الصفحة (77)
هذه الروايات تُريد أنْ تُشير إلى هذا المطلب : أنَّ العمل ـ وليس الجمود و الخمول
ـ إنَّما العمل تحت السطح يضمن الأمان في نجاح العمل ، نعم قد تأتي ظروف
استثنائيَّة شبيهة بنهج الحسين (عليه السّلام) ، ولابُدَّ حينها أنْ يكون العمل
فوق السطح ، مِثل انتصار الثورة الإسلاميَّة في إيران ، لكنْ كبرنامج عامٍّ ، العمل
تحت السطح مضمون السلامة ومضمون النجاح ؛ لأنَّ الخفاء يفقد العدو الاستهداف أو
العلم بالخفايا والنوايا وأهداف البرامج . وهذه قراءة أُخرى أيضاً لهذه الروايات .
الصفحة (78)
التشابه بين منهج الزيديَّة ومنهج الخوارج :
السؤال :
ذكرتم أنَّ هناك تشابُهاً بين ثورة زيد بن علي وبين الخوارج ، أرجو توضيح التشابه
بينهما .
الجواب :
نفس شخص زيد بن علي له شأن خاصٌّ ، وأمر مَن يُحيط بزيد بن علي أو استمرَّ على نهجه
هو أمر آخر ، يجب أنْ نُفكِّك الأوراق والحساب ، فقد وصف الإمام الرضا (عليه
السّلام) زيداً الشهيد بأنَّه كان عالماً مِن علماء آل محمد ، ولكنَّ مَن كان يُحيط
بزيد ، أو مَن خَلَف زيد بن عليٍّ في هذا المسار ، نعم يوجد هناك أوجه اشتراك بينهم
وبين الخوارج .
الصفحة (79)
ففي حين تصحيح جملة مِن خطوات زيد بن علي ونهجه والإنجازات التي صنعها ، تنشأ بعض
المؤاخذات مِن المعصومين حول رشادة البرنامج الذي قام به زيد ، فلو استرشد
بالمعصومين أكثر ، لرُبَّما أُهِّلَ لنجاح أكبر ـ وعلى أيِّ حال ـ مُحاسبة نفس زيد
وخطواته وإيجابيَّة نهجه ، يختلف عن مُحاسبة مَن يُحيط به ، أو عن مَن خلفه في هذا
النهج .
فالكلام ـ إذاً ـ في مَن خلفه ، أيْ نهج المذهب الزيدي بعبارة أُخرى ، فجهات
الاشتراك بينهم وبين الخوارج هي :
الصفحة (80)
1 ـ أنَّ التغيير لابُدَّ أنْ يكون بابتداء الأُسلوب الساخن المُفرط ، هذا أمر
مُشترك ـ تقريباً ـ بين النهج الزيدي ونهج الخوارج ، أنَّه إذا استتمَّت الشرائط ،
فالأُسلوب الساخن هو الذي يبتدئ ويتمُّ اعتماده ، والأُسلوب الساخن إذا ابتدأ
رُبَّما يُفرَّط في الكثير مِن المُقدَّرات الصحيحة ، أو الحُرمات الصحيحة ، أو
الإنجازات الاجتماعيَّة الصحيحة ، هذه جِهة اشتراك موجودة بين النهج الزيدي ونهج
الخوارج .
2 ـ جهة اشتراك أُخرى بين المذهب الزيدي ومذهب الخوارج ، هو في عدم الحساسيَّة
اللازمة الشديدة حول الشرعيَّة ، كما هو الحال في الخوارج ، بينما نرى تحسُّسهم حول
السلطة السياسيَّة فقط ، فلا تحسُّس حول مصدر التشريع ، ومِن المفروض أنَّ
الشرعيَّة في مصدر التشريع لها حسَّاسيَّة بالغة ، وأنَّهم مِن أين يستقون شرعهم ؟
كما أنَّ الأمر كذلك بالنسبة لأفراد بعض الحركات الإسلاميَّة : مِن أين يستقون
أوامرهم وفقههم السياسي ، التنظيمي ، العسكري ؟ فليس كلُّ مَن تزيَّى بالشكل
الإسلامي المُتنسِّك هو مصدر لشرعيَّة !
الصفحة (81)
وفي النهج الزيدي ـ مع الأسف ـ قد أخفقوا في هذه النقطة ، بابتعادهم عن أهل البيت
(عليهم السّلام) فأصبحوا لا يتحسَّسون كثيراً حول مصدر الشرعيَّة أو التشريع أو
السلطة التشريعيَّة ، وإنَّما تحسُّسهم هو حول السلطة السياسيَّة ، دون شرعيَّة
السلطة التشريعيَّة .
3 ـ جهة اشتراك أُخرى في المذهب الزيدي مع الخوارج ، أنَّهم لا يتقيَّدون بالعصمة ،
وعندما نتقيَّد نحن بالعصمة ، نتقيَّد بالأنموذجيَّة ، بلْ ينبوع الأنموذجيَّة
المُرتبط بالسماء .
الصفحة (82)
حقوق الإنسان وثورة الإمام الحسين (عليه السّلام) :
السؤال :
شعار حقوق الإنسان هو شعار دولي الآن ، أين نجد ذلك في ثورة الحسين (عليه
السّلام)
وحركته الرساليَّة ؟
الجواب :
مِن الأُمور البارزة جِدَّاً في الشعار الذي حمله سيِّد الشهداء ، في خُطبه في
مَكَّة ، وفي طريقه إلى كربلاء ، وفي كربلاء ، هو المُناداة بحقوق المسلمين في
مُقابل طغيان طغمة على رقابهم ، بلْ إنَّنا وجدنا في تعامل سيِّد الشهداء عِدَّة
فقرات ، تنمُّ عن أنَّه يُطالب أوَّلاً بتثبيت الحقوق الإنسانيَّة على صعيد فطري
إنساني ، قبل أنْ يُطالب بتثبيت الحقوق الإسلاميَّة ، فخاطبهم :
(( إنْ لم يكن لكم
دين ، فكونوا أحراراً في دنياكم )) . فيجب ألاَّ يستعبدكم أحد ويطغى عليكم ويستأثر
عليكم ، هذا خطاب فطريٌّ إنساني قبل أنْ يكون إسلاميَّاً . وحتَّى في خطابه
الإسلامي (سلام الله عليه) ، لم يقل : إنِّي خرجت للإصلاح في شيعة أبي .
وإنَّما قال : (( في أُمَّة جَدِّي )) ، فنهجه هكذا ، أمر بالمعروف ونهي عن المُنكر .
والواضح في بنود وخطاب سيِّد الشهداء ، في جملة مِن النصوص الواردة عنه (سلام الله
عليه) ، والشعارات التي حملها ، وأراد أنْ يبني وعي الناس عليها ، هي في البدء
حقوق إنسانيَّة قبل أنْ تكون حقوقاً إسلاميَّة ، و قد استعرضنا ذلك مِن قَبل .
الصفحة (83)
ذكر السياسة في اللطم :
السؤال :
ما هو رأيكم في ذكر السياسة في العزاء ؟
الجواب :
ذكر السياسة في العزاء هو على نمطين : فنمط ضروريٌّ واجب ، ونمط غير مُستحسن .
ربَّما يُنادي الكثيرون بفصل السياسة عن الشعائر الحسينيَّة ، بهدف التركيز وتمركز
العزاء حول سيِّد الشهداء في نيَّاتهم وقصدهم ، لكنَّهم مِن جانب قد يُقْصون الحسين
ـ مِن حيث لا يلتفتون ـ إلى جِهة مُعيَّنة ، وكذلك الذين يُريدون أنْ يُركِّزوا على
الجانب السياسي في العزاء يهدفون إلى مُعايشة مدرسة أهل البيت في الوضع الراهن ،
لكنَّهم ـ أيضاً ـ يُقْصون سيَّد الشهداء مِن جانب قد لا يلتفتون إليه .
الصفحة (84)
إذاً ، هناك جنبة إيجابيَّة عند الجانبين ، ويجب أنْ تُصلح الجنبة السلبيَّة عند
الطرفين ، فإنِّي إذا أردت أنْ أُركِّز على أهل البيت (عليهم السّلام) ، لا يصحُّ
أنْ أُقصي أهل البيت عن الاقتداء بهم في وضعي الراهن ، ولا أكون بذلك قد أحييت ذكر
أهل البيت ، إنَّما في الواقع ، أقصيتهم مِن حيث لا أشعر ؛ لأنَّني هكذا أجعل أهل
البيت بمعزل عن الوضع الراهن والوضع السائد، بكوني لا أقتبس مِن أهل البيت (عليهم
السّلام) شيئاً ، فأعزلهم وأُخمد ذكرهم ـ والعياذ بالله ـ .
كذلك لو أتيت بالوضع الراهن دون التركيز على قبسات مِن أهل البيت ، بمُجرَّد الحديث
على الوضع الراهن وانتقادي له ، والأفكار المطروحة ضمن ما يُردَّد في العزاء ، أو
حتَّى في خطابة الخطيب الحسيني ، فأكون هنا ـ أيضاً ـ قد أقصيت وعزلت أهل البيت
(عليهم السّلام) عن الوضع الراهن . الحلُّ الأمثل هو أنْ أستعرض الوضع الراهن ، وآتي
بحلوله مِن مواقف سيِّد الشهداء ، كالمَرهم والدواء للداء الموجود في الوضع الحالي
.
الصفحة (85)
أذكر بعض الشعراء في القديم مِمَّن لديهم ثقافة وذكاء لطيف ، فيأتي بالمُشكلة التي
يعيشها المؤمنون في هذا البلد ، ثمَّ يأتي بموقف لسيِّد الشهداء أو للعقيلة أو لأبي
الفضل العباس ، ويضرب في الصميم ـ كما يُقال ـ ، وهذا ذكاء ووعي أدبيٌّ ، بحيث
نقتدي بأهل البيت ، ونقتبس مِن أهل البيت حلولاً لمشاكلنا الراهنة ، مِن دون أنْ
نجعل نماذج لغير أهل البيت ، نماذج للوضع الراهن ، فنُركِّز ونجعل المحور وقطب
الرحى هُمْ أهل البيت ، ونتعايش معهم في معيشتنا ، ونحيا بحياتهم في حياتنا الراهنة
، فإنَّنا إذا حيينا في حياتنا الراهنة ولم نحيَ بلون حياة أهل البيت ، نكون قد
عزلنا أهل البيت ، وإنْ حاولنا أنْ نحيا حياة أهل البيت في شكلها المأثور فقط ، مِن
دون أنْ نسحبها إلى تبيان رؤى مِن مواقفهم ومِن كلماتهم للوضع الراهن ، فأرى مِن
كلا الجانبين إفراطاً وتفريطاً .
الصفحة (86)
إذا أردنا أنْ نأتمَّ بأهل البيت (عليهم السّلام) يجب علينا أنْ نعيش معهم في
عيشتنا الراهنة ، لا أنْ نعزل الوضع الراهن عن أهل البيت ، و لا نعزل أهل البيت عن
الوضع الراهن ، ولا أنْ نجعل أمثولة الحلول للوضع الراهن ، أمثلة لغير أهل البيت
(عليهم السّلام) .
يحتاج هذا بالطبع إلى براعة أدبيَّة ، وعلم ثقافي عند الخطيب أو الشاعر ، بحيث
يقتبس مِن مواقف أهل البيت وكلمات أهل البيت حلولاً في الصميم ، وبالتعبير الدارج (
نغزة ) أو ( كناية ) كنماذج لاستلال حلول لمواقف ومُشكلات الوضع الراهن مِن أهل
البيت (عليهم السّلام) .
الصفحة (87)
دور أمير المؤمنين (عليه السّلام) في الفُتوحات :
السؤال :
ما هي الملفَّات التي تُدلِّل على أنَّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) هو
المُخطِّط للفتوحات الإسلاميَّة لتوسعة الرقعة الجغرافيَّة في عهد مَن سبقه مِن
خُلفاء ثلاثة ؟ مع العلم أنَّ الكثير مِن الباحثين كانوا يَعيبون عليهم الاهتمام
بالفتوحات الخارجيَّة دون الاعتناء بالداخل ، وحتَّى سماحتكم بيَّنتم في طيِّ
كلامكم أفضليَّة الاهتمام بالداخل أكثر مِن التوسعة الجغرافيَّة للإسلام ، أرجو
التوضيح .
الصفحة (88)
الجواب :
طبعاً ملفُّ الفتوحات ملفٌّ قديم شائك وَعْرٌ ، خطر في الثقافة الإسلاميَّة ، وفي
الرؤية الإسلاميَّة ، وفي العلوم الإسلاميَّة ، وفي النظرة الإسلاميَّة .
ما جذبني إلى الخوض في هذا الملفِّ ، كانت ندوة في الحوزة العلميَّة ، بيني وبين
أحد نجوم الثقافة في إيران ، مِن مجلَّة واسعة الانتشار في إيران وخارج إيران ، حول
بحث مواقف أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، والرؤية المُعاصرة لها ، ثمَّ أُقيمت
ندوة بيني وبينه في الحوزة العلميَّة في قُمْ المُقدَّسة ، برعاية الحوزة العلميَّة
وجامعة المُدرِّسين وغيرهما ، وكان الحضور مِن تيَّارات مُختلفة .
الصفحة (89)
فصار تجاذب الحديث لساعتين ، رجعت بعدها إلى البحث ، وحاولت أنْ أخوض في هذا
الملفِّ أكثر ، مع أنَّه كانت لي إجابات كثيرة ومُداولات فيه ، وأصبح لدينا نوع مِن
الموسم أو الانعكاس الثقافي الشديد المُتجاذب ، الذي أثرى الساحة الفكريَّة .
حينها ـ سبحان الله ـ وقعت عيني على رواية لأمير المؤمنين (عليه السّلام) في شرح
ابن أبي الحديد لنهج البلاغة ، أنَّ أمير المؤمنين يتعجَّب مِن قريش ؛ لأنَّها تنسب
الفتوحات لأُمرائها ، مع أنَّ الفتوحات مِن تخطيطه (عليه السّلام) ، لكنَّ الجيل
الذي كان يَعرف أنَّ هذه مِن تخطيطه ذهب ، وجاء جيل جديد لا يدري .
الصفحة (90)
والعبارة لأمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( .. ثمَّ فتح الله عليها الفتوح ،
فأثرت بعد الفاقة ، وتموَّلت بعد الجُهد والمَخمصة ، فحسن في عيونها مِن الإسلام ما
كان سَمجاً ، وثبت في قلوب كثير منها مِن الدين ما كان مُضطرباً ، وقالت : لولا
أنَّه حَقٌّ لما كان كذا ، ثمَّ نَسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها ، وحُسْن تدبير
الأُمراء القائمين بها ، فتأكَّد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين ، فكنَّا نحن
مِمَّن خمل ذكره ، وخَبت ناره ، وانقطع صوته وصيته ، حتَّى أكل الدهر علينا وشرب ،
ومضت السنون والأحقاب بما فيها ، ومات كثير مِمَّن يَعرف ، ونشأ كثير مِمَّن لا
يعرف . وما عسى أنْ يكون الولد لو كان ! ... ))(1) .
ــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة ج 20 ص 298.
الصفحة (91)
هذه العبارة استوقفتني ، فأمير المؤمنين يُصرِّح هذا الشيء ، وهو عين اليقين وحقُّ
اليقين ؛ لذا يجب أنْ نبحث في الملفِّ . فعدتُّ لكتاب الطبري في التاريخ ، وكتاب
الفتوحات لابن أعثم ، ومصادر تاريخيَّة عديدة ، فوجدت هذه الحقيقة بشكل عجيب ،
لكنَّها مُقصَّصة مُبعثرة ، مثل اللوحة الكبيرة التي تُمثِّل الحقيقة ، يأتي الذين
يُعتِّمون على الحقيقة ، يَقصُّون الحقيقة قَصاصات ، ويُبعثرونها في الكُتب ،
وعندما تجمعها ، ترى الحقيقة جليَّة .
وأقمت بحثاً مُفصَّلاً ووجدت ملفَّاً كاملاً(1) حتَّى إنَّ الكثير مِن
المُحقِّقين قالوا لي : الطريق وعر وخطر ، لا تدخل فيه ، وكثير مِن علمائنا
الكبار ، الفقهاء والمؤرِّخين والمُفسِّرين لم يخوضوا فيه . فقلت لهم : إنِّي
أخوضه ـ إنْ شاء الله ـ بكلِّ عزيمة ، ببركات أمير المؤمنين (عليه السّلام) .
ـــــــــــــــــــ
(1) راجع حلقات سلسلة عدالة الصحابة التي في مجلة تراثنا ، وموجودة في الانترنت في
موقع رافد التابع لمرجعيَّة آية الله العظمى السيِّد علي السيستاني دام ظلُّه ، وقد
طُبعت مُؤخَّراً هذه الحلقات في كتاب باسم ( عدالة الصحابة ) لسماحة الأُستاذ آية
الله الشيخ محمد سند دام ظِلُّه .
الصفحة (92)
فعزلت بين حيثيَّات ثلاث أذكرها لاحقاً بالترتيب ، إحدى هذه الحيثيَّات أصل التخطيط
، فأصعب الدول في الإدارة دولة الحرب ؛ لأنَّه لابُدَّ للدولة أنْ تُدير الوضع
الداخلي وتُدير الفعاليَّة الحربيَّة في الخارج ، فالوضع صعب جِدَّاً ومُتكهرب ،
مَن يقوم بهذا العبء ؟
فوجدت أنَّ تخطيط دولة الحرب في نصوص الكتب التاريخيَّة للمذاهب الإسلاميَّة ، هو
بشكل مُبعثر ، مُعتَّم عليه ، لكنَّ يأبى الله إلاَّ أنْ يُظهر هذه الصفحة
الذهبيَّة مِن كتاب أمير المؤمنين (سلام الله عليه) . وجدت أنَّ التخطيط لدولة
الحرب لم يكن لولا أمير المؤمنين ، حتَّى ما يُسمونه بحروب الرِّدَّة هناك نصوص
تاريخيَّة عثرت عليها ، وأبلغت الكثير مِن المُحقِّقين في الحوزة العلميَّة في قُمْ
المُقدَّسة ، وألقيتها في ندوات أُخرى وفي أندية علميَّة أُخرى بشكل مُسلسل ، وفي
قُمْ المُقدَّسة بشكل حلقات ، وجدت أنَّ التخطيط لدولة الحرب كلِّه لعلي بن أبي
طالب (عليه السّلام) ، ووجدت عظمة علي بن أبي طالب في هذه الصفحة مِن حياته ، التي
استهوتني أكثر مِن صفحات أُخرى لعلي بن أبي طالب ؛ لأنَّه قام بعمل جبَّار عَلِم
أنَّه لن يُنسَب له ، ما هذا الإخلاص ! أنْ تعلم بأنَّ هذا العمل الجبَّار العظيم
سوف لن ينسبه لك التاريخ المُظلم وهذه الأقلام المُظلمة المُكمَّكمة ، ومع ذلك
تعمله بينك وبين الله ؛ لأجل تشييد صَرْح الدين والإسلام ! ووجدت أنَّ هذا ليس عند
علي بن أبي طالب فقط ، إنَّما عند الحسن والحسين وبقيَّة الأئمَّة ، والمهدي صاحب
العصر والزمان ، كلُّهم لهم أدوار خفيَّة عظيمة ، غير معلومة ـ في العلن ـ أنَّها
هم .
الصفحة (93)
في المعركة التي مع الأكاسرة الفرس ، معركتان مُهمَّتان مصيريَّتان ( القادسيَّة
ونهاوند ) نصوص تاريخيَّة عجيبة ، تُدلِّل على أنَّه عندما عبَّأت القوميَّات
المُختلفة ـ مِن ملوك الفرس والترك وغيرهم مِن الأكاسرة ، سِيَّما في نهاوند ـ
خُطَّةً لطرد المسلمين ، واسترجاع العراق كلِّه ( البصرة والكوفة ) والانقضاض حتَّى
على المدينة المنوَّرة . ونصُّ العبارة التاريخيَّة يقول : إنَّه لمَّا جاء البريد
إلى الخليفة الثاني بأنَّ كسرى عنده هذا التخطيط ، وقد استعان بملوك مِن دول الجوار
الكثيرة ، ولهم ضربة قاضية ، أخذت أسنان الخليفة الثاني تصطكُّ وسُمع أطيط أسنانه
مِن في المسجد مِن الخوف ، وقال أشيروا عليٍّ .. فقام فلان وفلان وفلان مِن الأسماء
المُطنطِنة ، كلٌّ يُبدي برنامجاً هزيلاً ، إلى أنْ خاطب هو عليَّاً ـ في مصادرهم
هم وليس في مصادرنا(1) ـ : يا أبا الحسن ، لم لا تُشير بشيء كما أشار غيرك ؟
فقام أمير المؤمنين بتبيين برنامجه الداخلي لدولة الحرب وبرنامج النصر . عجيبٌ
تعتيمهم ! لكنَّ القَصاصات كلَّها موجودة . قال له بعدها : مَن أُعيِّن قائداً ؟
حتَّى الخطوات التفصيليَّة ، لم يكتفِ بالخطوط العامَّة مِن عليِّ بن أبي طالب ،
وطالبه بخطوط وصفحات تفصيليَّة في البرنامج ، وأخذ أمير المؤمنين يُتابع المعركة ،
وهو في المدينة المنوَّرة في أثناء خوضها .
ـــــــــــــــــــ
(1) ابن أعثم ج 2 ص 295.
الصفحة (94)
وأنتم تسمعون في كتب السُّنَّة أنَّ جيش المسلمين في نهاوند سمعوا صوت عمر : يا
سارية ، الجبل . هذه القِصَّة لها حقيقة ، وحقيقتها يذكرها السيِّد هاشم التوبلاني
البحراني ، هذا السيِّد العظيم والعالم الجهبذ ، يذكر هذه الرواية في كتابه مدينة
المعاجز ، ويذكر قصاصاتها التاريخيَّة مِن كُتب القوم ، أنَّه في أثناء المعركة حدث
خطأ عسكريٌّ مُعيَّن كاد يستأصل جيش المسلمين ؛ لأنَّ لديهم جيوشاً عظيمة ، 150
ألفاً بجميع الوسائل الحربيَّة القويَّة ، بينما جيوش المسلمين كانت 30 ألفاً
تقريباً ، أين 30 ألفاً مِن 150 ألف !!! وأين العُدَّة هنا مِن العُدَّة هناك !!!
عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : كنَّا بين يدي أمير المؤمنين (عليه السّلام)
في مسجد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إذ دخل عمر بن الخطَّاب ، فلمَّا جلس
قال للجماعة : إنَّ لنا سِرَّاً فخفِّفوا رحمكم الله . فتهيَّزت وجوهنا وقلنا له :
ما هكذا كان يفعل بنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ! ولقد كان يأتمننا على
سِرِّه ، فما بالك أنت لمَّا وليت أُمور المسلمين تستَّرت بنقاب رسول الله (صلَّى
الله عليه وآله) ؟! فقال : للناس أسرار لا يُمكن إعلانها بين الناس ، فقمنا
مُغضبين وخلا بأمير المؤمنين (عليه السّلام) مليَّاً ، ثمَّ قاما مِن مجلسهما
حتَّى رقيا منبر رسول الله جميعاً .
الصفحة (95)
فقلنا : الله أكبر ، أترى ابن حَنتمة رجع عن طغيانه وغيِّه ورقى المنبر مع أمير
المؤمنين (عليه السّلام) ليخلع نفسه ويُثبته له ؟!
فرأينا أمير المؤمنين (عليه السّلام) وقد مسح بيده على وجهه ، ورأينا عمر يرتعد
ويقول : لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم ، ثمَّ صاح ملء صوته : يا
سارية الجبل الجبل ، ثمَّ لم يلبث إلى أنْ قَبَّل صدر أمير المؤمنين ونزلا وهو ضاحك
، وأمير المؤمنين (عليه السّلام) يقول له : (( يا عمر ، افعل ما زعمت أنَّك فاعله
وإنْ كان لا عهد لك ولا وفاء )) . فقال له : أمهلني يا أبا الحسن حتَّى أنظر ما
يردُّ مِن خبر سارية وهل ما رأيته صحيح أم لا ؟
الصفحة (96)
فقال له أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( ويحك ! إذا صحَّ ووردت أخباره عليك
بتصديق ما عاينت ورأيت ، وأنَّهم قد سمعوا صوتك ولجأوا إلى الجبل كما رأيت ، هل أنت
مُسلِّم ما ضَمنت ؟ )) قال : لا يا أبا الحسن ، ولكنِّي أُضيف هذا إلى ما رأيت منك
ومِن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) والله يفعل ما يشاء ويختار.
فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام) : (( يا عمر ، إنَّ الذي تقول أنت وحزبك
الظالمون إنَّه سحر وكهانة ، إنَّه ليس منهما )) . فقال له عمر : يا أبا الحسن ،
ذلك قول مَن مضى والأمر فينا في هذا الوقت ، ونحن أولى بتصديقكم في أعمالكم وما
نراه إلاَّ مِن عجائبكم إلاَّ أنَّ المُلك عَقيم .
الصفحة (97)
فخرج أمير المؤمنين (عليه السّلام) فلقيناه ، فقلنا له : يا أمير المؤمنين ما هذه
الآية العظيمة وهذا الخطاب الذي قد سمعناه ؟
فقال أمير المؤمنين : (( هل علمتم أوَّله ؟ )) فقلنا : ما علمناه يا أمير المؤمنين ، ولا نعلمه إلا منك .
فقال : (( إنَّ هذا ابن الخطاب قال لي : إنَّه حزين القلب ، باكي العين على جيوشه
التي في فتح الجبل في نواحي نهاوند ، فإنَّه يُحبُّ أنْ يعلم صحَّة أخبارهم وكيف هم
مع ما دُفِعوا إليه مِن كثرة جيوش الجبل ، وأنَّ عمرو بن معد يكرب قُتل ودُفِن
بنهاوند ، وقد ضعف جيشه وانحلَّ بقتل عمرو ، فقلت له : ويحك يا عمر ! تزعم أنَّك
الخليفة في الأرض والقائم مقام رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وأنت لا تعلم ما
وراء أذنك ، وتحت قدمك ، والإمام يرى الأرض ومَن فيها ولا يخفى عليه مِن أعمالهم
شيء ، فقال : يا أبا الحسن ، فأنت بهذه الصورة ، فأيُّ شيء خبر سارية الساعة ؟ وأين
هو ومَن معه وكيف صورتهم ؟
الصفحة (98)
فقلت له : يا بن الخطَّاب ، إنْ قلت لك لم تصدقني ، ولكنِّي أُريك جيشك وأصحابك
وسارية ، وقد كمُن لهم جيوش الجبل في واد قفر، بعيد الأقطار ، كثير الأشجار ، فإنْ
سار جيشك إليهم يسيراً أحاطوا به فقُتل أوَّل جيشك وآخره ، فقال لي : يا أبا الحسن
، فما لهم مِن ملجأ منهم ولا مخرج مِن ذلك الوادي ، فقلت : بلى ، لو لحقوا إلى
الجبل الذي إلى الوادي ؛ لسلموا وملكوا جيش الجبل ، فقلق وأخذ بيدي وقال : الله
الله يا أبا الحسن في جيوش المسلمين ، إمَّا أنْ ترينَّهم كما ذكرت ، أو تُحذِّرهم
إنْ قدرت ، ولك ما تشاء ، ولو خلع نفسي مِن الخلافة هذا الأمر وأردُّه إليك .
فأخذت عليه عهد الله وميثاقه ـ إنْ رقيت به المنبر ، وكشفت له عن بصره ، وأريته
جيشه في الوادي ، وإنَّه يصيح عليهم فيسمعون منه ويلجأون إلى الجبل فيَسلمون
ويظفرون فيه ـ أنْ يخلع نفسه مِن الخلافة ويُسلِّم حَقِّي إليَّ ، فقلت له : قُمْ
يا شقيُّ ، فوالله لا وفيت بهذا العهد والميثاق ، كما لم تفِ لله ولرسوله ولي بما
أخذناه عليك مِن العهد والميثاق والبيعة في جميع المواطن .
الصفحة (99)
فقال لي : بلى والله ، فقلت له : ستعلم أنَّك مِن الكاذبين ، ورقوت المنبر ودعوت
بدعوات وسألت الله أنْ يُريه ما قلت له ، ومسحت بيدي على عينيه ، وقلت له وكُشف عنه
غطاؤه ونظر إلى سارية وسائر الجيش وجيش الجبل ، وما بقي إلاَّ الهزيمة لجيشه وقلت :
صِحْ يا عمر إنْ شئت ، قال : وأُسمِع ؟ قلت له : وتُسمع ، وتُنادي بصوتك إليهم ،
فصاح الصيحة التي سمعتموها (يا سارية الجبل الجبل) ، فسمعوا صوته ولجأوا إلى
الجبل ، فسلَّموا وظفروا ونزل ضاحكاً كما رأيتموه ، وخاطبته وخاطبني بما قد سمعتم ))
.
الصفحة (100)
قال جابر : فآمنَّا وصدَّقنا وشكَّ آخرون ، إلى أنْ ورد البريد بحكاية ما حكاه أمير
المؤمنين (عليه السّلام) ، ورآه عمر ونادى بأعلى صوته ، فكان أكثر العوامِّ
المُتمرِّدين وابن الخطَّاب جعلوا هذا الحديث له مَنقبة ، والله ما كان إلا مَثلبة(1) .
كان ليحتاج إلى رادارات و فضائيَّات ، ويحتاج إلى فاكس سريع ، بلْ يحتاج إلى أقمار
صناعيَّة تُغطِّي أرض المعركة ! وهذا كلُّه قام به علي بن أبي طالب (عليه السّلام)
بالعلم اللدُني ، وقصاصات حقائق الفتوحات موجودة في كُتب التاريخ التي كتبوها هم !
لكنَّها مُبعثرة ، وجمعناها بحمد الله كنُبذه وكعيِّنة لمشروع علمي يستقصي البحث
عسى الله تعالى يُقيِّض له ذوي الهِمَم لإنجازه .
ـــــــــــــــــــ
(1) مدينة المعاجز ج 2 ص 14-18.
الصفحة (101)
في معركة اليرموك ، في مُحاربة المسلمين الإمبراطوريَّة الروميَّة ، كان عِدَّة
الجيش الرومي ( القياصرة ) 400 ألف جنديٍّ ، وكان المسلمون 40 ألفاً ، أيْ عشرة
أضعاف عددهم ! عُدَّة أولئك كيف مِن عُدَّة هؤلاء .
كيف صنع خالد بن الوليد سيف الله ـ كما يدَّعون ـ وكيف صنع أبو عُبيدة بن الجرَّاح
، ومِن وراء الجُند : هند وأبو سفيان !
تُنادي هند بنفس أشعارها في أُحِد :
نحن بنات طارق
نمشي على النمارق
إنْ تُقبلوا نُعانـق
أو تُدبـروا نُفـارق
الصفحة (102)
هذا الشعر مُتضمِّن لمعاني الخنا ! ولا أُريد أنْ أُترجم في هذا المحفل الشريف هذه
الكلمات !
فكانت هند تُنشد نفس الأشعار ، وبيت أبي سفيان كان على صلة بالروم ، فهي تُخاطب ذاك
الطرف : ( نحن طابور خامس ) ، وهم يذكرون ذلك في مثل تاريخ الطبري وغيره ، إنْ كان
حامي جيش المسلمين هكذا فكيف ينتصر ؟!
وقد حار خالد بن الوليد – كما في نصوصهم التاريخيَّة – وأبو عبيدة ، في أمر
الخُطَّة الحربيَّة والعمل فيها . فجاء بطل عليٍّ ، مالك الأشتر ، تلميذ عليِّ الذي
يُعبِّئ عليَّ بن أبي طالب بالبرنامج ، فقال : اتركوا قيادة الجيش لي ، وهنا بدأ
نجم مالك الأشتر يسطع في العالم الإسلامي ، وهو جندي مِن جنود علي . وقائد جيش
الروم هو رئيس الوزراء الرومي واسمه هامان ، الذي كان قائداً حربيَّاً باسلاً
وداهيةً سياسيَّةً عجيبة ، فاجتمعت فيه الخصلتين .
الصفحة (103)
ففوَّض أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد في اليرموك قيادة الجيش لمالك الأشتر ،
فقام مالك بالخطوة مُقابل هذا الجيش الجبَّار ، الخُطوة التي أحجم عنها خالد بن
الوليد الذي يسمُّونه سيف الله المسلول ! وانكفأ أبو عبيدة أيضاً ، فخرج مالك
الأشتر : ادعوا قيادة الجيش للمُبارزة .
لاحظ البرنامج الذي أودعه له أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ، صارع هذا الرئيس
فلم يقتله ، ولو قتله لرُبَّما لم تنجح الخُطَّة ، ضربه ضربة على عاتقه ، فلا هو
ميِّت ولا هو حي ! فأخذ يفرُّ فراراً مِن المعركة ، وسبَّب هزيمة نفسيَّة للجيش
الرومي كلِّه ، وهنا يكمن عنصر الذكاء . وبفضل الله ، كُتب النصر للمسلمين في أكبر
معركة خاضوها ، وهي اليرموك ، بتدبير علي بن أبي طالب ( سلام الله عليه ) وبتنفيذ
مالك الأشتر(1) .
ـــــــــــــــــــ
(1) راجع كتب الفتوح لابن أعثم و تاريخ اليعقوبي و البلاذري في معركة اليرموك .
الصفحة (104)
نذكر لكم هذه النُّكتة بعد جمع القصاصات ، حتَّى إنَّني دعوت الكثير مِن
المُحقِّقين لكتابة موسوعة ؛ لأنَّ هذه الصفحة مطمورة في كتاب علي (عليه السّلام)
، صفحة ذهبيَّة مُشرقة ، وكتاب عليٍّ كلُّه صفحات مُشرقة ذهبيَّة ، ذكرت أنَّه يجب
أنْ نُميِّز بين ثلاث حيثيَّات :
1- الحيثيَّة الأُولى : أصل تخطيط الفتوحات ، هذه مسؤوليَّة رسول الله (صلَّى الله
عليه وآله) ، التي مهَّد لها قبل عليٍّ ، وأعطاهم البرنامج في كيفيَّة توسعة رقعة
الإسلام ، في حياته مُنذ حرب الخندق ، عندما كانوا يضربون الخندق ، فأعطاهم
الخُطَّة لكنَّهم لم يعوها ، ثمَّ ساءلوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه
السّلام) في كيفيَّة تنفيذها وتفاصيلها ، وكلُّها موجودة في كتب التاريخ . فأصل
التخطيط مسؤوليَّة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه
السّلام) مِن بعده .
الصفحة (106)
2- الحيثيَّة الثانية : أمَّا التنفيذ اللاَّ أخلاقي ، الهوجائي الذي استُبيحت فيه
الدماء والفروج والأموال ، الكثير مِن المُستشرقين يُندِّدون بالفتوحات مِن هذه
النقطة ، فهناك ستار مُظلم – والعياذ بالله – بسبب الفتوحات ، وبسبب ما مُورِس مِن
لا أخلاقيَّات مذكورة في مصادر القوم(1) ، والمُستشرقون لم يأتوا بها مِن أنفسهم
، بلْ أتو بها مِن كُتب القوم .
ــــــــــــــــــــــ
(1) نذكر مثالين عن ذلك ، ومَن شاء التوسُّع عليه بكتب الفتوحات :
ألف ـ لما فَّتح بعض المسلمين بعض مُدن فارس كسوس ( يقصد مدينة شوشتر الآن ) اختصم أهل
الكوفة وأهل البصرة ، حتَّى كاد أنْ يقع بينهم شيء مِن المكروه . الفتوح ج1 ص 286 .
ب ـ ثمَّ نازع رجل مِن عنز ـ اسمه ضبة بن محزن العنزي ـ أبا موسى الأشعري في الغنائم
، فأرسله إلى عمر بن الخطاب ، لكنَّ عمر عنَّف العنزي ، مِن دون أنْ يسأله سبب
المُنازعة ، التي بينه وبين الأشعري ، فغضب العنزي وأراد الإنصاف ، فسأل عمر العنزي
عن السبب ، فقال العنزي : إنَّ أبا موسى اختار ستِّين غُلاماً مِن أبناء الدهاقين،
فاتَّخذهم لنفسه غُلماناً وخدماً ، وله جارية يُقال لها : عقيلة ، وهي بالغة الجمال
، يُغدِّيها بجَفنة ملآنة عراقاً – يعني غنماً ـ و يُعشِّيها بمثل ذلك ، وليس منَّا
يقدر على ذلك ، وله خاتمان يختم بهما ، فميزان يَكتال به لنفسه ويكيل بالآخر لغيره
– يعني ينصف الغنائم نصفاً له ونصفاً لغيره – وأنَّه يمنع مِن غنيمة هرمز بدعوى
إعطائهم الأمان ضِدَّ اللصوص ، وقد تكرَّرت هذه الدعوة مِن أبي موسى الأشعري في
عِدَّة مُدن ، فاخبر عمر أبا موسى وسائله عن ذلك ، ومع ذلك أبقاه عمر على عمله .
وأخذ عمر عقيلة منه بثمنها ، وكانت عند عمر في بيته إلى أنْ قُتل عنها .
الفتوح لابن أعثم ج 2 ص 288ـ289 .
الصفحة (107)
لا نؤيِّد المُستشرقين فهم يكيدون للإسلام ، لكنْ مِن الذي مهَّد ووطَّأ لهم هذه
المَكيدة للإسلام ، لتشويه الإسلام والقول : بأنَّ الإسلام دين سيف انتشر على
الدماء ؟ ليست سياسة أهل البيت (عليهم السّلام) هذه السياسة ، حتَّى في توسعة
الرقعة ، فحروب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) كلُّها دفاعيَّة ، ليست
دفاعيَّة بالمُصطلح الفقهي ، إنَّما بالمُصطلح القانوني البشري . كما في معركة بدر
، لم يكن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) هو الذي بدأ الحرب ، هم أغاروا على
أموال المسلمين في مَكَّة ، بلْ أغاروا حتَّى على المدينة ، مِن ثمَّ ذهب رسول الله
(صلَّى الله عليه وآله) كي يقتصَّ ويسترجع أمواله ، إلى قافلة أبي سفيان ، فأتوا
لحرب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) . وكذا في أُحد والخندق والأحزاب وحنين ،
مِن الواضح أنَّهم أتوا فيها للحرب ، وكلُّ حروب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) كانت دفاعيَّة .
الصفحة (108)
أمير المؤمنين في الجمل لم يبدأ بالحرب ، وفي صِفِّين لم يبدأ بالحرب ، وفي
النهروان لم يبدأ بالحرب ، بلْ وضع دائماً جِسر الحوار ، ودعوة أهل البيت دائماً ،
دعوة الفكر والمنطق والحوار . سيِّد الشهداء في كربلاء – كما مَرَّ بنا – لم يبدأ
هو بالحرب ، فقد كان يُشدِّد ويؤكِّد على لُغة الحوار وقام بعدد مِن الخُطب .
كان الطرف الآخر في عنجهيَّة عمياويَّة ، وكان سيِّد الشهداء فاتحاً لباب الخطاب
والحوار ، فلغة أهل البيت (عليهم السّلام) ، ليست لغة العُنف ، بلْ هي لغة النموذج
الأمثل ، جذب النور الأمثل لبقيَّة الأُمم لدين الإسلام . لكنَّ هذه الفتوحات وما
مُورِس مِن لا أخلاقيَّات بهدف التمتُّع بالجنس الآخر والأموال والليالي الحمراء ،
هي أمر آخر ، وهذه هي الحيثيَّة الثانية .
الصفحة (109)
يذكر المرحوم الشهيد محمّد باقر الصدر في كتابه ( فدك ) ، نقلاً عن العلاَّمة
الأميني في الغدير(1) ، قائمة أموال وثروات الصحابة التسعة المُبشَّرين وغيرهم
مِن الصحابة ، ومقادر اكتنازهم الثروة مِن الفُتوحات ، هل هذه العدالة التي يُطالب
بها الإسلام ؟!
3- الحيثيَّة الثالثة : هي التي أشرنا إليها النظام البديل ، ( والبديل ما هو ؟ )
هل البديل فقط أذان يحمل شعائر الإسلام ؟ أم طقوس الجماعة ؟ هل هذا هو البديل ؟ أم
أنَّ البديل عدالة حقيقيَّة ؟
إذاً ؛ ففي الفتوحات ثلاث فصول لا نخلط بينها ، ورُبَّما أكون أوَّل مَن فرز هذه
الفصول ، وقد يكون هناك مِن قوافل فقهاء وعلماء الشيعة مَن قام بذلك ، ونحن نتعلَّم
على فِتات جهودهم ، لكنَّنا لم نقف ـ إلى الآن ـ على مَن فصَّل في الفتوحات هذه
الفصول الثلاثة ، أصل تدبير و تخطيط الفتوحات أمر ، وتنفيذها اللاَّ أخلاقي أمر آخر
، والبديل الذي استُبدل كبديل خاوٍ عَفن ، ولو تحت لباس الإسلام ، أمر آخر .
و صلّى الله على محمّد وآله الطيبيِّن الطاهرين ..
ـــــــــــــــــــ
(1) قال الأستاذ آية الله الشيخ محمد سند ( دام ظِلُّه ) في كتابه (عدالة الصحابة) ص132 : ( قال العلاَّمة الأميني (الغدير 8 / 282 ـ 288 ) في جَرْدِه لثروات
عِدَّة مِن الأسماء :
منهم : سـعد بن أبي وقَّاص ; قال ابن سعد : ترك سعد يوم مات مئتي ألف وخمسين ألف
درهم، ومات في قصره بالعقيق.
وقال المسعودي : بنى داره بالعقيق ، فرفع سَمكها ووسَّـع فضائها ، وجعل أعلاها
شرفات . ( الطَّبقات الكُبرى ـ لابن سعد ـ 3 / 105، مروج الذهب 1 / 434 ) .
ومنهم : زيد بن ثابت ; قال المسعودي : خلَّف مِن الذهب والفضَّة ما كان يُكسر
بالفؤوس ، غير ما خلَّف مِن الأموال والضياع بقيمة مئة ألف دينار ( مروج الذهب 1 /
434 ) .
ومنهم : عبـد الرحمان بن عـوف الزهـري ; قال ابن سـعد : تـرك عبـد الرحمان ألف بعير
وثلاثة آلاف شاة ومئة فرس ترعى بالبقيع ، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحاً، وقال
: وكان في ما خلَّفه ذهب قُطِّع بالفؤوس حتَّى مَجلت أيدي الرجال منه ، وترك أربع
نسوة فأصاب كلُّ امرأة ثمانون ألفاً .
وقال المسعودي : ابتنى داره ووسَّعها ، وكان على مربطه مئة فرس ، وله ألف بعير،
وعشرة آلاف مِن الغنم ، وبلغ بعد وفاته ثُمن ماله أربعة وثمانين ألفاً ( الطبقات
الكُبرى ـ لابن سعد ـ 3 / 96، مروج الذهب 1 / 434 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 146 ، صفة
الصفوة ـ لابن الجوزي ـ 1 / 138 ، الرياض النضرة ـ لمُحبِّ الدين الطبري ـ 2 / 291
) .
ومنهم : يعلى بن أُميَّة ، خلَّف خمسمئة ألف دينار ، وديوناً على الناس ، وعقارات
وغير ذلك مِن التركة ما قيمته مئة ألف دينار ( مروج الذهب 1 / 434 ) .
ومنهم : طلحة بن عبيـد الله التيمي ، ابتنى داراً بالكوفة تُعرف بالكناس بدار
الطلحتين، وكانت غلَّته مِن العراق كلَّ يوم ألف دينار ، وقيل : أكثر مِن ذلك ، وله
بناحية سراة أكثر مِمَّا ذُكِر ، وشيَّد داراً بالمدينة وبناها بالآجر والجِصِّ
والساج ..
وعن محمَّـد بن إبراهيم ، قال : كان طلحة يغلُّ بالعراق ما بين أربعمئة ألف إلى
خمسمئة ألف ، ويغلُّ بالسراة عشرة آلاف دينار أو أكثر أو أقلّ .
وقال سفيان بن عيينة : كان غلَّته كلَّ يوم ألف وافياً . والوافي وزنه وزن الدينار
.
وعن موسى بن طلحة : إنَّه ترك ألفي ألف درهم ومئتي ألف درهم ومئتي ألف دينار ، وكان
ماله قد اغتيل.
وعن إبراهيم بن محمّـد بن طلحة : كان قيمة ما ترك طلحة مِن العقار والأموال ، وما
ترك مِن الناض ثلاثين ألف ألف درهم ، ترك مِن العين ألفي ألف ومئتي ألف درهم ومئتي
ألف دينار والباقي عروض .
وعن عمرو بن العاص : إنَّ طلحة ترك مئة بهار في كلِّ بهار ثلاثة قناطير ذهب ، وسمعت
أنَّ البهار : جلد ثور ، وفي لفظ ابن عبـد ربَّه مِن حديث الخشني : وجدوا في تركته
ثلاثمئة بهار مِن ذهب وفضَّة.
وقال ابن الجوزي : خلَّف طلحة ثلاثمئة جمل ذهباً .
وأخرج البلاذري مِن طريق موسى بن طلحة ، قال : أعطى عثمان طلحة في خلافته مئتي ألف
دينار ، وقال عثمان : ويلي على ابن الحضرميَّة ( يعني طلحة ) أعطيته كذا وكذا
بهاراً ذهباً وهو يروم دمي يُحرِّض على نفسي ( الطبقات الكُبرى ـ لابن سعد ـ 3 /
158، أنساب الأشراف 5 / 7، مروج الذهب 1 / 434 ، العقد الفريد 2 / 279 ، الرياض
النضرة 2 / 358 ، دول الإسلام ـ للذهبي ـ 1 / 18 ، الخلاصة ـ للخررجي ـ : 152 ) .
ومنهم : الزبير بن العوَّام ، خلَّف ـ كما في صحيح البخاري ـ إحدى عشرة داراً
بالمدينة ، ودارين بالبصرة ، وداراً بالكوفة ، وداراً بمصر ، وكان له أربع نسوة
فأصاب كلُّ امرأة بعد رفع الثلث ألف ألف ومئتي ألف .
قال البخاري : فجميع ماله خمسون ألف ألف ومئتا ألف .
وقال ابن الهائم : بلْ الصواب أنَّ جميع ماله حسبما فُرِض : تسعة وخمسون ألف ألف
وثمانمئة ألـف ( صحيح البخاري ـ كتاب الجهاد / باب بركة الغازي في ماله 5 / 21،
ذكره شرُّاح الصـحيح : فتح الباري ، إرشاد الساري ، عمدة القاري ، شذرات الذهب 1 /
43 ، وفي تاريخ ابن كثير 7 / 249 قيَّدها بالدرهم .
ولاحظ : الطبقات الكُبرى ـ لابن سعد ـ 3 / 77 ، ومروج الذهب 1 / 434 ) .
ومنهم : عثمان بن عفَّان ، قال محمّـد بن ربيعة : رأيت على عثمان مطرف خزٍّ ثمنه
مئة دينار ، فقال : هذا لنائلة كسوتها إيَّاه ، فأنا ألبسه أسرُّها بـه ..
وقال أبو عامر سليم : رأيت على عثمان بُرداً ثمنه مئة دينار .
قال البلاذري : كان في بيت المال بالمدينة سـفط فيه حليٌّ وجواهر ، فأخذ منه عثمان
ما حلَّى به بعض أهله ، فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلَّموه فيه بكلام شديد ..
وجاء إليه أبو موسى بكيلة ذهب وفضَّة فقسَّمها بين نسائه وبناته ، وأنفق أكثر بيت
المال في عمارة ضياعه ودوره .
وقال ابن سعد : كان لعثمان عند خازنه يوم قُتل ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمئة ألف
درهم ، وخمسون ومئة ألف دينار ، فانتُهبت وذهبت .. وترك ألف بعير بالربذة وصدقات
ببراديس وخيبر ووادي القرى قيمة مئتي ألف دينار .
وقال المسعودي : بنى في المدينة داراً وشيَّدها بالجَعر والكِلس ، وجعل أبوابها مِن
الساج والعرعر ، واقتنى أموالاً وجناناً وعيوناً بالمدينة .
وذكر عبـد الله بن عتبة : إنَّ عثمان يوم قُتل كان عند خازنه مِن المال خمسون ومئة
ألف دينار وألف ألف درهم ، وقيمة ضياعه بوادي القُرى وحُنين وغيرهما مئة ألف دينار
، وخلَّف خيلاً كثيراً وإبلاً .
وقال الذهبي : كان قد صار له أموال عظيمة ( رضي الله عنه ) ، وله ألف مملوك (
الطبقات الكُبرى ـ لابن سعد ـ 3 / 40 و ص 53، أنساب الأشراف 3 / 4 ، الاستيعاب ـ في
ترجمة عثمان ـ 2 / 476 ، الصواعق المُحرقة : 68 ، السيرة الحلبيَّة 2 / 87 ، مروج
الذهب 1 / 433 ، دول الإسلام 1 / 12 ) .. ) .
الصفحة (111)
مصادر البحث :
1- القرآن الكريم .
2- التاريخ الكامل – ابن الأثير .
3- الكافي الشريف – الشيخ الكُليني (قدّس سره) .
4- وسائل الشيعة – الحُرِّ العاملي (قدّس سره) .
5- الغَيبة – الشيخ النعماني (قدّس سره) .
6- البحار – الشيخ المجلسي (قدّس سره) .
7- شرح نهج البلاغة – ابن أبي الحديد المُعتزلي .
8- الفتوح – ابن أعثم .
الصفحة (112)
9- مدينة المعاجز – السيد هاشم البحراني (قدّس سره) .
10- تاريخ اليعقوبي – أحمد بن أبي يعقوب .
11- أنساب الأشراف – البلاذري .
12- عدالة الصحابة – آية الله شيخ محمد سند ( دام ظلُّه ) .
13- عوالم الإمام الحسين عليه السلام – الشيخ عبد الله البحراني .
14- مِن حياة الخليفة عمر بن الخطاب – عبد الرحمان أحمد البكري .
|