الصفحة (36)
وأطلق على
المعاصي أنه عبد الشيطان وعبد الهوى ، وأنّ الإنسان عبد الشهوات
، إلى غير ذلك مما لا مجال له.
ولا ريب في أنّ هذه الاُمور التي هي طاعة وخضوع ، وكذلك ما أشير إليه
من تسمية ما ذكر عبادة ، لا يوجب الكفر
والارتداد وإلاّ لم يسلم منه أحد ، والضرورة قاضية
بخلافه ، والسجود هو منتهى التذلل والخضوع ، فقد يكون
حراماً إذا كان على نحو العبادة للشخص
.
وقد لا يكون
كذلك مثل أمر الله الملائكة بالسجود لآدم ، وسجود يعقوب وزوجته
وبنيه ليوسف ، كما أخبر عن ذلك القرآن الكريم ، فدلّ
ذلك على أنّ السجود ليس موجباً للكفر والشرك
مطلقاً ليكون نظير اتخاذ شريك للباري ، وإلاّ لم يأمر الله به ملائكته
، ولا حكاه عن أنبيائه وغيرهم
.
وعلم من ذلك
أيضاً أنّ مطلق الخضوع والتعظيم ، حتّى السجود لغير
الله ، ليس في نفسه شركاً وكفر حتّى ولو أطلق عليه اسم
العبادة لغة ؛ إذ ليس كل ما يطلق عليه اسم
العبادة يوجب الكفر والشرك ، إلاّ إذا دلّ على تحريمه ، مثل السجود
الذي اتفقت كلمة المسلمين على تحريم ما كان منه لغير
الله سبحانه .
ونسوق هنا
مثالاً آخر ، وهو أنه قد أطلق لفظ العبادة على الدعاء ،
قال تعالى
:
( ادْعُونِي
أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي )(1)
. وعنه (صلّى الله عليه وآله) :
(( الدعاء مخُّ
العبادة )) .
والمراد
بالدعاء ليس مطلق أن ينادي الإنسان شخصاً ما ، وإلاّ لكان كل مَن نادى
أحداً
فقد عَبَده ، بل المراد سؤال الله تعالى الحاجة مع
الخضوع والتذلل ، واعتباره الفاعل المختار ,
والمالك الحقيقي لاُمور الدنيا والآخرة
.
وأمّا ما
ورد :
(( مَن أصغى إلى ناطق فقد
عبده ، فإن كان ينطق عن الله فقد عبد الله ، وإن كان
ينطق عن غير الله فقد عبد غير الله
)) . فهو من باب التنزيل
والادّعاء ليس إلاّ .
والخلاصة :
إنّ ما يترتب عليه الكفر ، أو الشرك ليس هو التعظيم ،
ومطلق التعظيم ليس عبادة
.
وإنما الذي
يترتب عليه الكفر والشرك هو الخضوع والانقياد الخاص ، والذي صرّح
الشارع
بالنهي عنه ، أو كان معه اعتقاد أنّ غير الله هو
المالك المختار الذي بيده مقاليد كل شيء أوّلاً
وبالذات .
وعليه فكل
ما لم يكن كذلك من مصاديق التعظيم لم يكن عبادة ، فضلاً عن
أن يكون عبادة محرمة ، بل قد
يكون تعظيماً مباحاً مثل الانحناء ، ورفع الجندي يده لقائده ، ورفع
القبعة عند الإفرنج ، وحتى السجود أحياناً ، وقد يكون
تعظيماً مطلوباً مثل تعظيم الحجر الأسود
بتقبيله ، وكذا تعظيم الكعبة ، وتعظيم النبي والإمام ، والوالدين ،
والعلماء وغير ذلك(2)
.
وتعظيم النبي
(صلّى الله عليه وآله) مطلوب ومحبوب لله سبحانه ، وقد كان المسلمون
يعظّمون النبي (صلّى الله عليه وآله) غاية التعظيم ،
حتّى أنهم كانوا لا يحدّون النظر إليه تعظيماً له(3)
.
ـــــــــــــ
(1)
سورة غافر / 60 .
(2)
كشف الارتياب / 103 ـ 106 بتصرف وتلخيص .
(3)
البحار 1 / 32 عن الشفاء
ـ لعياض .
الصفحة (37)
وكتاب
التبرّك (تبرّك الصحابة والتابعين بآثار الأنبياء والصالحين) للعالم
العلاّمة
الشيخ على الأحمدي حفظه الله لخَير شاهد وأوفى دليل
على شدّة تعظيم الصحابة له (صلى الله عليه
وآله) ، وكذلك على تعظيم العلماء والصلحاء . ولسنا بحاجة إلى إثبات
لزوم تعظيم النبي(صلّى الله عليه وآله)، ويكفي
أن نشير هنا إلى قوله تعالى
:
( لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرّسُولِ
بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً )(1)
.
وقوله تعالى
:
( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ
تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ وَلاَ تَجْهَرُوا
لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ )(2)
.
بل إذا كان
يجب احترام كل مؤمن وتعظيمه ، انطلاقاً مما ورد في الحديث من
((
أنّ المؤمن
أعظم حرمة من الكعبة ))(3)
، ولزوم تعظيم الكعبة وتكريمها أظهر من الشمس وأبين من الأمس.. فكيف يكون
الحال
بالنسبة لسيّد الخلق أجمعين وأفضل كل ولد آدم على
الإطلاق من الأوّلين والآخرين ، فهل يكون
تعظيمه وتوقيره واحترامه عبادة له وحراماً شرعاً ؟!
معاذ الله ...
كبرت كلمة تخرج من أفواههم .
والضحى
والليل إذا سجى
وبالنسبة
لتعظيم خصوص ليلة مولده (صلّى الله عليه وآله) وليلة المعراج ، نوردها
هنا نصّاً يشير إلى هذا
التعظيم من قِبَل الله سبحانه ، فقد قال الحلبي وغيره
: وقد أقسم الله بليلة مولده في قوله تعالى
: والضحى والليل .
وقيل : المراد ليلة
الإسراء . ولا مانع أن يكون الأقسام وقع بهم ، أي
استعمل الليل فيهما(4)
.
وفي بعض
المصادر : إنّ المراد بالضحى هو الساعة التي خرّ فيها السّحرة سُجّد
، وبالليل ليلة المعراج
.
وعن الصادق
(عليه السلام) ، وقتادة ، ومقاتل
: (( إنّ
المراد بالضحى الضحى الذي كلّم الله فيه
موسى ، وبالليل ليلة المعراج ))(5)
.
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
سورة النور / 63 .
(2)
سورة الحجرات / 2 .
(3)
الجامع الصحيح للترمذي 4 / 378 ، وسنن ابن ماجة 2 / 297 ، وراجع المصنف
لعبد
الرزاق 5 / 139 ، وكشف الارتياب / 446 ـ 477 .
(4)
راجع السيرة الحلبيّة 1 / 58 ، والسيرة النبويّة لدحلان 1 / 21 ، وقد
نبّهني إلى
وجود هذا النص في السيرة الحلبيّة أحد الفضلاء من الإخوة ، فنشكره على
ذلك .
(5)
فتح القدير 5 / 457 ، وراجع المصادر التالية : الجامع لأحكام القرآن
للقرطبي 2 / 91 ، والتفسير الكبير للرازي 31 / 208 ، وراجع / 109 ،
وغرائب القرآن للنيسابوري
، بهامش
الطبري 30 / 107 ، والكشّاف للزمخشري 4 / 765 ، ومدرك التنزيل للنسقي ،
بهامش تفسير
الخازن 4 / 385 .
الصفحة (38)
لا
تجعلوا قبري عيداً
وبعد , فإنّ
أهم دليل اعتمد عليه هؤلاء هو الرواية المنسوبة إلى النبي الأكرم
(صلى الله
عليه وآله) ، والتي تضمّنت النهي عن جعل قبره (صلى
الله عليه وآله) عيد.
وقد قال
الحافظ المنذري : يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبره
(صلّى الله عليه وآله) ، وأن
لا يهمل حتّى يكون كالعيد الذي لا يؤتى في العام إلاّ
مرتين .
قال :
ويؤيّده قوله :
(( لا تجعلوا
بيوتكم قبوراً )) . أي لا
تتركوا الصلاة فيها حتّى تجعلوها كالقبور التي يصلّى
فيها(1)
.
ونحن وإن
كنّا نحتمل المعنى الذي ذكره المنذري ، إلاّ أنّ ما جعله مؤيّد لا يصلح
للتأييد ، إذ إنّ الظاهر هو أنّ هذه الفقرة في صدر
بيان كراهة جعل القبور في بيوتهم. وإنّ دفن
النبي (صلّى الله عليه وآله) في بيت ابنته فاطمة(2)
إنما كان لمصلحة خاصة اقتضت ذلك
، فليس لهم أن يتخذوا ذلك
مؤشّراً على رجحان الدفن في البيوت ؛ وذلك لأن للأنبياء خصوصية ليست
لغيرهم ، وهي أنهم يدفنون حيث يقبضون(3)
.
فلا يصحّ ما
ذكروه من أنه (صلّى الله عليه وآله) لم يدفن في الصحراء ، لئلاّ يصلّى
عند قبره
، ويتخذ مسجداً فيتخذ قبره
وثناً(4)
.
وذلك لِما
قدّمناه من الرواية المقتضية للخصوصية.. هذا بالإضافة إلى أنّ دفنه في
بيته
أدعى لأن يتخذ مسجد ، خصوصاً وأنه متّصل بالمسجد
النبوي ، ولو كان في الصحراء لأمكن المنع بصورة
أسهل ... وقد منع عمر من الصلاة عند شجرة بيعة الرضوان ، فامتنع الناس
، ولذلك نظائر اُخرى(5)
.
وأمّا
بالنسبة لفقرة : ( لا تتخذوا قبري عيداً ) . فيحتمل قوي أن يكون المراد
أنّ اجتماعهم عند قبره (صلّى
الله عليه وآله) ينبغي أن يكون مصحوباً بالخشوع والتأمّل والاعتبار ،
حسبما يناسب حرمته واحترامه(صلّى الله عليه
وآله)، فإن حرمته ميتاً كحرمته حي.. فلا يكون ذلك مصحوباً باللهو
واللعب والغفلة والمزاح ، وغير ذلك مما اعتادوه
في أعيادهم .
ولعلّ هذا
هو مراد السبكي
حينما قال : ويحتمل لا تتخذوه كالعيد في الزينة
والاجتماع وغير ذلك ، بل لا يؤتى إلاّ للزيارة
والسّلام والدعاء(6)
.
أمّا الرقص
والغناء وغير ذلك من المحرمات ، فهي من الاُمور الممنوع عنها من الأساس
فلا
يبقى مجال للإشكال به ، حسبما ورد في كلام ابن الحاج
وابن تيمية .
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
كشف الارتياب / 449عن السمهودي ،
والصارم المنكي / 297 ، وراجع / 300 ، وعون المعبود 6 هامش / 31 ـ 32 ،
وشفاء السقام / 67 ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيِّين / 122 ، وزيارة
القبور الشرعية والشركية / 15 .
(2)
لقد نشرنا مقالاً أثبتنا فيه أنه (صلّى الله عليه وآله) دفن في بيت
فاطمة لا في بيت عائشة فراجع
كتابنا دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ج1.
(3)
مقدمة شفاء السقام / 125ـ126والتوسل بالنبي وجهلة
الوهابيِّين .
(4)
راجع : مقدمة شفاء السقام ، المسمّاة : تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد /
118 ،
والصارم المنكي / 261ـ262 ، والتوسل بالنبي وجهلة الوهابيِّين / 151
.
(5)
راجع الدر المنثور 6 / 73 ، عن مصنف ابن أبي شيبة ، وتاريخ عمر بن
الخطاب لابن الجوزي / 144و145 ، السيرة الحلبية3 / 25 ، وفتح الباري 1
/ 469
، و7 / 345 ، وإرشاد
الساري 6 / 350 ، وطبقات ابن سعد 2 ، قسم 1 / 73 ، وشرح النهج للمعتزلي
1 / 178
، وراجع
الغدير 6 / 146و147 عن مَن تقدم وعن غيره ، وكذا كتاب التبرك / 226ـ235
عن مَن تقدم
وغيره .
(6)
كشف الارتياب / 449 عن السمهودي في وفاء الوفاء , وشفاء السقام / 67 ،
والتوسل بالنبي
وجهلة الوهابيِّين / 122 ، والصارم المنكي / 297 .
الصفحة (39)
وأمّا قوله
(صلّى الله عليه وآله) : (( وصلّوا عليّ
حيث ما كنتم )) . فهو بيان
لأمر ثالث آخر ، وهو : إنّ الصلاة على
النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يجب أن يراعى فيها
الحضور عنده ، بل هي تصله عن بُعد ، كما تصله عن قرب.
وأمّا
احتمال أن يكون المعنى لقوله :
(( لا
تتخذوا قبري عيداً )) .
لا تتخذوا له وقتاً
مخصوصاً(1)
، فهو بعيد عن سياق الكلام وعن
ظاهره ، بل يكون أشبه
بالأحاجي والألغاز ، كما ذكره البعض(2)
.
وبعد كل ما
تقدّم ، وبعد أن كان الظاهر من العبارة هو المعنى الذي أشرنا إليه
، مع احتمال أن يكون كلام
المنذري أيضاً مراد ... فلا تبقى الرواية صالحة للاستدلال بها
على المنع من الاجتماعات ، وإقامة الموالد والذكريات
والدعاء والزيارة في أوقات معيّنة ، كما يريد
ابن تيمية وأتباعه إثباته.. إذ يكفي لردّ الاستدلال ورود الاحتمال
العقلائي فيه ، فكيف إذا كان هذا الاحتمال من القوة
بحيث يصير صالحاً لأن يدّعى أنه هو الظاهر من
الرواية دون سواه ؟
ولو سلّمنا
أنّ احتمال إرادة المنع عن الموالد والذكريات
والاجتماعات وارد في الرواية ، فإنها لا أقل تصير
مجملة لا ظهور فيها ، فتسقط عن صلاحيتها
للاستدلال به .
هذا كلّه
بالإضافة إلى أنّ الرواية خاصة بالتجمّع عند
القبور ، فلا أطلق فيها بالنسبة إلى غيرها من المواضع
، ولعلّ لقبر النبي (صلّى الله عليه وآله)
خصوصية في المقام ، وهي : أنه يمكن أن يؤدي بهم
الأمر إلى نحو من العبادة له ، فمنع الشارع من التجمّع
عنده احتياطاً لذلك ، بخلاف قبر غيره (صلّى الله عليه
وآله) ، فإن احتمال ذلك أبعد
.
الرواية
عن السجاد (عليه السّلام) ، وابن عمّه
وأمّا
بالنسبة للرواية المنسوبة للإمام السجاد (عليه السلام) ، وقريب منها
الرواية
المنسوبة لحسن بن الحسن والتي مفادها : أنه
(عليه السلام) حينما لاحظ ذلك الرجل
يأتي كل غداة فيزور قبر النبي (صلّى الله عليه وآله)
ويصلّي عليه حدّثه (عليه السّلام) عن النبي (صلى
الله عليه وآله) أنه قال : ((
لا تجعلوا قبري عيداً ، ولا تجعلوا
بيوتكم قبوراً ، وصلّوا
عليّ وسلّموا حيثما كنتم , فسيبلغني سلامكم
وصلاتكم ))(4)
.
فإنّ هذه
الرواية ظاهرة في أنه (عليه الصلاة والسلام) عندما لاحظ أنّ ذلك الرجل
قد ألزم
نفسه بأمر شاق ، وهو المجيء يومياً للصلاة عليه (صلى
الله عليه وآله) وزيارته ، فأراد
(عليه السّلام) التخفيف عنه ، وإفهامه
أنّ بإمكانه الصلاة والتسليم عليه (صلى الله عليه
وآله) حيثما كان ، فسيبلغه ذلك ، فلا داعي لإلزام نفسه
بما فيه كلفة ومشقّة ، ولم ينهه عن الصلاة
والدعاء عند قبره (صلى الله عليه وآله)(5)
.
وعلى ذلك
يحمل ما ورد عن حسن بن حسن أيضاً
.
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
المصادر
المتقدّمة .
(2)
راجع عون المعبود 6 / 31ـ32 ، وراجع الصارم المنكي / 279 .
(3)
قد تقدّمت مصادر الرواية من ضمن مصادر أبي داود عن أبي هريرة : لا
تتخذوا قبري
عيداً .
(4)
أشار إلى ذلك أيضاً في شفاء السقام / 66 ، والصارم المنكي / 281 ـ 198
.
الصفحة (40)
وأمّا ما
ذكره البعض من أنّ مراده (عليه السّلام) أنّ قصد القبر للدعاء ونحوه
اتخاذ له
عيد.. كما أنّ حسن بن حسن شيخ أهل بيته (على حدّ تعبير
هذا البعض) قد كره للرجل أن يقصد القبر للسلام
عليه ونحوه عند دخول المسجد ، ورأى أنّ ذلك من اتخاذه عيداً ... إلى
أن قال : ... والعيد إذا جعل اسماً للمكان ، فهو
المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه
للعبادة عنده ، أو لغير العبادة كما أنّ المسجد الحرام ، ومنى ،
ومزدلفة ، وعرفة ، جعلها الله عيداً مثابة
للناس ، يجتمعون فيها وينتابونها للدعاء والذكر والنسك(1)
.
أمّا ما
تقدّم فإنه لا ينسجم مع سياق الحديث ، وما ذكرناه هو الظاهر منه
، ولا أقل هو محتمل بحيث يبطل
به الاستدلال , حسبما أوضحناه فيما سبق بالنسبة لخصوص فقرة : لا
تجعلوا قبري عيداً . وأمّا بالنسبة لِما أراده الإمام
السّجاد (عليه السّلام) ، فإنّ ما ذكرناه آنفاً
الظاهر الذي لا محيص عنه.
هذا
بالإضافة إلى ما أشرنا إليه سابقاً من أنّ ذلك لا يدلّ على عدم جواز
عمل
الموالد والذكريات
.
المعاصي
في المناسبات دليل المنع
ونحن لا
ننكر أنّ ارتكاب أيّ من المعاصي لا يجوز ، ولكن عدم جواز
ذلك لا يختص بالاحتفالات بل حرمتها مطلقة ، ولا يلزم
من تحريمها تحريم إقامة الذكريات والمواسم
والاحتفالات ، بل لا يمكن أن تكون هذه محكومة بالحلّية وتلك بالحرمة
ولا ملازمة بينهما ؛ إذ يمكن إقامة الاحتفالات
من دون تعرّض للمعاصي إطلاقاً ، كما هو معلوم
ومشاهد ، وإلاّ فلو استغلّت الصلاة لخداع الناس مثلاً فهل تكون الصلاة
محرمة مطلقاً ، أم أنّ المحرم هو الخصوص هذا
الذي يضاف إلى الصلاة ويجب الابتعاد عنه وتركه ؟!
هذا كلّه
عدا عن أنّ بعض ما ذكروه مما يفعل في المولد ؛ إمّا ليس حراما
، وإمّا محل الخلاف. وإن كان
بعضه لا شكّ في تحريمه .
إحياء
سنن الجاهليّة
وأمّا أنّ هذه
المواسم إحياءً لسنن الجاهلية فهو أوّل الكلام ، فلا بد من إثباته
؛ وأمّا أنها إماتة لشرائع
الإسلام من القلوب ، فالقائل بجوازها يقول بعكس ذلك تماماً ، أي إنه
يقول : إنها إحياء لشرائع الإسلام في القلوب ، ولا
سيّما ما فيه تذكر للنبي ولأعماله العظيمة ،
وللإنجازات الكبرى للإسلام وللمسلمين
.
ـــــــــــــ
(1)
راجع : الصارم المنكي / 298 عن ابن تيمية .
وقد تقدّم بعض ما يشير إلى ذلك في ضمن ما نقلناه من استدلالاتهم في
الفصل السابق .
الصفحة (41)
ولو كان في
هذه الاحتفالات هذا المحذور بسبب ما يحدث فيه من الفرح واللهو
والانصراف عن التفكر في الله وفي دينه وشرعه , لوجب
تحريم كل ما فيه هذه الخصوصية حتّى الزواج ،
وملاعبة الأطفال ، والتجارة ....إلخ ؛ فإن ذلك أيضاً فيه انصراف وإلهاء
عن التفكير في الله وشرعه وأحكامه . بل هذه
الاُمور أدعى لذلك لِما فيها من الاستمرار
والتكرار لذلك ، بخلاف المواسم والاحتفالات والزيارات والأعياد فإنها
قليلة جداً بالنسبة لِما ذكرناه وأشباهه
.
مانعية
الاختلاف في المولد
وأمّا أنّ
الاختلاف في مولده (صلّى الله عليه وآله) يوجب عدم جواز اتخاذ يوم
مولده عيد فهو عجيب بل
وأعجب من عجيب ، بل إنّ معنى ذلك هو أنّ الاختلاف في
يوم عرفة مثلاً ، أو في أوّل شهر رمضان ، أو في
أوّل شوال بسبب الاختلاف في رؤية الهلال وعدمها يوجب عدم جواز الوقوف
في عرفة ، وصوم أوّل الشهر وإفطاره
.
كما أنّ
الاختلاف الحاصل في أكثر المسائل الفقهية
يوجب الحكم بالحرمة فيها . ولا أدري لماذا نشأت الحرمة
عن ذلك ، ولم ينشأ غيرها من الأحكام ؟! وكذلك
الحال بالنسبة للاختلاف في ليلة القدر ، كذلك الاختلاف في أوّل ما
نزل من القرآن فإنه ينبغي أن يوجب حرمة قراءة ما اختلف
فيه في الصلاة ، وكذلك ما اختلف في كونه مكّياً
أو مدنياً ، أو في السفر أو الحضر ، أو أنه نزل في شأن فلان أو فلان
الآخر ، وهكذا.
أضف إلى ذلك
أنّ من المعروف عند جميع الفقهاء والمتشرعة أنّ ما يقع فيه
الاختلاف ، مما كان من هذا القبيل ، يمكن أن يؤتى به
برجاء إدراك الواقع .
هذا كلّه
عدا عن أنّ القائل بجواز إقامة الاحتفالات لا يدّعي أنها جزء من الدين
، فلا بد من مراعاة خصوصياتها
لذلك ، بل هو يقول : إنها من جملة الأشياء التي بقيت على
الإباحة ، حيث لم يرد فيها نهي ، فمَن شاء فعله ومَن
شاء تركه ، من دون أن يكون كل من الفعل أو
الترك ذا صفة تعبّدية إطلاقاً ، فتكون كسائر حركات الإنسان وأفعاله
التي لم يرد فيها ما يوجب ترجيح ، أو تقبيح
.
عدم
الدليل العقلي والشرعي
وأمّا
الاستدلال بأنّ ذلك لم يرد به عقل ولا شرع فقد تقدّم آنفاً الجواب عنه
، وأنّ مَن يدّعي المنع هو
الذي يحتاج إلى الدليل ؛ وأمّا الآخرون فهم لا يدّعون أنّ ذلك ـ أعني
الاحتفالات والموالد ، ونحوها ـ من الشرع حتّى يحتاجوا
إلى الدليل المثبت لكونه قد ورد فيه تشريع
بخصوصه .
كما أنهم لا
يدّعون كونها من الأحكام العقلية التي لا مفرّ منها
ولا محيص عنه ، بل هم يدّعون عدم وجود مانع عقلي ولا
شرعي منه ، وإنما هي باقية على الإباحة حتّى
يثبت الرادع أو المعين لأحد الأحكام الاُخرى . هذا كلّه عدا عن أنّ في
هذه المناسبات والمواسم من الفوائد ما يجعلها راجحة
عقلاً إذا خلت من ارتكاب المعاصي ، أضف إلى ذلك
أنّ ثمّة بعض الشواهد والدلائل التي تفيد مشروعية هذه
المناسبات والاحتفالات
.
بعضها ناظر
إلى خصوص بعض المواسم ، وبعضها الآخر له صفة الإطلاق
والعموم أو الخصوص اللفظي ، مع ملاحظة عموم العلة
وخصوصها كما سنرى.
الصفحة (42)
إيهام
المشروعيّة
وأمّا
الاستدلال على عدم مشروعية المواسم ، بأن الناس العاديين
يتوهّمون مشروعيتها فيرد عليه
:
أوّلاً
:
إنها لا توهم ذلك ؛ لأن الكل يعلم أنها
من باب التكريم والتعظيم ،
ولا يتوهّم أحد صدور أمر خاص به ، وبما لها من
العنوان ، وإنما يعتبرونها من قبيل الاحتفال بولادة
ولد ، أو قدوم عزيز .
ثانياً
:
لو سلّم ، فإن ذلك لا يجعلها بدعة ، ولا
يلزمنا دفع الوهم المذكور إلاّ كما
يلزمنا تعليم أي جاهل .. ولو أوجب الوهم المذكور
صيرورتها بدعة لأوجبت هذه الأوهام تحريم كثير
من المستحبّات والمباحات ، أو استحباب أو إباحة كثير من المحرمات ، نحو
ذلك . إذ قد يتوهّم من المداومة على بعض النوافل مثلاً
وجوبها ، فهل تصبح من أجل ذلك بدعة محرمة ، أم
أنّ على الجاهل أن يتعلم ، وعلى العالم أن يعلمه بالطرق
العادية والمألوفة ؟!
التخفيف
عن الاُمّة والتعظيم بالوجه الشرعي
وأمّا حكاية
أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أراد التخفيف عن أمّته فلم يلزمها
بالمواسم والموالد
، فقد تقدّم وسيأتي أنّ الشارع
قد طلبها بعنوانها العام ، ولا أقل من أنها من الاُمور المباحة
التي لا مانع منها شرعاً ولا عقلاً
.
وأمّا قولهم
: التعظيم لا بدّ وأن يكون بالوجه الشرعي ... فلا يختلف
فيه عن سابقه
.
وليراجع
الوجهان اللذان ذكرناهما حين الكلام على تقسيمات البدعة ليتضح فساد ما
ذكر هنا
.
مشابهة
النصارى
وأمّا
الحديث أنّ في ذلك مشابهة للنصارى في أعيادهم الزمانيّة
والمكانيّة , فيكفي أن نذكر : أنّ عيد الفطر وعيد
الأضحى يشبهان الأعياد الزمانيّة للنصارى أيضاً
، كما أنّ الحج مثلاً ـ حسب
تفسيرهم للعيد ـ يشبه أعيادهم المكانيّة بالإضافة إلى سائر أيّام عيد
الأضحى ، فينبغي أن يصبح عيد الفطر والأضحى محرّمين
وكذلك الحج ، حسب ما يقتضيه الدليل المذكور
.
كما وينبغي
تحريم بناء المساجد ، بل وتحريم الاجتماع فيها للصلاة ؛ لأنه يشبه
تجمّع النصارى في كنائسهم , كذلك ينبغي تحريم الأكل
والشرب , ولبس الثياب , وركوب الدابة , إلى غير
ذلك .
وأيضاً فإن
المشابهة للنصارى ، إن كانت في اُمور تقتضيها طبيعة البشر وحياتهم
وتعاملهم العادي والطبيعي فلا مانع منه ، وإن كانت
نتيجة لتشريع إلهي يتحرّى مصلحة البشر وسعادتهم
فلا مانع من ذلك أيضاً .
الصفحة (43)
وأمّا إذا
كانت نتيجة اجتهاد بشري في مقابل التشريع الإلهي ، بهدف إبطال الشرع
والدين ، أو بهدف الزيادة أو إحداث النقص فيه فذلك هو
الذنب ، وتلك هي الجريمة بعينها ، ولكن ما نحن
فيه إنما هو من القسم الأوّل ، بل ومن القسم الثاني كما سيتضح
، لا من القسم الأخير
.
يوم
ولادته ... يوم موته (صلّى الله عليه وآله)
قال أبو بكر
جابر الجزائري ـ تبعاً لغيره ـ حول إعلان الفرح بمولده
الشريف : .. وإن كان باليوم الذي ولد فيه ، فإنه أيضاً
اليوم الذي مات فيه ، ولا أحسب عاقلاً يقيم
احتفال فرح وسرور باليوم الذي مات فيه حبيبه.. إلى أن قال : أضف
إلى ذلك أنّ الفطرة قاضية أنّ الإنسان يفرح بالمولود
يوم ولادته ويحزن عليه يوم موته ، فسبحان الله
، كيف يحاول الإنسان غروراً تغيير الطبيعة ؟!(1)
.
ونقول : إنه
لم يدّعِ أحد أنه حتّى في يوم الوفاة لا بدّ من الفرح والسرور
، ولا يلزم من قول المجوّزين
للمواسم والذكريات ذلك .
بل هم
يقولون : إنّ كل ذكرى لا بدّ وأن يعمل فيها ما يناسبها ، ولأجل ذلك نجد
الحملة
الشعواء من ابن تيمية ومَن لفّ لفّه على الروافض على
إقامتهم المآتم في عاشوراء ، والأفراح في يوم
الغدير ، ويوم المولد وأشباهه . أضف إلى ذلك أنهم كما يقيمون
الأفراح في مثل يوم مولده ومبعثه (صلى الله عليه وآله)
، كذلك هم يقيمون العزاء والحزن في مثل يوم
وفاته.
وأمّا كون
يوم وفاته هو يوم ولادته فهو ليس مما ينبغي أن يقال هنا ؛ لأن الذكريات
إنما تقام لصاحب الذكرى في كل
عام مرة ، وهذا يتوقّف على الاختلاف في تواريخ الذكريات من
حيث موقعها من الأشهر والأيّام فيه.
ولا تقام في
كل اُسبوع مرة ، بحيث ينشغل الناس بها باستمرار وتختل
أعمالهم وتتأثّر مصالحهم ، حتّى يقال : إنه قد اجتمع
يوم الحزن وهو الوفاة يوم الاثنين ، مع يوم
الفرح وهو يوم الإثنين
.
هذا كلّه
فضلاً عن اعترافه أخيراً بأن الفطرة قاضية بالفرح يوم المولد وبالحزن
يوم
الوفاة ، والناس قد عملوا في هذا الأمر تماماً وفق
مقتضيات الفطرة ، والذين يمنعون من ذلك هم
المخالفون لأحكام الفطرة ولمقتضياته ، كما هو ظاهر للعيان , وليس ما
نحن فيه إلاّ أدلّ دليل على ذلك.
موقف
السلف من الأعياد والمواسم
وأمّا ما
ذكروه من أنّ السلف لم يقيموا هذه المواسم ، ولم يفعلوا شيئاً من هذه
الأعياد ، أو لم ينقل عنهم . فنقول
:
ــــــــــــــــــ
(1)
الإنصاف في ما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / 54ـ55 ، وراجع كلام
الفاكهاني / 85 ، وفي رسالة حسن المقصد للسيوطي ، الموجودة في الحاوي
للفتاوي 1 / 190ـ192 ، والقول الفصل / 51.
الصفحة (44)
1ـ
لسوف يأتي إن شاء الله تعالى أنّ السلف قد احتفلوا ببعض الأعياد
والمواسم غير الفطر والأضحى
، ولكننا نجد هؤلاء الذين يدّعون لأنفسهم التبيعة للسلف لا يعترفون
بتلك الأعياد والمناسبات أيضاً.
وعلى فرض
أنّ السلف لم يفعلوا بعض الاُمور ، ومنها الأعياد غير الفطر والأضحى
، فإنّ عدم فعلهم لا يضرّ ، ما
دام قد انعقد الإجماع بعد ذلك على إقامة هذه المواسم
والأعياد ، ولاسيّما عيد المولد النبوي ، وعمّ ذلك
جميع قطاعات الأمّة صغيرها وكبيرها ، عالِمها
وجاهلها ، رئيسها ومرؤوسها...إلخ . كما تقدّم حين الكلام على أوّل مَن
عمل المولد النبوي (صلى الله عليه وآله)
، وذلك في الفصل الأوّل وبعده .
وقد استمرّ
عمل الناس على هذه المواسم إلى قرب ظهور ابن تيمية الذي أقام الدنيا
وأقعدها ، في إنكاره اُموراً واضحة ، وفي دعاواه
العريضة.
وهم أنفسهم
قد صرّحوا بأن الإجماع معصوم ، وبأنه يمكن انعقاده في كل عصر وزمان
، ويكون حجة.
بل لقد
صرّحوا بأن الإجماع نبوة بعد نبوة ، وليس لهم دليل معصوم سواه
، وقد جعله الله في الشريعة
خلف النبوة ، حيث كان نبيّها خاتم الأنبياء لا يخلفه نبي ، فجعل اجتماع
أمّته بدلاً من نبوة بعد نبوة(1)
.
نعم ، وقد
انعقد هذا الإجماع أيضاً على إقامة مراسم النيروز ، والمهرجان وكذا عيد
الحجامة ، والختان ، وغير ذلك في العصور الثلاثة الأولى ، ثمّ على
إقامة المولد بعد ذلك .
3ـ
وأمّا بالنسبة لإنكار بعض السلف زيارة القبورـ قبور أئمة أهل
البيت(عليهم السّلام) ـ في
مواسم معيّنة ، لأسباب سياسية ـ كما ظهر من
المنصور والمتوكل ـ ولتعصّبات مذهبية ، إن صلح
هذا دليل ، فإنما يصلح دليلاً لأتباع ذلك البعض
، وهو حجة عليهم ، دون غيرهم من سائر الفرق
والمذاهب الإسلاميّة.
4ـ
أضف إلى ذلك كلّه أنّ آراء السلف وأقوالهم ومواقفهم متناقضة
ومتباينة ، حتّى الصحابة مع
بعضهم البعض في كثير من المسائل ، فما الذي يكون حجة منها ؟ وكيف ؟ مع
أنّه لم ينقل لهم رأي في ذلك. لا ، قد نقل لهم
رأي مخالف بالنسبة للأعياد .
5ـ ولو
سلّم صلاحية منعهم من زيارة القبور للاستدلال به ، فإنما يقتصر على
مورده وهو زيارة القبور
فحسب ، ولا يصلح للاستدلال به على تحريم الاحتفال بعيد الاستقلال
مثلاً .
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
راجع فيما تقدم المنتظم لابن الجوزي 9 / 210
، وبحوث
مع أهل السنّة والسلفية / 27عنه ، عن أبي الوفاء ان عقيل أحد شيوخ
الحنابلة .
وراجع حول
عصمة الإجماع أيضاً كتاب الإلمام 6 / 126 ، والإحكام في اُصول الأحكام
1 / 204و250 ، وحول حجية
الإجماع في كل عصر / 208 ، فما بعده .
وراجع كذلك تهذيب الأسماء
واللغات ، القسم الأوّل 1 / 42 ، وسائر كتب الاُصول الباحثة حول
الإجماع وحجيته على مذاق
أهل السنّة .
الصفحة (45)
6ـ
وأمّا قولهم : إنّ السلف كانوا أكثر حبّاً لرسول الله (صلى الله
عليه وآله) منّا فهو ينافي قول النبي (صلّى الله عليه
وآله) : ((
إنه سيأتي
أقوام يحبّونه أكثر من حبّ أصحابه له ))
. ونقل ذلك أيضاً
عن عمار بن ياسر(1)
.
7ـ
هذا كلّه عدا أنه لا يلزم على السلف أن يعملوا بجميع المباحات ، أو
حتّى بجميع المستحبات
.
8ـ
أضف إلى ذلك : إنّ السلف إذا تأوّلوا ـ خطأ ـ حديث :
(( لا تتخذوا
قبري عيداً )) على
ذلك ، فامتنعوا من عمل الموالد والذكريات. فلو أدركنا
نحن خطأهم في فَهم النص أو في الاستظهار منه
كان لنا مخالفتهم ، بعد أن فرضنا أنّ باب الاجتهاد كان ولا يزال
مفتوح ، حسبما اعترف ابن تيمية الذي حكم بالأجر لمَن
اجتهد في هذا الأمر وأخطأ.
9ـ
أمّا تفسير الآيات القرآنية فقد جاء النص ليؤكّد ويصرّح بأن القرآن
إنما يفهم مع تمادي القرون
والأزمان حيث تتضح مداليله ، وتظهر معالمه . فبعد أن روى ابن المبارك
حديث : ((
إنه ما من آية في كتاب الله إلاّ ولها
ظهر وبطن ، ولكل حد مطلع
)) . قال : سمعت غير واحد في هذا
الحديث : ((
ما في كتاب الله آية إلاّ ولها ظهر وبطن
)) .
يقول : لها
تفسير
ظاهر ، وتفسير خفي ، ولكل حد مطلع. يقول يطلع عليه قوم
فيستعملونه على تلك المعاني ثمّ يذهب ذلك القرن
، فيجيء قرن آخر ، فيطلعون منها على معنى آخر ، فيذهب ما كان عليه مَن
كان قبلهم ، فلا يزال الناس على ذلك إلى يوم
القيامة... إلخ(2)
.
فلا معنى
إذاً لحصر فَهم الآيات القرآنية والنصوص النبويّة التي فيها أيضاً
المحكم
والمتشابه , والعام والخاص...إلخ كالقرآن , لا وجه
لحصر فهمهما بطائفة دون طائفة , ولا بفريق دون
فريق ؛ فكل مَن فهم من القرآن أمراً صحيحاً جديداً تعيّن عليه أن يلتزم
به ويعمل بما فهم .
وكم قد ترك
الأوّل للآخر ... وكم من التفريعات الفقهية والتي تنبّه
إليها المتأخرون ولم يذكرها السلف ، ولا أشار إليها
ولا خطرت لهم على بال ، ولا احتاجوا إليها
إطلاقاً .
10ـ
هذا كلّه عدا ما تقدّم ، من أنّ المانع هو الذي يحتاج إلى الدليل
؛ وأمّا الآخرون فلا يدّعون
أنّ ذلك جزءاً من الشريعة ، ليصح الاحتجاج عليهم بفعل السلف ، أو بعدم
فعلهم .
11ـ وبعد
، فلو كان عمل السلف حجة لدخل الكثير مما ليس من الدين في
الدين ، وذلك من قبيل ما أحدثه الاُمويّون في أيّام
عاشوراء ، ولم يتجرّأ السلف على معارضتهم ، بل
اضطرّوا إلى مجاراتهم ، فهل يكون عمل السلف هذا حجة على مَن بعدهم ؟!
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
راجع : مجمع الزوائد 10 / 66
، عن أحمد والبزّار
والطبراني ، عن أبي ذر وأبي هريرة ، عنه (صلّى الله عليه وآله) ، وعن
عمار بن ياسر ، وكنز العمال 2 / 374 ، عن
ابن عساكر ، عن أبي هريرة .
(2)
الزهد والرقائق
، قسم ما رواه نعيم بن حماد / 23 ، ولتوضيح ذلك لا
بأس بمراجعة كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه
وآله) 1 / 200 ـ 216 .
الصفحة (46)
ومثل ذلك
كثير في حياة السلف وأعمالهم ومواقفهم ، يشمل سائر الأحوال والأعمال
التي
أرادهم الحكّام عليه ، ولم يمكنهم المخالفة فيها سواء
في عهد الاُمويّين أو العباسيّين
.
12ـ
بل إنّ هؤلاء المانعين أنفسهم يعلّلون إقدام السيوطي على
التأليف في مشروعية المولد بقولهم : وذلك إرضاءً
للعامة والخاصة أيضاً من جهة ، وتبريراً لرضا العلماء به وسكوتهم عنه ؛
لخوفهم من الحاكم والعوام من جهة اُخرى(1)
.
المواسم
والموالد لهدم الإسلام
وأمّا أنّ
هذه المواسم والموالد قد جعلت لهدم الإسلام ، والقضاء على العقيدة
الإسلاميّة ، فهو مصادرة على المطلوب ؛ وذلك لأن مَن
يقيم المولد والموسم يقول : إنّ هذه المواسم
والموالد قد جعلت لأجل إحياء الإسلام ، وتركيز العقيدة الإسلاميّة..
وإذا ما كان هناك مَن يستغل بعض الاُمور
المحللة لاُمور محرمة ، فلا يوجب تحريم الحلال ، كما لم
يوجب ذلك إخراج الواجب عن كونه واجب
؛
فإنّ مَن يحاول أن يخدع الناس عن طريق الصلاة والصوم
والعبادة ، لا يعني ذلك حرمة هذه العبادات .
نعم ، المحرم هو استغلاله لها بهذه الصورة
.
هذا كلّه
عدا ما قدّمناه من أننا نرى أنها داخلة تحت عنوان التعظيم المطلوب
للشارع
.
وأمّا
استدلاله على دعواه بمناصرة أهل الباطل له ، ووقوفهم إلى جنبه ومعه فهو
في
غير محله أيضاً ؛ فإنّ أهل الباطل يحاولون خداع الناس
بإظهارهم التقوى والورع ، وعدم ضدّيتهم مع عقائد الناس وعاداتهم
وأعرافهم ؛ من أجل أن يحصلوا على ما هو أعظم وأهم
بنظرهم , فهذا الاستدلال على ضد مراد المستدل أدل ...
كما هو ظاهر لا يخفى .
عاشوراء..
عيد الشامتين بأهل البيت (عليهم
السّلام)
وإذا أردنا
أن نسلّم بما يقال : من أنّ عمل السلف حجة ، وإن
لم يكن المعصوم داخلاً فيهم ، بل وحتى كفاية عمل عمر
بن عبد العزيز وأمثاله ، ليكون ذلك سنّة ومن
الدين(2)
.
وإذا كان عصر
الصحابة والتابعين هو العصر
الذي تنعقد فيه الإجماعات ،
وتصير حجة وتشريعاً متّبع ، وإذا كان الإجماع معصوماً ونبوة بعد نبوة ،
حسبما يدّعون ، وإذا كان يحلّ لمسلم أن يدّعي
وجود نبوة بعد نبوة خاتم النبيين ، خلافاً لنص
القرآن الكريم :
( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ
رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ )(3)
.
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف / 57 .
(2)
قد تقدّم ما يشير
إلى ذلك حين الكلام على مشروعية
التهنئة في العيد .
(3)
سورة الأحزاب / 40 .
الصفحة (47)
وإذا كان
يجوز طرح القرآن وكل ما قاله النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) لمجرد
أنه انعقد
الإجماع بعد عصر النبي على خلافهم
، إذا جاز كل ذلك فلقد سبّ أمير المؤمنين
(عليه السّلام) على عشرات الألوف من
المنابر في جميع أقطار
العالم الإسلامي ، من قِبَل وعّاظ السلاطين ، طيلة العشرات من السنين
، ومن قِبَل العديد من الصحابة
.
كما أنّ بني
اُميّة وكل أتباعهم ومَن كان تحت سيطرتهم ، ثمّ بعد ذلك بني أيوب
ولمدّة عشرات
السنين ، قد اتخذوا يوم عاشوراء عيد ، وأوّل مَن فعل
ذلك الحجاج برضا وبمرأى ومسمع من
الخليفة عبد الملك بن مروان ، وبمرأى ومسمع من بقايا
الصحابة وجميع التابعين
.
ولم نجد
اعتراضاً من أحد منهم ، ولا من أي من علماء الأمّة وصلحائها ـ باستثناء
أهل البيت (عليهم
السّلام) الذين كانوا يعملون بمبدأ التقية آنئذ ـ لا في تلك الفترة ،
ولا في زمان بني أيوب وبعده
. ولا سيّما وأنهم يروون اُموراً وحوادث عظيمة اتفق وقوعها في هذا
اليوم ، من قبيل : توبة
الله فيه على آدم ، واستواء السفينة على الجودي ، ونحو ذلك(1)
.
وياليتهم
أفتوا بذلك ، بل لقد تعدّوا ذلك إلى الإفتاء بحرمة لعن يزيد
، وعدم جواز تكفيره ، وقالوا :
إنه من جملة المؤمنين(2)
. كما أنّ الجمهور قد خالفوا في جواز
لعنه بالتعيين(3) .
بل يقول
الشبراوي الشافعي ، عن الغزالي ، وابن العربي : فإن
كلاهما قد بالغ في تحريم سبّه
ولعنه ، لكن كلاهما مردود ؛ لأنه مبني على صحة بيعة يزيد لسبقه ، والذي
عليه المحققون خلاف ما قالاه(4)
.
أضف إلى ذلك
: إنّ عمر بن عبد العزيز قد ضرب ذلك الذي وصف يزيد بـ (أمير المؤمنين)
عشرين سوطاً(5)
. كما أنّ الإمام أحمد بن حنبل قد حكم
أيضاً بكفر يزيد
(6) .
ثمّ زادوا في الطنبور نغمة ، فقالوا :
يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل
الحسين وحكاياته . قال ذلك الغزالي وغيره(7)
.
وليس ذلك
ببعيد على مَن لا يرى بأساً بالسكوت حتّى عن لعن إبليس ، كما عن
ابن أبي شريف ، بل قال الرملي : ينبغي لنا أن لا نلعنه(8)
.
ــــــــــــــــــــــــ
(1)
راجع على سبيل المثال :
عجائب المخلوقات ، بهامش حياة
الحيوان 1 / 114 .
(2)
الصواعق المحرقة / 221 ، وإحياء علوم الدين 3 / 125 ، وراجع العواصم من
القواصم ، وهوامشه لترى دفاعهم المستميت عن يزيد لعنه الله
تعالى .
(3)
الإتحاف بحب الأشراف / 62 .
(4)
الإتحاف بحب الأشراف / 68 .
(5)
الصواعق المحرقة / 222 ، وتاريخ الخلفاء / 209 .
(6)
الإتحاف بحب الأشراف / 63و68 .
(7)
الصواعق المحرقة / 221 .
(8)
الإتحاف بحب الأشراف / 67
ـ 68 .
|