الصفحة (13)
وتوجيه
الحلبي لذلك : بأنّ من الممكن أن يكون أبو لهب قد أعتقها أوّلاً لكنه
لم يذكر
ذلك ولم يظهره ، ورفض بيعها لخديجة ؛ لكونها كانت
معتوقة ، ثمّ عاد فأظهر ذلك
…(1) .
هذا التوجيه
غير وجيه ؛ لأنّ من غير المعقول أن لا يظهر الناس ولا
يطّلعوا على عتقه لجاريته طيلة حوالي خمسين سنة ، كما
أنّ هذه الجارية التي اعتقها لماذا بقيت عنده
طيلة هذه المدّة المتمادية وهي خارجة عن ملكه ؟ ولماذا لم يظهر ذلك
إلاّ بعد هجرته (صلّى الله عليه وآله) ؟ فما هو
الداعي له للكتمان , ولا سيّما قبل النبوة ؟
وما الداعي للإظهار , ولا سيّما بعد الهجرة ؟
وأوردوا
أيضاً على الرواية بأنها مرسلة ، وبأنه لا حجيّة في المنامات ، وبأنها
مخالفة لظاهر القرآن الذي يقول عن الكفار
:
( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ
عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً )(2)
. ولكن إذا ثبت أنّ الرائي هو النبي (صلى
الله عليه وآله) ، كما هو مقتضى
رواية اليعقوبي ، كان المنام حجّة .
كما أنّهم
قد ناقشوا في هذا الاعتراض الأخير بما لا
مجال لذكره ، فلتراجع المصادر المتقدّمة ، فالعمدة هو
ما ذكرناه نحن آنفاً , ونذكر أخيراً أنّ فرحه
لو كان استجابة لحاجة نفسية طبيعية ، ولم يكن لله ، فلماذا يثاب
عليه ؟!
الاستدلال
بفعل حاكم إربل
ونجد في
كلماتهم أيضاً الاستدلال بفعل حاكم أربل ، الذي ابتكر عمل المولد على
ذلك النحو المخصوص حسبما ذكروه ، وقد كان فاضلاً ورعاً
ديّناً إلى آخر ما وصفوه به(3)
.
ولكنه
استدلال لا يصحّ أيضاً ؛ لأن التشريع لا يصحّ من أحد إلاّ من صاحب
الشريعة
، ولم يكن هذا الرجل من العلماء ، حتّى يحمل عمله على
أنه قد استند فيه إلى دليل شرعي ، فلعلّه
كان غافلاً عن اللوازم الفاسدة لمثل هذا العمل ، أو
حتّى متعمّداً لها .
إلاّ إذا كان المقصود والاستدلال على هذا
الأمر بالإجماع المتحقّق في زمانه
، وحضور العلماء وغيرهم لتلك
المناسبات كما يظهر من سياق كلامه … ولسوف نشير إليه فيما يأتي
إن شاء الله تعالى .
ولكنه أيضاً
استدلال باطل عندنا ؛ لأننا نعتقد أنّ الإجماع بما هو هو لا حجيّة
فيه ، إلاّ بسبب اشتماله على قول المعصوم (عليهم
السّلام) ، أو قول أحد الأئمة المعصومين ؛ أمّا
دون ذلك فلا اعتبار به ، ولكن المشهور عند أولئك
المستدلّين بهذه الأدلّة هو حجيّته متى تحقّق ،
حتّى ولو بعد عصر النبي (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ ما تلاه من أعصار
فيكون حجّة عليهم ، فراجع كتب الاُصول(4)
.
ـــــــــــــــــــ
(1)
السيرة الحلبيّة 1 / 85 .
(2)
راجع : فتح الباري 9 / 124 ـ 125 ، وإرشاد الساري 8 / 31 ، وعمدة
القاري 20 / 95 ،
والقول الفصل / 84 ـ 87 .
(3)
راجع : رسالة حسن المقصد للسيوطي ، والمطبوعة مع كتاب النعمة الكبرى
على العالم / 80 .
(4)
راجع : المستصفى , وفواتح الرحموت ، والأحكام في اُصول الأحكام ،
وإرشاد الفحول
ـ بحث
الإجماع .
الصفحة (14)
العقيقة
… دليل آخر
قال السيوطي
ما حاصله : إنّه ظهر له تخريج عمل المولد على أصل آخر ، وهو أنه
(صلّى الله عليه وآله) قد
عقّ عن نفسه بعد النبوة ، مع أنّه قد ورد أنّ جدّه عبد
المطلب عقّ عنه في سابع ولادته…
فهذا يعني أنه (صلّى الله عليه وآله)
أراد إظهار الشكر على إيجاد الله تعالى إيّاه رحمة للعالمين ،
وتشريفاً لاُمّته ، فيستحب لنا أيضاً ـ إظهاراً للشكر
بمولده ـ بالاجتماع وإطعام الطعام ، ونحو ذلك
من وجوه القربات وإظهار المسرّات(1)
.
ولكن هذا لا
يصلح للاستدلال أيضاً ؛ إذ لم يثبت أنّ ذلك كان منه
(صلّى الله عليه وآله) فرحاً
وابتهاجاً بما ذكر ؛ فإنّ ذلك لا يعدو عن أن يكون
استنباطاً استحسانياً قد يوافق الواقع وقد لا
يوافقه . هذا كلّه بالإضافة إلى عدم ثبوت أنه (صلّى الله عليه وآله) قد
عقّ عن نفسه(2)
، وعدم ثبوت أنّ عبد المطلب كان قد عقّ
عنه (صلّى الله عليه وآله)(3)
… فلا بدّ
من ثبوت ذلك بشكل قطعي ليتكلّم في دلالته على المدعّى
أو عدم دلالته .
مضافاً إلى
أنّ العقيقة بنفسها مستحبة في الشرع ، وقد ثبت ذلك بالدليل القطعي
، ولكن لا يلزم من استحبابه
والعمل بها جواز إقامة المراسم والمواسم في أوقات معيّنة وبكيفية
خاصة… وحتى لو ثبت أنّ ذلك كان فرحاً واستبشاراً
بمولده (صلّى الله عليه وآله) ، وإلاّ لكرّرها بعد ذلك في
كل عام ، كما يراد إثباته. فلعلّ للاستبشار بالعقيقة
مرّة واحدة في العمر خصوصية عند الشارع
.
الاستدلال
بيوم عاشوراء
وقد نقل
السيوطي عن أبي الفضل ابن حجر قوله عن عمل الموالد للنبي
(صلّى الله عليه وآله) :
وقد ظهر لي
تخريجها على أصل ثابت ، وهو ما ثبت في الصحيحين ، من
أنّ النبي(صلّى الله عليه
وآله) قَدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم
عاشوراء ، فسألهم. فقالوا : هذا يوم أغرق الله فيه
فرعون ، ونجّى موسى ، ونحن نصومه شكراً لله تعالى .
فقال (صلّى الله عليه وآله) :
(( فأنا
أحقّ بموسى (عليه السّلام) منكم ))
. فصامه وأمر بصومه .
وفي نصّ آخر :
كان يوم عاشوراء يوماً تصومه اليهود ، تتخذه عيداً ،
فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
: (( صوموه
أنتم ))(4) .
ـــــــــــــــــــ
(1)
راجع : رسالة حسن المقصد للسيوطي
،
المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / 90.
(2)
روى ذلك البيهقي في السنن الكبرى 9 / 300.
(3)
الرواية في تهذيب تاريخ دمشق 1 / 283.
(4)
راجع : القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / 78و79
، وسنن الدارمي 2 / 22 ، وصحيح البخاري 1 / 224 ، وصحيح مسلم 3 /
150و159
، ومسند أحمد 4 / 409 ، وزاد المعاد 1 / 164فما بعدها ، وكشف الأستار 1
/ 490 ، ومجمع الزوائد 3 / 185. وللحديث
طرق متعددة ونصوص مختلفة ، وهو موجود في مختلف المصادر الحديثيّة عند
أهل السنّة ،
ولتراجع رسالة المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم
/ 89
،
والسيرة النبويّة لدحلان 1 / 25 ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيِّين /
114 ، وعجائب
المخلوقات بهامش حياة الحيوان 1 / 114 ، والمنتقى من أخبار المصطفى 2 /
192 ،
ومجمع الزوائد 3 / 184 ـ 188 ، ومنحة المعبود 1 / 193.
الصفحة (15)
قال ابن حجر :
فيستفاد منه فعل الشكر لله تعالى على ما منّ به في يوم معيّن
، من إحداث نعمة أو دفع نقمة.
ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة … وأيّ
نعمة أعظم من نعمة بروز نبي الرحمة في ذلك اليوم(1)
.
وقد ردّ
البعض على هذا الاستدلال : بأنّ السلف الصالح لم يعملوا بهذا النص على
الوجه
الذي يفهمه منه من بعدهم ، وهذا يمنع من اعتبار هذا
النهي صحيح ، فاستنباط ذلك من الحديث مخالف
لِما أجمع عليه السلف من ناحية فهمه ، ومن ناحية العمل به ،
وما خالف إجماعهم فهو خطأ(2)
.
ونقول : إنّ
هذا الرد ليس صحيح ، كما سيتضح في الفصل الذي نردّ فيه على
أدلّة المانعين… ولذا فلا حاجة
إلى تكرار الكلام هنا . ولكننا نودّ أن نشير هنا إلى أمر آخر لم نتعرّض
له هناك ، وخلاصته :
إننا نعتقد
أنّ ما ورد من الأحاديث التي تحثّ على صيام يوم عاشوراء لا يمكن أن تصح
، وقد بحثنا هذا الموضوع
مفصّلاً في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلّى الله
عليه وآله ) 3 / 104ـ110 ؛ وذلك لأنه (صلّى الله عليه
وآله ) كان يكره موافقة أهل الكتاب في كل
أحوالهم ، حتّى قالت اليهود : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً
إلاّ خالفنا فيه(3)
. وفي الحديث :
(( مَن تشبّه
بقوم فهو منهم ))(4)
.
بالإضافة
إلى التناقض الشديد بين الروايات المشار إليها
…(5) .
هذا عدا عن اسم عاشوراء إسلامي لا يعرف
في الجاهلية(6) .
ولسنا هنا
في صدد تقصّي هذا البحث ، فمَن أراد المزيد فليراجع
الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله ) .
وسيأتي المزيد من الكلام حول يوم عاشوراء في
فصل (لن يخدع السراب) .
ـــــــــــــــــــ
(1)
تلخيص من رسالة حسن المقصد
للسيوطي ، المطبوع مع النعمة الكبرى على العالم / 89 ـ90 . وراجع :
التوسل بالنبي وجهلة
الوهابيِّين / 114 ـ 115.
(2)
راجع : القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / 78 و79 .
(3)
راجع : المدخل لابن الحاج 2 / 48 ، والسيرة
الحلبيّة 2 / 115 ، ومفتاح كنوز السنة
عن عدد من المصادر ، ومسند أحمد 3 / 246 ، والجامع الصحيح للترمذي 5 /
214 ـ 215
،
وصحيح مسلم 1 / 169 ، وسنن أبي داود 2 / 250 ، و1 / 67
، وسنن الدارمي 1 / 245 وسنن
النسائي 1 / 187 .
(4)
المدخل لابن الحاج 2 / 48 ، وسنن أبي داود 4 / 44 ، ومسند أحمد 2 / 50
، ومجمع
الزوائد 10 / 271 ، عن الطبراني في الأوسط .
(5)
الصحيح من سيرة النبي 3 / 105 .
(6)
مجمع البحرين 3 / 405 ، والجمهرة في لغة العرب لابن دريد 4 / 212 ،
والنهاية
لابن الأثير 3 / 240.
الصفحة (16)
تعظيم
شعائر الله سبحانه
وقد استدلّ
بعض الأصدقاء(1)
في مقال
له حول نفس هذا الموضوع بقوله تعالى
: (ذلِكَ
وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ *
لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمّ مَحِلّهَا إِلَى
الْبَيْتِ الْعَتِيقِ)(2)
.
على اعتبار
أنّ شعائر الله سبحانه هي أعلام دينه ، خصوصاً ما يرتبط منها بالحج
، كما قال القرطبي ؛ لأن أكثر
أعمال الحج إنما هي تكرار لعمل تاريخي ، وتذكير بحادثة كانت
قد وقعت في عهد إبراهيم (عليه السّلام) ، وشعائر الله
مفهوم عام شامل للنبي (صلّى الله عليه وآله)
ولغيره ، فتعظيمه (صلّى
الله عليه وآله) لازم .
ومن أساليب
تعظيمه إقامة الذكرى في يوم مولده ونحو ذلك ،
فكما أنّ ذكرى ما جرى لإبراهيم (عليه السّلام) من
تعظيم شعائر الله سبحانه ، كذلك تعظيم ما جرى
للنبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) يكون من تعظيم شعائر الله
سبحانه
.
ونقول :
إنّه لا بدّ من إصلاح هذا الاستدلال ، والقول : بأنّه لا يتوقّف على
دعوى أنّ شعائر
الحج ما هي إلاّ تكرار لحوادث تاريخية ، ليمنع ذلك
بعدم ثبوت ذلك أوّل ، وأنه قد كان يمكن التذكير
بحوادث تاريخية مهمة جداً غيره ، ولعلّ بعضها أهم بكثير من قضية
التحيّر بين الصفا والمروة في طلب الماء ، أو
نحوه مما يذكر هنا .
كما لا يرد
على هذا الاستدلال أنّ تفسير القرطبي للشعائر بأعلام الدين
ـ الذي هو معنى عام ـ لا ينافي
اختصاص هذا التعبير في القرآن بـ (أعمال الحج) ومواضعه ، لا يرد
عليه ذلك ؛ لأن العبرة إنما هي بعموم اللفظ لا بخصوصية
المورد .
ولكن يلاحظ
: إنّ القرآن يكرّر ويؤكّد على أنّ في هذه الشعائر منافع للناس
، فهو يقول في الآية السابقة وهو يتحدّث عن أعمال الحج
: (
ذلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى
الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمّ
مَحِلّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) .
كما ويشير إلى أنّ عمل الحج نفسه يحصل الناس فيه على المنافع ، كما قال
تعالى :
( لِيَشْهَدُوا
مَنَافِعَ لَهُمْ ) .
وفي آية
اُخرى في نفس الموضوع ، نجده تعالى يقول
:
( وَالْبُدْنَ
جَعَلْنَاهَا لَكُم مِن شَعَائِرِ اللّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ
فَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا صَوَافّ فَإِذَا وَجَبَتْ
جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ
كَذلِكَ سَخّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَن يَنَالَ
اللّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلكِن يَنَالُهُ التّقْوَى
مِنكُمْ)(3)
.
وقد أطلق في
القرآن لفظ المشعر الحرام على المزدلفة ، كما وأطلق على الصفا
والمروة أنهما من شعائر الله
…
ـــــــــــــــــــ
(1)
المستدل هو صديقنا الشيخ رسول
جعفريان حفظه الله في مقال له حول هذا الموضوع .
(2)
سورة الحجِّ / 32 ـ 33 .
(3)
سورة الحجِّ / 36 ـ 37 .
الصفحة (17)
فالظاهر أنّ
المراد هو أنّ هذه الأماكن ، وكذلك البدن التي يشعرها الحاج ويعلمها
إنّما هي من أعلام المناسك ، ودلائله المظهرة لكمال
انقياد العباد له تعالى ، فلا يجوز التعدّي على
هذه الأعلام ، ولا يجوز تجاوزها ، بل لا بدّ من تعظيمها والتقيّد بها
، وقد ورد النهي عن تجاوزها وتعدّيها في قوله تعالى
: (
يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلّوا شَعَائِرَ اللّهِ وَلاَ
الشّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْىَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ وَلاَ آمّينَ
الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِن رَبّهِمْ وَرِضْوَاناً )(1)
. وقبل آية تعظيم شعائر الله تجده تعالى
يقول وفي نفس المناسبة :
( ذلِكَ وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَاتِ اللّهِ
فَهُوَ خَيْرٌ لّهُ عِندَ رَبّهِ )(2)
. فنجد أنّ هذا السياق متّحد مع سياق
الآية التي استدلّ بها هنا .
وبعد كل ما
تقدّم نقول : إنّ الاستدلال بالآية يتوقّف على كون مولد النبي
(صلى الله
عليه وآله) ، وكذا يوم عاشوراء مثل ، وغير ذلك من
المناسبات من شعائر الله ، أي من أعلام الله
التي نصبها لطاعته ؛ ليجب تعظيمها… وكما يقال : العرش ثمّ النقش ؛ فإنّ
قوله تعالى :
( وَالْبُدْنَ
جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ )
يشعر بأنّ كونها من الشعائر
يحتاج إلى جعل منه تعالى
.
وذكّرهم
بأيّام الله
وقد استدلّ
أيضاً على مشروعية المواسم والمراسم بقوله تعالى مخاطباً
موسى (عليه السّلام)
:
(وَذَكّرْهُم بِأَيّامِ اللّهِ)(3)
، فإنّ المقصود بأيّام الله أيّام غلبة
الحق على الباطل
، وظهور الحق ، وما نحن فيه من مصاديق الآية الشريفة ؛
فإنّ إقامة الذكريات والمواسم فيها تذكير
بأيّام الله سبحانه(4)
.
ونقول : إنّ
ما تدلّ عليه الآية هو التذكير بالاُسلوب العادي والمعروف
؛ وأمّا الخصوصية فلا تفهم من
الآية ، وقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السّلام)
: (( كان رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) يخطبنا فيذكّرنا بأيّام الله ، حتّى نعرف
ذلك في وجهه ، كأنه نذير قوم يصبحهم الأمر غدوة ))(5)
.
وعن اُبيّ
بن كعب : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قرأ يوم الجمعة ( تبارك
) وهو قائم ,
فذكّرنا بأيّام
الله(6)
.
وعن النبي
(صلّى الله عليه وآله) :
(( بينما موسى
(عليه السّلام) في قومه يذكّرهم بأيّام الله
، وأيّام
الله نعمه وبلاؤه ، إذ قال
…))(7) .
ـــــــــــــــــــ
(1)
سورة المائدة / 2 .
(2)
سورة الحجِّ / 30 .
(3)
سورة إبراهيم / 5 .
(4)
المستدل بذلك هو الصديق المشار إليه آنفاً في مقال له حول هذا الموضوع
.
وذكر هذا
الاستدلال أيضاً عن بعضهم في كتاب :
القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / 73 .
(5)
مسند أحمد 1 / 167 .
(6)
سنن ابن ماجة 1 / 352 ـ 353 .
(7)
مسند أحمد 5 / 121 .
الصفحة (18)
فذلك كلّه
يدلّ على أنّ التذكير بأيّام الله كان يتخذ صفته الطبيعية والعادية
، ولو للأفراد على انفراد ،
ولم يكن يقيم لهم احتفالات ومراسم معيّنة في أوقات مخصوصة من أجل
ذلك ، إلاّ
أن يقال : إنّ أمر تعيين المصداق قد ترك إلينا ، كما سيأتي ، فتكون
الآية من أدلّة العنوان
العام .
كما أنّ
المقصود بأيّام الله … لعلّه تلك الأيّام التي تحدث فيها خوارق العادات
، وتظهر فيها الآيات أيّام
بطشه بالظالمين ، وأخذه لهم أخذ عزيز مقتدر ، وكذا الحال بالنسبة
لآية :
( قُلْ لِلَّذِينَ
آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ )
فلا تشمل الآية ما هو محل
الكلام هنا .
الفرح
بفضل الله سبحانه
وقد استدلّ
أيضاً بقوله تعالى :
( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ
فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا )
، إذ من
المصاديق
الجليّة لرحمة الله سبحانه هو ولادة النبي (صلّى الله
عليه وآله) ، الذي أرسله الله رحمة للعالمين ، فالفرح
بمناسبة ميلاده (صلى الله عليه وآله) مطلوب ومراد(1)
.
ولكننا نقول
: الآية تدلّ على لزوم الفرح برحمة الله سبحانه وفضله ؛ أمّا الخصوصية
فلا
تدل عليه ، وحينما يصف الله الإنسان بأنه فرح فخور
فإنّ ذلك لا يعني إلاّ ثبوت هذه الحالة النفسية
له ، ولا تدلّ على أنه يقيم الحفلات ويلتزم بالمواسم والمراسم ، كما
هو محل البحث هنا
،
إلاّ أن يقال : إنّ أمر تعيين الكيفية والمصداق قد
أوكل إلينا ، كما سبق في الآية السابقة
.
مناسك
الحجِّ تكرار للذكرى
واستدلّ بعض
العلماء : بأنّ جلّ أعمال مناسك الحج ما هي إلاّ احتفالات بذكرى
الأنبياء ، فأمر الله تعالى باتخاذ مقام إبراهيم مصلّى
؛ إحياءً لذكرى شيخ الأنبياء إبراهيم (عليه
الصلاة والسلام) . أمّا السعي بين الصفا والمروة فهو تخليد لذكرى هاجر
حينما عطشت هي وابنها إسماعيل ، فكانت تسعى بين الصفا
والمروة وتصعد عليهما لتنظر هل ترى من أحد ـ
كما ذكر البخاري ـ .
ورميُ
الجمار تخليد لذكرى إبراهيم (عليه السّلام) حينما ذهب به جبريل
إلى جمرة العقبة ، فعرض له
الشيطان , فرماه بسبع حصيات فساخ
.
وذبحُ
الفداء إنما هو تخليد لذكرى إبراهيم أيضاً حينما أمر بذبح ولده إسماعيل
، ففداه الله بذبح عظيم
.
وفي بعض
الأخبار : إنّ أفعال الحج إنّما هي احتفال بذكرى آدم ، حيث تاب الله
عليه عصر
التاسع من ذي الحجة بعرفات ، فأفاض به جبريل حتّى وافى
إلى المشعر الحرام فبات فيه ،
فلمّا أصبح أفاض إلى منى ؛ فحلق رأسه إمارة على قبول
توبته وعتقه من الذنوب ، فجعل الله ذلك اليوم عيداً لذرّيته
.
ــــــــــــ
(1)
راجع : القول الفصل / 73 ، ومقالة
الصديق المشار إليه آنفاً .
الصفحة (19)
فأفعال الحج
كلّها تصير احتفالات وأعياداً بذكرى الأنبياء ومَن ينتسب
إليهم ، وهي باقية أبد الدهر(1)
.
ونقول
:
أوّلاً
:
إنّ هذا الاستدلال يتوقّف على ثبوت
الروايات المشار إليها
آنفاً ، على كون قوله تعالى :
( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى )
قد جيء به للإشارة إلى هذا
الأمر التاريخي .
والآية
إنّما أوردت كلمة
(
مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ
)
للإشارة إلى موضوع الحكم ، وليس عنوان هذا الموضوع دخيلاً في ثبوت ذلك
الحكم ، لا بنحو الاقتضاء
ولا بنحو العليّة التامة ، ولعلّه تكون العلة
للحكم أمراً آخر ، ويكون العنوان من قبيل لفظ (زيد) في قولك : أكرم
زيداً .
كما ويرد
هنا سؤال ، وهو : لماذا اختصّت هذه الأحداث بأن يقام لها هذا الاحتفال
الدائم
أبد الدهر ، مع أنه قد توجد أحداث أعظم أهمية وأشدّ
خطراً منها ؟ لماذا لم تخلّد هي أيضاً
باحتفالات على نحو تخليد هذه… ولتكن إحدى هذه الأحداث ولادة السّيد
المسيح من دون أب ، وقصة غرق فرعون ، ومحاولة
إحراق إبراهيم بالنار فكانت برداً وسلاماً ، وقصة
الطوفان ، وغير ذلك ؟
ثانياً
: إنّ هذه الذكريات قد أمر الشرع بها
وشرّع الحكم بلزوم العمل به
، وهذا لا ينكره المانعون وإنما هم يقولون :
إنّ ما لم يرد به الشرع يكون بدعة وحرام ، وهذا مما
قد ورد الشرع به ، فلا إشكال فيه ، وإنما الإشكال فيما
عداه.
الاستدلال
بما جرى ليعقوب
واستدلّ
أيضاً على مشروعية الاحتفالات والمراسم بحزن يعقوب على فراق
ولده يوسف ، حتّى ابيضّت عيناه من الحزن ، فلم يجز له
بعد موت ولده العزيز على قلبه ـ مع أنّ حرقته عليه
أعظم ـ أن يظهر التفجّع عليه ، ويقيم المراسم في هذا
السبيل(2)
.
ونقول : إنّ
ذلك لا ربط له بإقامة المراسم والمواسم في زمان معيّن ، وفي مكان معيّن
، فإنّ مجرد الحزن والأسى لا
مانع منه ، ولكن الزيادة على ذلك هي التي تحتاج إلى إثبات بنظر
المانع ، والآيات لا تدلّ على أكثر من ممارسة التوجّع
والتفجّع والحزن .
واستدلّ أيضاً
بقوله تعالى :
( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ )(3)
. فإنّ الاحتفالات بميلاده (صلّى الله
عليه وآله) ما هي إلاّ رفع لذكره (صلّى الله
عليه وآله)(4)
.
ـــــــــــــــــــ
(1)
راجع كتاب : معالم المدرستين 1 / 47 ـ 49 ، للعلاّمة العسكري حفظه الله
تعالى .
(2)
راجع كتاب آثين وهابيّت / 180 ـ 181 للعلاّمة السبحاني حفظه الله
.
(3)
الانشراح / 4 .
(4)
آثين وهابيّت / 184 للعلاّمة السبحاني حفظه الله .
الصفحة (20)
ويمكن
المناقشة في ذلك : بأنّ رفع ذكره (صلّى الله عليه وآله) من قِبَل الله
سبحانه إنما هو بجعله نبيّاً
رسول ، وليس في الآية أمر متعلّق بالمكلّفين يطلب منهم
إقامة احتفالات ، ولا غير ذلك
.
وقد ورد في
الروايات أنّ المراد برفع ذكره ما هو واقع من ذكر الشهادة بنبوّته
إلى جانب الشهادة لله بالوحدانية في الأذان وفي غيره ،
وقيل في تفسير الآية غير ذلك أيضاً
.
آية
المودّة
واستدلّ
أيضاً بأنّ مودّة ذوي القربى مطلوبة شرعاً ، وقد أمر بها القرآن صراحة
، فإقامة الاحتفالات للتحدّث
عمّا جرى للأئمة (عليهم السّلام) لا يكون إلاّ مودّة لهم ، إلاّ
أن يدّعى : إنّ المراد
بالمودّة الحب القلبي ، ولا يجوز الإظهار
.
ونقول :
صحيح أنّ إرادة الحب القلبي مجرّداً ، ومن كلمة (المودّة) ، لا يمكن
تقويته
، لا سيّما وأنّ بعض المحقّقين
يقول في تفسير المودّة : كأنها الحب الظاهر أثره في مقام
العمل(1)
.
ولكن يمكن
المناقشة فيما ذكر : بأنّ مودّتهم تحصل من دون إقامة احتفالات
، فالمانع يدّعي : إنّ
الخصوصية للزمان وللمكان وللتجمّع ، وللمراسم الخاصة يحتاج جوازها إلى
إثبات ، إلاّ إذا لزم بالأمر بالعنوان العام ، وترك
أمر تعيين المصاديق إلينا ، كما سيأتي بيانه ،
مع عدم كون الخصوصية مورداً للحكم الشرعي ، ولا للتعبّد بإتيانها ،
ولعلّ هذا هو مراد المستدل ، فلا إشكال حينئذ
.
ونفس ما
تقدّم يقال بالنسبة إلى استدلاله بآية
:
( فَالَّذِينَ
آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ )(2)
.
آية
المائدة
واستدلّ
أيضاً بقوله تعالى :
( رَبّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً
مِنَ السّمَاءِ تَكُونَ لَنَا عِيداً ِلأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً
مِنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ)(3)
.
فقد اعتبر
يوم نزول المائدة السماوية عيداً وآية ، مع أنّها لأجل إشباع البطون.
فيوم
ميلاده (صلّى الله عليه وآله) ويوم بعثته ، الذي هو
مبدأ تكامل فكر الأمم على مدى التاريخ ، أعظم من هذه
الآية ، وأجل من ذلك عيداً ، فاتخاذه عيداً يكون بطريق
أولى(4)
.
ويمكن
الجواب عن ذلك : بأنّ العيد المشار إليه في الآية قد جاء على وفق
الحالة
الطبيعية للأعياد عادة ؛ لأنّ المائدة تنزل في وقت
معيّن ، وقد طلب عود نزولها واستمراره ، ثمّ
يجتمع الناس عليها للاستفادة منه ، ولا بدّ من أن يحصل الفرح والابتهاج
بها .
فكل
الخصوصيات المعتبرة في العيد لا بدّ وأن تحصل بتبرّع منا , مع عدم
المساهمة الشرعية لا في حصولها ، ولا في إمضائها وجعل
المشروعية لها .
ـــــــــــــــــــ
(1)
راجع تفسير الميزان 16 / 166.
(2)
المصدر نفسه .
(3)
سورة المائدة / 114.
(4)
راجع : أئين وهابيّت / 182ـ183.
الصفحة (21)
السُّنّة
الحَسَنة والسُّنّة السيّئة
وأمّا
الاستدلال على مشروعية الاحتفالات والمواسم بأنها من السنن الحسنة
فسيأتي حين
الرد على ما يتذرّع به المانعون أنه لا يصلح للاستدلال
به ، فلا حاجة إلى التكرار هنا
.
والضحى …
واستدلّوا
أيضاً على مشروعية الاحتفالات والمواسم : بأنّ الله سبحانه وتعالى قد
أقسم
بالضحى ، وبالليل إذا سجى ، وقد روي أنّ المراد ليلة
المولد ، أو ليلة المعراج
.
والجواب :
إنّ ذلك يدلّ على أهمية هذه الليلة وامتيازه ، ولكنه لا
يدلّ على مشروعية إقامة الموالد والمواسم في زمان
معيّن ، أو في مكان معيّن ، بل ليس فيها أية
إشارة إلى أيّ نحو من أنحاء التجمّعات ، لا نفياً ولا إثباتاً
.
الفصل
الثالث
بماذا يتذرّع المانعون ؟
أدلّة القائلين بحرمة الاحتفالات والأعياد
إنّ مَن يراجع
كلمات هؤلاء القوم يجد أنهم يستدلّون لِما يذهبون إليه
، بأدلّة استنباطية وروائيّة ،
وإن كانت كلماتهم قد جاءت في الأكثر خطابية وشعارية … فلا بدّ
أوّلاً من إيراد جانب منه ، ثمّ استخلاص ما يمكن
استخلاصه مما أوردوه على شكل استدلال ومستند
لهم . ولكن لا بدّ وأن يجد القارئ بعض التكرار ، الذي حاولنا الاحتراز
منه قدر الإمكان ، فلم يحالفنا التوفيق التام
في ذلك .
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
ستأتي الروايات ومصادرها حين الرد
على ما يتذرّع به المانعون , فلا حاجة إلى ذكرها هنا أيضاً .
الصفحة (22)
كلمات
واستدلالات
جاء في هامش
كتاب فتح المجيد ما نصّه : وهي التي يسمّيها الناس اليوم (الموالد
والذكريات) ، التي ملأت البلاد باسم
الأولياء . وهي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم ، ولذلك
لا يذكر الناس ويعرفون إلاّ مَن أقيمت له هذه
الذكريات ، ولو كان أجهل خلق الله وأفسقهم . فكلّما كسدت سوق طاغوت من
هؤلاء ، قامت السدنة بهذا العيد لتحيي في نفوس العامة
عبادته ، وتكثر الهدايا والقرابين باسمه
.
وقد امتلأت
البلاد الإسلامية بهذه الذكريات ، وعمّت المصيبة ، وعادت بها الجاهلية
إلى بلاد الإسلام ، ولا حول
ولا قوة إلاّ بالله ، ولم ينجَ منها إلاّ نجد والحجاز ، فيما نعلم
بفضل الله ، ثمّ بفضل آل سعود الذين قاموا بحماية دعوة
الشيخ محمد بن عبد الوهاب
.
وقال في قرة
العيون : وقد أحدث هؤلاء المشركون أعياداً عند القبور التي تعبد من دون
الله ، ويسمّونها عيد ، كمولد البدوي بمصر وغيره ، بل
هي أعظم ؛ لِما يوجد فيها من الشرك والمعاصي
العظيمة(1)
.
وقالوا
أيضاً : والمستقرئ لشؤون البشر ، وما يطرأ عليها من التطورات الصالحة
والفاسدة يعرف حقيقة هذه الأعياد الجاهلية
، بما يرى اليوم من الأعياد التي يسمّيها أهل
العصر (الموالد) ، أو يسمّونها الذكريات ، لمعظّميهم
من موتى الأولياء وغيرهم ، ولحوادث يزعمون أنها
كان لها شأن في حياتهم من ولادة ولد ، أو تولّي ملك ، أو رئيس ، أو نحو
ذلك .
وكل ذلك
إنما هو إحياء لسنن الجاهلية ، وإماتة لشرائع الإسلام من قلوبهم
، وإن كان أكثر
الناس لا يشعرون بذلك ؛ لشدّة استحكام ظلمة الجاهلية
على قلوبهم ، ولا ينفعهم ذلك الجهل عذر ، بل هو
الجريمة كل الجريمة التي تولد عنها كل الجرائم من
الكفر ، والفسوق ، والعصيان(2)
.
وقال
المرشدي : ... وقد ابتلي الناس بهذا ، لا سيّما في مولد البدوي(3)
.
والمراد أنهم
ابتلوا بنقل الدراهم والشمع .
ـــــــــــــــــ
(1)
فتح المجيد بشرح عقيدة التوحيد
، هامش / 154 و 155 .
(2)
اقتضاء الصراط المستقيم ، هامش / 191 .
(3)
فتح المجيد بشرح عقيدة التوحيد ، هامش / 160 .
الصفحة (23)
وحول ولد
البدوي فقد قالوا أيضاً : ويقام له كل عام ثلاثة موالد ، يشدّ الرحال
إليها
الناس من أقصى القطر المصري ، ويجتمع في المولد أكثر
من ثلاث مئة ألف حاج إلى هذا الصنم الأكبر عجّل
بهدمه وحرقه ، هو وغيره من كل صنم في مصر وغيرها(1)
.
وقد
استدلّوا أيضاً بما روي عن أبي هريرة ، قال : قال رسول لله
(صلّى الله عليه وآله) :
(( لا تجعلوا
بيوتكم قبوراً ، ولا تجعلوا
قبري عيداً ، وصلّوا عليّ ؛ فإنّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم
)) .
وروي بمعناه
عن النبي (صلّى الله عليه وآله) ، عن السجاد زين العابدين (عليه
السّلام)
، وعن الحسن بن الحسن بن
علي ، وعن أبي سعيد مولى المهري(2)
.
وقد نهى عمر
عن اتخاذ آثار الأنبياء أعياداً(3)
.
وقال ابن
تيمية : ... وقد تقدّم أنّ اتخاذ المكان عيداً هو اعتياد إتيانه
للعبادة
عنده ، أو غير ذلك(4)
.
وقال : ...
وفي الحديث دليل على منع شدّ الرحل إلى قبره (صلّى الله
عليه وآله) ، وإلى قبر غيره من القبور
والمشاهد ؛ لأن ذلك من اتخاذها أعياداً(5)
.
وقال : ...
يشير إلى أنّ ما ينالني منكم من الصلاة والسّلام يحصل مع قربكم من قبري
وبُعدكم
منه ، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيداً(6)
.
وقال : ...
ربما اجتمع القبوريّون عندها اجتماعات كثيرة في مواسم معيّنة
، وهذا بعينه الذي نهى عنه النبي (صلّى الله عليه
وآله) بقوله :
(( لا تتخذوا
قبري عيداً )) . وبقوله
: (( لعن الله
اليهود ؛ اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجدَ ))(7)
.
وقال المناوي
في فتح القدير : معناه النهي عن الاجتماع لزيارته ، واجتماعهم
للعيد ؛ إمّا لدفع المشقّة ، أو كراهة أن يتجاوزوا حدّ
التعظيم(8)
.
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
المصدر السابق .
(2)
راجع سنن أبي داود 2 / 218 ، ومسند أحمد 2 / 367
، وعون المعبود 6 / 34 الضياء
في المختارة ، وأبي يعلى ، والقاضي إسماعيل ، وسعيد بن منصور في سننه ،
ومجمع الزوائد 4 / 3 .
واستدلّوا بهذا الحديث في الكتب التالية : عقيدة التوحيد / 256ـ257ـ260
، وفتح المجيد / 258و259 ، وكشف الارتياب 449 عن رسالة زيارة القبور
لابن تيمية
، وعن الوفاء للسمهودي ، وشفاء السقام(المقدمة) / 118 و65 و66 عن مصنف
عبد الرزاق ، والصارم المنكي / 179 و 174 و 173 و 172
و 262 و 280 و281 و 283 و 296 و 298 و 300 و 302 و 301 و 299 و 297 ،
والتوسل
بالنبي (صلّى الله عليه وآله) وجهلة الوهابيِّين / 151 و133 و122 ،
واقتضاء الصراط المستقيم / 190 و313 و321
و 322 و368 و 375 و376 و378 وراجع / 383 و 109 و110 عن أبي يعلى ،
ومحمد بن عبد الواحد
المقدسي في مستخرجه ، وسعيد بن منصور ، وزيارة القبور الشرعية والشركية
/ 14 .
(3)
اقتضاء الصراط المستقيم / 313 .
(4)
اقتضاء الصراط المستقيم / 378 .
(5)
عون المعبود 6 / 32 ، وفتح المجيد / 261 .
(6)
اقتضاء الصراط المستقيم / 323 ، وعون المعبود 6 / 33
، وفتح المجيد / 257 ،
والصارم المنكي / 172
و 298 . وزيارة القبور الشرعية والشركية / 15 .
(7)
اقتضاء الصراط المستقيم / 375 .
(8)
عون المعبود 6 / 32 ، وليراجع : كشف الارتياب / 449 .
الصفحة (24)
وقال ابن
القيّم : ... نهيه لهم أن يتخذوا قبره عيد ، نهى أن يجعلوه مجمع
، كالأعياد التي يقصد الناس
الاجتماع إليها للصلاة ، بل يزار قبره (صلوات الله وسلامه عليه) كما
يزوره الصحابة رضوان الله عليهم ، على الوجه الذي
يرضيه ويحبّه( صلوات الله وسلامه عليه)(1)
.
وقال ابن
عبد الهادي الحنبلي : ... وتخصيص الحجرة بالصلاة والسّلام جعل لها عيد
، وقد نهاهم عن ذلك(2)
.
وقال
المناوي : يؤخذ منه أنّ اجتماع العامة في بعض أضرحة الأولياء في يوم أو
شهر
مخصوص من السنة ، ويقولون : هذا يوم مولد الشيخ ،
ويأكلون ويشربون وربما يرقصون فيه ، منهي
عنه شرعاً. وعلى ولي الشرع ردعهم عن ذلك ، وإنكاره
عليهم وإبطاله(3)
.
وقال العظيم
آبادي : ... وإنّ مَن سافر إليه ، وحضر من ناس آخرين ، فقد اتخذه عيد
، وهو منهي عنه بنص الحديث ،
فثبت منع شدّ الرحل لأجل ذلك بإشارة النص ، كما ثبت النهي عن جعله
عيداً بدلالة النص... إلخ(4)
.
وقالوا كذلك
: ... فاتخاذ القبر عيداً هو مثل اتخاذه مسجد والصلاة إليه
، بل هو أبلغ وأحقّ بالنهي ،
فإنّ اتخاذه مسجداً يُصلّى في لله ليس فيه من المفسدة ما في اتخاذ
نفسه عيد ، بحيث يعتاد انتيابه والاختلاف إليه
والازدحام عنده ، كما يحصل في أمكنة الأعياد
وأزمنتها ؛ فإنّ العيد يقال في لسان الشارع على الزمان والمكان(5)
.
قال ابن
القيّم : ونهى أمّته أن يتخذوا قبره عيداً… إلى أن قال عن القبور
: ولا تعظّم بحيث تتخذ مساجد ، فيصلّى
عندها وإليه ، وتتخذ
أعياداً وأوثاناً(6)
.
وقال ابن
القيّم والبركوي : وكان للمشركين أعياد زمانيّة ومكانيّة , فلمّا جاء
الله
بالإسلام أبطلها ، وعوّض الحنفاء منها عيد الفطر ،
وأيّام منى ، كما عوّضهم من أعياد المشركين
المكانية بالكعبة ، ومنى ، ومزدلفة ، وعرفة ، والمشاعر(7)
.
وقال ابن تيمية
: ... وكذلك ما يحدثه بعض الناس ؛ إمّا مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى
(عليه
السّلام) ، وإمّا محبّة للنبي (صلّى الله عليه وآله) ،
والله قد يثيبهم على هذه المحبّة والاجتهاد ، لا على
البدع من اتخاذ مولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
عيداً ، مع اختلاف الناس في مولده ؛ فإن هذا لم
يفعله السلف ، مع عدم قيام المقتضي له ، وعدم المانع منه
.
ولو كان هذا
خيراً محضاً أو
راجحاً لكان السلف (رض) أحقّ به منّا ؛ فإنّهم كانوا
أشدّ محبّة لرسول الله وتعظيماً له منّا(8)
.
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
عون المعبود 6 / 32 ، الهامش .
(2)
الصارم المنكي في الرد على السبكي / 285 .
(3)
عون المعبود 6 / 33 .
(4)
المصدر السابق .
(5)
الصارم المنكي / 229.
(6)
زاد المعاد 1 / 146 ، وراجع : الصارم المنكي / 299 .
(7)
عون المعبود 6 / 32 ، وفتح المجيد في شرح عقيدة التوحيد / 257 ، وزيارة
القبور
الشرعية والشركية / 15 .
(8)
اقتضاء الصراط المستقيم / 294 ـ 296 .
|