المواسم والمراسم

 
 

المواسمُ والمراسم

المؤلِّف :

السّيد جعفر مرتضى العاملي

 

الناشر : معاونيّة العلاقات الدوليّة في منظمة الإعلام الإسلامي

التاريخ : 1408 هـ ـ 1987 م

الطبعة الثانية


 ـ أ ـ

 تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين .

وبعد ، فلم يكن ليدور في خلدي في يوم من الأيّام ، أن يكون موضوع الاحتفال بالمناسبات ، وإقامة المواسم ، موضوعاً للبحث أو مجالاً للتشكيك والنقض والإبرام ، من أيّ كان وفي أيّ من الظروف والأحوال ؛ فضلاً عن أن أبتلى أنا شخصياً بالبحث فيه ، وأجمع له الشواهد الدلائل .

ولكنما عشتَ أراكَ الدهر عجباًفها أنا ذا لا أجد مناصاً من أن أتصدّى لهذا الموضوع ، وأصرف فيه شطراً من عمري الذي ما كنت أحبّ له أن يصرف في مثل هذه الاُمور الجانبيّة التي تجاوزت حدّ الوضوح ؛ لتكون من الضرورات والبديهات لدى سائر أبناء البشرية ، ممّن يتعاملون مع الاُمور بسلامة الفطرة وصفائها ، وبصحيح العقل ، وصريح الوجدان

نعم ، لقد رأيتني غير قادر على التخلّص ، ولا على التملّص من هذا الأمر ، بعد أن كانت ثمّة فئة اختارت لنفسها ليس فقط أن تثقل العقل بالقيود المرهقة ، وتعطّل دَور الوجدان ، وتمنع من تأثير الفطرة ، وإنّما تعدّت ذلك إلى اُسلوب التهويش والتشويش والعربدة ، وحتّى إيصال الأذى إلى الآخرين وهتك حرماتهم ما وجدت إلى ذلك سبيلاً ؛ حيث أدركَ مَن تسمّوا بالعلماء فيها أنهم لا يملكون من الأدلّة على ما يدّعون سوى الشعارات الفارغة ، وتوزيع التّهم الباطلة ـ وبلا حساب ـ ورمي الآخرين بالكفر تارةً ، وبالشرك اُخرى ، وبالابتداع في الدين ثالثة … وهكذا

 فكانت هذه الدراسة الموجزة التي اُريد لها أن تعطي صورة واضحة قدر الإمكان لِما يقوله هؤلاء الناس في هذه المسألة ، مع الإشارة إلى بعض موارد الخلل والضعف في تلكُم الأقاويل ، مع التأكّد على أنّ سلاحنا الأوّل والأخير هو الدليل القاطع والبرهان الناصع ، وعلى أنّ هدفنا هو خدمة الحق والدين ، والذبّ عن شريعة سيّد المرسلين ، وعلى أنّ تقوى الله سبحانه ، والخوف


 ـ ب ـ

من عقابه ، والأمل في ثوابه هو الذي لا بد وأن يهيمن على كلّ أقوالنا وأفعالنا ، بل وعلى كلّ حياتنا ووجودنا .

والله نسأل أن يهبَ لأولئك الذين يشغلوننا باُمور جانبية ، وغير ذات أهمية العقل قبل كلّ شيء ، ومعه الإنصاف ، وأن يمنّ عليهم بالتقوى ، والخوف من عقاب الله أوّلاً ، ثمّ الرجاء لثوابه ثانياً , وأن يمنّ علينا ، وعلى جميع إخواننا المؤمنين العاملين المخلصين بالتوفيق والتسديد في جميع ما نقول ونفعل ، إنّه ولي قدير ، وبالإجابة حري وجدير ، وهو خير مأمول وأكرم مسؤول .

إيران ـ قم المُشرّفة

20 ربيع الأوّل 1407هـ . ق

جعفر مرتضى العاملي , عامله الله بلطفه وإحسانه


الصفحة (1)

 تمهيد

الهداية القرآنيّة

قال الله سبحانه في كتابه في كتابه الكريم ، في مجال رسم الأسس والمنطلقات للدعوة الإلهية إلى سبيله : ( ادْعُ إِلَى‏ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(1) .

فهذه الآية قد أعطت النظرة الشمولية للإسلام فيما يرتبط بسياسته الإعلامية ، ورسمت لهذه السياسة أسسها ومنطلقاتها بدقّة ، وبعمق يستوعب كلّ اتّجاهاتها ومناحيها ، ولسنا هنا في صدد بيان وتحديد ذلك ، ولكننا نشير إلى أمر ألمَحَت إليه الآية الكريمة ، ويهمّنا لفت النظر إليه ، والتوجيه نحو التأمّل فيه ، وهو : أنّ نهج القرآن وطريقته ـ كما ألمَحَت إليه الآية الشريفة ـ هو استثارة العقول ، ومحاكمة الناس إلى ضمائرهم ، وإرجاعهم إلى سليم الفطرة وإنصاف الوجدان

ولم نجد القرآن قد حكم على أحد بالكفر أو بالفسق ، إلاّ ضمن ضوابط عامة ، يكون لكل أحد كامل الحرية في أن يطبّقها على نفسه أو لا يطبّقها .

أمّا أن يطبّقها على الآخرين بأشخاصهم وأعيانهم ، فليس له ذلك إلاّ في الحدود التي أجازها الإسلام ، ولم يرَ فيها ما يتنافى مع أيٍّ من اُصوله وقواعده ، أي في خصوص الموارد التي قبل بها الآخرون ، وأقرّوا بانطباقها على أنفسهم وفق الضوابط العامة التي يعرفها ويقرّ بها الجميع .

ــــــــــــ

(1) سورة النحل / 125 .

الصفحة (2)

وهذا على الرغم من أنّ الحقّ ربما يكون مرّ ، أو مخجلاً لكثير من اُولئك الذين اختاروا الانحراف عن جادّة الحق ، والابتعاد عن الطريقة القويمة ، والخطّة السليمة المستقيمة .

نعم ، لربما تمسّ الحاجة ـ وذلك كثير في القرآن أيضاً ـ إلى تصعيد التحدّي إلى حدّ التلويح أو التصريح بما لو لم يبادر إلى التلميح أو التصريح به لكان خطراً على الإسلام وعلى قواعده ومبانيه من الأساس ؛ ولكنها تكون حالات استثنائية ـ يعقبها الاستدلال والتفهيم مباشرة ـ ولا يمكن أن تتخذ الصفة الطبيعية التي يفترض جعلها أساساً للتحرّك في المجال العام للدعوة الإسلامية .

هذه كلها لو لم نقل إنّ المنطلق الإسلامي لكل حوار منصف وهادف وبنّاء هو قوله تعالى : ( وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَى‏ هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ … )(1) ؛ حيث يريد سبحانه أن يهيّئ الطرف الآخر للبحث العلمي القائم على أساس الدليل الساطع والبرهان القاطع ، بعيداً عن أجواء التشنّج والانفعال والشكّ والريب . ولعلّ هذا بالذات هو المقصود من المجادلة بالتي هي أحسنحسبما نصّت عليه الآية آنفة الذكر .

 عليٌّ (عليه السّلام) وأهل الشام

ونجد إلى جانب ذلك أنّ طريقة أئمتنا عليهم الصلاة والسّلام وخطّتهم لم تتعدَ هذا النهج ؛ وذلك تأسّياً منهم بالنبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، والتزاماً منهم بالهداية القرآنية وعلى هذا الأساس ، فإننا نجد أنّ دعوة علي (عليه السّلام) أصحابه إلى عدم سبّ أهل الشام ، ولكن بإمكانهم أن يصفوا أعمالهم ، معلّلاً ذلك بأنه أصوب في القول ، وأبلغ في العذر(2) .

إنّ هذه الدعوة قد جاءت منسجمة كلّ الانسجام مع تعاليم القرآن الكريم ، وتوجيهاته السامية في مجال الهداية إلى سبيل الله ، والدعوة إلى دينه مع أنّه (عليه السّلام) يستحل دماءهم ، ويباشر قتلهم ، حتّى لقد قيل : إنّه (عليه السّلام) قد قتل منهم بنفسه عدّة مئات في ليلة واحدة ، وهي المسمّاة بـ (ليلة الهرير) .

ولم يكن موقفه هذا , وهو الالتزام بالكلمة المهذّبة ، والعمل بالهدى القرآني الرائد خاصّاً بالذين حاربوه في صفين ، أو في الجمل ، والنهروان ، وإنما هو ينسحب على مجمل مواقفه في حياته( صلوات الله وسلامه عليه) وعلى أبنائه الأئمة الميامين الطيبين الطاهرين .

ـــــــــــــ

(1) سورة سبأ / 24 .
(2) راجع : نهج البلاغة بشرح محمّد عبده 2 / 221 ، وتذكرة الخواصّ / 154 ، وصفّين لنصر بن مزاحم / 103 ، والأخبار الطوال / 165 .

الصفحة (3)

 مواقف الحسين (عليه السّلام) في نفس الاتّجاه

كما أنّ من الواضح أنّ أعظم مواجهة حادّة تعرّض لها الأئمة (عليهم السّلام) وأشدّها إثارة ، هي تلك التي تعرّض لها سيّد شباب أهل الجنة السّبط الشهيد الحسين بن علي (صلوات الله وسلامه عليه) ، حينما قرّر أن يواجه الطاغوت ، وأن يقدّم نفسه وأبناءه ، وأهل بيته وأصحابه ، في سبيل الله والمستضعفين

فنجده (عليه السّلام) حينما يريد أن يستدلّ لموقفه من يزيد الطاغية ، ومن نظام حكمه ، ذلك الموقف الذي يعرف بدقّة نتائجه وآثاره ، نجده لا يذكر يزيد بن معاوية إلاّ بما عُرف وشاع عنه ، فيقول : (( إنّا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا يختم ، ويزيد رجل شارب الخمور ، وقاتل النفس المحترمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله )) .

فهو (عليه السّلام) قد أعطى الميزان والضابطة ، والتعليل الواضح ، لكونه (عليه السّلام) لا يحقّ له أن يبايع يزيد   . ولكنه يجعل ذلك ضمن قانون عام تكون نتيجته : إنّ هذا الصنف من الناس وهذه النوعية ، لا يحقّ لها أن تبايع تلك النوعية ، وذلك الصنف ، ملخّصاً ذلك بقوله : (( ومثلي لا يبايع مثله ))(1) .

ثمّ … وبما أنّ ذكر تلك الضابطة قد استلزم التصريح ببعض ما ربما يتوهّم منافاة التصريح به للهداية القرآنية … نجده (عليه السّلام) يشير إلى أنّ ذلك التوهّم مسوّغ له ما دام أنّ يزيد بن معاوية (( معلن بالفسق )) , ولا يتستر بذلك . فكما لا مجال لأيّ ترديد أو خيار في اتخاذ ذلك القرار ، كذلك لا مجال للتواني ، ولا للترداد في الجهر به والإعلان عن مبرّراته ودوافعه

الإمام الحسين (عليه السّلام) في كربلاء

وبعد ، فبالرغم من أنّ واقعة الطفِّ كانت من أبشع ما عرفه التاريخ البشريفإننا لا نجد الإمام الحسين (عليه الصلاة والسّلام) فيها إلاّ ذلك الصابر المحتسب ، الذي لا تندّ منه حتّى ولو كلمة واحدة في غير المسار الطبيعي للهداية القرآنية التي تقدّمت الإشارة إليها .

بل إنّ كلماته في ذلك الموقف المصيري كانت تطفح بالحبّ والحنان ، وتفيض بالأدب والطهر والنبل ، والنزاهة عن كلّ سباب قبيح ، أو استرسال مشين ، رغم هول المصائب التي يواجهها ، وفداحة الكوارث التي يعاني منها … بل نجده (عليه السّلام) ـ كما كان ـ حتّى لأعدائه ، والذين يقتلون صحبه وولده ، ويريدون إزهاق نفسه ثمّ سبي نسائه ـ نجده ـ يبقى كالوالد الرحيم ، الذي تذهب نفسه عليهم حسرات ، والذي لا همّ له إلاّ هدايتهم ، وحملهم على المحجّة البيضاء ، وإرشادهم إلى سبيل الخير والفلاح والرشاد .

ــــــــــــ

(1) مقتل الحسين (عليه السّلام) للمقرم / 139 ، عن مثير الأحزان لابن نما الحلي , والفتوح لابن أعثم 5 / 18 .

الصفحة (4)

 الأئمة (عليهم السّلام) والمواقف الحادّة

وإذا ما رأينا أحياناً بعض المواقف الحادّة والفاصلة للأئمة (عليهم السّلام) ، فإنما هو في مقابل اُولئك الذين حاولوا ضرب أساس الإسلام ، وتقويض دعائمه ، من أمثال أبي الخطاب ، والمغيرة بن سعيد ، وأضرابهما من الغلاة والنواصب . ولسنا في مجال استقصاء ذلك هنا .

 الإسلام وظاهرة الجحود

وبعد أن تحقّق لدينا أنّ طريقة القرآن ، ونهج الإسلام إنّما هو الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالتي هي أحسن … وأنّ الأساس والمنطلق هو الحوار الموضوعي المنصف ، القائم على قاعدة : ( وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَى‏ هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ … ) . و ( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ ) . و ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) . وذلك في ظل العقل ، وحرية التعبير وحرية الموقف .

وعرفنا كذلك أنّ الرفق والرضا والتفاهم وروح التعاون في البحث الموضوعي النزيه والهادف … هو الجوّ الطبيعي الذي يريده الإسلام ، ويرى أنّه يتهيّأ له في ظلّه تكريس وجوده ، وتأكيد واقعيّته وأصالته . إذا عرفنا ذلك كلّه فإننا ندرك أنّ ما يدينه الإسلام ويرفضه ويسعى إلى إزالته ، هو حالة تكبيل العقل في الهوى والعواطف والشهوات ، والمصالح الشخصية والقبلية ، والأهواء والعصبيّات

فهو يرفض ويحارب ظاهرة : ( وَجَحَدُوا بِهَا ) من أجل الحفاظ على بعض الامتيازات الظالمة التي جعلوها لأنفسهم ، أو استجابة لدواعٍ غير واقعية ولا أصلية ، أو من أجل الحصول على بعض الملذّات الزائلة والتمتّع بها ، أو من أجل الحفاظ على مركز اجتماعي ، أو على وضع اقتصادي ، أو سياسي معيّن ، وإن كان ذلك على حساب ( إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ) ، أو حتّى على حساب كلّ المثل والقِيَم الإنسانيّة ، وكل الضوابط والمعايير والأحكام الإلهية

هذا ، بالإضافة إلى أنّ اُولئك الجاحدين بموقفهم الجحودي ذلك ، إنما يعاندون قناعاتهم ، ويضطهدون عقولهم ( وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) . فيجعلون عقولهم ووجدانهم وفطرتهم ، وكل النبضات الإنسانيّة الحيّة في وجودهم ، في سجن تلك الأهواء والمصالح ، ويثقلونها بالقيود ، ولتكون نتيجة ذلك هي إلقاءها في سلّة المهملات مع نفايات التاريخ .

فيأتي الإسلام … ويقف في وجه هذا البغي ، ويعمل على تحطيم هذا الطغيان ، فيحرر العقل والفطرة من قيد الجمود هذا ، لينطلق إلى الحياة باحث ومنقّب ، وبعد ذلك مستنتج وصاحب قرار وتصميم ، حينما يستكشف كلّ معاني السموّ والخير والسعادة ، بعيداً عن النزوات البهيمية وصراع الشهوات ، ومزالق العواطف غير المتّزنة ولا المسؤولة   .

وهذا ما يفسّر لنا ما نجده في القرآن من كونه يؤنّب أشدّ التأنيب هذا النوع من الناس ، وينعى عليهم ارتكابهم تلك الجريمة النكراء في حق فطرتهم وإنسانيّتهم ، والأهمّ من ذلك في حقّ عقلهم ووجدانهم


الصفحة (5)

 الإسلام والدعوة إلى التعقّل ، والبصيرة في الدين

ولقد كان الإسلام ولا يزال يؤكّد ويردّد بأساليبه المتنوّعة ، وفي مختلف المناسبات على دور العقل والفطرة ، وعلى أهمية الضمير والوجدان ، والفكر والعلم .

ففيما يرتبط بأهمّية الفكر والعلم والعقل نجد العشرات ، بل المئات من الآيات القرآنية التي تشير إلى ذلك … وكمثال على ذلك نشير إلى الآيات التالية :

( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )(1) .

( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاّ الْعَالِمُونَ )(2) .

( أَفَلاَ تَتَفَكّرُونَ )(3) .

( أَوَلَمْ يَتَفَكّرُوا )(4) .

( وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّماوَاتِ وَالأرْضِ )(5) .

( إِنّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ )(6) .

( أَفَلاَ تَعْقِلُونَ )(7) .

(لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ) (8) .

( لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )(9) .

( وَاتّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ )(10) .

( وَمَا يَذّكّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ )(11) .

وبالنسبة لعلاقة الدين بالفطرة ، فالله سبحانه يقول : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )(12) .

ــــــــــــ 

(1) سورة الزمر / 9 .
(2) سورة العنكبوت / 43 .
(3) سورة الأنعام / 50 .
(4) سورة الأعراف / 184 ، سورة الروم / 8 .
(5) سورة آل عمران / 191 .
(6) سورة الرعد / 3 ، سورة الروم / 21 , سورة الجاثية / 13 .
(7) سورة البقرة / 44 و 76   ، سورة آل عمران / 85 ، سورة الأنعام / 32 ، سورة الأعراف / 169 ، سورة يونس / 16 ، سورة هود / 51 ، سورة يوسف / 109 ، سورة الأنبياء / 10 و67 ، سورة المؤمنون / 80 ، سورة القصص / 60 ، سورة الصافات / 138 .
(8) سورة البقرة / 73 و 242 , سورة الأنعام / 151 ، سورة يوسف / 2 ، سورة النور / 61 ، سورة غافر / 67 ، سورة الزخرف / 3 ، سورة الحديد / 17 .
(9) سورة البقرة / 164 ، سورة الرعد / 4 ، سورة النحل / 12 ، سورة الروم / 24 .
(10) سورة البقرة / 197 .
(11) سورة البقرة / 269 ، سورة آل عمران / 7 .
(12) سورة الروم / 30 و 31 .

الصفحة (6)

 التجنّي والافتراء

وبعد … فإنّ كل ما تقدّم يعطينا أنّ ما ينتجه بعض الناس في دعوتهم إلى مذهبهم ، من أساليب فظّة وجافّة وقاسية ، من قبيل التفسيق تارة والتكفير اُخرى ، والرمي بالشرك أو الزندقة ثالثة ، وما إلى ذلك من افتراءات وتهجّمات ناشئة عن عدم فهمهم ـ هم ـ لمعنى الشرك والتوحيد ، وخلطهم بين المفاهيم التي هي من أوضح الواضحات ، وأنّ كل ذلك لا ينسجم مع الإسلام ، ولا يلائم تشريعاته ومناهجه ، بل الإسلام من ذلك كلّه بريء .

ويتّضح بعد هذا النهج عن الإسلام وعن تعاليمه ، حينما نعلم أنّ المسائل التي يطرحونها ما هي إلاّ مسائل اجتهادية ، يخالفهم فيها كثير إن لم يكن أكثر علماء الإسلام … بل إنّ الحقيقة هي أنّ ما يدعون إليه ويعملون على نشره لا يعدو عن أن يكون مجرد شعارات فارغة ، أو تحكّمات باطلة لا تستند إلى دليل ولا تعتمد على برهان . بل إنّ بعضها يخالف صريح القرآن ، وما هو المقطوع به من سنّة النبي (صلّى الله عليه وآله) وسيرته ، والصحيح الثابت عن الصحابة والتابعين ، فضلاً عن مخالفته لصريح حكم العقل ، ومقتضيات الفطرة والجبلة الإنسانية.

 لفت نظر ضروري

إنّ الموضوع الذي هو محل البحث هو مشروعية الأعياد ، والمواسم والمراسم ، والمآتم ، وجميع الاحتفالات التي تقام للذكرى في المناسبات المختلفة ، كعيد المولد النبوي الشريف ، وعيد الغدير ، وعاشوراء ، والاحتفال بعيد الاستقلال ، وبيوم العمال ، وغير ذلكحتّى عيد الجيش ، ويوم الشجرة ، وحتى زيارة الأماكن المقدسة في مواسم معيّنة .

ولكن لربما نضطرّ في بحثنا هذا إلى تخصيص المولد النبوي الشريف بالذكر ، وذلك تبعاً لِما ورد في أدلّتهم ؛ ذلك لأنه هو المحور الذي تدور كلماتهم حوله عادة ، وإن كانوا يهدفون ـ ونقصد المانعين منهم ـ إلى ما هو أعمّ من ذلك ، كما صرّحوا به في مطاوي كلماتهم واستدلالاتهم ، وكما يظهر من عموم أدلّتهم ، التي رأوا أنّها كافية للدلالة على المنع من كل تجمّع في مكان معيّن ، في زمان معيّن ، فليلاحظ ذلك … والله هو الموفق وهو الهادي .


الصفحة (7)

 الفصل الأوّل

 المواسمُ والمراسمُ . . . في سطور

أوّل مَن احتفل بالمولد النبوي

يقولون : إنّ أوّل مَن احتفل بمولد النبي (عليه الصلاة والسلام) ، هو ـ كما يقال ـ الأمير أبو سعيد مظفر الدين الأربلي المتوفّى عام 630 هـ . ق(1) . وكان يفد إلى العيد طوائف من الناس من بغداد ، والموصل ، والجزيرة ، وسنجار ، ونصيبين ، بل ومن فارس منهم العلماء والمتصوّفون ، والوعّاظ ، والقرّاء ، والشعراء ، وهناك يقضون في أربلاً من المحرم إلى أوائل ربيع الأوّل .

وكان الأمير يقيم في الشارع الأعظم مناضد عظيمة من الخشب ، ذات طبقات كثيرة بعضها فوق بعض ، تبلغ الأربع والخمس ، ويزيّنه ويجلس عليها المغنّون والموسيقيّون ولاعبو الخيال حتّى أعلاها ... إلخ(2) .

وقد صنّف له ابن دحية كتاب : ( التنوير في مولد السراج المنير) لِما رأى من اهتمام مظفر الدين به ، فأعطاه الأمير ألف دينار غير ما غرم عليه مدّة إقامته(3) .

وقد أطنبوا في وصف حاكم أربل بالصلاح والخير ، والبر والتقوى كما يعلم من مراجعة ترجمته عندهم(4) .

ولكن السّيد رشيد رضا لا يوافق على ذلك ، ويقول : أوّل مَن أبدع الاجتماع لقراءة قصة المولد النبوي ، أحد ملوك الشراكسة في مصر(5) .

وقال غيره عن الموالد : أوّل مَن أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميّون ، أوّلهم المعز لدين الله ، توجّه من المغرب إلى مصر في شوال سنة 361 هـ … إلى أن قال : إلى أن أبطلها الأفضل ابن أمير الجيوش(6) .

وهذا … وقد قتل الأفضل في سنة 515.

ــــــــــــــ

(1) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 2 / 299 عن الزرقاوي 1 / 164 ، وراجع التوسل بالنبي وجهلة الوهابيين / 115 ، ورسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / 75 و77 و80 ، والبداية والنهاية 13 / 137 و136 ، ولم يصرّح بالأوّلية ، وكذا في تاريخ ابن الوردي 2 / 228 ، وجواهر البحار 3 / 337 ، والسيرة الحلبيّة 1 / 83 و84 ، والسيرة النبويّة لدحلان 1 / 24 ، ومنهاج الفرقة الناجية / 110 ، والإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / 45 ، لأبي بكر جابر الجزائري ، و46 و50 و75 .
(2) وفيات الأعيان / طبعة سنة 1310 هـ.ق 1 / 436و437 ، وشذرات الذهب 5 / 139 و140 عنه ابن شبهة . وراجع السيرة النبويّة لدحلان 1 / 24و25 ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين / 116 عن سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان ، وراجع رسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوع مع النعمة الكبرى على العالم / 76 ، والبداية والنهاية 23 / 137 ، وجواهر البحار 3 / 337و338 ، والإنصاف فيما قيل في المولد من الغلوّ والإجحاف / 50 و51 عن الحادي للسيوطي .
(3) وفيات الأعيان 1 / 437و381 ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيين / 115و116 ، ورسالة حسن المقصد للسيوطي / 75و77و80 ، والبداية والنهاية 13 / 137 ، وجواهر البحار 3 / 338 ، عن روح السير لإبراهيم الحلبي ، والسيرة النبويّة لدحلان 1 / 24 ، والإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / 50 ، والقول الفصل / 69 عن أحسن الكلام فيما يتعلّق بالسنّة والبدعة من الأحكام / 52 ، والسيرة الحلبيّة 1 / 83 و84 .
(4) وفيات الأعيان 1 / 435ـ 438 ، والسيرة النبويّة لدحلان 1 / 24 ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيّين / 115 ، وحسن المقصد / 75و76و80 والبداية والنهاية 3 / 137 ، وشذرات الذهب 5 / 138ـ140.
(5) راجع القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / 205 عن الفتاوي ج4.
(6) القول الفصل / 18و68 عن كتاب أحسن الكلام فيما يتعلّق بالسنّة والبدعة من الأحكام / 44و45 للشيخ بخيت المطيعي ، وعن المحاضرات الفكرية ، المحاضرة العاشرة / 84 ، وعن الإبداع في مضار الابتداع / 126 ، وعن كتاب المعز لدين الله / 284 ، وراجع الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 2 / 299.

الصفحة (8)

ويؤيّد هذا القول الأخير أيضاً ما ذكره المقريزي عن أعياد الخلفاء الفاطميين ، فليراجعه مَن أراد(1) .

والظاهر هو أنّه لا منافاة بين الأقوال السالفة ، لإمكان أن يكون مرادهم أنّ صاحب أربل أوّل مَن أحدثه في أربل ، واُولئك أوّل مَن أحدثه في القاهرة وفي مصر , نعم تبقى المنافاة بين ما تقدّم نقله عن السّيد رشيد رضا ، وما نقل عن غيره حول أوّل مَن أحدثه في مصر .

كما أنّ من الممكن أن يقصد البعض أنّ حاكم أربل أوّل مَن احتفل بالمولد احتفالاً عظيم ، وبهذه الصورة الخاصة التي كانت تكلّفه عشرات بل مئات الألوف من الدنانير ، حسبما صرّحوا به .

ومهما يكن من أمر فإنّ الاهتمام بالمولد كان أسبق من التواريخ المتقدّمة ، حيث نجدهم يقولون : كان ازدياد التعظيم للنبي (عليه السّلام) بين أهل الصلاح والورع سبباً في أن صار يحتفل بمولده عام 300 هـ . وكان ذلك بدعة في نظر المتمسّكين بالعادات الإسلامية الأولى .

ويحكى عن الكرجي (المتوفّى عام 343 ـ 954م) وكان من الزهّاد المتعبّدين : أنه كان لا يفطر إلاّ في العيدين ، وفي يوم مولد النبي (عليه السّلام)(2) . وقال السخاوي : لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة وإنما حدث بعد(3) .

أمّا نحن فنقول : إنّ الاهتمام بالمناسبات والمواسم قد بدأ من عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ، ومن شخص رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، حسبما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى

المولد عيد عند البعض ، وما يفعل فيه

قال القسطلاني : … ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده (عليه السّلام) ، ويعملون الولائم ، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات ، ويظهرون السرور ويزيدون في المبرّات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم … إلى أن قال : فرحم الله امرأً اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياد ، ليكون أشدّ علة على مَن في قلبه مرض ، وأعياه داء .

ولقد أطنب ابن الحاج في المدخل في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء ، والغناء بالآلات المحرمة عند عمل المولد الشريف ، فالله تعالى يثيبه على قصده الجميل(4) . وقال ابن عباد في رسائله الكبرى : … وأما المولد فالذي يظهر لي أنه عيد من أعياد المسلمين ، وموسم من مواسمهم ، وكل ما يفعل فيه.

ـــــــــــــــــــ

(1) الخطط للمقريزي 1 / 490 ، ومنهاج الفرقة الناجية / 110.
(2) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 2 / 298.
(3) السيرة الحلبيّة 1 / 83 و84   ، وراجع السيرة النبويّة لدحلان 1 / 24.
(4) المواهب اللدنّية 1 / 27 ، وراجع أيضاً السيرة النبويّة لدحلان 1 / 24 ، والسيرة الحلبيّة 1 / 83و84.

الصفحة (9)

مما يقتضيه وجود الفرح والسرور بذلك المولد المبارك ، من إيقاد الشمع ، وإمتاع البصر والسمع ، والتزيّن بلباس فاخر الثياب ، وركوب فاره الدواب أمر مباح لا ينكر على أحد(1) .

وعن ابن حجر أنّه قال : وأمّا ما يعمل فيه فينبغي الاقتصار على ما يفهم منه الشكر لله تعالى من التلاوة ، والإطعام ، والصدقة ، وإنشاد شيء من المدائح النبويّة والزهدية … وأمّا ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك ، فما كان من ذلك مباح ، بحيث لا ينقص السرور بذلك اليوم ، لا بأس بإلحاقه به ؛ وأمّا ما كان حرام ، أو مكروه ، فيمنع. وكذا ما كان خلاف الأولى(2) .

 ابن تيميّة والغناء في العيد

وقد أوضح ابن تيمية أنّ العيد لا يختص بالعبادة ، والصدقات ونحوه ، بل يتعدّى ذلك إلى اللعب ، وإظهار الفرح أيضاً .

وقد رأى ابن تيميّة أنّ لذلك أصلاً في السنّة ، أي في الرواية التي تذكر أنه قد كان عند النبي (صلى الله عليه وآله) جوار يغنين ، فدخل أبو بكر فأنكر ذلك ، وقال : أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ؟ فقال له النبي(صلّى الله عليه وآله) : إنّ لكل قوم عيد ، وإنّ عيدنا هذا اليوم(3) .

وأضاف : إنّ المقتضي لما يفعل في العيد من الأكل والشرب ، واللباس والزينة ، واللعب والراحة ونحو ذلك ، قائم في النفوس كله ، إذا لم يوجد مانع ، خصوصاً نفوس الصبيان والنساء ، وأكثر الفارغين(4) .

ولكننا نعتقد أنّ الرواية المتقدّمة لا أساس لها من الصحة ؛ لأن الروايات في ذلك متضاربة ومتناقضة ، ولأن أكثرها يدلّ على حرمة الغناء ، حيث لا يعقل أن يحلل الشارع ما يعتبره العقلاء من مزامير الشيطانإلى آخر ما ذكرناه في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) 2 / 314 ـ 329 ، فليراجع

 الغناء في العيد عند أهل الكتاب

والغريب في الأمر أننا نجد ابن كثير الحنبلي حينما وصل به الكلام إلى الحديث عن مريم أخت عمران ، التي كانت في زمان موسى ، يقول :

ـــــــــــــــــــ

(1) راجع : القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / 175.
(2) تلخيص من رسالة حسن المقصد للسيوطي ، والمطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / 90.
(3) اقتضاء الصراط المستقيم / 194 ـ 195 , والرواية في / 193 عن الصحيحين . وراجع : صحيح البخاري 1 / 111 طبعة الميمنية ، وصحيح مسلم 3 / 22 ، والسيرة الحلبيّة 2 / 61 ـ 62 ، وشرح مسلم للنووي بهامش إرشاد الساري 4 / 195 ـ 197 ، ودلائل الصدق 1 / 389 ، وسنن البيهقي 10 / 224 ، واللمع لأبي نصر / 274 ، والبداية والنهاية 1 / 276 ، والمدخل لابن الحاج 3 / 109 ، والمصنّف 11 / 104 ، ومجمع الزوائد 2 / 206 عن الطبراني في الكبير.
(4) اقتضاء الصراط المستقيم / 195.

الصفحة (10)

وضربها بالدف في مثل هذا اليوم الذي هو أعظم الأعياد عندهم ، دليل على أنه قد كان شرع مَن قَبلنا ضرب الدف في العيد(1) .

ثمّ نراه يحكم بجواز ذلك في الأعياد ، وعند قدوم الغياب ، تماماً على وفق ما استنبطه من رواية مريم ، وذلك استناداً للرواية المتقدمة التي استند إليها سلفه ابن تيميّة.

 التهنئة في العيد

قال ابن حجر الهيثمي : وأخرج ابن عساكر ، عن إبراهيم بن أبي عيلة ، قال : دخلنا على عمر بن عبد العزيز يوم العيد ، والناس يسلّمون عليه ويقولون : تقبّل الله منّا ومنك يا أمير المؤمنين . فيردّ عليهم ولا ينكر عليهم .

قال بعض الحفّاظ الفقهاء من المتأخّرين : وهذا أصل حسن للتهنئة بالعيد والعام والشهر ، انتهى. وهو كما قال : فإنّ عمر بن عبد العزيز كان من أوعية العلم والدين ، وأئمة الحقّ والهدى ... إلخ(2) .

وقبل ذلك نجد أنّ هذا النص قد قاله عمرو الأنصاري لأبي وائلة فيردّ عليه بنفس العبارة(3) . وليت شعري لماذا لا تكون تهنئة الشيخين لعلي يوم الغدير أساساً للتهنئة في العيد ؟!(4) .

 المولد في جميع الأقطار الإسلامية

وقال السخاوي : لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة ، وإنّما حدث بعد ، ثمّ لازال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد ، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات ، ويعتنون بقراءة مولده الكريم ، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم(5) .

 من خواصِّ المولد

قال ابن الجوزي : ومن خواصّه أنّه أمان في ذلك العام ، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام(6) .

وحكى بعضهم : أنه وقع في خطب عظيم ، فرزقه الله النجاة من أهواله بمجرد أن خطر عمل المولد النبوي بباله(7) .

ـــــــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية 1 / 276.
(2) الصواعق المحرقة / 223.
(3) مجمع الزوائد 2 / 206 عن الطبراني في الكبير.
(4) راجع كتاب الغدير للعلاّمة الأميني ، الجزء الأوّل.
(5) السيرة الحلبيّة 1 / 83 ـ 84 ، والسيرة النبويّة لدحلان 1 / 24 ، وراجع تاريخ الخميس 1 / 223.
(6) المواهب اللدنّية 1 / 27 ، وتاريخ الخميس 1 / 223 ، وجواهر البحار 3 / 340 عن أحمد العابدين ، والهيثمي والقسطلاني ، والسيرة النبويّة لدحلان 1 / 24 .
(7) جواهر العلم 3 / 340 .

الصفحة (11)

 استحباب القيام

وقد ذكروا : أنهم كانوا حينما يقرؤون المولد ، فإذا وصلوا إلى ذكر ولادته (صلّى الله عليه وآله) يقومون وقوفاً ، احتراماً وإجلالاً . وقد تكلّموا في حكم هذا القيام , فقال الصفوري الشافعي : مسألة القيام عند ولادته لا إنكار فيها ؛ فإنه من البدع المستحسنة .

وقد أفتى جماعة باستحبابه عند ذكر ولادته , وقال جماعة بوجوب الصلاة عند ذكره ؛ وذلك من الإكرام والتعظيم له (صلّى الله عليه وآله) ، وإكرامه وتعظيمه واجب على كل مؤمن . ولاشكّ أنّ القيام له عند الولادة من باب التعظيم والإكرام(1) .

وسيأتي من الحلبي الشافعي وغيره التأكيد على مشروعية القيام عند ولادته (صلّى الله عليه وآله) .

النعمة الكبرى على العالم

هذا … وقد ألّف العديد من الكتب والرسائل ، ونشرت بحوث كثيرة تتحدّث عن مشروعية المولد النبوي ، وسائر المواسم والمراسم ، هذا عدا عن البحوث المبثوثة في الكتب المختلفة والمؤلّفة لأغراض اُخرى … وعلى هذا ، فليس كتاب التنوير لابن دحية ، ثمّ رسالة السيوطي المسمّاة بـ (حسن المقصد) ، ولا المولد الذي ألّفه ابن الدبيع هي البداية ولا النهاية في هذا المجال .

ولكن ما لفت نظرنا هنا هو ذلك الكتاب المطبوع باسم (النعمة الكبرى على العالم في مولد سيّد ولد آدم) ، والمنسوب إلى شهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي الشافعي ، وهو اسم صاحب الكتاب المعروف المسمّى بـ (الصواعق المحرقة) ، حيث قد تضمّن هذا الكتاب كلمات منسوبة إلى أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي (عليه السّلام) ، والحسن البصري ، وابن الجنيد البغدادي ، ومعروف الكرخي ، وفخر الدين الرازي ، والإمام الشافعي ، والسري السقطي .

ونحن نشكّ في نسبة تلك الكلمات إلى هؤلاء ؛ وذلك لأننا لم نعثر على شيء منها في المصادر الاُخرى التي في حوزتنا ، وإن كنّا لا ندّعي أننا بلغنا الغاية في الاستقصاء .

وعلى كل حال فإننا نكل أمر هذه المنسوبات وأمر الكتاب ومؤلّفه الحقيقي إلى الله ، فهو المطّلع على السرائر ، والمحيط بما في الخواطر

ـــــــــ

(1) نزهة المجالس 2 / 80 .

الصفحة (12)

 الفصل الثاني

استدلالات لا تصح

بداية

نجد للمجوّزين لإقامة المواسم والمراسم استدلالات عديدة ، ولكننا لا نجد من بينها ما يجدي في إثبات ما يريدون إثباته ، ولا يصلح للاستدلال به ، ونحن نشير إلى طائفة من أدلّتهم تلك ، مع التذكير ببعض ما يرد عليها ، فنقول :

أبو لهب … وعتق ثويبة

إنّهم يذكرون أنّ أبا لهب حينما بُشّر بولادته (صلّى الله عليه وآله) أعتق مولاته ثويبة ، فرأه العباس ـ وفي رواية اليعقوبي : رآه النبي (صلّى الله عليه وآله) ـ بعد موته في المنام فأخبره أنّه يخفّف عنه العذاب كل يوم اثنين ؛ لعتقه ثويبة حينما بُشّر بذلك(1) .

قال القسطلاني : قال ابن الجزري : فإذا كان هذا أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمّه جوزي في هذا بفرحه ليلة مولد النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فما حال المسلم الموحّد من اُمّته (عليه السّلام) الذي يُسرّ بمولده ، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبّته ؟ لعمري ، إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم جنّاتِ النعيم(2) .

ورحم الله حافظ الشام شمس الدين محمد بن ناصر ، حيث قال :

إذا كان هذا كافرٌ جاء ذمّــهُ=وتبّتْ يداه في الجحيمِ مخلّــدا

أتى أنّه في يوم الاثـنينِ دائمـاً = يُخفّف عنه لـلسرورِ بأحمــدا

    فما الظنُّ بالعبدِ الذي كان عمرهُ = بأحمدَ مسروراً ومات موحّــدا(3)

ولكن هذا الاستدلال لا يصحّ ؛ وذلك لأنّ إعتاق ثويبة قد كان بعد مولده (صلّى الله عليه وآله) بزمن طويل ، أي بعد ما هاجر النبي(صلّى الله عليه وآله) إلى المدينة ، بعد أن حاولت خديجة شراءها من أبي لهب لتعتقها ؛ بسبب ما يزعم من إرضاعها للنبي (صلّى الله عليه وآله) ، فرفض أبو لهب بيعها(4) .

ـــــــــــــــــــ

(1) راجع : السيرة النبويّة لابن كثير 1 / 224 ، البداية والنهاية 1 / 273 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 9 ، وفتح الباري 9 / 124 ، وعمدة القاري 2 / 95 ، والسيرة الحلبيّة 1 / 84و85 ، والسيرة النبويّة لدحلان 1 / 25 ، ورسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / 90 ، وإرشاد الساري 8 / 31 ، وهو ظاهر صحيح البخاري 3 / 157 طبعة سنة 1309هـ ، وجواهر البحار 3 / 338و339 ، وتاريخ الاسلام للذهبي 2 / 19 ، والوفاء / 107 ، ودلائل النبوة للبيهقي 1 / 120 ، وبهجة المحافل 1 / 41 ، وطبقات ابن سعد قسم 1 / 67 ـ 68 ، والمواهب اللدنّية 1 / 27 ، وتاريخ الخميس 1 / 222 ، وسيرة مغلطاي / 8 ، وصفة الصفوة 1 / 62 ، ونور الأبصار / 10 ، وإسعاف الراغبين بهامشه / 8 .
(2) المواهب اللدنّية 1 / 27 ، ورسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / 90ـ91 ، وتاريخ الخميس 1 / 222.
(3) السيرة النبويّة لزيني دحلان 1 / 25 ، ورسالة السيوطي المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / 91 .
(4) أنساب الأشراف (سيرة النبي ص) / 95ـ96 ، والكامل لابن الأثير 1 / 459 ، وطبقات ابن سعد 1 قسم 1 / 67 ، والإصابة 4 / 258 ، وإرشاد الساري 8 / 31 ، والسيرة الحلبيّة 1 / 85 ، وراجع الوفاء / 107 ، وفتح الباري 9 / 124 ، والاستيعاب بهامش الإصابة 1 / 16 ، وذخائر العقبى / 259 ، وقاموس الرجال 10 / 417 .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث