ما منا إلا مقتول أو مسموم

 
 

الصفحة (77)

في سفر ، فلمّا كان في بعض الطريق وقف فاسترجع ودمعت عيناه ، فسُئل عن ذلك ، فقال : (( هذا جبرئيل يخبرني عن أرض بشاطئ الفرات يُقال لها : كربلاء ، يُقتل فيها وَلَدي ابنُ فاطمة )) . فقيل : مَنْ يقتله يا رسول اللَّه ؟ فقال : (( رجل يُقال له : يزيد ، لا بارك اللَّه في نفسه . وكأنّي أنظر إلى مصرعه ومدفنه بها وقد أهدي رأسه . واللَّهِ ما ينظر أحد إلى رأس ولدي الحسين فيفرح إلاّ خالف اللَّه بين قلبه ولسانه )) . يعني ليس في قلبه ما يكون بلسانه من الشهادة .

قال : ثمّ رجع النبيّ (صلّى اللَّه عليه وآله) من سفره ذلك مغموماً فصعد المنبر ، فخطب ووعظ ، والحسين بين يديه مع الحسن ، فلمّا فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسين ، ورفع رأسه إلى السماء وقال : (( اللّهمّ إنّي محمّد عبدك ونبيّك ، وهذان أطائبُ عترتي ، وخيار ذرّيّتي وأُرومتي ، ومَنْ اُخلّفهما في أُمّتي . اللّهمّ وقد أخبرني جبرئيل بأنّ ولدي هذا مقتول مخذول . اللهمّ فبارك لي في قتله ، واجعله من سادات الشهداء إنّك على كلّ شي‏ءٍ قدير . اللهمّ ولا تباركْ في قاتله وخاذله )) .

قال : فَضَجَّ الناس في المسجد بالبكاء ، فقال النبيّ (صلّى اللَّه عليه وآله) :


الصفحة (78)

(( أتبكونه ولا تنصرونه ؟! اللّهمّ فكنْ له أنت وليّاً وناصراً ))(1) .

وأخرج ابن عساكر عن محمّد بن عمرو بن حسن ، قال : كنّا مع الحسين (عليه السّلام) بنهر كربلاء فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن ، فقال : (( صدق اللَّه ورسوله ؛ قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وآله) : كأنّي أنظر إلى كلبٍ أبقع يلغ في دماء أهل بيتي )) . وكان شمر أبرص(2) .

وروى الحاكم النيسابوري بسنده عن ابن عبّاس ، قال : ما كنّا نشكّ وأهلُ البيت متوافرون أنّ الحسين بن عليّ (عليه السّلام) يُقتل بالطفّ(3) .

وروى إمام الحنابلة في مسنده ، بسنده عن عبد اللَّه بن نجيّ ، عن أبيه : أنّه سار مع عليّ (عليه السّلام) ، فلمّا جاؤوا نينوى وهو منطلق إلى صفّين ، فنادى عليّ (عليه السّلام) : (( اصبر أبا عبد اللَّه ، اصبر أبا عبد اللَّه بشطّ الفرات )) . قلت : وماذا ؟ قال : (( دخلتُ على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه وآله)

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين (عليه السّلام) للخوارزميّ 1 / 162 .
(2) ابن عساكر ـ ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام) .
(3) المستدرك على الصحيحين 3 / 179 .
وقد روى جمع من الصحابة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إخباره بشهادة الحسين (عليه السّلام) وقتله في كربلاء ، منهم : اُمّ المؤمنين اُمّ سَلَمة ، وزينب بنت جحش , وعائشة بنت أبي بكر ، واُمّ أيمن ، واُم الفضل بنت الحارث ، وأسماء بنت عُمَيس ، وعبد الله بن عبّاس ، وأنس بن الحارث ، ومُعاذ بن جبل ، وأبو اُمامة ، وأنس بن مالك ، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الكنانيّ ، والمسور بن مخرمة ، وسعيد بن جمهان ، وخالد بن عرفطة . انظر ملحقات إحقاق الحق 11 / 339 ـ 416 ، وسيرتنا وسنّتنا للشيخ الأمينيّ (قدّس سرّه) .

الصفحة (79)

ذات يوم وعيناه تفيضان ، فقلت : يا نبيّ اللَّه ، أغضبك أحد ؟ ما شأن عينَيك تفيضان ؟ قال : بل قام من عندي جبرئيل قبلُ فحدّثني أنّ الحسين يُقتل بشطّ الفرات . قال : فقال : هل لك إلى أن أُشهدك تربته ؟ قال : قلت : نعم . فمدّ يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها ، فلم أملك عَينيَّ أن فاضتا )) (1) .

وروى نصر بسنده عن هرثمة بن سليم ، قال : غزونا مع عليّ بن أبي‏ طالب غزوة صفّين ، فلمّا نزلنا بكربلاء صلّى بنا صلاة ، فلمّا سلّم رفع إليه من تربتها فشمّها ، ثمّ قال : (( واهاً لكِ أيّتها التربة ! ليُحشرنّ منكِ قوم يدخلون الجنّة بغير حساب )) .

فلمّا بعث عبيد اللَّه بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين بن عليّ (عليه السّلام) وأصحابه ، قال : كنتُ فيهم في الخيل التي بعث إليهم ، فلمّا انتهيت إلى القوم وحسينٍ وأصحابه عرفت المنزل الذي نزل بنا عليّ (عليه السّلام) فيه ، والبقعةَ التي رفع إليه من ترابها ، والقول الذي قاله , فكرهت مسيري ، فأقبلتُ على فرسي حتّى وقفت على الحسين (عليه السّلام) فسلّمت عليه , وحدّثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل ، فقال الحسين (عليه السّلام) : (( معنا أنت أو علينا ؟ )) .

فقلت : يابن رسول اللَّه ، لا معك ولا عليك ، تركت أهلي وولدي أخاف عليهم من ابن زياد .

فقال الحسين (عليه السّلام) : (( فولِّ هرباً حتّى لا ترى لنا مقتلاً ؛ فوالذي نفسُ محمّدٍ

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مسند أحمد 2 / 60 ـ 61 ، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنّف / 12 ، وفيه (صبراً أبا عبد الله ، صبراً أبا عبد الله) .

الصفحة (80)

بيده لا يرى مقتلَنا اليومَ رجُلٌ ولا يغيثنا إلاّ أدخله اللَّه النار )) .

قال : فأقبلتُ في الأرض هارباً حتّى خفي عليَّ مقتله(1) .

وفي كتاب الملاحم والفتن للسيّد ابن طاووس : عن كتاب الفتن للسّليلي ، عن شيبان ، قال : أقبلنا مع عليّ بن أبي طالب من صفّين حتّى نزلنا كربلاء وهو على بغلة له ، فنزل عن البغلة فأخذ كفّاً من تحت حافر البغلة فشمّها ، ثمّ قبّلها ووضعها على عينيه وبكى ، وقال : (( وأيّ حبيب يُقتل في هذا الموضع ! كأنّي أنظر إلى ثقل من آل الرسول (صلّى اللَّه عليه وآله) قد أناخوا بهذا الوادي فخرجتم إليهم فقتلتموهم ، ويلٌ لكم منهم ! وويلٌ لهم منكم ! )) .

ثمّ قال : (( ائتوني برِجْل حمار أو فكّ حمار )) . فأتيته برِجْل حمار ميّت فأوتَدَه في موضع حافر البغلة ، فلمّا قُتل الحسين (عليه السّلام) جئت فاستخرجتُ رجل الحمار من موضع دمه (عليه السّلام) وإنّ أصحابه لربُضٌ حوله(2) .

ولو أردنا استقصاء الأخبار في الإخبارات النبويّة والعلويّة لاحتاج ذلك إلى تصنيف مجلّد ضخم في ذلك ، وفيما ذكرناه كفاية في المقام .

وإليك زيارة الأنبياء (عليهم السّلام) لأرض كربلاء قبل أن يولد الحسين (عليه السّلام) في هذه النشأة .

ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقعة صفّين / 140 ـ 141 .
(2) الملاحم والفتن / 115 .

الصفحة (81)

ففي حديثٍ رواه ابن قولويه : (( وما من نبيّ إلاّ وقد زار كربلاء ووقف عليها وقال : إنّكِ لَبقعة كثيرة الخير ، فيك يُدفن القمر الأزهر ))(1) .

وروى الطريحي : أنّ آدم (عليه السّلام) لمّا أُهبط إلى الأرض لم يَرَ حواء ، فصار يطوف الأرض في طلبها فمرّ بكربلاء ، فاعتلّ وأُعيق وضاق صدره من غير سبب ، وعثر في الموضع الذي قُتل فيه الحسين (عليه السّلام) حتّى سال الدم من رجله , فرفع رأسه إلى السماء وقال : إلهي ، هل حدث منّي ذنب آخر فعاقبتني به ؛ فإنّي طفت جميع الأرض فما أصابني سوءٌ مثل ما أصابني في هذه الأرض ؟

فأوحى اللَّه إليه : (( يا آدم ، ما حدث منك ذنب ، ولكن يُقتل في هذه الأرض ولدك الحسين ظلماً ، فسال دمك موافقةً لدمه )) .

فقال آدم : يا ربّ ، أيكون الحسين نبيّاً ؟

قال : (( لا ، ولكنّه سبط النبيّ محمّد )) .

فقال : ومَنْ القاتلُ له ؟

قال : (( قاتِلُه يزيد )) .

فقال آدم : فأيّ شي‏ء أصنع يا جبرئيل ؟

فقال : العَنْه يا آدم . فلعنه أربع مرّات ، ومشى خطوات إلى جبل عرفات فوجد حواء هناك .

ورُوي أنّ نوحاً (عليه السّلام) لمّا ركب في السفينة طافت به جميع

ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) كامل الزيارات / 143 .

الصفحة (82)

الدنيا ، فلمّا مرّت بكربلاء أخذته الأرض ، وخاف نوح الغرق ، فدعا ربَّه وقال : إلهي ، طفتُ جميع الدنيا وما أصابني فزع مثل ما أصابني من هذه الأرض ؟ فنزل جبرئيل وقال : يا نوح ، في هذا الموضع يُقتل الحسين سبط محمّد خاتم الأنبياء وابن خاتم الأوصياء .

فقال : ومَنْ القاتل له يا جبرئيل ؟

قال : قاتله لعين أهل سبع سماوات وسبع أرضين . فلعنه نوح أربع مرّات ، فسارت السفينة حتّى بلغت الجوديّ واستقرّت عليه .

وروي أنّ إبراهيم (عليه السّلام) شُجّ رأسه وسال دمه ، فأخذ في الاستغفار ، وقال : إلهي ، أيُّ شي‏ء حدث منّي ؟! فنزل إليه جبرئيل (عليه السّلام) وقال : يا إبراهيم ، ما حدث منك ذنب ، ولكن هنا يُقتل سبط خاتم الأنبياء , وابن خاتم الأوصياء ، فسال دمك موافقةً لدمه .

قال : يا جبرئيل ، ومَنْ يكون قاتله ؟

قال : لعين أهل السماوات والأرض ، والقلم جرى على اللوح بلعنه بغير إذن ربّه ، فأوحى اللَّه تعالى إلى القلم : إنّك استحققتَ الثناء بهذا اللعن .

فرفع إبراهيم (عليه السّلام) يديه ولعن يزيد لعناً كثيراً ، وأمَّنَ فرسه بلسان فصيح ، فقال إبراهيم (عليه السّلام) لفرسه : أيَّ شي‏ء عرفتَ حتّى تؤمّن على دعائي ؟

فقال : يا إبراهيم ، أنا أفتخر بركوبك عَلَيَّ ، فلمّا عثرتَ وسقطت عن ظهري عظمت خجلتي ، وكان سبب ذلك من يزيد (لعنه اللَّه) .

وروي أنّ إسماعيل (عليه السّلام) كانت أغنامه ترعى بشطّ

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى