المواسم والمراسم

 
 

الصفحة (25)

وقال : حتّى أنّ بعض القبور يجتمع عندها القبوريّون في يوم من السنة ، ويسافرون لإقامة العيد ؛ إمّا في المحرم ، أو رجب ، أو شعبان ، أو ذي الحجة ، أو غيره . وبعضها يجتمع عندها في يوم عاشوراء ، وبعضها في يوم عرفة ، وبعضها في النصف من شعبان ... إلخ(1) .

وقال : ... فإن اعتياد قصد المكان المعيّن في وقت معيّن ، عائد بعود السنة ، أو الشهر ، أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد. ثمّ ينهى عن دق ذلك وجله . وهذا هو الذي تقدّم عن الإمام أحمد إنكاره . قال : وقد أفرط الناس في هذا جداً ، وأكثروا ، وذَكَر ما يفعل عند قبر الحسين .

وقد ذكرت فيما تقدّم : أنه يكره اعتياد عبادة في وقت إذا لم تجيء بها السنّة ، فكيف اعتياد مكان معيّن في وقت معين ؟

ويدخل في هذا ما يفعل بمصر عند قبر نفيسة وغيره ، وما يفعل بالعراق عند القبر الذي يقال : إنّه قبر علي رضي الله عنه ، وقبر الحسين ، وحذيفة بن اليمان ، وسلمان الفارسي ، وقبر موسى بن جعفر ، ومحمد بن علي الجواد ببغداد(2) .

وقال : وأمّا اتخاذ قبورهم أعياداً فهو مما حرمه الله ورسوله ، واعتياد قصد هذه القبور في وقت معيّن ، والاجتماع العام عندها في وقت معيّن هو اتخاذها عيد ، ولا أعلم بين المسلمين أهل العلم في ذلك خلاف(3) .

وقال عن يوم عرفة : ... وأيضاً فإن التعريف عند القبر اتخاذ له عيد ، وهذا بنفسه محرم ، سواء كان فيه شدّ الرحل أولم يكن ، وسواء كان في يوم عرفة أو في غيره ، وهو من الأعياد المكانية مع الزمان(4) .

وقال في كراهة قصد القبور للدعاء : السلف (رض) كرهوا ذلك ، متأوّلين في ذلك قوله (صلّى الله عليه وآله) : لا تتخذوا قبري عيداً(5) .

وقال حول عيد الغدير بعد أن ذكر أنّ السلف لم يفعلوه ، ولا أهل البيت ولا غيرهم : ..الأعياد شريعة من الشرايع… فيجب فيها الاتّباع لا الابتداع ، وللنبي خطب وعهود ووقائع في أيّام متعددة ، مثل يوم بدر وحنين ، والخندق وفتح مكة ، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين ، ثمّ لم يوجب أن يتخذ أمثال تلك الأيّام أعياداًً(6) .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق / 375 ـ 376 .
(2) اقتضاء الصراط المستقيم / 377 .
(3) نفس المصدر السابق والصفحة .
(4) المصدر السابق / 312 .
(5) المصدر السابق / 368 .
(6) اقتضاء الصراط المستقيم / 294 .

الصفحة (26)

وقال : ما أحدث من الأعياد والمواسم فهو منكر ، وإن لم يكن فيه مشابهة لأهل الكتاب ؛ لوجهين : أحدهما أنّه داخل في مسمّى البدع والمُحدثات .

ثمّ ذكر روايات النهي عن الابتداع في الدين ، مثل ما في صحيح مسلم ، عنه (صلّى الله عليه وآله) : (( شرّ الاُمور مُحدثاتها ، وكل بدعة ضلالة )) . وفي رواية النسائي(( وكل ضلالة في النار )) .

وفي نص آخر : (( إيّاكم ومحدثات الاُمور ؛ فإنّ كل بدعة ضلالة )) .

وفي الصحيح ، عنه (صلّى الله عليه وآله) : (( مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )) . وفي لفظ الصحيحين(( مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) .

وقال تعالى( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) . ثمّ قال : (( فمَن ندب إلى شيء يتقرّب به إلى الله ، أو أوجبه بقوله أو فعله ، من غير أن يشرّعه الله ، فقد شرّع من الدين ما لم يأذن به الله )) .

 نعم ، قد يكون متأوّلاً في هذا الشرع ، فيغفر له لأجل تأويله إذا كان مجتهداً الاجتهاد الذي يعفي فيه عن المخطئ ، ويثاب أيضاً على اجتهاده . لكن لا يجوز اتّباعه في ذلك ، إذ قد علم أنّ الصواب في خلافه(1) .

وقالالأصل في العبادات أن لا يشرّع منها إلاّ ما شرّعه الله ، والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلاّ ما حظره الله . وهذه المواسم المحدثة إنّما نُهي عنها لما حدث فيها من الدين الذي يتقرّب به(2) .

كما أنّ ابن الحاج ، رغم اعترافه بما ليوم مولد النبي (صلّى الله عليه وآله) من الفضل ، لا يوافق على الاحتفال بالمولد ؛ لِما فيه من المنكرات ، ولأن النبي أراد التخفيف عن أمّته ، ولم يرد في ذلك شيء بخصوصه ، فيكون بدعة(3) .

وقد استدلّوا على عدم جواز الاحتفال بالمولد النبوي بأنّ السلف ، الذين كانوا أشدّ محبّة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وتعظيماً له منّا وأحرص على الخير ، لم يفعلوه ولم يكن منه عندهم عين ولا أثر(4) .

وقالوا : ... وأمّا اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية ، كبعض ليالي شهر ربيع الأوّل التي يقال : إنها ليلة المولد ، وبعض ليالي رجب أو ثامن عشر ذي الحجة وأوّل جمعة من رحب ، أو ثامن شوال الذي يسمّيه الجهّال عيد الأبرار ؛ فإنها من البدع التي لم يستحبّها السلف ولم يفعلوه(5) .

ـــــــــــــــــــــ

(1) اقتضاء الصراط المستقيم / 267 ـ 268 بتلخيص ، ويوجد نظير العبارة الأخيرة في / 290 .
(2) المصدر السابق / 269 .
(3) راجع المدخل لابن الحاج 2 / 3 ، فما بعدها إلى عدّة صفحات ، وليراجع / 29 ـ 30 .
(4) اقتضاء الصراط المستقيم / 295 ، وراجع : سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد 1 / 441 ـ 442 .
(5) القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / 49 عن الفتاوى المصرية 1 / 312 .

الصفحة (27)

وقال السكندري الفاكهاني : لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنّة ، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمّة الذين هم القدوة في الدين ، المتمسّكون بآثار المتقدّمين ، بل هو بدعة أحدثها البطالون .

واعتبر الفاكهاني أنّ المولد : منه محرم ، وهو ما دخله بعض الأعمال المحرمة ؛ كاجتماع الرجال مع النساء ونحوه . ومنه مكروه , وهو الاجتماع على أكل الطعام ولا يصحبه اقتراف شيء من الآثام , فهذه بدعة مكروهة وشناعة ؛ إذ لم يفعله أحد من متقدّمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام ، وسراج الأزمنة وزين الأمكنة(1) .

هذا مع أنّ شهر ربيع الأوّل الذي ولد فيه الرسول (صلّى الله عليه وآله) قد مات فيه ، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه(2) .

وقال الحفار : ليلة المولد لم يكن السلف الصالح ، وهم أصحاب رسول الله(صلّى الله عليه وآله) والتابعون لهم يجتمعون فيها للعبادة ، ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة ؛ لأن النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يعظّم إلاّ بالوجه الذي شرّع به تعظيمه ، وتعظيمه من أعظم القرب إلى الله ، لكن يتقرّب إلى الله جلّ جلاله بما شرّع.

والدليل على أنّ السلف لم يكونوا يزيدون فيها زيادة على سائر الليالي أنهم اختلفوا فيها ، فقيل : إنه(صلّى الله عليه وآله) ولد في رمضان. وقيل : في ربيع الأوّل.... إلخ , إلى أن قال : فلو كانت تلك الليلة التي ولد في صبيحتها تحدث فيها عبادة بولادة خير الخلق (صلّى الله عليه وآله) لكانت معلومة مشهورة لا يقع فيها اختلاف(3) .

كما أنّ محمد بن عبد الوهاب قد أنكر تعظيم الموالد والأعياد الجاهلية ، التي لم ينزل في تعظيمها سلطان ، ولم ترد به حجة شرعية ولا برهان ؛ لأن ذلك مشابهة للنصارى الضالين في أعيادهم الزمانيّة والمكانيّة ، وهو باطل مردود في شرع سيّد المرسلين(4) .

 إنّ النصارى يحتفلون بعيد ميلاد المسيح وميلاد أفراد أسرتهم ، وعنهم أخذ المسلمون هذه البدعة فاحتفلوا بمولد نبيّهم وبمولد أفراد أسرتهم ، ورسولهم يحذّرهم قائلاً : (( مَن تشبّه بقوم فهو منهم )) . صحيح رواه أبو داود(5) .

كما أنّ الشيخ عبد الرحمان بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب اعتبرها من البدع المنهي عنه ، حيث لم يأمر بها الرسول ، ولا فعلها الخلفاء الراشدون ، ولا الصحابة ولا التابعون(6) .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) القول الفصل / 50 ، وراجع / 53 عن (الحاوي للفتاوي) للسيوطي / 190 ـ 192 .
(2) منهاج الفرقة الناجية / 110 .
(3) راجع القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / 53 عن كتاب المعيار المعرب / 99 – 101 .
(4) المصدر السابق / 54 ، عن الدرر السنيّة 4 / 409 ، وعن مجموعة الرسائل النجدية 4 / 440 .
(5) منهاج الفرقة الناجية / 109 .
(6) منهاج الفرقة الناجية / 55 ، عن مجموعة الرسائل النجدية قسم 2 / 357 ـ 358 ، والدرر السنيّة 4 / 389 .

الصفحة (28)

كما أنّ الشيخ محمد بن عبد اللطيف قد اعتبر ذلك من البدع(1) .

وقال محمد بن عبد السلام خضر الشقيري عن الاحتفال بالمولد : بدعة منكرة ضلالة ، لم يرد بها شرع ولا عقل . ولو كان في هذا خير ، كيف يغفل عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة ، والتابعون وتابعوهم ، والأئمة وأتباعهم ؟!(2) .

وقد ردّوا على الاستدلال على حلّية إقامة الموالد بآية : ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) , ردّوا على ذلك : بأنّه من قبيل حمل كلام الله على ما لم يحمله عليه السلف الصالح وهو غير مقبول ؛ لأن الشاطبي قد قرّر أنّ الوجه الذي لم يثبت عن السلف الصالح العمل بالنص عليه لا يقبل ممّن بعدهم دعوى دلالة النص الشرعي عليه .

 قال : إذ لو كان دليلاً عليه لم يعزب عن فَهم الصحابة والتابعين ، ثمّ يفهمه من بعدهم ، فعمل الأوّلين ـ كيف كان ـ مصادم لمقتضى هذا المفهوم ومعارض له ، ولو كان ترك العمل. قال : فما عمل به المتأخّرون من هذا القسم مخالف لإجماع الأوّلين ، وكل مَن خالف الإجماع فهو مخطئ ، وأمّة محمد لا تجتمع على ضلالة ، فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنّة … إلى أن قال : فكل مَن خالف السلف الأوّلين فهو على خطأ(3) .

وقال محمد بن جميل زينو : الاحتفال لم يفعله الرسول (صلّى الله عليه وآله) ولا الصحابة ، ولا التابعون ، ولا الأئمة الأربعة ، وغيرهم من أهل القرون المفضلة ، ولا دليل شرعي عليه(4) .

ثمّ ذكر بعض الأشياء التي تحصل في الموالد مما رآه خلاف الشرع ، وزعم أنّ هذه الاُمور كافية لتحريم الاحتفال ، من قبيل الزيادة في مدحه(صلّى الله عليه وآله) ، وصرف الأموال ، والاستغاثة به (صلّى الله عليه وآله) .... إلخ

 تلخيص لا بدّ منه

من أجل التسهيل على القارئ ، ومن أجل استيفاء الكلام على ما ذكره المانعون من أسباب ذهابهم إلى المنع من الذكريات ونحوها … فإننا نقوم بتلخيص وافٍ لمختلف الجهات التي دعتهم إلى إصدار حكمهم ذاك ، حسبما وردت في كلماتهم آنفة الذكر ، مع إعادة الإشارة إلى المصادر من جديد… فنقول :

إننا نستطيع أن نلخّص الأسباب التي رأوا أنها كافية للحكم بحرمة الاجتماعات والاحتفالات ما عدا الفطر والأضحى … على النحو التالي :

1 ـ إنّ الموالد والذكريات للأولياء نوع من العبادة لهم ، بدليل أنّ الناس لا يعرفون إلاّ مَن اُقيمت فيهم الذكريات ، ولو كان أجهل وأفسق الناس(5) .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق عن الدرر السنيّة 8 / 385 .
(2) المصدر السابق عن كتاب السنن والمبتدعات / 138 ـ 139 وراجع : الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / 47 .
(3) القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / 73 ، وراجع : الموافقات 3 / 71 .
(4) منهاج الفرقة الناجية / 107 ، وراجع : الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / 40 فما بعده .
(5) فتح المجيد في شرح التوحيد ، هامش / 154 و 155 .

الصفحة (29)

2 ـ مضافاً إلى ما فيها من المعاصي العظيمة(1) .

3 ـ إنها إحياء لسنن الجاهلية ، وإماتة لشرائع الإسلام من القلوب(2) .

4 ـ لا يجوز اتخاذ مولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عيداً مع اختلاف الناس في مولده(3) .

5 ـ إن ذلك لم يرد به عقل(4) ولا شرع ، ولا أصل له لا في كتاب ولا سنّة(5) .

6 ـ إنّ ذلك لم يفعله السلف ، ولم ينقل عن أحد منهم ، وهم كانوا أشدّ حبّاً للرسول منّا(6) .

وكل ما لم يكن على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه دين ، لم يكن ممن بعدهم دين. والمولد لم يكن في عهده ولا في عهد القرون المفضلة إلى القرن السابع(7) .

واستدلّوا على أنّ السلف لم يفعلوه باختلافهم في تاريخ مولده ، فلأجل ذلك لم يخصّوا ليلة المولد بشيء زيادة عمّا يفعلونه في سائر الأيّام(8) .

7ـ إنّ السلف كرهوا ذلك ، متأوّلين في ذلك قوله (صلّى الله عليه وآله) : لا تتخذوا قبري عيداًً(9) .

8ـ إنّ يوم مولده (صلّى الله عليه وآله) وإن كان عظيماً ولكن لم يرد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) فيه شيء بخصوصه ؛ لأنه (صلّى الله عليه وآله) أراد التخفيف عن اُمّته ، فيكون بدعة(10) .

9ـ إنّ الله سبحانه لا يعظّم إلاّ بالوجه الذي شرّع تعظيمه به(11) .

هذا كلّه ، عدا عن تفسيرهم العيد باجتماع الناس في مكان معيّن لأجل العبادة ، وعن ادّعائهم أنّ الصلاة عند القبور اتخاذ لها أعياداً وأوثاناً ، إلى غير ذلك مما يلاحظه المتتبّع لكلماتهم السابقة .

10 ـ في ذمّ المواسم والأعياد المحدثة ما تشتمل عليه من الفساد في الدين(12) .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق ، وراجع المدخل لابن الحاج أوائل الجزء الثاني .
(2) اقتضاء الصراط المستقيم / 191 .
(3) المصدر السابق / 294 ـ 396 .
(4) القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / 55 عن كتاب السنن والمبتدعات / 138 ـ 139 .
(5) اقتضاء الصراط المستقيم / 294 ـ 296 ، والقول الفصل / 50 و 53 و54 و55 عن الحاوي للفتاوي / 190 ـ 192 ، والدرر السنية 4 / 409 و389 وعن مجموعة الرسائل النجدية 4 / 440 وقسم 2 / 357 ، وعن السنن والمبتدعات / 138 ـ 139.
(6) اقتضاء الصراط المستقيم / 294 ـ 296 ، وراجع سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد 1 / 441 ـ 442 ، والقول الفصل / 49 و50 و53 و55 عن الفتاوى المصرية 1 / 312 ، وعن المعيار المعرب / 99 –101 ، وعن السنن والمبتدعات / 138 ـ 139 ، وعن الحاوي للفتاوي / 190ـ192 ، والإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / 43 .
(7) الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / 46 و43 و47 .
(8) القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / 53 عن كتاب المعيار المعرب / 99 ـ 101 .
(9) اقتضاء الصراط المستقيم / 386 ، والقول الفصل / 49 عن الفتاوى المصرية.. أمّا الحديث فقد تقدّمت مصادر وموارد الاستدلال والاستشهاد به ، فلا نعيد.
(10) المدخل لابن الحاج 2 / 3 فما بعده .
(11) القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / 53 عن كتاب المعيار المعرب / 99 ـ 101 .
(12) اقتضاء الصراط المستقيم / 282 فما بعده ، والإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / 40 فصاعد .

الصفحة (30)

11ـ هذه الموالد ما ابتدعت إلاّ لضرب الإسلام وتحطيمه والقضاء عليه ، ومن هنا كان حكم الإسلام على هذه الموالد والمواسم ، والزرد ، والحضرات ، المنع والحرمة ، فلا يبيح منها مولداً ولا سيّما موسماً ... إلخ(1) .

12ـ إنّ الذكريات تعظيم وعبادة لغير الله .

13ـ إنّ تفسير آية بحيث يظهر منها جواز عمل هذه الموالد والاحتفالات غير جائز؛ لأنه حمل لكلام الله على ما لم يحمله عليه السلف الصالح ، فيكون فَهم المتأخرين مصادماً لإجماع المتقدّمين ، ومَن خالف الإجماع فهو مخطئ ؛ لأن الأمّة لا تجتمع على ضلالة ، فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنّة(2) .

14ـ إنّ في ذلك مشابهة للنصارى في أعيادهم الزمانيّة والمكانيّة ، وهو باطل مردود في الشرع(3) .

15ـ ما سيأتي من أنّ يوم وفاته (صلّى الله عليه وآله) هو يوم ولادته ، فلا معنى للفرح فيه.

قد يكون الذنب للتعصب الأعمى

كانت تلك خلاصة رأينا ، إنها وافية بإعطاء صورة متكاملة عن الجهات المؤثّرة في إصرار هؤلاء على اعتبار الموالد والذكريات من البدع المرفوضة جملة وتفصيلاً .

وإن كان ربما يظهر من بعض كلماتهم أنهم ينطلقون في موقفهم ذاك من دوافع اُخرى ، لا تبعد كثيراً عن المشاعر التعصبية الدينية في مقابل الرافضة وأعيادهم(4) ومواسمهم ، فحاولوا أن يجدوا المبرّرات الشرعية والعلمية لمواقفهم تلك. وإن كانوا قد خانهم التوفيق في هذا المجال ، كما سيتضح في ما يلي من صفحات.

ــــــــــــــــــــــــ

(1) الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / 42 .
(2) الموافقات 3 / 71 ، والقول الفصل / 73 .
(3) القول الفصل / 53 عن الدرر السنية 4 / 409 ، وعن مجموعة الرسائل النجدية 4 / 440 .
(4) راجع على سبيل المثال بعض ما تقدّم عن ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم .

الصفحة (31)

 الفصل الرابع

أدلّة المانعين … سراب

 الميول والمشاعر

ونحن لا نستطيع أن نوافق المانعين في استدلالاتهم المتقدّمة ؛ لأننا لا نجد فيها ما يكفي لتوفير الحدّ الأدنى من القناعة بما يريدون تكريسه كحكم شرعي إلهي ، له بُعد عقائدي بنحو أو بآخر.

بل قد نجد في كلماتهم المتناثرة هنا وهناك ، ما يشعرنا بأنّ القضية لا تعدو عن أن تكون استسلاماً لمشاعر طائفية ، أفرزت هذا الإصرار الذي يصل إلى حدّ التحدّي ، على إطلاق شعارات قوية وصاخبة ومبهمة كذلك ؛ بهدف التأثير على حالة التوازن العاطفي لدى الآخرين ، ليمكن من ثمّ إعطاء صفة الشرعية لأمر قد يكون أبعد ما يكون عن منطق الشرع والعقل والفطرة .

وحيث إنّ عمدة وأقصى ما يستندون إليه هو ما تقدّم في الفصل السابق ، فإننا لا بدّ وأن نذكّر القارئ ببعض مواضع الخلل فيه ، وتلك قناعاتنا التي نلتزم بكل آثارها ؛ سواء كانت بالنسبة لكلام الآخرين تصير ردّاً وتفنيداً ، أو تتضمّن قبولاً وتأييداً .

هذا ، ومن أجل بيان مواضع الخلل في كلماتهم المتقدمة ، نتكلم في الموضوع على النحو التالي :

 الاحتفالات والمواسم بدعة

قد تقدّم أنهم يعتبرون المواسم والذكريات ونحوها بدعة . وقد حاول البعض التخلّص من هذا الاتهام والردّ عليه ، فقال ابن حجر : عمل المولد بدعة ، لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة ، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدّه ، فمَن تحرّى في عملها المحاسن وتجنّب ضدّها كان بدعة حسنة ، وإلاّ فلا .

وقال الحلبي الشافعي : جرت عادة كثير من الناس إذا سمعوا بذكر وصفه (صلّى الله عليه وآله) أن يقوموا تعظيماً له (صلّى الله عليه وآله) .

وهذا القيام بدعة لا أصل له ، أي ولكن هي بدعة حسنة ؛ لأنه ليس كل بدعة مذمومة ، وقد قال سيّدنا عمر (رض) في اجتماع الناس لصلاة التراويح : نعمت البدعة هي .

وقد قال العزيز عبد السلام : إنّ البدعة تعتريها الأحكام الخمسة ، وذكر من أمثلة كل ما يطول ذكره(4) . ولا ينافي ذلك قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( إيّاكم ومحدثات الاُمور ؛ فإن كل بدعة ضلالة )) . وقوله (صلّى الله عليه وآله) : (( مَن أحدث في أمرنا (أي شرعنا) ما ليس منه ، فهو رد عليه )) ؛ لأنّ هذا عام اُريد به خاص ، فقد قال إمامنا الشافعي قدس الله سره : ما أحدث وخالف كتاباً أو سنّة ، أو إجماعاً أو أثراً ، فهو البدعة الضلالة . وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئاً من ذلك فهو البدعة المحمودة(5) .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) رسالة حسن المقصد ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / 88 ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيِّين / 114 .
(2) أي ولادته (صلّى الله عليه وآله) .
(3) كلام موجود أيضاً في تهذيب الأسماء واللغات ، قسم اللغات 1 / 23 ، ونصب الراية 2 / 153 ، ودلائل الصدق 3 قسم 1 ، وحول استحسان بعض البدع ، راجع : المصنف 3 / 78 و79 و80 .
(4) راجع كلام العزيز عبد السلام أيضاً في تهذيب الأسماء واللغات قسم اللغات 1 / 22 23 ، وفي القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل / 47 عن قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2 / 172ـ174 ، وقريب منه كلام القرافي الذي نقله عنه الشاطبي في الاعتصام 1 / 147 ـ 150 .
(5) راجع كلام الشافعي أيضاً في تهذيب الأسماء واللغات قسم اللغات 1 / 23 .

الصفحة (32)

وقد وجد القيام عند ذكر اسمه (صلّى الله عليه وآله) من عالِم الاُمّة ، ومقتدى الأئمة دين وورع ، الإمام تقي الدين السبكي ، وتابعه على ذلك مشايخ الإسلام في عصره ، إلى أن قال : ويكفي مثل ذلك في الاقتداء .

وقد قال ابن حجر الهيثمي : إنّ البدعة الحسنة متّفق على ندبه. وعمل المولد ، واجتماع الناس له ، كذلك أي بدعة حسنة .

ومن ثمّ قال الإمام أبو شامة (شيخ الإمام النووي) : ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده (صلّى الله عليه وآله) من الصدقات والمعروف ، وإظهار الزينة والسرور ، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء مشعر بمحبّته (صلّى الله عليه وآله) ، وتعظيمه في قلب فاعل ذلك ، وشكر الله على ما منّ به من إيجاد رسوله (صلّى الله عليه وآله) ، الذي أرسله رحمة للعالمين … هذا كلامه(1) .

وقال النووي : إنّ البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة. قال الإمام المجمع على إمامته وتمكّنه في أنواع العلوم وبراعته ، أبو محمد العزيز بن عبد السلام رحمه الله ورضي عنه ، في آخر كتاب القواعد : البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ، ومندوبة ، ومكروهة ، ومباحة... إلخ(2) . ثمّ كلامه بطوله...

ولكننا بدورنا نقول : إنّ هذا الكلام ضعيف ، لوجهين يظهر منهما أيضاً دليلان على جواز إقامة هذه المراسم والمواسم .

فأوّلاً : إنّ ما ذكر من تقسيم البدعة إلى حسنة ومذمومة ، ومن كونها تنقسم إلى الأحكام الخمسة ، ثمّ الاستشهاد بقول عمر بن الخطاب عن صلاة التراويح : نعمت البدعة هي .

إنّ ذلك كلّه ليس في محلّه ، ولا يستند إلى أساس صحيح ؛ وذلك لأن البدعة الشرعية هي : إدخال ما ليس من الدين في الدين .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) السيرة الحلبيّة 1 / 83 ـ 84 ، وراجع السيرة النبويّة لزيني دحلان 1 / 24 ـ 25 ، ورسالة حسن المقصد للسيوطي ، المطبوعة مع النعمة الكبرى على العالم / 81 ـ 82 ، وراجع جواهر البحار 3 / 340 ـ 341 و 338 .
(2) تهذيب الأسماء واللغات ، قسم اللغات 1 / 22و23 .

الصفحة (33)

استناداً إلى ما روي عنه (صلّى الله عليه وآله) : (( مَن أحدث من أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))(1) ؛ لأن قوله (( في أمرنا )) . معناه : أدخل في تشريعاتنا الدينية ما ليس منه ، بل لقد قال السّيد الأمين عن البدعة : لا يحتاج تحريمها إلى دليل خاص ؛ لحكم العقل بعدم جواز الزيادة على أحكام الله تعالى ، ولا التنقيص منه ، لاختصاص ذلك به تعالى وبأنبيائه الذين لا يصدرون إلاّ عن أمره(2) .

فالبدعة في الشرع وبعنوان التشريع لا تقبل القسمة المذكورة ، بل هي من غير صاحب الشرع قبيحة مطلق .

وأمّا الابتكار والابتداع في العادات والتقاليد واُمور المعاش والحياة فهو الذي يقبل القسمة إلى الحسن والقبيح ، ويكون موضوعاً للأحكام الخمسة : الوجوب ، والحرمة ، والاستحباب ، والكراهة ، والإباحة. ويلاحظ الخلط في الأمثلة التي ذكرها عبد العزيز بن عبد السّلام بين هذا القسم وبين سابقه(3) .

وعليه فالاُمور العادية والحياتية ونحوه مما لم يرد من الشارع حكم متعلّق به بخصوصه ، أو بعمومه يكون كل منها أحد أفراده ومصاديقه ، إنْ عملها المكلّف وقام به ، أو تركه بعنوان أنها من الدين ، فإن لم تكن منه فإنه يكون قد أبدع في الدين ، وأدخل فيه ما ليس منه .

وأمّا إذا قام به وعمله ، أو تركه ملتزماً بها أو غير ملتزم ، لا بعنوان أنها من الدين ، ولا يدّعي أنّ الله سبحانه قد شرّع ذلك ، مع عدم منافاة ذلك لأي من أحكام الدين وتعاليمه ، فلا يكون ذلك بدعة في الدين ، ولا إدخالاً ما ليس منه فيه .

وما نحن فيه إنما هو من هذا القبيل ، كما هو ظاهر ؛ إذ لو كان اختيار الأساليب المختلفة للتعبير عن التقدير والاحترام المطلوب لله سبحانه بدعة ، لكان كل جديد يجري العمل به في طول البلاد وعرضها ، من البدع المحرمة .

وليكن حينئذ منصب وزير التجارة ووزير النفط ، واستعمال الراديو والتلفزيون ، والتلفون ، وركوب السيارة والقطار ، والطائرة من البدع .

وليكن كذلك اعتبار الجلوس كل يوم على الشرفة لاحتساء كوب من الشاي ، وكذا إطلاق ألقاب جلالة الملك ، ومعالي الوزير ... إلى غير ذلك مما لا مجال لتعداده من البدع المحرمة ، حيث لم يرد بها نص بخصوصه ؛ ولأنها من محدثات الاُمور كما يدّعي هؤلاء .

هذا ، وقد صرّحوا ـ هم أنفسهم : بأن الأشياء ، ما عدا العبادات ، كلّها على الإباحة حتّى يرد ما يوجب رفع اليد عنه ، ولا سيّما ما كان من قبيل العادات(4) الذي هو محل كلامنا بالفعل ، حيث قد جرت عادة الناس على إقامة الذكريات لعظمائهم ، وعلى اعتبار يوم ميلاد الشخص يوم فرح ومسرّة ، فيهدون له فيه الهدايا ، ويقيمون المجالس ، وكذا يوم احتجامه .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع سنن أبي داود 4 / 200 ، وسنن أبي مسلم 5 / 133 ، ومسند أحمد 6 / 240و270 .
(2) كشف الارتياب / 98 .
(3) راجع أمثلة في تهذيب الأسماء واللغات قسم اللغات 1 / 22 .
(4) راجع : اقتضاء الصراط المستقم / 269 ، وراجع إرشاد الفحول ، الصفحات الأخيرة .

الصفحة (34)

ومن ذلك أيضاً اعتبارهم يوم الاستقلال يوماً عظيماً ، إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبّعه واستقصائه .

ثانياً : إنّ الحقيقة هي أنّ ما نحن فيه داخل في قسم ما أمر الله سبحانه به وأراده ؛ فلا يكون بدعة لا بالمعنى الأوّل ولا بالمعنى الثاني.

وتوضيح ذلك : إنّ أوامر الشارع ونواهيه تارة تتعلق بالشيء بعنوانه الخاص به والذي يميزه عن كل مَن عداه ، وتارة يتعلق لا بعنوانه بخصوصه بل بعنوانه العام ، ويترك أمر تحقيق المصاديق واختيارها , وملاحظة انطباق ذلك العنوان وعدمه إليه .

فاختيار المكلف لهذا المصداق أو لذاك لا يعتبر بدعة ، ولا إحداثاً في الدين ما ليس منه ، بل هو عين الامتثال والانقياد لأحكامه ، والانصياع لأوامره ، ويستحق على ذلك الأجر الجميل والثواب الجزيل.

وذلك كما لو أمر الشارع بمعونة الفقراء ، وترك أمر اختيار المورد والمصداق والكيفية والاُسلوب إلى المكلف ، فباستطاعته أن يعينهم بالعمل لهم ، أو بقضاء حوائجهم ، أو مساعدتهم مالياً... إلى غير ذلك مما يصدق عليه أنه معونة.. وإن لم ينص الشارع على مصداق أو كيفية بالخصوص .

وكذا لو أمره باحترام الوالدين ، فيمكن أن يجسّد ذلك في ضمن المصداق الذي هو الوقوف لهما حين قدومهم ، وبإجلاسهما في صدر المجلس ، وبالجلوس بين أيديهما في حالة الخضوع والتأدّب ، وبعدم التقدّم عليهما في المشي وفي المجالس ، وبتقبيل أيديهم ، وبغير ذلك من اُمور .

وكذا الحال.. لو صدر الأمر باحترام النبي ومحبّته ، وتعظيمه وإجلاله وتوقيره ، مع عدم التحديد المانع من الأغيار في نوع بخصوصه ، فبإمكان المكلف أن يختار ما شاء من المصاديق التي تنطبق عليها تلك العناوين ، ولا يكون ذلك بدعة ، ولا إدخالاً لِما ليس من الدين في الدين .

فيمكن تعظيمه (صلى الله عليه وآله) ، وتوقيره وتبجيله ، بإقامة الذكريات له ، ويمكن أن يكون بنشر كراماته وفضائل ه ، وبالصلاة والتسليم عليه كلّما ذُكر ، وبتأليف الكتب عن حياته الشريفة ، وبإطلاق اسمه على الجامعات والمعاهد وغيره ، وبغير ذلك من مصاديق التعظيم والتبجيل ، والالتزام بالوقت المخصوص لا حرج فيه ما دام أنه لا يعتبر من الدين ، كما لا يعتبر توقيت درس الفقه مثلاً بكونه بعد صلاة المغرب والعشاء ، كما يعترف به هؤلاء وينصحون به(1) إدخالاً في الدين ما ليس منه .

وهكذا يقال بالنسبة لِما ورد من الحثّ على البكاء على الإمام الحسين (عليه الصلاة والسّلام) والتحزّن لِما أصابه وصحبه الأبرار ، حيث يترك أمر اختيار الكيفية والوقت إلى المكلفين .

ــــــــــــــــ

(1) الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / 67.

الصفحة (35)

 السنّة الحسنة والسنّة السيّئة

بقي أن نشير إلى أنّ الاستدلال على مشروعية عمل المولد بأنه سنّة حسنة ، وقد قال (صلّى الله عليه وآله) : (( مَن سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر مَن عمل بها ... ))(1) .

في غير محله أيضاً ؛ وذلك لأنّ مورد الرواية ـ حسبما يقولون ـ هو التصدّق على أولئك الذين جاؤوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) بحالة يرثى لها ، فخطب (صلى الله عليه وآله) الناس وحثّهم على الصدقة ، فجاء أنصاري بصرّة ، ثمّ تتابع الناس بعده ، فقال (صلى الله عليه وآله) : (( مَن سنّ سنّة حسنة .... ))(2) .

فمعنى ذلك أنّ مورد الرواية هو تعيين المورد والمصداق للنصّ الشرعي المتعلّق بالعنوان العام ، حسبما تقدّمت الإشارة إليه ، وليس موردها ما لا نصّ فيه أصلاً .

هذا كله ، عدا عن أنّ ما نحن فيه ليس من السنّة التي معناها الإدخال في الشرع ، بل هو من الاُمور المباحة كما تقدّم .

 الذكريات عبادة لصاحب الذكرى

واستدلّوا أيضاً على حرمة الموالد والذكريات للأولياء بأنها نوع من العبادة لهم وتعظيمهم.

ونقول : إنّ ابن تيمية قد خلط بين العبادة والتعظيم ، وصار يكفّر الناس استناداً إلى ذلك ، ونحن نعرض الفرق بينهما ليتضح زيف هذا الكلام ، فنقول : قال السّيد الأمين رحمه الله تعالى : العبادة بمعناها اللغوي ، الذي هو مطلق الذل والخضوع والانقياد ، ليست شركاً ولا كفراً قطعاً ، وإلاّ لزم كفر الناس جميعاً من لدن آدم إلى يومنا هذا ؛ لأن العبادة بمعنى الطاعة والخضوع لا يخلو منها أحد ، فيلزم كفر المملوك ، والزوجة ، والولد ، والخادم ، والأجير ، والرعية ، والجنود بإطاعتهم وخضوعهم للمولى ، والزوج ، والأب ، والمخدوم ، والمستأجر ، والملك ، الاُمراء ، وجميع الخلق لإطاعتهم بعضهم بعض. بل كفر الأنبياء لإطاعتهم آبائهم وخضوعهم لهم ، وقد أوجب الله طاعة أوامر الأبوين ، وخفض جناح الذلّ لهم ، وقال لرسوله (صلّى الله عليه وآله) : ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ) . وأمر بتعزير النبي (صلّى الله عليه وآله) وتوقيره ، وأمر بإطاعة الزوجة لزوجها ، وأوجب طاعة العبيد لمواليهم وسمّاهم عبيد.

ــــــــــــــــــــــــ

(1) نقل هذا الاستدلال في القول الفصل / 43ـ44 ، عن محمد بن علوي المالكي في مقدمته لطبقة مولد ابن الديبع / 13 ، وفي رسالته حول الاحتفال بالمولد النبوي / 18 وفي مقدمته للمورد المروي / 17.
(2) راجع صحيح مسلم 3 / 87 ، والسنن الكبرى 4 / 175و176وسنن النسائي 5 / 75ـ77 ، ومسند أحمد 4 / 359و360و361 ، والزهد والرقائق / 513ـ514 ، والمسند للحميدي 2 / 352ـ353 ، والمعتصر من المختصر 2 / 251ـ252.
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث