الصفحة (41)
هجوم على الشيعة :
أُطالع لكم بعض الكلمات التي أطلقها البعض ، ندَّد فيها بالجمهوريَّة الإسلاميَّة
وبحزب الله ـ فضلاً عن استهدافه الأوَّل للمرجعيَّة الشيعيَّة والشيعة في العراق ـ
لاحظ الكلمات في تحليله ، كنموذج على أنَّنا إذا لم نُشخِّص الدواء ، فالداء ليس
أهميَّة تشخيصه بذي أهميَّة حاسمة . شخَّصنا داء العدوُّ الأمريكي ، الذي يُهاجم
العراق ، والذي أغراه بهذا الطريق هو نفسه النظام الطاغية ، في هذه المِحنة والفتنة
والدوَّامة ، الكثير رأى في نفسه ذا بصيرة سياسيَّة وبصيرة قانونيَّة وبصيرة واعية
بالمنطقة ، وشخَّص حينئذٍ الوقوف أمام العدوان الأمريكي ، هذا أمر مُسلَّم به
بالطبع ، إنَّما القول ـ عندما أقف أنا هذا الموقف ـ : أليس له تداعيات أُخرى ؟ ألا
يصبُّ في مجرى آخر ؟ وما شرعيَّة هذا الموقف ؟
الصفحة (42)
لاحظوا بعض التعبيرات التي أقرأها لكم مِن مقالة نُشرت في أماكن كثيرة ، يقول ـ
مُخاطباً الشيعة ـ : هل كان الحسين مُستعدَّاً للاستعانة بالروم لتحرير بلاد
الإسلام مِن ظلم يزيد ؟! ذهب بنا إلى نفس نهج الحسين (عليه السّلام) ، فقال :
هل يضع الحسين (عليه السّلام) هل يضع يده مع الروم لقلع نظام يزيد ؟ في الواقع ،
هذا أحد التساؤلات أو الطعون ، التي يُريدون إثارتها حول عليٍّ (عليه السّلام) أو
حول الحسين (عليه السّلام) ، فكيف يذهب أمير المؤمنين أو سيِّد الشهداء إلى إصلاح
الوضع الداخلي والحال أنَّ الحدود الإسلاميَّة مُهدَّدة ؟!
أحد الأُمور التي يُسجِّلونها كمأخذ أو كتساؤل حول أمير المؤمنين وحول سيِّد
الشهداء ، عن عكوف علي (عليه السّلام) على الإصلاح الداخلي ، ولم يتوجَّه إلى
التوسُّع في الدولة الإسلاميَّة ، وإنْ كان كلُّ تخطيط الفتوحات مِن أمير المؤمنين
(عليه السّلام) في ملفَّات تاريخيَّة وُقِف عليها أخيراً ، إلاَّ أنَّ الكلام
تَركَّز على نهج أمير المؤمنين في إصلاح الداخل ، فلم يعبأ بذريعة التهديد الموجود
عند الثغور والحدود الإسلاميَّة ، واتَّخذ لها موازنةً أُخرى ، تحت هذه الذريعة ،
حتَّى إنّ البعض مِمَّن حول أمير المؤمنين أشاروا عليه بإبقاء مُعاوية ، وبعد ذلك
يتَّخذ تدبيراً آخر ، مثل هذه الإدارة ومثل هذا التدبير ، يراه أمير المؤمنين
موجباً نهجاً عَفناً في سُنَّة هذه الأُمَّة الإسلاميَّة ؛ لأنَّ أفعالهم سُنَّة (سلام الله عليهم) ، فإذا سَنَّ مثل هذه السُّنَّة ، ستكون سُنَّة إلى يوم القيامة
للتفريط بالمبادئ ، ولعدم التشدُّد بمبدئيَّة المبادئ ، ولتبرير الغاية نمط الوسيلة
.
الصفحة (43)
الصفحة (44)
الإصلاح الداخلي أوَّلاً :
فعكف مِن ثَمَّ على الإصلاح الداخلي ، كما هو الحال في نهج الحسين (سلام الله عليه) ؛ لأنَّه بالخروج كان سيُدافع عن هيكل قشري لا جسم ، أمَّا الفتوحات فكانت فتوحات
إزالة الكفر، بلا بديل ، فلا يبقى مِن الإسلام شيء إلاَّ رسمه . هلْ البديل هو ما
انتهجه الخُلفاء الأوائل مِن التفرقة في العطاء بين العربي وبين غير العربي
(1) ،
ومنع غير العرب مِن التزوُّج بالعرب ، كانت هذه سُنَن الخُلفاء المُتقدِّمين ، ما
هو البديل ؟
ـــــــــــــــــــــ
(1) راجع مِن حياة الخليفة عمر بن الخطَّاب ص 180 – 182 .
الصفحة (45)
نع الخليفة الثاني غير العرب مِن الدخول للمدينة المنوَّرة ؟! والتفرقة في الضمان
الاجتماعي والكفالة الاجتماعيَّة بين القرشي وغير القرشي ، وبين المهاجر وغير
المهاجر ؟! كانت الطبقيَّة على قَدمٍ وساق ، وهي الطبقيَّة ذاتها التي كانت في
الجاهليَّة ، عادت مَرَّة أُخرى تحت راية التشهُّد بالشهادتين ، وهي خاوية مِن بنود
الشهادتين وبرنامجها . لم يُفكِّروا في البديل : لماذا ندعو الأُمَم ؟ وللدخول في
ماذا ؟ وما هو البديل ؟ بلْ نظروا إلى القِشر فقط ! ليست الخُطوة التي تخطوها
هي المُهمَّة فقط ، إنَّما المُهمُّ ما يترتَّب على هذه الخُطوة ، وإنْ كانت خُطوة
إصلاحيَّة ، فما الذي يترتَّب عليها ؟ ولدى أهل البيت تحسُّس شديد مِن ذلك . لذا
نُجيب هذا المُهاجم بهذا الجواب .
الصفحة (46)
دمج مصير الإسلام بالسُّلطان :
مِن ضمن تعبيراته : نحروا العراق مِن أجل أنْ ينحروا صدام .. ورفضوا كون العراق
هو صدام وصدام هو العراق . هذا دمج بين مصير الإسلام والسلطان ، وهو الداء الأعظم
الذي وقعت فيه المذاهب الإسلاميَّة الأُخرى ، وتميزت به مدرسة أهل البيت (عليهم
السّلام) ، بعدم ربط مصير السلطان بمصير الإسلام ، وكذلك نقول : بعدم ربط مصير
السِّلم البشري بمصير الأُمَم المُتَّحدة ، أو مصير السِّلم والتطوُّر البشري بمصير
القوى العُظمى في العالم ، فالتفكيك بين هذه المُغالطات في الفكر الإصلاحي القانوني
البشري أمر ضروري ، وهذا ما لا يكاد يعيه غير مذهب أهل البيت ، ببصيرة نافذة طبعاً
، فسيِّد الشهداء قام للتفكيك بين مصير الإسلام ومصير السلطة القائمة .
الصفحة (47)
المُشكلة في النُّخبة المُثقَّفة الإسلاميَّة :
مُشكلة الأُمَّة الإسلاميَّة ليست مُشكلة فساد الحُكم فحسب ، إنَّما المُشكلة في
وجود البديل عنهم . هي إحدى المشاكل المُهمَّة بالطبع ، وليس هذا تبريراً لبقاء
الفساد في إدارة الحُكم ، لكنَّنا إنْ كنَّا نُريد أنْ نستبدل بما هو أدهى ، فهي
مُشكلة .
وليست هذه دعوة لدعم لليأس عن الإصلاح ، وإنَّما يجب أنْ يكون تفكيرنا مُنصبَّاً في
بديل ، بدرجات فائقة عميقة علميَّة ، أكثر مِن تفكيرنا في الداء فقط . فمثل هذا
القائل الذي يتصدَّر ، تنظيم إسلامي عريق ، مِن تنشئة الشيعة طبعاً ، فتنشئة إخوان
المسلمين شيعيَّة الأصل ، لأنَّهم مِن حسن البنَّا ، مِن رعيل محمّد رشيد رضا ،
ومحمّد رشيد رضا مِن رعيل محمد عبده ، ومحمّد عبده مِن تلاميذ أسد الدين جمال الدين
الأفغاني ، وكذلك الحال في حزب التحرير الذي تأسَّس في الدول العربيَّة . هذه
الحركات الإصلاحيَّة هي في الواقع مِن إشعاع الشيعة ، وإشعاع مدرسة أهل البيت
(عليهم السّلام) ، حتَّى الحَجر الفلسطيني الذي يُرمى على إسرائيل لا يخلو مِن
تأثُّر مِن إشعاعات شيعة جنوب لبنان ، وشيعة إيران .
الصفحة (48)
الإشعاعات الإصلاحيَّة هي دوماً مِن مدرسة أهل البيت (عليهم السّلام) ، لكنْ
لننظُر إلى البديل ، هذا يقود تيَّاراً إصلاحيَّاً وله تداعياته على الدول الأُخرى
، له هذا التفكير ، الذي يربط مصير السلطة بمصير الإسلام ، ومصير البلاد بمصير
السلطة . أحقٌّ هذا التعبير الذي يُعبِّر به ؟ ولسنا في محلِّ نبزٍ بالألقاب ، فنحن
بعيدون عن هذا ، لكنْ أيُّ سُنَّة هذه ؟ هل هي السُّنَّة النبويَّة أم سُنَّة
السلطان أم سُنَّة الخلافة ؟ وأيُّ جماعة ؟ فالمُجتمع الدولي الآن جماعة ! إنَّ
الجماعة هُمْ مَن كانوا مع الحَقِّ ، وإنْ قلُّوا ، وليست الجماعة هي الكثرة ، وإلا
فالعُرف الدولي السائد الآن هو الكَثرة الكاثرة ، وأكثر مِن المسلمين .
ليست السُّنَّة هي الجماعة والإجماع ، إنَّما السُّنَّة سُنَّة الحَقِّ ، سُنَّة
النبي (صلَّى الله عليه وآله) و أهل بيته (عليهم السّلام) ، و بعبارة أُخرى ،
البرنامج الصحيح البديل ، لا التعارف الموجود والرضى بالوضع السائد ، ومعنى هذا ،
إنْ قلنا : ( سُنَّة الجماعة ) ، فيعني ذلك الإقرار بالوضع السائد !
فالمُشكلة عندهم ـ إلى الآن ـ أنَّهم يخلطون في وعيهم وتفكيرهم السياسي ، بين مصير
الدين والأُمَّة ومصير السلطان ، ويعتقدون أنَّ مصير الأُمَّة ونجاتها حلقة في عُنق
السلطان . هذا خطأ ، إلى الآن ، مع أنَّ هذه حركات تحرُّريَّة تُنادي بالإصلاح .
الصفحة (49)
نُصرة السُّلطان عندهم مِن نُصرة الإسلام :
تعبير آخر للقائل المُعترض يقول : ولو كان العراق أعزَّ عليهم مِن أحقادهم على
صدام ... . ويوظف بهذا الدفاع عن الإسلام والوطن لنُصرة السلطان الجائر ، ولا
يُفكِّك بين الأوراق ! هذا الذي يتحسَّس منه في نهج الحسين (عليه السّلام) . أنت
تُريد تُصلح ، وتُريد أنْ تصدَّ العدوَّ الأمريكي بما يصبُّ في بقاء هذا الوحش
الكاسر الجاثم على صدر الأُمَّة ؛ ليخلق لها مقابر جماعيَّة كثيرة ؟! وما الفرق
بينهما إذاً ؟ أهو فرق بالاسم والرسوم فقط ؟ أنَّ الحكومة الإسلاميَّة الجديدة
مدعومة مِن هؤلاء المسيحيُّون وبينما البعثيُّون يتشدَّقون باسم الإسلام ، والنحر
ونهر الدماء على قدم ٍ وساقٍ جارٍ ! ما الفرق ؟!
الصفحة (50)
هو يتبنَّى التفرقة فرق ، وهو رائد خَطٍّ إصلاحي في الأُمَّة الإسلاميَّة ،
ويتشدَّق بأنَّه مِن مُنظِّري الإصلاح في الأُمَّة الإسلاميَّة وللبشر ، يقول :
لو كان الإسلام أعزَّ عليهم مِن أحقادهم على صدام ، لدافعوا عن صدام ! . فربط
مصير الإسلام والأُمَّة بالوضع السائد ! والوضع السائد : لا تُحرِّك ساكناً .
كيف تتبنَّون ريادة والدعوة إلى الإصلاح البشري في النظام القائم ؟! إنْ كان منطقكم
هو هذا ؟! فلتتبنُّوا ـ إذاً ـ أنَّ الوضع الدولي لا يُمكن تغييره ! وليس التغيير
بالأُسلوب الهمجي الذي يستخدمه مِن في نهج الخوارج – كما مَرَّ بنا – ، وإنَّما هو
بالنهج السليم .
الصفحة (51)
مِن ضمن عباراته الأُخرى ، وأُحاول ذِكرها ؛ لأنَّ عِدَّة فضائيَّات ومجلاَّت
تشدَّقت بها ، لنُبيِّن كيف أنَّهم لا يتحسَّسون تِجاه الشرعيَّة في كلِّ بنودها ،
وذكرنا أنَّ سيِّد الشهداء سَنَّ للبشريَّة ولأتباع الديانات السماويَّة ، أنَّ
التحسُّس في شرعيَّة البديل يجب أنْ يكون أكثر مِن التحسُّس حول شرعيَّة الوضع
القائم السائد ، الغير شرعي فرضاً .
تعبيره : فليَحيَ العراق ولينجُ شعبه وأرضه
مِن المُعاهدات المُكبَّلة ، حتَّى لو عاش صدام . هل حياة الإسلام بحياة صدام
والبعثيِّين والأنظمة السائدة ؟! ثمَّ لماذا تخصيص التحسُّس الآن بالوجود الأمريكي
في العراق ، وهو نفسه موجود في بُلدان عربيَّة أُخرى بنفس الكثافة ؟! أم أنَّ
التحسُّس هو مِن جانب العراق فقط ؟! بغضِّ النظر عن هذه النوازع الطائفيَّة
الموجودة . مع أنَّه لا حياة للإسلام مع عيش السلطان الجائر ، وهذا ما لا يستطيعون
هُمْ أنْ يُفكِّكوه ، وهذا ما يُركِّز عليه سيِّد الشهداء ، حياة الوضع البشري
حتَّى السائد ، ليس بحياة هذه القوى العُظمى ، فالقوى العُظمى هي مصدر السرطان
البشري .
الصفحة (52)
الإسلام عندهم هو صدام :
ومِن تعبيراته : تمريغ شعار الإسلام العظيم في الوحل المَشين ، وإنَّ الإسلام
عملاق ، لا يليق أنْ يحمله إلاَّ عمالقة .
فيجعل هذا الوسام لصدام ! ويتشدَّق
بعبارات غير مُلتفت إلى أوسمتها ، لمَن يُقلِّدها وفي عُنق مَن يضعها . يقول : إنَّ
الإسلام عظيم ، فكيف نُمرِّغه في الوحل المَشين ؟! ثمَّ يدعو لإبقاء كيان صدام
ليحمل عَملقة الإسلام ! مُشكلتهم أنَّهم لا يُفكِّكون هذه الأفكار ! ينظرون بعين
واحدة لا بعينين ، وإلى زاوية واحدة لا إلى زاويتين ، وينظرون إلى الداء دون الدواء
، كالخطأ الذي وقع فيه الخوارج . فالمؤاخذة على النهج الإصلاحي عند الخوارج هو
أنَّهم ينظرون إلى فقرة ويتركون بقيَّة الفَقرات ، وهذا الخطر ، وهذا الإفراط ،
وهذه الحِدَّة في منهج التفكير هو الخطأ ، أنْ ننظر إلى جانب ونترك الجوانب الأُخرى
.
يقول أيضاً : لماذا لا تُدين المراجع الدينيَّة والسلطة المُنبثقة عن الثورة في
إيران دخول إسلاميِّين إلى الفِراش الأميركي في العراق ، وأنَّ هذا مسيرة الضلال
البيِّن ، وأنَّ الأُمَّة لن تجتمع على ضلال ، وسيسقط كلُّ ضالٍّ مُضلٍّ لا هادٍ
ولا مهدي .
إذا كان الأمر هكذا ، فالفِرش والبُسط موجودة في دول عربيَّة كثيرة ،
لماذا لا يُدينها هذا القائل ؟ أمْ أنَّ لها مُبرِّراً لوجود سلطان هناك ، وليس لها
ذلك في العراق ؟!!
الصفحة (51)
موقف مُشرِّف آخر للمرجعيَّة الشيعيّة في العراق :
هناك تجربة أُخرى مُهمَّة مَرَّت بها المرجعيَّة الشيعيَّة والشيعة في العراق ، وقد
خرجوا مِن هذين الامتحانين الصعبين ، بنموذج وخطوات مِن مدرسة أهل البيت (عليهم
السّلام) ، فائقة ـ إنصافاً ـ ، ومصيريَّة . قضيَّة مواجهة الاحتلال الآن ، لا بما
يصبُّ مع تسلُّط هذه الفئة القليلة العاتية البعثيَّة ، إنَّما أُسلوب مُعالجة
الدواء لهذا الداء هو آخر ، عندما تتَّخذ أُسلوب الدواء لمُعالجة داءٍ ما . يجب أنْ
تعرف ما إنْ كان هذا الدواء لك أمْ هو لغيرك ، وما إنْ كان هذا الدواء دواءً أم
أنَّه فيه زيادةً للمرض . أوَ ليس الذي جلب الأمريكيِّين إلى العراق هو النظام
العراقي السابق ؟ ليُعيدوا أفراد وبُنية النظام السابق مَرَّة أُخرى ؛ كي يكون على
العراق ـ بلْ على الأُمَّة الإسلاميَّة ـ وبالاً أشدَّ وأعظم ! كذلك قضيَّة عدم
الانزلاق إلى الفتنة الطائفيَّة ، ورباطة الجأش والصفح عند الانتقام رغم الجراح
الدامية المُستمرَّة .
الصفحة (54)
إنَّ رشادة خُطوات المرجعيَّة الشيعيَّة والشيعة في العراق ـ إنصافاً ، ولا أقول :
العصمة إلاّ للمهدي (عجَّل الله فرجه) ، في بنودها وفي خطواتها وحركاتها ـ وهذا
درس مُصغَّر استفادته المرجعيَّة الشيعيَّة والشيعة في العراق مِن تعاليم أهل البيت
(عليهم السّلام) بذكاء وبصيرة فائقة نافذة ، وهذا هو المُهمُّ .
أنْ أُندِّد بإسرائيل أمرٌ ، وأنْ أعضد كياناً آخرَ كبديل هو أمرٌ آخر .
الصفحة (55)
كيف نكون مُبشِّرين لنهج سيِّد الشهداء :
مُلخَّص الحديث ، هو أنَّنا إذا أردنا أنْ نكون دُعاةً مُبشرين لنهج سيِّد الشهداء
، ولمدرسة أهل البيت ، طبعاً نهج سيِّد الشهداء (عليه السّلام) ونهج أهل البيت
(عليهم السّلام) فيه عطاء عظيم للبشريَّة ، لكنْ مَن الذي يوصل هذا العطاء وهذه
الثروة التي صارت البشريَّة في أمسِّ الحاجة لها ، ومَن الذي يوصل هذه المَحاسن ؟ .
الصفحة (56)
عهد أمير المؤمنين (ع) لمالك الأشتر والأُمَم المُتَّحدة :
يخطر في الذهن مِن باب المِثال ، عهد أمير المؤمنين (عليه السّلام) لمالك الأشتر
في نهج البلاغة .
( كوفي عنان ) مسيحيٌّ غير عربيٍّ ـ و لست بصدد مدحه ـ قبل ثلاث
سنين ، وأمام مجلس الأُمم المُتَّحدة العامِّ والجمعيَّة العامَّة ، قال : أنا
أقترح أنْ يكون عهد علي بن أبي طالب لمالك الأشتر أحد مصادر التشريع الدولي ؛ لأنَّ
فيه فقرة هزَّتني إلى الأعماق : (( الناس ... إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ ،
وَإمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ )) . يجب أنْ تضع كلُّ مُنظَّمة حقوقيَّة هذا
الشعار كيافطة . ما الذي ربط كوفي عنان بعليِّ بن أبي طالب (عليه السّلام) ؟!
ليس الدين ولا العرق ولا اللون ... ما الذي ربطه بعليٍّ ؟! إنَّما ربطه بأمير
المؤمنين إعجاز تشريع أهل البيت (عليهم السّلام) ، ولم نوصِل له نحن هذا المطلب .
الصفحة (57)
ومِن باب الشيء بالشيء يُذكر أقول : إنَّ أهل البيت (عليهم السّلام) لا يقتصرون
على جُهد الشيعة ، ولا على جُهد المسلمين في نشر نورهم ، فلهم أساليبهم الخاصَّة ،
لكنَّ كلامنا هذا هو حول مسؤوليَّتنا نحن تِجاه هذا المنهج العظيم ، وهذه المدرسة
العظيمة . وبعد مضي سنة ، يُصرُّ كوفي عنان على التصويت في الأروقة الحقوقيَّة
للأُمم المُتَّحدة على هذا العهد بعد مدارسة في لجان الأُمم المُتَّحدة الحقوقيَّة
والقانونيَّة . وقد صوَّتت أكثريَّة الدول على أنْ يكون عهد أمير المؤمنين هو أحد
مصادر التشريع الدولي ، وتمَّ التصويت بعد ذلك على جُملة مِن العهود في نهج البلاغة
، لتكون كمصدر في التشريع الدولي .
الصفحة (58)
الفاتيكان والصحيفة السجاديَّة :
إحدى المؤسَّسات القديمة جِدَّاً في قُمْ المُقدَّسة ، يرأسها ( السيِّد مُجتبى
لاري ) ، معروف في مدينة لار ، ومؤسَّسته مؤسَّسة تبليغيَّة شيعيَّة مُنذ ثلاثين أو
أربعين سنة . أرسل إلى بابا الفاتيكان ، الصحيفة السجاديَّة باللُّغة الإيطاليَّة ،
ليس هذا البابا الموجود ، ولا الذي قبله ، بلْ الثالث الذي قبله ، وقد شاهدتُ بنفسي
جواب الفاتيكان على هذه الرسالة ، وعاتبت السيِّد ، بقولي له : إنَّ عليك مسؤوليَّة
أنْ تنشر هذه الرسالة على أوسع نطاق مُمكن . مختومة مِن قِبَل مكتب الفاتيكان ،
ويعترف فيها البابا بقوله : ( إنْ الزخَّ الروحي والمعنوي و العرفاني الذي عند
إمامكم السجاد ، هو أكثر مِمَّا نَجده عند نبيِّنا النبي عيسى ) ، و قلتُ لهذا
السيِّد : أنت مسؤول في قِبال السجاد (عليه السّلام) يوم القيامة ، وأمام أئمَّة
أهل البيت (عليهم السّلام) ، عن نشر هذه الرسالة بسُرعة . هذه الرسالة عنده مُنذ
سنين ، وهي مختومة وموثَّقة رسميَّاً .
الصفحة (59)
الفاتيكان و الإمام الحسين (عليه السّلام) :
أحد الأُخوة ينقل عن سفير الجمهوريَّة الإسلاميَّة في الفاتيكان ( السيِّد هادي
خسرو شاهي ) ، عندما كان سفيراً في الفاتيكان ، دخل مكتبة الفاتيكان ، بأجنحتها
المُتعدِّدة ، فرأى جناحاً حول الحسين (ع) ، وفيه كلُّ الكتب التي كُتبت حول سيِّد
الشهداء بكلِّ اللُّغات ، فاستغرب !
فتساءل مُتعجِّباً لمُدير المكتبة ، فأجابه : إننا رأينا في الحسين عنصراً
تبشيريَّاً عجيباً وجذَّاباً ، غير موجود لدينا في طريقة التبشير ، فحاولنا دراسة
شخصيَّة الحسين ، والدراسات قائمة عليها . يؤكِّد أنَّ هذا الجناح موجود ، ومَن
أراد التأكُّد فليزُر مكتبة الفاتيكان بأجنحتها المُختلفة .
الصفحة (60)
انتشار الثقافة المهدويَّة :
الثقافة المهدويَّة أيضاً آخذة في الانتشار والتشبُّع في العالم ، وأستحضر الآن ما
يذكره الخبير الأمني الاستراتيجي ( فرانسوا توال ) الذي ألَّف كتاباً باسم (
الجغرافيا السياسيَّة للشيعة Shia Geo-Political ) ، لم يتجاوز السنة تقريباً ، وهو
مِن الخُبراء الكبار في الأمن الاستراتيجي الفرنسي . يتحدَّث عن الشيعة ويقول : إنَّ مُرادهم مِن الغيبة هي خَفاء الإمام المهدي ، في كيفيَّة حركته السياسيَّة ؛
لأنَّ الخفاء أكبر عامل قوَّة يؤمِّن حيويَّة النشاط وحيويَّة الحركة وحيويَّة
التدبير .
هذا الخبير الأمني يفهم معنى شفرة الغيبة في علم الأمن ، ويقول عن العدالة
المهدويَّة التي يُنادي بها الشيعة : أنا أُهيب بالساسة العالميِّين والمُراقبين
الدوليِّين ، بأنَّ هذه النظريَّة وهذه العقيدة مُرشَّحة أنْ تنتشر بين شعوب العالم
بين ليلة وضُحاها ، وتعتنقها المُجتمعات المُختلفة ، وبأشدِّ مِمَّا انتشرت
الشيوعيَّة والاشتراكيَّة ؛ لأنَّ هذه النظريَّة مُتكاملة ، لا تضع مِيَزاً للعِرق
ولا القوميَّة ... ، وهي أنشودة الأمل البشري الآن ؛ فمِن اللازم على هؤلاء
المُراقبين والساسة أنْ يتعرَّفوا على هذه النظريَّة وهذه العقيدة بعُمق ، وأنْ
يتعاملوا معها بحَذر ؛ لأنَّها مُرشَّحة لذلك .
الصفحة (61)
ويقول فيما يقول : إنَّنا لا يُمكن أنْ نواجه مذهب التشيُّع عِبر الفلسفات
الغربيَّة ، وعِبر الإنتاج الحداثوي ـ الهيرمونطيقي ـ الغربي ؛ لأنَّ هذا المذهب
يجمع بين ثوابت الدين وبين استيعاب كلِّ مُتغيِّر و اعتماد الوحي في الفهم والعقل ،
ونبذ ما هو طالح فيه ورسم وإقامة ما هو صالح ، ومِن ثَمَّ فإنَّ عُمق فكر المذهب
الشيعي ليس على النحو الذي نتصوُّر أنْ نُهاجمه مِن خلال فلسفة أو فكر مُعيَّن ؛
لأنَّ فيه قابليَّة استيعاب كبيرة للمُتغيِّرات ، فهو يجمع بين هذه الثوابت
الدينيَّة وبين تحكيم العقل في قراءة كلِّ المُستجَّدات والمُتغيِّرات ، لنبذ كلِّ
ما هو سيِّء منها وإقامة ما هو صالح .
فمذهب أهل البيت (عليهم السّلام) آخذ في الانتشار ، وإنَّ الله (عَزَّ وجلَّ)
حتَّم أنَّ هذا المنهج الصائب هو الذي يسود البشريَّة ، تمهيداً للحُجَّة (عجَّل
الله فرجه) ، لكنَّ الكلام في ما هي مسؤوليَّتنا ودورنا في هذا الموقع .
الصفحة (62)
علينا تجسيد أخلاق أهل البيت (عليهم السّلام) في عاشوراء :
إذا كان الموسم عاشوراء ، فلابُدَّ أنْ نُجسِّد البطولة في الأخلاق ؛ لأنَّ أعضاء
ملحمة كربلاء ، كانت لهم بطولة في الأخلاق ، قبل أنْ تكون لهم بطولة في الفروسيَّة
والشجاعة . هل نُقيم نحن مراسم عاشوراء بهذه النموذجيَّة ؟ يجب أنْ نكون قُدوة
((
... دُعاة للناس بغير ألسنتكم ، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير ، فإنَّ
ذلك داعية ))(1) ؛ لأنَّ هذا الدين ، دين عملاق وقَيِّم وعظيم ، فمَن الذي يَحمله
للبشريَّة ؟
ـــــــــــــــــــ
(1) الكافي ج 2 ص78.
الصفحة (63)
نحن نعيش الآن في عصر الإغراءات الشديدة ، وإنْ كنَّا نُريد أنْ نكون بمُستوى
المسؤوليَّة ، وبمُستوى العصر ، بمُستوى هذه الحِقبة البشريَّة ، بمُستوى هذه
الرسالة العظيمة في هذه الحِقبة ، التي هي أصعب الحِقب ، الموطِّئة للإصلاح الشامل
، إنْ كنَّا نُريد أنْ نكون فائزين ، علينا خلق إرادة قويَّة لدينا ، مُقابل
الإغراء الشديد ، نحتاج إلى رياضة روحيَّة شديدة ، وإلاَّ كان المَصيد هو الانزلاق
أمام الإغراء ، وبدل أنْ نكون دُعاة إلى أهل البيت (عليهم السّلام) ، نُسبب النفور
عن مدرسة أهل البيت (عليهم السّلام) . والحال أنَّهم (عليهم السّلام) خاطبونا ،
أنْ نتدارس فكرهم ونستنير ببصائرهم ، ونتحمَّل هذا الفكر بخَلقِنا مِن أنفسنا نماذج
أُمثوليَّة ؛ لنجذب الناس بدل أنْ نبعدهم عن مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) .
الصفحة (64)
فالمفروض في موسم عاشوراء أنْ نعيش حالة مثاليَّة روحيَّة فائقة جِدَّاً ، بجانب
تعايشنا حالة الحُزن والبُكاء ومُدارسة المدرسة الحسينيَّة ، لكنَّنا لابُدَّ أنْ
نتشدَّد في الجهات الأخلاقيَّة أيضاً ؛ لكي يكون انجذاب الآخرين إلى المرسم الحسيني
وإلى المهرجان الحسيني كبير ، ولا يكون رُعاة ضيوف الاستقبال مُنفرين ، وإنْ شاء
الله هذا هو المأمول مِن الجميع ، أنْ نُجسِّم أخلاقيَّات كربلاء ، وأخلاقيَّات
سيِّد الشهداء ، الذي يتشدَّد في الصغيرة والكبيرة مِن المبادئ . هذا مسلم بن عقيل
، وهذا أبو الفضل العباس ، وهذا عليُّ الأكبر ، نماذج قِمَم روحيَّة في الأخلاق في
كلِّ خُطواتهم ، وحتَّى في حالة اضطراب الوضع العسكري والروحي والنفسي ، لا يفقدون
الأخلاقيَّات .
الصفحة 65
لاحظ شدَّة المِحنة ، وشِدَّة الزلزال والبُركان ، عندما كان مسلم بن عقيل
مُهدَّداً في نفسه وفي مسيرة سيِّد الشهداء ، لكنَّه لم يتناسَ المبدأ ، فـ
((
الإسلام قيد الفتك ))(1) ! ولم يُبرِّر لنفسه بأنَّه : الآن في بُركان ، وفي هذه
الحالة يدوس على المبادئ ! هذا يحتاج إلى تنمية عظيمة ؛ لكي نكون كنموذج سفير
الحسين (عليه السّلام) ، سفير هذه المدرسة . آتني بدُعاة إصلاحيِّين كهكذا نماذج ،
يعيش الزلزال ولا يفقد توازنه ومبادئه وأخلاقيَّاته ! والنماذج كثيرة في كربلاء ؛
ليُخاطبوا الوجدان البشري ، فأنتم أيُّها الإصلاحيُّون إذا فُتنتم بالإصلاح
والتغيير ، لا تفقدوا الأخلاقيَّات ، لا تفقدوا الشعارات ولا تفقدوا المبادئ .
ـــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين (عليه السّلام) ص 33.
الصفحة (66)
إذا أردنا أنْ نلبس السواد ـ إنْ شاء الله نُوصل ركبنا بركب سيِّد الشهداء ـ يجب
حين ذاك أنْ نعيش هذه الأخلاقيَّات في ظِلِّ هذا الجوِّ ؛ لكي نكون دُعاةً للمدرسة
الحسينيَّة، بدل أنْ نكون مُعوِّقين .
ولا نجسد هكذا أخلاق سيِّد الشهداء ، ولا ندعو بسلوكنا القاصر إلى نهج سيِّد
الشهداء ، ومجيئنا إلى المراسم الدينيَّة الحسينيَّة لإقامتها وإقامة العزاء لجذب
الناس ، لا لتنفيرهم وتعكير صفو صورة سيِّد الشهداء ؛ فيجب على ذلك أنْ نكون بقدر
المسؤوليَّة .
وصلَّى الله على محمد وآله الطيِّبين الطاهرين ..
الصفحة (67)
القسم الثاني
أسئلة و أجوبة
• الأسئلة بعد الندوة العلميَّة
تميُّز حركة سيِّد الشهداء
السؤال :
تميَّز الإمام الحسين (عليه السّلام) عن غيره مِن الأئمَّة ، بأنَّ حركته ارتبطت
بمواجهة مُباشرة مع السُّلطات الحاكمة ، فهل هي حالة استثنائيَّة ؟ أم هو ظرف
تاريخيٌّ خاصٌّ فرِض على الإمام الحسين (سلام الله عليه) القيام بهذا العمل ؟
الصفحة (68)
الجواب :
في الواقع ، مواجهة إصلاح السُّلطة في النظام الاجتماعي ، لم يكن حالة استثنائية
عند الأئمَّة (عليهم السّلام) ، ولا مِن قَبلهم عند جَدِّهم سيِّد الأنبياء ، بلْ
هي حالة ديمومية ؛ لأنَّ الدين هو الذي يأتي لإدارة وتدبير البشر في ظِلِّ نظامهم
الاجتماعي المعيشي ، وتلاؤمه مع مسيرهم في العوالم الأُخرى ، فالإنسان ذو أبعاد
مُختلفة ، والإنسان ذو طبقات مُختلفة ، فقيادة النظام الاجتماعي دنياً وعوالم أُخرى
، بدناً وروحاً ، هو الهَمُّ والغَمُّ الذي حُمّل على عاتق النبيّ وأهل بيته (عليهم
السّلام) ؛ وبالتالي فإنَّ مواجهة السُّلطة بأشكال وأساليب مُختلفة ، وإصلاح
سُلطة البشر ، هو هَمُّ الأنبياء ، والمحور الأصلي في مسيرة النبي وأهل بيته (عليهم
السّلام) .
نعم ، الأُسلوب الخاصُّ ، والشكل الخاصُّ الذي قام به سيِّد الشهداء هو بنحو
مُتميِّز ، عمَّا قام به بقيَّة الأئمَّة (عليهم السّلام) .
الصفحة (69)
الخنوع أو المواجهة عند المدارس الإسلاميَّة الأُخرى :
السؤال :
كيف يوازن بين المنهجين المطروحين عند أهل السُّنَّة ، بين الخنوع والذِّلِّ بين
يدي السلطان ، والمواجهة المُسلحة ضِدَّ الحاكم ؟
الصفحة (70)
الجواب :
هذه الموازنة المُعقَّدة هي التي قام أهل البيت (عليهم السّلام) وبالذات سيِّد
الشهداء ، في ظلِّ جدليَّة تتجاذب مع المُجتمع والإنسان وعقله وفكره ، أنْ لا
يُفرِّط في المكاسب ، وأنْ لا يُهادن في المَفاسد ، وكيف يُحافظ و يوازن بين دفع
المفاسد والإبقاء والادِّخار للمكاسب ، هذا هو الأُسلوب المُتميِّز لسيِّد الشهداء
، أنَّه حاول ألاَّ يقرَّ الفساد والخطأ والوضع العَفن ، في حين لم يُفرِّط
بالمُنجزات الصحيحة في الواقع السائد ، فلا إفراط ولا تفريط .
يرى البعض ـ على ضوء ذلك ـ أنَّ سيِّد الشهداء تصرَّف بأُسلوب ساخن ، وأنَّ الإمام
الحسن تصرَّف بأُسلوب بارد ، وفي الواقع ، إنَّ أسلوب سيِّد الشهداء وأُسلوب الإمام
الحسن (عليهما السّلام) ، يجتمعان وأسلوب أبيهما سيِّد الأوصياء وجَدِّهما سيِّد
الأنبياء .. كان أُسلوب النبي (صلَّى الله عليه وآله) في مَكَّة لثلاث عشرة سنة
أُسلوب الهُدنة ، وكذلك في المدينة ، فهناك فرق بين نهج النبي والوصي والسبطين وبين
نهج الخلفاء في الفتوحات ـ طبعاً هذا شيء مُختلف ـ أو نهج السُّلطة الأُمويَّة أو
السلطة العباسيَّة .
الصفحة (71)
نهج الأربعة أصحاب الكساء نهج مُتميِّز خاصٌّ ، فالنبي (صلَّى الله عليه وآله)
كانت له دعوات للأُمم في الدخول والانطواء تحت دين الله (عَزَّ وجَلَّ) ، فهم
بطوعانيَّة انجذابهم إلى النموذج الإسلامي يدخلون ، أمَّا حرب مؤتة أو غيرها ،
فكلُّها حروب وقائيَّة ؛ لأنَّ المُشركين أرادوا أنْ يباغتوا المسلمين والنبي (صلَّى الله عليه وآله) ومِن ثمَّ أعدَّ لهم الجيش في تبوك أو في مَكَّة أو غيرهم ،
وكذلك انظر إلى الخلفية التاريخيَّة لبدر وأُحد والأحزاب وحُنين .. وغيرها ، التي
رُصدت في حروب النبي (صلَّى الله عليه وآله) هو بمنطق العرف القانوني كحروب
وقائيَّة ، وكذلك الحال في سيِّد الشهداء ، في حين تميَّز منهجه بالدم ، وتميَّز
بالتضحية ، مِن دون أنْ يُبادر بهدر دم الطرف الآخر ، وإنَّما يُضحِّي بدمه وكلِّ
مُقدراته (سلام الله عليه) ، في مُقابل عدم الرضوخ للوضع الفاسد .
الصفحة (72)
راية ضلال :
السؤال :
كيف نفهم هذه الرواية فهماً صحيحاً : (( كلُّ راية تخرج قبل قيام الإمام المهدي
(عليه السّلام) فهي راية ضلال )) ؟ (1) .
ـــــــــــــ
(1) الكافي ج 8 ص 295 ، الوسائل ج 15 ص 52، غيبة النعماني ص 111، البحار ج52 ص142.
الصفحة (73)
الجواب :
هذه الرواية هي ضمن مجموعة روايات عديدة ، ومفادها في قراءتي الخاصَّة ، لا يعني
الدعوة إلى الخمول والجمود ، أو عدم مُحاولة تغيير المُنكر الاجتماعي أو السياسي ..
وغيره ، إنَّما مصبُّ هذه الرواية ومثيلها مِن الروايات ، أمران :
الأمر الأوَّل : أيُّ قيادة في الطائفة الشيعيَّة ، تُريد أنْ تقوم بهيكل سياسيٍّ
أو شرعيٍّ ، لا يُمكن أنْ تتسنَّم كلَّ صلاحيَّات الإمام المعصوم ، نعم تقوم بإقامة
الحكومة ، كما ذكر ذلك الفُقهاء الأقدمون ، وإدارة المُجتمع الشيعي والطائفة
والدولة الشيعيَّة ، أو الدولة الإسلاميَّة ، لكنَّ صلاحيَّتها في الدولة ليست
كصلاحيَّات الإمام المعصوم ، في التشريع وفي التنفيذ وفي القضاء .. وبعبارة أُخرى
كالصلاحيَّات المفتوحة للمعصوم . المعصوم هو مصدر الشرعيَّة ، وليس ذلك للفُقهاء،
إنَّما هم حُفَّاظ على ما هو فوقهم مِن تراث أهل البيت ، هذا أمرٌ تُريد أنْ تُثيره
الروايات ؛ كي لا يُختطَّ في الحركات التغييريَّة الشيعيَّة أنْ تخرج عن نهج
الأئمَّة الاثني عشر ، فتُصبح زيديَّة أو تُصبح إسماعيليَّة أو ما شابه ذلك ، هذا
مطمح ترومه وتُشير إليه الروايات .
الصفحة (74)
لذلك يفهمنا أبناء المذاهب الإسلاميَّة الأُخرى بشكل خاطئ ، فيظنُّون أنَّ الفُقهاء
عندما شيَّدوا نظام الجمهوريَّة الإسلاميَّة ، قد تخلُّوا عن شرطيَّة العصمة ، هذا
خطأ في قراءة مسار الشيعة ، فالإمامة والعصمة لا يُمكن رفع اليد عنها ، نعم نقول :
إنَّ النظام البشري لا يُمكن أنْ يقوده إلاَّ معصوم ، فالذي يُدير البشريَّة بشكل
خفيٍّ الآن هو المهدي (عجَّل الله فرجه) مع شبكته الخفيَّة ، لا مع مجموعات الدجل
والاحتيال ، التي تدَّعي السفارة ، مهزلة استعماريَّة إنكليزيَّة معروفة ، كلامنا
في ما هو واقع الأبدال والأوتاد والنُّقباء وعِبْرهم هو (سلام الله عليه) يُدير
البشريَّة والنظام البشري .
وهناك مِن الآيات القرآنيَّة الصريحة في ذلك ، أنَّ وظيفة المعصوم ، كعلي بن أبي
طالب ، والذي يُقال : بقعوده خمساً وعشرين سنة في البيت ، هي مقولة خاطئة ! بلْ هو
يُدير البشريَّة . إبراهيم لم يتسلَّم في العلن سلطة رسميَّة ، لكنَّه في الخفاء ،
بيده أزمَّة إدارة أنظمة البشريَّة ـ بشكل سريٍّ ـ ، كما هو موجود الآن ، كما أنَّ
القوى التي تُدير البشريَّة حالياً قوى خفيَّة أكثر مِن كونها قوى علنيَّة رسميَّة
.
الصفحة (75)
المقصود : إنَّنا في رؤيتنا الشيعيَّة لا نتخلَّى ـ أبداً ـ عن المعصوم الذي تُحفَظ
به البشريَّة ، و ما الفُقهاء إلاَّ وكلاء ونوَّاب ورؤساء مُحافظات له ، والمحور
الأصلي هو المعصوم . فقراءة المذاهب الإسلاميَّة الأُخرى لمسار الشيعة ، مثلاً
تجربة إيران كجمهوريَّة إسلاميَّة ، قراءتهم لها خاطئة ، فلا يعني تشييد النظام
الإسلامي أنَّنا تخلَّينا عن العصمة ، بلْ على العكس ، إنَّا نحن في ظِلِّ العصمة .
هذه نكتة مُهمَّة ؛ ولذلك ـ ولله الحمد ـ شيعة إيران تحت ظِلِّ الفقهاء ، لم
يُصبحوا فرقة شيعيَّة جديدة ، مثل الزيديَّة أو الوافقة وغيرهم ؛ لأنَّهم يلتفتون
إلى معنى قيادة الفقهاء تحت ظلِّ العصمة ، ومِن ثمَّ يستمرُّون على النهج الاثني
عشري .
الصفحة (76)
الأمر الثاني : نُكتة أُخرى إعجازيَّة ، تُشير لها هذه الروايات ـ وتختلف قراءتي
لهذه الروايات عن قراءة جماعات عديدة مِن الفقهاء ـ ، قراءة أُخرى ألمسها في هذه
الروايات تُريد أنْ تُشيد بنُكتة مُعيَّنة وهو ضمان التسديد والنجاح في الأُسلوب
التوعوي و الإرشادي التثقيفي العملي والتربوي الإصلاحي ، وأنَّكم في التأثير على
المَدِّ الاجتماعي والتغيير الاجتماعي ، ليس مِن الضروري أنْ تكشفوا أوراقكم على
العَلن . فمِن باب المثال ـ الذي يضرب مِن جِهة ولا يُقاس به مِن كلِّ جِهة ـ
الصهيونيَّة هدَّ الله أركانها ليست قوَّتها على البشريَّة الآن في إسرائيل ، مع
أنَّ صندوق النقد الدولي بيدها ، والمصرف الدولي بيدها ، والشركات النفطيَّة
العملاقة بيدها ، وشركات الأسلحة بيدها ، وشركات وكالات الإعلام الضخمة التي تُهيمن
على كلِّ الفضائيَّات بيدها ، فأيُّ قطَّاع عامٍّ بشريٍّ رأسماليٍّ مُسيطر هو بيدها
، وهم لم يصلوا إليها أبداً عِبر دولة رسميَّة ، إنَّما عِبر العمل تحت السطح .
|