ومنطق أهل البيت (عليهم السّلام) ، يفوق تشخيص نفس الداء أهميَّةً ، وقد عاشت البشريَّة الكثير مِن دُعاة الإصلاح ، لكنَّها بُليت بفساد أكبر مِن سابقه .  


الصفحة (36)  

مِثال على عدم التحسُّس حول البديل :

عاشت البشريَّة في القَرن الأخير دعوات الإصلاح ، كالشيوعيَّة والاشتراكيَّة ، شخَّصت الداء إجمالاً ، فأخبرت بوجود مرض سرطانيٍّ في الرأسماليَّة ، في نظام السوق ، إلاَّ أنَّها لم تُشخِّص الدواء والعلاج . قد تُشخِّص أنت وجود الداء ، ووجود العدوِّ ، ووجود ما يجب تغييره في أيِّ بند مِن بنود النظام البشري الحاكم على البشر ، أو الحاكم على المُجتمع ، سواء في أشخاصه التنفيذيِّين أم في نظامه التشريعي ، أم في برنامجه القضائي أم أيِّ برنامج آخر ، قد يُشخِّص الإنسان إجمالاً وجود الفساد ، لكنْ مِن الأهميَّة بمكان ، التفكير في رُفقاء الإصلاح ، فمَن تُرافِق أنت في نهجك الإصلاحي ؟ وأيُّ برنامج تتبنَّى وتتَّخذ بديلاً في الإصلاح ؟  


الصفحة (37)

أدركت الشيوعيَّة أنَّ هناك إقطاعاً مُدمِّراً للمُجتمع ، يوجب رزح عموم المُجتمع تحت سطوة الإقطاعيِّين وقراصنة المال ، لكنَّهم أرادوا أنْ يُعالجوا الداء بما هو أدهى ، وهذا الذي حدث ؛ فعاشت البشريَّة عقوداً مِن السنين ، ورُبَّما قرابة القَرن ، ثمَّ تبيَّن لها أنَّ هذا العلاج مُفسد أكثر مِن فساد الرأسماليَّة .
مَرَّ بنا أنَّ الخوارج ، وحتَّى النماذج الأُخرى المُطالبة بالتغيير ، قد لاحظوا بُقعة فساد في النظام الاجتماعي ، واستهدفوا إصلاحها بكلِّ حماس ، لكنْ بنحو جعلهم يُفرِّطون ببيت البشريَّة ، كما أنَّ الإنسان الذي يرى جانباً مِن الحائط يوشك أنْ ينقضَّ ، ويُريد أنْ يتداركه ، لكنَّه بهوجائيَّة مُعيَّنة يهدم بقيَّة الجدار ! فيكون إفساده هذا أكثر مِن إصلاحه ، فهو وإنْ سمَّاه إصلاحاً لكنَّه في الواقع إفساد ، وأعمى بذلك العين بدل أنْ يُكحِلها .


الصفحة (38)

فإذاً ، التحسُّس حول شرعيَّة نفس بنود الإصلاح ، ورسميَّة وشرعيَّة الإصلاح البديل أمر مُهمٌّ جِدَّاً ، وهذا ما أثاره سيِّد الشهداء في مدرسته ونهجه بشكل مُؤكَّد ومُغلَّظ وبتحسُّس كبير ، ومِن ثمَّ كان أعضاء البطولة في حركة سيِّد الشهداء مُتقيدين بالمبادئ ، لا يتهاونون ولا يُفرطون في مبدأ مِن مبادئهم ؛ لأنَّ هذا البرنامج الإصلاحي لديهم أهمُّ مِن مُجرَّد قلع الفساد ، فأنت إنْ قلعت الفساد ووضعت مرضاً أدهى بدلاً عنه ، أنكبت بذلك البشريَّة وأنكبت النظام الاجتماعي . لذا نرى مبدأه هذا (عليه السّلام) في كلِّ حركاته وسكناته وخطواته ، وهذا نهج أبيه سيِّد الأوصياء وجَدِّه مِن قَبلُ سيِّد الأنبياء .
التحسُّس في الشرعيَّة وفي البنود البديلة أمر هامٌّ جِدَّاً ، وأهميَّة التفكير في الدواء تفوق أهميَّة التفكير في الداء ، كثير منَّا يُفكِّر في الداء ، عندما يستهوينا الإصلاح وتغيير ذلك الداء وذلك الفساد ، ونتغافل أو نتناسى ونعيش سُبات لذَّة الإصلاح والتغيير السريع دون أنْ نشرع البديل الصالح ، المُعالج للكلِّ .
قلَّما نرى مدرسة بشريَّة إصلاحيَّة أو خطَّاً إصلاحيَّاً بشريَّاً في دول عديدة تأتي بالبديل الصالح ، أو تُفكِّر أو تولِي أهميَّة عظيمة للبديل ، تفوق تشخيص الداء ، بينما كان هذا نهج سيِّد الشهداء ، وفي الواقع هو نهج مدرسة أهل البيت وأتباع مدرسة أهل البيت ، فهذا التحسُّس فائق الوجود عندهم ، وقد طالعتنا الأحداث الأخيرة بذلك الأمر حتَّى عند شيعة العراق .  


الصفحة (39) 

موقف المرجعيَّة الدينيَّة وشيعة العراق :

قدَّمت مرجعيَّة العراق وشيعته خلال مُخاض ، نماذج عِدَّة نَيِّرة لمدرسة أهل البيت (عليهم السّلام) ، عندما بدأ العدوان الأمريكي على العراق مِن جانب ، وكان الطاغية صدام مِن الجانب الآخر ، فأصبحوا في موقف بين المُطرقة و السِندان .
هناك صيحات مِن فِئات إسلاميَّة عديدة ، صاحت بالمرجعيَّة الشيعيَّة ، ونادت شيعة العراق ، مُسائلةً عن موقفهم تجاه هذا العدوان ، هذا الاحتلال . ورُبَّما نحن أيضاً ـ شيعة البحرين ـ لم نُشخِّص الرؤية التي شخَّصتها المرجعيَّة الشيعيَّة بذلك الوعي ، عندما تختلط الأوراق يصعب إبصار الطريق ـ ذكرنا أنَّ عظمة سيِّد الأنبياء وسيِّد الأوصياء وسيِّدي شباب أهل الجَنَّة كانت ؛ لأنَّهم واجهوا تعقيداً في النظام الاجتماعي البشري ، ليس نظير الحياة البدائيَّة البشريَّة في زمن النبي إبراهيم ونوح وموسى وعيسى (على نبيِّنا وعلى آله وعليهم السلام) هنا تعقيد ، وإلى يومنا يزداد التعقيد أكثر فأكثر ، وهذه عظمة الإصلاح الذي سيقوم به مهدي آل محمّدٍ (صلوات الله عليه) ـ تختلط الأوراق فيصعب عليك تشخيص الدواء ـ فضلاً عن تشخيص الداء ـ أين الداء ؟ وأين الدواء ؟ أين الدواء الشرعي ذو الصلاحيَّة ؟  


الصفحة (40)

القانونيَّة الطبيَّة للإصلاح :

هتف الكثير بالطعن في موقف شيعة العراق ، لكنَّه كان موقفاً ذكيَّاً بين سَبْعَينِ يتصارعان ، كان شيعة العراق في جملة مِن مواقفهم ، يُدافعون عن حُرمات وطنهم ، لكنْ بنحو لا يصبُّ في مصلحة السبع الضاري صدام والبعثيِّين ، وهذا تشخيص دقيق ، كثير مِن المُنظِّرين الإسلاميِّين نادوا : هيَّا بكم ، انضووا تحت راية صدام والبعثيِّين ! حتَّى ندفع السبع الأكبر أمريكا ـ على الأقل ـ ! رُبَّما استهوت هذه المقولة بعضاً منَّا أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) ، فمِن أجل عدم التضحية بالعراق ، لننضوِ تحت راية صدام والبعثيِّين ، لكنَّ الموقف الحكيم للمرجعيَّة والشيعة في العراق كان أبصر وأنفذ مِن هذا التحليل ؛ لأنَّ المعركة الضروس لم تكن قد حُسمت بعد بين السَّبْعَين ، والدخول فيها سيؤدِّي بهم ضحيَّة لسَبْع أو سَبْع آخر ؛ لذا فالموقف النموذجيّ والمثاليّ ، كان أنْ تواجِه بطريقتك السبع الآخر بعد أنْ تُحسم المعركة بين السَّبْعَين ، حين يتفرَّد لك الميدان .

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث