المواسمُ والمراسم
المؤلِّف :
السّيد جعفر مرتضى العاملي
الناشر :
معاونيّة العلاقات الدوليّة في منظمة
الإعلام الإسلامي
التاريخ : 1408 هـ ـ 1987 م
الطبعة الثانية
ـ
أ ـ
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله
ربّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين
، واللعنة على أعدائهم أجمعين
إلى قيام يوم الدين .
وبعد ، فلم
يكن ليدور في خلدي في يوم من الأيّام ، أن يكون موضوع الاحتفال
بالمناسبات
، وإقامة المواسم ، موضوعاً
للبحث أو مجالاً للتشكيك والنقض والإبرام ، من أيّ كان وفي أيّ من
الظروف والأحوال ؛ فضلاً عن أن أبتلى أنا
شخصياً بالبحث فيه ، وأجمع له الشواهد الدلائل
.
ولكن
… ما عشتَ أراكَ الدهر عجباً
… فها أنا ذا لا أجد مناصاً من أن أتصدّى
لهذا الموضوع ، وأصرف فيه
شطراً من عمري الذي ما كنت أحبّ له أن يصرف في مثل هذه الاُمور
الجانبيّة التي تجاوزت حدّ الوضوح ؛ لتكون من الضرورات
والبديهات لدى سائر أبناء البشرية ، ممّن
يتعاملون مع الاُمور بسلامة الفطرة وصفائها ، وبصحيح العقل ، وصريح
الوجدان
نعم ، لقد
رأيتني غير قادر على التخلّص ، ولا على التملّص من هذا الأمر
، بعد أن كانت ثمّة فئة اختارت
لنفسها ليس فقط أن تثقل العقل بالقيود المرهقة ، وتعطّل دَور الوجدان
، وتمنع من تأثير الفطرة ،
وإنّما تعدّت ذلك إلى اُسلوب التهويش والتشويش والعربدة ،
وحتّى إيصال الأذى إلى الآخرين وهتك حرماتهم ما وجدت
إلى ذلك سبيلاً ؛
حيث أدركَ مَن تسمّوا بالعلماء فيها أنهم لا يملكون من
الأدلّة على ما يدّعون سوى الشعارات الفارغة ،
وتوزيع التّهم الباطلة ـ وبلا حساب ـ ورمي الآخرين بالكفر تارةً
، وبالشرك اُخرى ، وبالابتداع في الدين ثالثة … وهكذا
…
فكانت
هذه الدراسة الموجزة التي اُريد لها أن تعطي صورة واضحة قدر الإمكان
لِما يقوله هؤلاء الناس في هذه المسألة
، مع الإشارة إلى بعض موارد
الخلل والضعف في تلكُم الأقاويل ، مع التأكّد على أنّ سلاحنا
الأوّل والأخير هو الدليل القاطع والبرهان الناصع ،
وعلى أنّ هدفنا هو خدمة الحق والدين ، والذبّ
عن شريعة سيّد المرسلين ، وعلى أنّ تقوى الله سبحانه ، والخوف
ـ
ب ـ
من عقابه ،
والأمل في ثوابه هو الذي لا بد وأن يهيمن على كلّ
أقوالنا وأفعالنا ، بل وعلى كلّ حياتنا ووجودنا
.
والله نسأل
أن يهبَ لأولئك الذين يشغلوننا باُمور جانبية ، وغير ذات
أهمية العقل قبل كلّ شيء ، ومعه الإنصاف ، وأن يمنّ
عليهم بالتقوى ، والخوف من عقاب الله أوّلاً ،
ثمّ الرجاء لثوابه ثانياً , وأن يمنّ علينا ، وعلى جميع إخواننا
المؤمنين العاملين المخلصين بالتوفيق والتسديد في
جميع ما نقول ونفعل ، إنّه ولي قدير ، وبالإجابة حري
وجدير ، وهو خير مأمول وأكرم مسؤول .
إيران ـ قم
المُشرّفة
20
ربيع الأوّل 1407هـ . ق
جعفر
مرتضى العاملي , عامله الله بلطفه وإحسانه
الصفحة (1)
تمهيد
الهداية القرآنيّة
قال الله
سبحانه في كتابه في كتابه الكريم ، في مجال رسم الأسس
والمنطلقات للدعوة الإلهية إلى سبيله
:
( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(1) .
فهذه الآية
قد أعطت النظرة الشمولية للإسلام فيما يرتبط بسياسته الإعلامية
، ورسمت لهذه السياسة أسسها ومنطلقاتها بدقّة ، وبعمق
يستوعب كلّ اتّجاهاتها ومناحيها ،
ولسنا هنا في صدد بيان وتحديد ذلك ، ولكننا نشير إلى
أمر ألمَحَت إليه الآية الكريمة ، ويهمّنا لفت
النظر إليه ، والتوجيه نحو التأمّل فيه ، وهو : أنّ نهج
القرآن وطريقته ـ كما ألمَحَت إليه الآية الشريفة ـ هو
استثارة العقول ، ومحاكمة الناس إلى ضمائرهم ،
وإرجاعهم إلى سليم الفطرة وإنصاف الوجدان
…
ولم نجد
القرآن قد حكم على أحد بالكفر أو بالفسق ، إلاّ ضمن ضوابط
عامة ، يكون لكل أحد كامل الحرية في أن يطبّقها على
نفسه أو لا يطبّقها .
أمّا أن
يطبّقها على الآخرين بأشخاصهم وأعيانهم ، فليس له ذلك إلاّ في الحدود
التي
أجازها الإسلام ، ولم يرَ فيها ما يتنافى مع أيٍّ من
اُصوله وقواعده ، أي في خصوص الموارد التي قبل
بها الآخرون ، وأقرّوا بانطباقها على أنفسهم وفق الضوابط العامة التي
يعرفها ويقرّ بها الجميع
.
ــــــــــــ
(1)
سورة النحل / 125 .
الصفحة (2)
وهذا على
الرغم من أنّ الحقّ ربما يكون مرّ ، أو مخجلاً لكثير من اُولئك الذين
اختاروا الانحراف عن جادّة الحق
، والابتعاد عن الطريقة القويمة ،
والخطّة السليمة المستقيمة
.
نعم ، لربما
تمسّ الحاجة ـ وذلك كثير في القرآن أيضاً ـ إلى
تصعيد التحدّي إلى حدّ التلويح
أو التصريح بما لو لم يبادر إلى التلميح أو التصريح به لكان خطراً على
الإسلام وعلى قواعده ومبانيه من الأساس ؛ ولكنها تكون
حالات استثنائية ـ يعقبها الاستدلال والتفهيم
مباشرة ـ ولا يمكن أن تتخذ الصفة الطبيعية التي يفترض جعلها
أساساً للتحرّك في المجال العام للدعوة الإسلامية
.
هذه كلها لو
لم نقل إنّ المنطلق الإسلامي لكل حوار منصف وهادف
وبنّاء هو قوله تعالى
: (
وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ
… )(1)
؛ حيث يريد سبحانه أن
يهيّئ الطرف الآخر للبحث العلمي القائم على أساس
الدليل الساطع والبرهان القاطع ، بعيداً عن
أجواء التشنّج والانفعال والشكّ والريب . ولعلّ هذا بالذات هو المقصود
من المجادلة بالتي هي أحسن …
حسبما نصّت عليه الآية آنفة الذكر
.
عليٌّ
(عليه السّلام) وأهل الشام
ونجد إلى
جانب ذلك أنّ طريقة أئمتنا عليهم الصلاة والسّلام وخطّتهم
لم تتعدَ هذا النهج ؛ وذلك تأسّياً منهم بالنبي الأكرم
(صلّى الله عليه وآله) ، والتزاماً منهم بالهداية
القرآنية وعلى هذا الأساس ، فإننا نجد أنّ دعوة علي
(عليه السّلام) أصحابه إلى عدم سبّ أهل الشام ، ولكن
بإمكانهم أن يصفوا أعمالهم ، معلّلاً ذلك بأنه أصوب في
القول ، وأبلغ في العذر(2)
.
إنّ هذه
الدعوة قد جاءت منسجمة كلّ الانسجام مع تعاليم القرآن الكريم
، وتوجيهاته السامية في مجال
الهداية إلى سبيل الله ، والدعوة إلى دينه مع أنّه (عليه السّلام)
يستحل دماءهم ، ويباشر قتلهم ، حتّى لقد قيل :
إنّه (عليه
السّلام) قد قتل منهم بنفسه
عدّة مئات في ليلة واحدة ، وهي المسمّاة بـ (ليلة الهرير)
.
ولم يكن
موقفه هذا , وهو الالتزام بالكلمة المهذّبة ، والعمل بالهدى القرآني
الرائد
خاصّاً بالذين حاربوه في صفين ، أو في الجمل ،
والنهروان ، وإنما هو ينسحب على مجمل مواقفه في
حياته( صلوات الله وسلامه عليه) وعلى أبنائه الأئمة الميامين الطيبين
الطاهرين
.
ـــــــــــــ
(1)
سورة سبأ / 24 .
(2)
راجع : نهج البلاغة بشرح محمّد عبده 2 / 221 ، وتذكرة
الخواصّ / 154 ، وصفّين لنصر بن مزاحم / 103 ، والأخبار الطوال / 165
.
الصفحة (3)
مواقف
الحسين (عليه السّلام)
في نفس الاتّجاه
كما أنّ من
الواضح أنّ أعظم مواجهة حادّة تعرّض لها الأئمة (عليهم
السّلام) وأشدّها إثارة ، هي تلك التي تعرّض لها سيّد
شباب أهل الجنة السّبط الشهيد الحسين بن علي
(صلوات الله وسلامه عليه) ، حينما قرّر أن يواجه الطاغوت ، وأن يقدّم
نفسه وأبناءه ، وأهل بيته وأصحابه ، في سبيل الله
والمستضعفين …
فنجده (عليه
السّلام) حينما يريد أن يستدلّ لموقفه من يزيد الطاغية
، ومن نظام حكمه ، ذلك الموقف الذي يعرف بدقّة نتائجه
وآثاره ، نجده لا يذكر يزيد بن معاوية إلاّ بما
عُرف وشاع عنه ، فيقول :
(( إنّا أهل بيت النبوّة
، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله
وبنا يختم ، ويزيد رجل شارب الخمور ، وقاتل
النفس المحترمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ))
.
فهو (عليه
السّلام) قد أعطى الميزان والضابطة ، والتعليل الواضح ، لكونه
(عليه السّلام) لا يحقّ له أن يبايع يزيد
. ولكنه يجعل ذلك ضمن قانون عام تكون
نتيجته : إنّ هذا الصنف من الناس
وهذه النوعية ، لا يحقّ لها أن تبايع تلك النوعية ، وذلك
الصنف ، ملخّصاً ذلك بقوله :
(( ومثلي لا
يبايع مثله ))(1) .
ثمّ … وبما
أنّ ذكر تلك الضابطة قد استلزم التصريح ببعض ما ربما يتوهّم منافاة
التصريح به للهداية القرآنية … نجده (عليه السّلام)
يشير إلى أنّ ذلك التوهّم مسوّغ له ما
دام أنّ يزيد بن معاوية
((
معلن بالفسق ))
, ولا
يتستر بذلك . فكما لا مجال لأيّ ترديد أو خيار في
اتخاذ ذلك القرار ، كذلك لا مجال للتواني ، ولا
للترداد في الجهر به والإعلان عن مبرّراته ودوافعه …
الإمام الحسين (عليه السّلام) في كربلاء
وبعد ،
فبالرغم من أنّ واقعة الطفِّ كانت من أبشع ما عرفه التاريخ البشري
… فإننا لا نجد
الإمام الحسين (عليه الصلاة والسّلام) فيها إلاّ ذلك
الصابر المحتسب ، الذي لا تندّ منه حتّى ولو
كلمة واحدة في غير المسار الطبيعي للهداية القرآنية التي تقدّمت
الإشارة إليها .
بل إنّ
كلماته في ذلك الموقف المصيري كانت تطفح بالحبّ والحنان ،
وتفيض بالأدب والطهر والنبل ، والنزاهة عن كلّ سباب
قبيح ، أو استرسال مشين ، رغم هول المصائب التي
يواجهها ، وفداحة الكوارث التي يعاني منها … بل نجده (عليه
السّلام) ـ كما كان ـ حتّى
لأعدائه ، والذين يقتلون صحبه وولده ، ويريدون إزهاق نفسه ثمّ سبي
نسائه ـ نجده ـ يبقى كالوالد الرحيم ، الذي
تذهب نفسه عليهم حسرات ، والذي لا همّ له إلاّ هدايتهم
، وحملهم على المحجّة البيضاء ، وإرشادهم إلى سبيل
الخير والفلاح والرشاد .
ــــــــــــ
(1)
مقتل الحسين (عليه السّلام) للمقرم / 139 ، عن مثير الأحزان لابن نما
الحلي ,
والفتوح لابن أعثم 5 / 18 .
الصفحة (4)
الأئمة
(عليهم السّلام) والمواقف الحادّة
وإذا ما
رأينا أحياناً بعض المواقف الحادّة والفاصلة للأئمة (عليهم السّلام)
، فإنما هو
في مقابل اُولئك الذين حاولوا ضرب أساس الإسلام ،
وتقويض دعائمه ، من أمثال أبي الخطاب ،
والمغيرة بن سعيد ، وأضرابهما من الغلاة والنواصب . ولسنا في مجال
استقصاء ذلك هنا .
الإسلام
وظاهرة الجحود
وبعد أن
تحقّق لدينا أنّ طريقة القرآن ، ونهج الإسلام إنّما هو الدعوة
إلى سبيل الله بالحكمة
والموعظة الحسنة ، والجدال بالتي هي أحسن … وأنّ الأساس والمنطلق هو
الحوار الموضوعي المنصف ، القائم على قاعدة
: (
وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ
… ) .
و (
وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ ) .
و
(
فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ )
. وذلك
في ظل العقل ، وحرية التعبير وحرية الموقف
.
وعرفنا كذلك
أنّ الرفق والرضا والتفاهم وروح التعاون
في البحث الموضوعي النزيه والهادف … هو الجوّ الطبيعي
الذي يريده الإسلام ، ويرى أنّه يتهيّأ له في
ظلّه تكريس وجوده ، وتأكيد واقعيّته وأصالته . إذا عرفنا ذلك كلّه
فإننا ندرك أنّ ما يدينه الإسلام ويرفضه ويسعى
إلى إزالته ، هو حالة تكبيل العقل في الهوى والعواطف والشهوات ،
والمصالح الشخصية والقبلية ، والأهواء
والعصبيّات …
فهو يرفض
ويحارب ظاهرة :
( وَجَحَدُوا بِهَا )
من أجل الحفاظ
على بعض الامتيازات الظالمة التي
جعلوها لأنفسهم ، أو استجابة لدواعٍ غير واقعية ولا
أصلية ، أو من أجل الحصول على بعض الملذّات
الزائلة والتمتّع بها ، أو من أجل الحفاظ على مركز اجتماعي ، أو على
وضع اقتصادي ، أو سياسي معيّن ، وإن كان ذلك على حساب
( إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً
)
، أو حتّى على حساب كلّ المثل والقِيَم الإنسانيّة ، وكل الضوابط
والمعايير والأحكام الإلهية
…
هذا ،
بالإضافة إلى أنّ اُولئك الجاحدين بموقفهم الجحودي ذلك ، إنما يعاندون
قناعاتهم
، ويضطهدون عقولهم
(
وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ )
.
فيجعلون عقولهم ووجدانهم وفطرتهم ، وكل النبضات
الإنسانيّة الحيّة في وجودهم ، في سجن تلك الأهواء
والمصالح ، ويثقلونها بالقيود ، ولتكون نتيجة
ذلك هي إلقاءها في سلّة المهملات مع نفايات التاريخ
.
فيأتي
الإسلام … ويقف في وجه هذا البغي ، ويعمل على تحطيم هذا
الطغيان ، فيحرر العقل والفطرة من قيد الجمود هذا ،
لينطلق إلى الحياة باحث ومنقّب ، وبعد ذلك
مستنتج وصاحب قرار وتصميم ، حينما يستكشف كلّ معاني السموّ والخير
والسعادة ، بعيداً عن النزوات البهيمية وصراع الشهوات
، ومزالق العواطف غير المتّزنة ولا المسؤولة
.
وهذا ما
يفسّر لنا ما نجده في القرآن من كونه يؤنّب أشدّ التأنيب
هذا النوع من الناس ، وينعى عليهم ارتكابهم تلك
الجريمة النكراء في حق فطرتهم وإنسانيّتهم ،
والأهمّ من ذلك في حقّ عقلهم ووجدانهم …
الصفحة (5)
الإسلام
…
والدعوة إلى التعقّل ، والبصيرة في الدين
ولقد كان
الإسلام ولا يزال يؤكّد ويردّد بأساليبه المتنوّعة ، وفي
مختلف المناسبات على دور العقل والفطرة ، وعلى أهمية
الضمير والوجدان ، والفكر والعلم
.
ففيما يرتبط
بأهمّية الفكر والعلم والعقل نجد العشرات ، بل المئات
من الآيات القرآنية التي تشير إلى ذلك … وكمثال على
ذلك نشير إلى الآيات التالية
:
(
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي
الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
)(1)
.
(
وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاّ
الْعَالِمُونَ )(2) .
(
أَفَلاَ تَتَفَكّرُونَ )(3)
.
(
أَوَلَمْ يَتَفَكّرُوا )(4) .
( وَيَتَفَكّرُونَ فِي
خَلْقِ السّماوَاتِ وَالأرْضِ )(5)
.
( إِنّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ
لِقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ )(6)
.
( أَفَلاَ تَعْقِلُونَ )(7) .
(لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ)
(8)
.
( لآيَاتٍ لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ )(9) .
(
وَاتّقُونِ يَا أُولِي
الأَلْبَابِ )(10)
.
( وَمَا يَذّكّرُ إِلا
أُوْلُوا الأَلْبَابِ )(11)
.
وبالنسبة
لعلاقة الدين بالفطرة ، فالله سبحانه يقول : (
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ
النّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدّينُ
الْقَيّمُ وَلكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ
إِلَيْهِ وَاتّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ
الْمُشْرِكِينَ )(12)
.
ــــــــــــ
(1)
سورة الزمر / 9 .
(2)
سورة العنكبوت / 43 .
(3)
سورة الأنعام / 50 .
(4)
سورة الأعراف / 184 ، سورة الروم / 8 .
(5)
سورة آل عمران / 191 .
(6)
سورة الرعد / 3 ، سورة الروم / 21 , سورة الجاثية / 13 .
(7)
سورة البقرة / 44 و 76
، سورة آل عمران / 85 ، سورة
الأنعام / 32 ، سورة الأعراف / 169 ، سورة يونس / 16 ، سورة هود / 51 ،
سورة يوسف / 109 ، سورة الأنبياء / 10 و67 ، سورة المؤمنون / 80 ، سورة
القصص / 60
،
سورة الصافات / 138 .
(8)
سورة البقرة / 73 و 242 , سورة الأنعام / 151 ، سورة يوسف / 2
، سورة النور / 61 ، سورة غافر / 67 ، سورة الزخرف / 3 ، سورة الحديد /
17 .
(9)
سورة البقرة / 164 ، سورة الرعد / 4 ، سورة النحل / 12 ،
سورة الروم / 24 .
(10)
سورة البقرة / 197 .
(11)
سورة البقرة / 269 ، سورة آل عمران / 7 .
(12)
سورة الروم / 30 و 31 .
الصفحة (6)
التجنّي
والافتراء
وبعد … فإنّ
كل ما تقدّم يعطينا أنّ ما ينتجه بعض الناس في دعوتهم إلى مذهبهم
، من أساليب فظّة وجافّة
وقاسية ، من قبيل التفسيق تارة والتكفير اُخرى ، والرمي بالشرك أو
الزندقة ثالثة ، وما
إلى ذلك من افتراءات وتهجّمات ناشئة عن عدم
فهمهم ـ هم ـ لمعنى الشرك والتوحيد ، وخلطهم بين المفاهيم التي هي من
أوضح الواضحات ، وأنّ كل ذلك لا ينسجم مع
الإسلام ، ولا يلائم تشريعاته ومناهجه ، بل
الإسلام من ذلك كلّه بريء
.
ويتّضح بعد
هذا النهج عن الإسلام وعن تعاليمه ، حينما نعلم أنّ المسائل التي
يطرحونها ما هي إلاّ مسائل اجتهادية
، يخالفهم فيها كثير إن لم يكن أكثر علماء الإسلام …
بل إنّ الحقيقة هي أنّ ما يدعون إليه ويعملون على نشره لا يعدو عن أن
يكون مجرد شعارات فارغة ، أو تحكّمات باطلة لا
تستند إلى دليل ولا تعتمد على برهان . بل إنّ بعضها يخالف صريح القرآن
، وما هو المقطوع به من سنّة النبي (صلّى الله عليه
وآله) وسيرته ، والصحيح الثابت عن الصحابة والتابعين
، فضلاً عن مخالفته لصريح حكم العقل ، ومقتضيات
الفطرة والجبلة الإنسانية.
لفت
نظر ضروري
إنّ الموضوع
الذي هو محل البحث هو مشروعية الأعياد ، والمواسم والمراسم
، والمآتم ، وجميع الاحتفالات التي تقام للذكرى في
المناسبات المختلفة ، كعيد المولد النبوي
الشريف ، وعيد الغدير ، وعاشوراء ، والاحتفال بعيد الاستقلال ، وبيوم
العمال ، وغير ذلك …
حتّى عيد الجيش ، ويوم الشجرة ، وحتى
زيارة الأماكن المقدسة في مواسم معيّنة .
ولكن لربما
نضطرّ في بحثنا هذا إلى تخصيص المولد النبوي الشريف بالذكر
، وذلك تبعاً لِما ورد في
أدلّتهم ؛ ذلك لأنه هو المحور الذي تدور كلماتهم حوله عادة ، وإن كانوا
يهدفون ـ ونقصد المانعين منهم ـ إلى ما هو أعمّ من ذلك
، كما صرّحوا به في مطاوي كلماتهم واستدلالاتهم
، وكما يظهر من عموم أدلّتهم ، التي رأوا أنّها كافية للدلالة على
المنع من كل تجمّع في مكان معيّن ، في زمان
معيّن ، فليلاحظ ذلك … والله هو الموفق وهو الهادي .
الصفحة (7)
الفصل
الأوّل
المواسمُ
والمراسمُ . . .
في سطور
أوّل مَن احتفل بالمولد النبوي
يقولون :
إنّ أوّل مَن احتفل بمولد النبي (عليه الصلاة والسلام)
،
هو ـ كما يقال ـ الأمير أبو
سعيد مظفر الدين الأربلي المتوفّى عام 630 هـ . ق(1)
. وكان يفد إلى العيد طوائف من
الناس من بغداد ، والموصل ،
والجزيرة ، وسنجار ، ونصيبين ، بل ومن فارس منهم العلماء والمتصوّفون ،
والوعّاظ ، والقرّاء ، والشعراء ، وهناك يقضون
في أربلاً من المحرم إلى أوائل ربيع الأوّل .
وكان الأمير
يقيم في الشارع الأعظم مناضد عظيمة من الخشب ، ذات طبقات كثيرة بعضها
فوق بعض ، تبلغ الأربع والخمس ، ويزيّنه ويجلس عليها
المغنّون والموسيقيّون ولاعبو الخيال حتّى
أعلاها ... إلخ(2)
.
وقد صنّف له
ابن دحية كتاب : ( التنوير في مولد السراج المنير) لِما رأى من اهتمام
مظفر
الدين به ، فأعطاه الأمير ألف دينار غير ما غرم عليه
مدّة إقامته(3)
.
وقد أطنبوا
في وصف حاكم أربل بالصلاح والخير ، والبر والتقوى كما يعلم من مراجعة
ترجمته عندهم(4) .
ولكن السّيد
رشيد رضا لا يوافق على ذلك ، ويقول : أوّل مَن أبدع الاجتماع لقراءة
قصة
المولد النبوي ، أحد ملوك الشراكسة في مصر(5)
.
وقال غيره
عن الموالد : أوّل مَن أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميّون
، أوّلهم المعز لدين الله ،
توجّه من المغرب إلى مصر في شوال سنة 361 هـ … إلى أن قال : إلى أن
أبطلها الأفضل ابن أمير الجيوش(6)
.
وهذا … وقد قتل
الأفضل في سنة 515.
ــــــــــــــ
(1)
الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 2 / 299
عن الزرقاوي 1 / 164 ،
وراجع التوسل بالنبي وجهلة الوهابيين / 115 ، ورسالة حسن المقصد
للسيوطي ، المطبوعة
مع النعمة الكبرى على العالم / 75 و77 و80 ، والبداية والنهاية 13 /
137 و136 ، ولم يصرّح
بالأوّلية ، وكذا في تاريخ ابن الوردي 2 / 228 ، وجواهر البحار 3 / 337
، والسيرة
الحلبيّة 1 / 83
و84 ، والسيرة النبويّة لدحلان 1 / 24 ، ومنهاج الفرقة الناجية / 110 ،
والإنصاف
فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / 45 ، لأبي بكر جابر الجزائري ،
و46 و50 و75 .
(2)
وفيات الأعيان / طبعة سنة 1310 هـ.ق 1 / 436و437 ، وشذرات الذهب 5
/ 139
و140 عنه
ابن شبهة . وراجع السيرة النبويّة لدحلان 1 / 24و25 ، والتوسل بالنبي
وجهلة الوهابيين / 116
عن سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان ، وراجع رسالة حسن المقصد للسيوطي ،
المطبوع
مع النعمة الكبرى على العالم / 76 ، والبداية والنهاية 23 / 137 ،
وجواهر البحار 3 / 337و338
، والإنصاف فيما قيل في المولد من الغلوّ والإجحاف / 50 و51 عن الحادي
للسيوطي .
(3)
وفيات الأعيان 1 / 437و381 ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين / 115و116
، ورسالة
حسن المقصد للسيوطي / 75و77و80 ، والبداية والنهاية 13 / 137 ، وجواهر
البحار 3 / 338
،
عن روح السير لإبراهيم الحلبي ، والسيرة النبويّة لدحلان 1 / 24 ،
والإنصاف فيما قيل
في المولد من الغلو والإجحاف / 50 ، والقول الفصل / 69 عن أحسن الكلام
فيما يتعلّق
بالسنّة والبدعة من الأحكام / 52 ، والسيرة الحلبيّة 1 / 83 و84
.
(4)
وفيات الأعيان 1 / 435ـ 438 ، والسيرة النبويّة لدحلان 1 / 24 ،
والتوسل بالنبي
وجهلة الوهابيّين / 115 ، وحسن المقصد / 75و76و80 والبداية والنهاية 3
/ 137 ، وشذرات
الذهب 5 / 138ـ140.
(5)
راجع القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / 205 عن الفتاوي ج4.
(6)
القول الفصل / 18و68 عن كتاب أحسن الكلام فيما يتعلّق بالسنّة والبدعة
من
الأحكام / 44و45 للشيخ بخيت المطيعي ، وعن المحاضرات الفكرية ،
المحاضرة العاشرة / 84
، وعن الإبداع في مضار الابتداع / 126 ، وعن كتاب المعز لدين الله /
284 ، وراجع
الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 2 / 299.
الصفحة (8)
ويؤيّد هذا
القول الأخير أيضاً ما ذكره المقريزي عن أعياد الخلفاء الفاطميين
، فليراجعه مَن أراد(1)
.
والظاهر هو
أنّه لا منافاة بين الأقوال السالفة ، لإمكان أن يكون مرادهم أنّ صاحب
أربل
أوّل مَن أحدثه في أربل ، واُولئك أوّل مَن أحدثه في
القاهرة وفي مصر , نعم تبقى المنافاة بين ما
تقدّم نقله عن السّيد رشيد رضا ، وما نقل عن غيره حول أوّل مَن أحدثه
في مصر
.
كما أنّ من
الممكن أن يقصد البعض أنّ حاكم أربل أوّل مَن احتفل بالمولد احتفالاً
عظيم
، وبهذه الصورة الخاصة التي كانت تكلّفه عشرات بل مئات
الألوف من الدنانير ، حسبما صرّحوا به
.
ومهما يكن
من أمر فإنّ الاهتمام بالمولد كان أسبق من التواريخ المتقدّمة
، حيث نجدهم يقولون : كان
ازدياد التعظيم للنبي (عليه السّلام) بين أهل الصلاح والورع سبباً في
أن صار يحتفل بمولده عام 300 هـ . وكان ذلك
بدعة في نظر المتمسّكين بالعادات الإسلامية
الأولى .
ويحكى عن
الكرجي (المتوفّى عام 343 ـ 954م) وكان من الزهّاد المتعبّدين
: أنه كان لا يفطر
إلاّ في العيدين ، وفي يوم مولد النبي (عليه السّلام)(2)
. وقال السخاوي : لم يفعله أحد من السلف
في القرون الثلاثة وإنما حدث بعد(3)
.
أمّا نحن
فنقول : إنّ الاهتمام بالمناسبات والمواسم قد بدأ من عهد النبي
(صلى الله عليه
وآله) ، ومن شخص رسول الله (صلى الله عليه وآله) ،
حسبما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى…
المولد عيد عند البعض ، وما يفعل فيه
قال
القسطلاني : … ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده (عليه السّلام)
، ويعملون
الولائم ، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات ،
ويظهرون السرور ويزيدون في المبرّات ويعتنون
بقراءة مولده الكريم ، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم … إلى أن قال
: فرحم الله امرأً اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياد
، ليكون أشدّ علة على مَن في
قلبه مرض ، وأعياه داء .
ولقد أطنب ابن
الحاج في المدخل في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء
، والغناء بالآلات المحرمة عند عمل المولد الشريف
، فالله تعالى يثيبه على قصده الجميل(4)
. وقال ابن عباد في رسائله الكبرى
: … وأما المولد
فالذي يظهر لي أنه عيد من أعياد المسلمين ، وموسم من
مواسمهم ، وكل ما يفعل فيه.
ـــــــــــــــــــ
(1)
الخطط للمقريزي 1 / 490 ، ومنهاج
الفرقة الناجية / 110.
(2)
الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 2 / 298.
(3)
السيرة الحلبيّة 1 / 83 و84
، وراجع السيرة النبويّة لدحلان 1 / 24.
(4)
المواهب اللدنّية 1 / 27 ، وراجع أيضاً السيرة النبويّة لدحلان 1
/ 24
، والسيرة
الحلبيّة 1 / 83و84.
الصفحة (9)
مما يقتضيه
وجود الفرح والسرور بذلك المولد المبارك ، من إيقاد الشمع
، وإمتاع البصر والسمع ،
والتزيّن بلباس فاخر الثياب ، وركوب فاره الدواب أمر مباح لا ينكر على
أحد(1) .
وعن ابن حجر
أنّه قال : وأمّا ما يعمل فيه فينبغي الاقتصار على ما يفهم منه
الشكر لله تعالى من التلاوة ، والإطعام ، والصدقة ،
وإنشاد شيء من المدائح النبويّة والزهدية … وأمّا ما يتبع ذلك من
السماع واللهو وغير ذلك ، فما كان من ذلك مباح
، بحيث لا ينقص السرور بذلك اليوم ، لا بأس
بإلحاقه به ؛ وأمّا ما كان حرام ، أو مكروه ،
فيمنع.
وكذا ما كان خلاف الأولى(2)
.
ابن
تيميّة والغناء في العيد
وقد أوضح
ابن تيمية أنّ العيد لا يختص بالعبادة ، والصدقات ونحوه ، بل يتعدّى
ذلك إلى
اللعب ، وإظهار الفرح أيضاً
.
وقد رأى ابن
تيميّة أنّ لذلك أصلاً في السنّة ، أي في الرواية التي تذكر أنه قد كان
عند النبي (صلى الله عليه وآله) جوار يغنين ، فدخل أبو
بكر فأنكر ذلك ، وقال : أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله
؟ فقال له النبي(صلّى الله عليه وآله) : إنّ لكل قوم
عيد ، وإنّ عيدنا هذا اليوم(3)
.
وأضاف : إنّ
المقتضي لما يفعل في العيد من الأكل والشرب ، واللباس والزينة
، واللعب والراحة ونحو ذلك ، قائم في النفوس كله ، إذا
لم يوجد مانع ، خصوصاً نفوس الصبيان والنساء ،
وأكثر الفارغين(4)
.
ولكننا
نعتقد أنّ الرواية المتقدّمة لا أساس لها من الصحة ؛ لأن الروايات في
ذلك
متضاربة ومتناقضة ، ولأن أكثرها يدلّ على حرمة الغناء
، حيث لا يعقل أن يحلل الشارع ما يعتبره
العقلاء من مزامير الشيطان…
إلى آخر ما ذكرناه في
كتابنا الصحيح من سيرة النبي
الأعظم (صلى الله عليه وآله) 2 / 314
ـ 329 ، فليراجع…
الغناء
في العيد عند أهل الكتاب
والغريب في
الأمر أننا نجد ابن كثير الحنبلي حينما وصل به الكلام إلى الحديث عن
مريم أخت عمران ، التي كانت في زمان موسى ، يقول
:
ـــــــــــــــــــ
(1)
راجع : القول الفصل في حكم الاحتفال
بمولد خير الرسل / 175.
(2)
تلخيص من رسالة حسن المقصد للسيوطي ، والمطبوعة مع النعمة الكبرى على
العالم / 90.
(3)
اقتضاء الصراط المستقيم / 194 ـ 195 , والرواية في / 193 عن الصحيحين .
وراجع :
صحيح
البخاري 1 / 111 طبعة الميمنية ، وصحيح مسلم 3 / 22 ، والسيرة الحلبيّة
2 / 61 ـ 62
، وشرح مسلم
للنووي بهامش إرشاد الساري 4 / 195 ـ 197 ، ودلائل الصدق 1 / 389 ،
وسنن البيهقي 10 / 224
، واللمع لأبي نصر / 274 ، والبداية والنهاية 1 / 276 ، والمدخل لابن
الحاج 3 / 109
، والمصنّف 11 / 104 ، ومجمع الزوائد 2 / 206 عن الطبراني في الكبير.
(4)
اقتضاء الصراط المستقيم / 195.
الصفحة (10)
…
وضربها بالدف في مثل هذا اليوم الذي هو أعظم الأعياد عندهم ، دليل على
أنه قد كان شرع مَن قَبلنا
ضرب الدف في العيد(1)
.
ثمّ نراه
يحكم بجواز ذلك في الأعياد ، وعند قدوم الغياب ، تماماً على وفق ما
استنبطه
من رواية مريم ، وذلك استناداً للرواية المتقدمة التي
استند إليها سلفه ابن تيميّة.
التهنئة
في العيد
قال ابن حجر
الهيثمي : وأخرج ابن عساكر ، عن إبراهيم بن أبي عيلة ، قال
: دخلنا على عمر
بن عبد العزيز يوم العيد ، والناس يسلّمون عليه
ويقولون : تقبّل الله منّا ومنك يا أمير
المؤمنين . فيردّ عليهم ولا ينكر عليهم .
قال بعض
الحفّاظ الفقهاء من المتأخّرين : وهذا أصل حسن للتهنئة بالعيد والعام
والشهر
، انتهى. وهو كما قال : فإنّ عمر بن عبد العزيز كان من
أوعية العلم والدين ، وأئمة الحقّ والهدى ...
إلخ(2)
.
وقبل ذلك
نجد أنّ هذا النص قد قاله عمرو الأنصاري لأبي وائلة فيردّ عليه بنفس
العبارة(3)
. وليت شعري لماذا لا تكون تهنئة الشيخين
لعلي يوم الغدير أساساً للتهنئة في العيد ؟!(4)
.
المولد
في جميع الأقطار الإسلامية
وقال
السخاوي : لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة ، وإنّما حدث بعد
، ثمّ لازال أهل الإسلام من
سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد ، ويتصدّقون في لياليه
بأنواع الصدقات ، ويعتنون بقراءة مولده الكريم ، ويظهر
عليهم من بركاته كل فضل عميم(5) .
من
خواصِّ المولد
قال ابن
الجوزي : ومن خواصّه أنّه أمان في ذلك العام ، وبشرى عاجلة
بنيل البغية والمرام(6) .
وحكى بعضهم
: أنه وقع في خطب عظيم ، فرزقه الله النجاة من أهواله
بمجرد أن خطر عمل المولد النبوي بباله(7)
.
ـــــــــــــــــــ
(1)
البداية والنهاية 1 / 276.
(2)
الصواعق المحرقة / 223.
(3)
مجمع الزوائد 2 / 206 عن الطبراني في الكبير.
(4)
راجع كتاب الغدير للعلاّمة الأميني ، الجزء الأوّل.
(5)
السيرة الحلبيّة 1 / 83 ـ 84 ، والسيرة النبويّة لدحلان 1 / 24 ، وراجع
تاريخ
الخميس 1 / 223.
(6)
المواهب اللدنّية 1 / 27 ، وتاريخ الخميس 1 / 223 ، وجواهر
البحار 3 / 340 عن أحمد العابدين ، والهيثمي والقسطلاني ، والسيرة
النبويّة لدحلان 1 / 24 .
(7)
جواهر العلم 3 / 340 .
الصفحة (11)
استحباب
القيام
وقد ذكروا :
أنهم كانوا حينما يقرؤون المولد ، فإذا وصلوا إلى ذكر ولادته
(صلّى الله عليه وآله) يقومون
وقوفاً ، احتراماً وإجلالاً . وقد تكلّموا في حكم هذا
القيام , فقال الصفوري الشافعي :
مسألة القيام عند ولادته لا إنكار فيها ؛
فإنه من البدع المستحسنة .
وقد أفتى
جماعة باستحبابه عند ذكر ولادته , وقال جماعة بوجوب الصلاة عند ذكره
؛ وذلك من الإكرام والتعظيم له
(صلّى الله عليه وآله) ، وإكرامه وتعظيمه واجب على كل مؤمن . ولاشكّ
أنّ القيام له عند الولادة من باب التعظيم
والإكرام(1)
.
وسيأتي من
الحلبي الشافعي وغيره التأكيد على مشروعية القيام عند
ولادته (صلّى الله عليه وآله) .
النعمة الكبرى على العالم
هذا … وقد
ألّف العديد من الكتب والرسائل ، ونشرت بحوث كثيرة تتحدّث عن مشروعية
المولد النبوي ، وسائر المواسم والمراسم ، هذا عدا عن
البحوث المبثوثة في الكتب المختلفة والمؤلّفة
لأغراض اُخرى … وعلى هذا ، فليس كتاب التنوير
لابن دحية ، ثمّ رسالة السيوطي المسمّاة بـ (حسن المقصد) ، ولا المولد
الذي ألّفه ابن الدبيع هي البداية ولا النهاية في هذا
المجال .
ولكن ما لفت
نظرنا هنا هو ذلك الكتاب المطبوع باسم (النعمة الكبرى على العالم في
مولد سيّد ولد آدم) ، والمنسوب إلى شهاب الدين أحمد بن
حجر الهيثمي الشافعي ، وهو اسم صاحب الكتاب
المعروف المسمّى بـ (الصواعق المحرقة) ، حيث قد تضمّن هذا الكتاب كلمات
منسوبة إلى أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي
(عليه السّلام)
،
والحسن البصري ، وابن الجنيد البغدادي ، ومعروف الكرخي
، وفخر الدين الرازي ، والإمام الشافعي ،
والسري السقطي .
ونحن نشكّ
في نسبة تلك الكلمات إلى هؤلاء ؛ وذلك لأننا لم نعثر على شيء منها في
المصادر الاُخرى التي في حوزتنا ، وإن كنّا لا ندّعي
أننا بلغنا الغاية في الاستقصاء
.
وعلى كل حال
فإننا نكل أمر هذه المنسوبات وأمر الكتاب ومؤلّفه الحقيقي إلى الله
، فهو المطّلع على السرائر ، والمحيط بما في الخواطر
…
ـــــــــ
(1)
نزهة المجالس 2 / 80 .
الصفحة (12)
الفصل
الثاني
استدلالات لا تصح
بداية
نجد
للمجوّزين لإقامة المواسم والمراسم استدلالات عديدة ، ولكننا لا نجد من
بينها ما
يجدي في إثبات ما يريدون إثباته ، ولا يصلح للاستدلال
به ، ونحن نشير إلى طائفة من أدلّتهم تلك ، مع
التذكير ببعض ما يرد عليها ، فنقول
:
أبو لهب … وعتق ثويبة
إنّهم
يذكرون أنّ أبا لهب حينما بُشّر بولادته (صلّى الله عليه
وآله) أعتق مولاته ثويبة ،
فرأه العباس ـ وفي رواية اليعقوبي : رآه النبي
(صلّى الله عليه وآله) ـ بعد موته في المنام فأخبره أنّه
يخفّف عنه العذاب كل يوم اثنين ؛ لعتقه ثويبة حينما
بُشّر بذلك(1) .
قال
القسطلاني : قال ابن الجزري : فإذا كان هذا أبو لهب الكافر الذي
نزل القرآن بذمّه جوزي في هذا
بفرحه ليلة مولد النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فما حال المسلم الموحّد
من اُمّته (عليه السّلام) الذي يُسرّ بمولده ،
ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبّته ؟ لعمري ، إنما
يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم
جنّاتِ النعيم(2)
.
ورحم الله
حافظ الشام شمس الدين محمد بن ناصر ، حيث قال :
إذا كان هذا كافرٌ جاء ذمّــهُ=وتبّتْ يداه في الجحيمِ مخلّــدا
أتى أنّه في يوم الاثـنينِ دائمـاً =
يُخفّف عنه لـلسرورِ بأحمــدا
فما الظنُّ بالعبدِ الذي كان عمرهُ =
بأحمدَ مسروراً ومات موحّــدا(3)
ولكن هذا
الاستدلال لا يصحّ ؛ وذلك لأنّ إعتاق ثويبة قد كان بعد مولده
(صلّى الله عليه وآله) بزمن طويل
، أي بعد ما هاجر النبي(صلّى الله عليه وآله)
إلى المدينة ، بعد أن حاولت خديجة شراءها
من أبي لهب لتعتقها ؛ بسبب
ما يزعم من إرضاعها للنبي (صلّى الله عليه وآله) ، فرفض أبو لهب بيعها(4)
.
ـــــــــــــــــــ
(1)
راجع : السيرة النبويّة لابن كثير 1 / 224 ، البداية والنهاية 1
/ 273
، تاريخ اليعقوبي 2 / 9 ، وفتح الباري 9 / 124 ، وعمدة القاري 2 / 95 ،
والسيرة
الحلبيّة 1 / 84و85
، والسيرة النبويّة لدحلان 1 / 25 ، ورسالة حسن المقصد للسيوطي ،
المطبوعة مع النعمة
الكبرى على العالم / 90 ، وإرشاد الساري 8 / 31 ، وهو ظاهر صحيح
البخاري 3 / 157 طبعة سنة 1309هـ
، وجواهر البحار 3 / 338و339 ، وتاريخ الاسلام للذهبي 2 / 19 ، والوفاء
/ 107
، ودلائل النبوة للبيهقي 1 / 120 ، وبهجة المحافل 1 / 41 ، وطبقات ابن
سعد قسم 1 / 67
ـ 68 ، والمواهب اللدنّية 1 / 27 ، وتاريخ الخميس 1 / 222 ، وسيرة
مغلطاي / 8 ، وصفة
الصفوة 1 / 62 ، ونور الأبصار / 10 ، وإسعاف الراغبين بهامشه / 8
.
(2)
المواهب اللدنّية 1 / 27 ، ورسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع
النعمة
الكبرى على العالم / 90ـ91 ، وتاريخ الخميس 1 / 222.
(3)
السيرة النبويّة لزيني دحلان 1 / 25 ، ورسالة السيوطي المطبوعة مع
النعمة الكبرى
على العالم / 91 .
(4)
أنساب الأشراف (سيرة النبي ص) / 95ـ96 ، والكامل لابن الأثير 1
/ 459
، وطبقات
ابن سعد 1 قسم 1 / 67 ، والإصابة 4 / 258 ، وإرشاد الساري 8 / 31 ،
والسيرة
الحلبيّة 1 / 85
، وراجع الوفاء / 107
، وفتح الباري 9 / 124 ، والاستيعاب بهامش الإصابة 1 / 16
، وذخائر العقبى / 259 ، وقاموس الرجال 10 / 417 .
|