ما منا إلا مقتول أو مسموم

 
 

الصفحة (71)

شهادة ريحانة رسول ‏اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)

وسبطه الإمام الحسين (سلامُ اللّه عليه)

وهي أشهر من نار على علم ؛ فإنّ مقتله (عليه السّلام) أفظع فاجعة في تاريخ البشريّة ، لأعظم شخصيّة في زمانها ، فهو سبط الرسول الكريم ، وابن عليّ أمير المؤمنين وفاطمة سيّدة نساء العالمين (عليهما السّلام) ، وهو ريحانة النبيّ ، وسيّد شباب أهل الجنّة ، والمنادي الأعظم بالنهضة الإسلاميّة .

وهنا سنسلّط الضوء على بعض إخبارات النبيّ (صلّى اللَّه عليه وآله) وعليّ (عليه السّلام) ، والأنبياء السابقين (عليهم السّلام) بمصرعه واستشهاده في أرض كربلاء .

روى الحسين بن أحمد بن المغيرة ـ تلميذ ابن قولويه ـ عن أبي القاسم بن قولويه بسنده عن قُدامة بن زائدة ، عن أبيه ، عن عليّ بن الحسين (عليهما السّلام) ، وفيه أنّ زينب بنت عليّ (عليه السّلام) حدّثت عن اُمّ أيمن حديثاً طويلاً عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وآله) ، وفيه قول جبرئيل (عليه السّلام) له : (( وإنّ سبطك هذا ـ وأومأ بيده إلى الحسين (عليه السّلام) ـ مقتولٌ في عصابة من ذرّيّتك وأهل


الصفحة (72)

بيتك وأخيار من أُمّتك , بضفّة الفرات ، بأرضٍ يُقال لها : كربلاء ، من أجلها يكثر الكرب والبلاء على أعدائك وأعداء ذرّيّتك في اليوم الذي لا ينقضي كربه ولا تَفنى حسرته ، وهي أطيب بقاع الأرض ، وأعظمها حرمة ، وإنّها من بطحاء الجنّة ...

ثمّ يبعث اللَّه قوماً من أُمّتك ... فيوارون أجسامهم ، ويقيمون رسماً لقبر سيّد الشهداء بتلك البطحاء ... وسيجهد أُناس ممّن حقّت عليهم اللعنة من اللَّه والسخط أن يعفوا رَسْمَ ذلك القبر ويمحوا أثره ، فلا يجعل اللَّه تبارك وتعالى لهم إلى ذلك سبيلاً )) . ثمّ قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وآله) : (( فهذا أبكاني وأحزنني ))(1) .

وروى ابن قولويه في كامل الزيارات بسنده عن أبي عبد اللَّه الصادق (عليه السّلام) ، قال : (( كان الحسين (عليه السّلام) مع أُمّه تحمله ، فأخذه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وآله) فقال : لعن اللَّهُ قاتليك ، ولعن اللَّه سالبيك ، وأهلك اللَّه المتوازرين عليك ، وحكم اللَّه بيني وبين مَنْ أعان عليك .

فقالت فاطمة (عليها السّلام) : يا أبه ، أيَّ شي‏ء تقول ؟!

قال : يا بنتاه ، ذكرتُ ما يصيبه بعدي وبعدَكِ من الأذى والظلم والغدر والبغي ، وهو يومئذ في عصبة كأنّهم نجوم السماء يتهادون إلى القتل ، وكأنّي أنظر إلى معسكرهم وإلى موضع رحالهم وتربتهم .

فقالت : يا أبه ، وأين هذا الموضع الذي تصف ؟

ــــــــــــــــــــــــــ
(1) كامل الزيارات / 444 ـ 448 .

الصفحة (73)

قال : موضع يُقال له (كربلاء) ، وهي ذات كرب وبلاء علينا(1) وعلى الأُمّة(2) ، يخرجُ عليهم شرار أُمّتي ، ولو أنّ أحدهم شَفَعَ له مَن في‏ السماوات والأرضين ما شُفَّعوا فيهم ، وهم المخلّدون في النار .

قالت : يا أبه ، فيُقتل ؟!

قال : نعم يا بنتاه ، وما قُتل قَتْلَتَهُ أحدٌ كان قبله ، وتبكيه السماوات والأرضون ، والملائكة والوحش ، والحيتان في البحار ، والجبال ، لو يُؤذن لها ما بقي على الأرض مُتَنَفِّس . ويأتيه قوم مِن محبّينا ليس في الأرض أعلم باللَّه ولا أقوم بحقّنا منهم ، وليس على ظهر الأرض أحدٌ يُلتفت إليه غيرهم ... ))(3) .

وفي كامل الزيارات بسنده عن سليمان الغنوي الكوفي ، عن الإمام الصادق (عليه السّلام) قال : (( وهل بقي في السماوات مَلَكٌ لم ينزل إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وآله) يعزِّيه بولده الحسين (عليه السّلام) ، ويخبره بثواب اللَّه إيّاه ، ويحمل إليه تربته مصروعاً عليها ، مذبوحاً مقتولاً ، جريحاً طريحاً مخذولاً ، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وآله) : اللهمّ اخذلْ مَنْ خذله ، واقتل مَنْ قتله ، واذبح مَنْ ذبحه ، ولا تمتّعْه بما طلب ))(4) .

وفي الإرشاد : روى سماك ، عن ابن مخارق ، عن اُمّ سَلَمة (رضي اللَّه عنها)

ــــــــــــــــــــــــــ
(1) في الدنيا ؛ لأنّها تُحزنهم (صلوات الله عليهم) .
(2) لما يصيبها من الذل والتفرق في الدنيا ، ومن العذاب والخزي في الآخرة .
(3) كامل الزيارات / 144 ـ 145 . وانظره في تفسير فرات الكوفيّ / 171 .
(4) كامل الزيارات / 131 ـ 132 .

الصفحة (74)

قالت : بينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وآله) ذات يوم جالس والحسين (عليه السّلام) في حِجْره إذ هملت عيناه بالدموع ، فقلت له : يا رسول اللَّه ، ما لي أراك تبكي جُعِلت فداك ؟! فقال : (( جاءني جبرئيل (عليه السّلام) فعزّاني بابني الحسين ، وأخبرني أنّ طائفة من أُمّتي تقتله ، لا أنالهم اللَّهُ شفاعتي ))(1) .

وفيه : روي أنّ النبي (صلّى اللَّه عليه وآله) كان ذاتَ يوم جالساً وحوله عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السّلام) ، فقال لهم : (( كيف بكم إذا كنتم صرعى وقبوركم شتّى ؟ )) .

فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( أنموت موتاً أو نُقتل ؟ )) .

فقال : (( بل تُقتل يا بُنيَّ ظلماً ، ويُقتل أخوك ظلماً ، وتُشرّد ذراريكم في الأرض )) .

فقال الحسين (عليه السّلام) : (( ومَنْ يقتلنا يا رسول اللَّه ؟ )) .

قال : (( شرار الناس )) .

قال : (( فهل يزورنا بعد قتلنا أحد ؟ )) .

قال : (( نعم ، طائفة من أُمّتي يريدون بزيارتكم بِرِّي وصِلتي ، فإذا كان يومُ القيامة جئتُهم إلى الموقف حتّى آخذَ بأعضادهم فاُخلّصهم من أهواله وشدائده ))(2) .

وروى الشريف ابن الشجريّ بسنده عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه (عليهم السّلام) ، عن اُمّ سَلَمة ، قالت : أخبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وآله) فاطمةَ بقتل الحسين (عليه السّلام) ، فبكت ، فقال : (( يا فاطمة , اصبري

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإرشاد / 250 .
(2) الإرشاد / 251 . وانظر كتاب نور العين في المشي إلى زيارة قبر الحسين (عليه السّلام) / 67 ـ 97 للشيخ محمّد حسن الإصطهباناتيّ , فهو من أروع ما كُتب في مجاله وبابه .

الصفحة (75)

وسلّمي )) .

قالت : (( صبرتُ وسلّمت يا رسول اللَّه ، فأين يكون قتلُه ؟ )) .

قال : (( يُقتل بأرض يُقال لها : كربلاء ، في غربة من الأهل والعشيرة ، يزوره يا فاطمة قومٌ(1) من أُمّتي يريدون بذلك برّي وصلتي ، أتَعاهدهم في الموقف فآخذ أعضادهم فاُنجيهم من أهواله وشدائده ))(2) .

وروى الجويني بسنده عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس ، حديثاً طويلاً ، قال فيه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وآله) : (( وأمّا الحسين (عليه السّلام) فإنّه منّي ، وهو ابني وولدي ، وخير الخلق بعد أخيه ، وهو إمام المسلمين ، وخليفة ربّ العالمين ...

وإنّي لمّا رأيته تذكّرت ما يُصنَع به بعدي ؛ كأنّي به وقد استجار بحرمي وقبري فلا يُجار ، فأضمّه في منامه إلى صدري ، وآمره بالرحلة عن دار هجرتي , وأبشّره بالشهادة ، فيرتحل عنها إلى أرض مقتله وموضع مصرعه أرض كربلاء ، موضع قتل وفناء ، تنصره عصابة من المسلمين ، اُولئك سادةُ شهداء أمّتي يوم القيامة . كأنّي أنظر إليه وقد رُمي بسهمٍ فخرّ عن فرسه صريعاً ، ثمّ يُذبَح كما يُذبح الكبش مظلوماً )) .

ثمّ بكى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وآله) وبكى مَنْ حوله ، وارتفعت أصواتهم بالضجيج ، ثمّ قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وآله) :

ـــــــــــــــــــــــــ
(1) فضل زيارة الحسين (عليه السّلام) / 34 ـ 35 .
(2) فضل زيارة الحسين (عليه السّلام) / 29 .

الصفحة (76)

(( اللّهمّ إنّي أشكو إليك ما يَلقى أهلُ بيتي بعدي )) . ثمّ دخل (صلّى اللَّه عليه وآله) منزله(1) .

وروى الطبراني في معجمه الكبير بسنده عن اُمّ سَلَمة حديثاً فيه قول جبرئيل (عليه السّلام) للنبيّ (صلّى اللَّه عليه وآله) : إنّ أُمّتك ستقتل هذا [الحسين (عليه السلام)] بأرض يُقال لها : كربلاء . فتناول جبرئيل من تربتها فأراها النبيّ (صلّى اللَّه عليه وآله) ، فلمّا اُحيط بالحسين (عليه السّلام) حين قُتل قال : (( ما اسم هذه الأرض ؟ )) .

قالوا : كربلاء .

قال : (( صدق اللَّه ورسوله ، أرضُ كربٍ وبلاء ))(2) .

وفي مقتل الحسين (عليه السّلام) للخوارزمي : عن المسور بن مخرمة قال : ولقد أتى النبيَّ (صلّى اللَّه عليه وآله) مَلَكٌ من ملائكة الصفيح الأعلى ... أوحى اللَّه (عزّ وجلّ) إليه : (( أيّها المَلَك ، أخبِرْ محمّداً بأنّ رجلاً من أُمّته يُقال له : يزيد ، يقتل فرخك الطاهر وابن الطاهرة ... )) .

فجاء وقد نشر أجنحته حتّى وقف بين يديه (صلّى اللَّه عليه وآله) فقال : ... اعلمْ أنّ رجلاً من أُمّتك يُقال له : يزيد ، يقتل فرخك الطاهر ابن فرختك الطاهرة نظيرة البتول مريم ابنة عمران ، ولا يُمتّع مِن بعد وَلَدك ، وسيأخذه اللَّه مغافصةً على أسوأ عمله فيكون من أصحاب النار .

ولمّا أتت على الحسين (عليه السّلام) من مولده سنتان كاملتان ، خرج النبيّ (صلّى اللَّه عليه وآله)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فرائد السمطين 2 / 36 .
(2) المعجم الكبير ـ ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى